يتعلق سؤالي الأول بكتابتكم السلطة الخطرة [*] المشترك مع نعوم تشومسكي. هل بوسعكم إعطاءنا ملخصا مقتضبا لمضمونه؟
يرتكز هذا الكتاب على أيام الحوار الثلاثة بيني وبين تشومسكي مع ما ُيدعى اليوم منظم نقاش، أي شخصا يطرح علينا أسئلة (ستيفان ر. شالوم في حالتنا) ويحاول توجيه النقاش مع تسجيله. وبعد ذلك كان ثمة عمل تدوين وصياغة بناء على التسجيل. انه أمر يتداخل فيه تدوين وتأليف بعناية أكبر، حيث أعاد كلا الكاتبين، تشومسكي من جهته وأنا بدوري، العمل في النصوص فيما بعد. عُرض الكتاب في شكل حوار، ويتناول المسائل الرئيسية للسياسة الراهنة بالشرق الأوسط، مع التأكيد بوجه أخص على دور الولايات المتحدة الأمريكية.
لا شك أن الآراء الواردة في هذا الكتاب مختلفة كثيرا عن الخطاب المألوف حول هذا الموضوع في وسائل الإعلام ذات الطابع التجاري.
طبعا! اعتقد أن تشومسكي في غنى عن تقديم. لقد أصبح إحدى المراجع الرئيسية في التحاليل البديلة، والتشهيرية، رغم أني أفضل تفادي لفظ " تشهير" غير الملائم جدا. لنقل إنه مصدر نقد للكيفية التي تقدم بها وسائل الإعلام الأمور.
كتابات تشومسكي المتعلقة بنقد وسائل الإعلام والسياسة الخارجية للولايات المتحدة معروفة جيدا. الموضوعان مترابطان، لأن نقده لوسائل الإعلام يستند أساسا على كيفية عرض وسائل الإعلام الأمريكية لما تقوم به الحكومة الأمريكية بالخارج. أما أنا فإني كاتب راديكالي مثل تشومسكي. أصلي من الشرق الأوسط. وجلي أن المنظور الذي أقدم حول المنطقة ليس ما نجد في الصحافة الكبيرة. رؤيتي نقدية أكثر، وأشد قطعا. لذا فإن الكتاب نوع من الاستشفاء من التسمم، مع بقائه كتاب إعلاميا حول ما يجري فعلا بالشرق الأوسط، وتصرفات الحكومة الأمريكية بالمنطقة، الخ، أو بالأقل هذا ما نأمل. نسعى إلى مد القارئ بمفاتيح الفهم، واعتقد أن ذلك تمهيد جيد، ونقدي طبعا، لمسالة الشرق الأوسط، ولإشكاليته، و للسياسة الأمريكية في ذلك القسم من العالم.
تحدثت كوندوليزا رايس في لحظة ما عن "الشرق الأوسط الجديد" ما رأيكم بهذه المسألة؟
استعملت رايس هذه الصيغة التعسة إبان حرب لبنان. كانت في الواقع تلمح بوجه الدقة إلى آلام ولادة شرق أوسط جديد. إنها فعلا كيفية كارثية للتعبير وعرض الأمور.
ونجد في تلك الصيغة حتى أصداء للخطاب الاستعماري الشهير:" لا تُحضر عجة بيض دون كسر بيض"، كأن البشر بيض.
وعلى النحو ذاته تعتبر القتلى الألف وخمس مائة بلبنان مثل أوجاع ميلاد شرق أوسط جديد، بينما لم يعد هذا الأخير شيئا جديدا. كانت الحكومة الأمريكية أعلنت، منذ 2004، مشروعها حول "شرق أوسط كبير"، وتغير اسم المشروع مرارا، لكنه ظل مبنيا على فكرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة، وإحلال الديمقراطية والحضارة بها...
إنه خطاب من الطراز الاستعماري يكاد في الواقع لا يخدع أحدا، لأن ناس المنطقة يدركون تماما أنه خطاب منافق كليا. وجلي أن الديمقراطية ليست ما يحرك الولايات المتحدة، إذ كان عليها في هذه الحالة، بدل غزو أراضي الغير، أن تبدأ بإحلال الديمقراطية عند حلفائها بالمنطقة، حيث أن العديد من هؤلاء حالات استبداد حقيقية. إن الأمر أشبه بحالة ديكتاتورية تحاول الكلام باسم الديمقراطية، ليس لأن الولايات المتحدة ديكتاتورية بل لأن حلفاءها بالمنطقة أنظمة دكتاتورية مثل المملكة السعودية، ومصر، والأردن، وغيرها.
هل ستسمح الولايات المتحدة بفقد نفوذها في منطقة مثلت على الدوام أهمية حيوية لمصالحها؟ قد يكون هذا الحافز الرئيسي لتصرفها على نحو ما تفعل حاليا...
ليس بوسعها أن تسمح بفقد النفوذ وحسب، بل تسعى منذ سنوات،علاوة على ذلك، إلى التحكم بالمنطقة. إنها منطقة تقاسمت التحكم بها خلال بضع سنوات مع الفرنسيين والانجليز أولا، ثم مع الاتحاد السوفييتي لا حقا خلال الحرب الباردة. وتسعى اليوم إلى فرض انفرادها بالتحكم بالمنطقة. إننا في عالم "أحادي القطب"، كما يُقال، ويمر هذا بالنسبة للولايات المتحدة عبر التحكم بالشرق الأوسط . ولهذا السبب بالذات تحاول طمس أهدافها بواسطة أساطير وخطابها حول مهمة إحلال الحضارة التي أسلفنا القول بصددها قبيل لحظة، انه نفس خطاب الاستعمار في القرن التاسع عشر.
انتم وتشومسكي لا تولون أهمية كبرى لتأثير "اللوبي اليهودي" في رسم السياسة الأمريكية فيما يتصل بالشرق الأوسط، هذا بالأقل قياسا على مثقفين أمريكيين آخرين مثل جيمس بتراس.
أولا، أنا ارفض تعبير "اللوبي اليهودي"، فالأمر لا يتعلق بـ"لوبي يهودي"، بل بلوبي موال لإسرائيل. زد على ذلك أن ثمة لوبي رسمي موال لإسرائيل متمثل في AIPAC .
هؤلاء يصفون أنفسهم بالموالين لإسرائيل، ويوجد بهذا اللوبي يهود وغير يهود. إن يهودا كثيرين يعارضون سياسة الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي لا يجوز الحديث عن " لوبي يهودي" ، فهذه تسمية عرقية تصبح لها لدى البعض حمولة معادية للسامية. لذا لا استعمل هذا التعبير.
وطبعا لا انفي وجود لوبي موال لإسرائيل، لكننا نرى، أنا وتشومسكي على السواء، أن ليس هذا اللوبي الموالي لإسرائيل من يملي سياسة الولايات المتحدة. يعادل ذلك القول إن الذنب من يحرك الكلب لا العكس.
ثمة خلف سياسات الولايات المتحدة بهذه المنطقة من العالم مصالح ذات وزن أكبر، منها مثلا لوبي المصالح البترولية ذو الأهمية البالغة.
إن اكبر مبالغ ميزان الولايات المتحدة التجاري هي تلك التي تحققها صناعة البترول. ولهذا اللوبي وزن في السياسة الأمريكية أكبر بكثير- لا سيما من منظور مادي- من لوبي مبني على تحالفات و ولاءات "عرقية" أو سياسية أو إيديولوجية.
وفضلا عن ذلك، نرى بوضوح، إذا حللنا التطور التاريخي لعلاقات إسرائيل والولايات المتحدة، أنها شهدت يسرا وعسرا، وأن الولايات المتحدة لم تقم دوما علاقات مميزة مع إسرائيل. بل كانت ثمة لحظات توتر بين البلدين. إن ما يظل محددا من الجانب الأمريكي هو المصالح الأساسية للولايات المتحدة.
ثمة طبعا إدارات تبدي ميلا متفاوتا إلى محاباة إسرائيل، وقد أبانت الإدارة القائمة حاليا، بدوافع مختلفة لا تستبعد الايدولوجيا ووجود المحافظين الجدد .. الخ، عن تأييد خاص لاسرئيل، ولا سيما لشارون.
لكن، إذا تفحصنا كيف تجري الأمور من الجانب ذاته وداخل الأسرة ذاتها، لدى الرئيسين بوش مثلا، نرى أن بوش الأب مر من مرحلة توتر حقيقي مع إسرائيل، مارس خلالها ضغطا فعليا على هذه الدولة. إننا نستخلص، بناء على معرفتنا التاريخية بالعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، أن تفسير سياسة هذه القوة باللوبي الموالي لإسرائيل تبسيطي من جهة و مفضي من جهة ثانية إلى طمس لعبة المصالح الحقيقية.
لا تقوم لعبة المصالح هذه على الإيثار، و لا على دعم إسرائيل أو ما تمثل. إن مصالح بترولية، وليس مجموعة "عرقية" صغيرة - اليهود- من يملي تلك السياسات (اعتقاد أن اليهود هم من يملي تلك السياسات يطابق رؤية للعالم معادية للسامية). لم تصبح إسرائيل جوكرا هاما للولايات المتحدة بالمنطقة إلا منذ سنوات 1960، لما اضطرت للجلاء عن قواعدها بالمملكة السعودية، محولة إسرائيل إلى حليفها المفضل الشهير، بدون مهمة أخرى غير الدفاع عن مصالحها بالمنطقة.
حظيت حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان بدعم كلي من واشنطن، لا بفعل لوبي موال لإسرائيل، بل لان واشنطن تعتبر إيران العقبة الرئيسية بوجه هيمنتها بالمنطقة. وحزب الله والنظام السوري مُعتبران حليفين لطهران. إنها إذن حرب ذات صلة وثيقة بالأهداف الأمريكية. وقد كانت على الأرجح أكثر حروب إسرائيل صلة مباشرة بالمصالح الأمريكية.
كما أُتيح لنا أن نلاحظ كيف دعمت الإدارة الحالية هذه الحرب على نحو أكثر صراحة مما شوهد خلال النزاعات السابقة التي تورطت بها إسرائيل. باختصار لا يبدو لي هذا الضرب من التحليل بواسطة "اللوبي اليهودي" متماسكا.
تقدم نصر الله، قائد حزب الله، بإسهام مفاجئ في هذا النقاش قبل أمد قريب حين قال:" ندرك الآن أن ليس إسرائيل، خلافا لما يمكن اعتقاده، هي التي تقتاد الولايات المتحدة، بل إن الولايات المتحدة هي بالعكس من ملي السياسة بالمنطقة وتملي على حلفائها ما يتعين عليهم فعله". إن كان حتى نصر الله، الذي قد يجنح أكثر من غيره بفعل انتمائه إلى تيار ديني إلى تحليل المسألة بمنطق اليهود وغير اليهود والمسلمين،الخ، قد فهم الأمر فهذا يبرز جيدا أن المسألة تدور أساسا حول استراتيجيات أمريكية لممارسة التحكم بالمنطقة.
بما أن ترجمة كتابكم إلى اللغة الاسبانية سُتقرأ بالدرجة الأولى في الدولة الاسبانية، نود معرفة رأيكم في " تحالف الحضارات" الذي اقترحه الرئيس ثاباتيرو.
تناولت ذلك في الطبعة الاسبانية القادمة لكتابي "صدام الهمجيات". يبدو لي مفهوم الحضارة كشيء قابل للتمثيل أمرا عبثيا. من بوسعه تمثيل حضارة ما، لا معنى لذلك. أي حضارة يمثل ثاباتيرو؟ وحتى عند الجرأة على الحديث عن حضارة اسبانية، هذا المفهوم القابل للطعن بالنظر إلى الخريطة العرقية للدولة الاسبانية كما يُقال... كيف يمكن الحديث عن حضارة أوربية مع اختلاف البلدان؟ والأسوأ من ذلك، كيف يمكن الحديث عن حضارة غربية تضم الولايات المتحدة أيضا؟ ومن قد يمثل هذا المزيج؟ أرى أن الحديث عن تحالف الحضارات عبثي بقدر عبثية الحديث عن صدام الحضارات.
نرى أن لوسائل الإعلام الليبرالية موقفا يبدو نقديا إزاء سياسة بوش، لكن من جانب آخر تنقل كيفية تقديم المعلومات رسالة" صدام حضارات" والحرب ضد الإرهاب... فمثلا مازال أناس كثيرون يعتقدون اليوم أن الحرب ضد أفغانستان كانت عادلة وضرورية. ما رأيكم بذلك؟
قلت في كتابي المخصص لمسألة "صدام الحضارات" هذه إني لا اعتقد إمكان تمثيل الحضارات، أو بالأقل لا يمكن لأحد إدعاء تمثيل حضارة ما.
ثانيا لا يمكن لحضارات أن تتصادم بمعنى الكلمة الحقيقي. يمكن الحديث عن علاقات متحضرة، وعن علاقات قائمة على احترام بعض القواعد. بنظري عندما يحدث صدام، ليس صدام حضارات بل همجيات أو بالأقل همجية من جانب واحد.
ثمة انحرافات همجية، ويمثل أسامة بن لادن في السياق الإسلامي انحرافا همجيا، وبنظري ينطبق الأمر على جورج بوش أيضا في سياق المجتمع الغربي أو بوجه الدقة العالم الغربي.
نرى ذلك على نحو ملموس أكثر في حالة الحرب بأفغانستان، فبقدر ما ُقُدمت كرد على هجمات 11 سبتمبر جرى دفع الجمهور إلى اعتقاد أنها حرب مشروعة. لكنها لم تكن، خلافا لما نُشر، ممارسة لحق الدفاع المشروع. فحق الدفاع المشروع جائز عندما يكون ردا فوريا على هجوم.
لقد تناول تشومسكي هذا المثال في إحدى كتبه السابقة. ثمة فرق بين الدفاع بعد هجوم من جهة، والتعرض لهجوم ثم الذهاب بعد شهر لقتل المهاجم من جهة أخرى. ليس هذا دفاعا مشروعا بل انتقاما. ذلك ما حدث بتلك المناسبة.
تعرضت الولايات المتحدة لهجمة 11 سبتمبر، ولم تشرع في الحرب على أفغانستان سوى يوم 7 أكتوبر 2001. وجرى ذلك خارج أي شرعية دولية بالنظر إلى أن الأمر لم يكن من وجهة نظر القانون الدولي دفاعا مشروعا. كان ذلك يستلزم عبور القرار من المؤسسات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة، الخ. وطبعا لم يجر الأمر على هذا النحو. قاموا باجتياح أفغانستان بمبادرة منهم، كما اجتاحوا العراق في العام 2003 علانية دون موافقة مجلس أمن الأمم المتحدة. ليست إذن حربا مشروعة من وجهة نظر القانون الدولي.
لكن ربما كانت تلك الحرب عادلة فيما يخص مضمونها؟ ذلك رأي من يقبلون أنها حرب للقضاء على نظام طالبان. كان ذلك النظام رهيبا لكن القائم الآن بأفغانستان ليس أفضل منه، ففيه أيضا سلفيون في شكل تحالف لأمراء الحرب خلق وضعا مرعبا. و النتيجة اليوم، في المقام الأخير، عودة طالبان وسيطرتهم على مناطق شاسعة بأفغانستان و تمثيلهم من جديد إحدى القوى الرئيسية بالبلد. يبرز هذا كله أنها ليست مجرد حرب غير عادلة، بل علاوة على ذلك ُمني هدف شن الحرب بفشل مدو.
كنت أشير بالأحرى إلى كيفية استعمال وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام في اتجاه ضرورة الحرب . خذ مثلا تسليط أضواء الإعلام على وضع النساء بأفغانستان تحت نظام طالبان.
نعم، هذا صحيح. قامت وسائل الإعلام بتقديم الخطاب الرسمي و توضيحه بدقة بعد 11 سبتمبر، لا سيما أن 11 سبتمبر كان أحدث في وسائل الإعلام الأمريكية، ونسبيا في نظيرها الأوربي، خطاب إجماع كانت افتتاحية لوموند بعد 11 سبتمبر بعنوان " كلنا أمريكيون" مثالا جيدا عنه.
كان ذلك الإجماع ينعكس في وسائل الإعلام التي تردد خطاب الولايات المتحدة الرسمي، أي الحجج التي أتينا على ذكرها من قبيل الدفاع المشروع والنساء والحملة الـُممدنة.
الآن زال هذا الإجماع، وبالعكس ثمة إجماع على انتقاد إدارة بوش التي باتت في عزلة وحتى في وضع أقلية بالولايات المتحدة حيث خسرت الانتخابات في نوفمبر 2006. يحدث أن تجد وجهات نظر نقدية منفذا في وسائل الإعلام، لكن كان بوسائل الإعلام في الفترة التالية مباشرة لهجمات 11 سبتمبر نوع من الإجماع على ترديد الخطاب الرسمي.
الآن، بعد تجربة العراق التي أبانت أن إدارة بوش كانت تكذب، أصبحت وسائل الإعلام أكثر نقدا وحذرا، بعكس ما جري بعد 11 سبتمبر لما كانت تردد ببلادة دعاية الإدارة وحتى المعلومات حول أسلحة الدمار الشامل، حيث رددت وسائل الإعلام كل أكاذيب الإدارة بلا أي جهد نقدي.
ظهرت مؤخرا بالصحافة مقالات هامة تدعو إلى التفكير والى ضرورة استخلاص دروس من كل جرى. يجب إدراك أن صحافيين نقديين تنكروا لمسؤولياتهم، ولم يقوموا حتى حرب العراق بدورهم المتمثل في الإسهام في صحافة نقدية وديمقراطية تظل في حالة تأهب وتراقب السلطة بدل القيام بدور قناة إيديولوجية لتمرير خطاب السلطة.
تخلق وسائل الإعلام واقعا موازيا للقائم، لكن يحدث أن ُيزيف الساسة أنفسهم الواقع بطريقتهم في التعبير وبما يختارون من تعابير. تنتقدون في كتابكم تعريف الاتحاد الأوربي للإرهاب. كيف يمكن أن تـؤثر اللغة في إدراك الواقع في حالة كهذه؟
خلال الحقبة اللاحقة لـ 11 سبتمبر، شهدنا طبعا تضخما مرعبا لكلمة إرهاب، وانتهزت أغلب حكومات العالم ما أتاحته فرصة 11 سبتمبر للإقدام على ما قامت به إدارة بوش بالولايات المتحدة، أي تقليص الحريات. جرى هجوم حسب الأصول على الحريات والحقوق الديمقراطية وتوسيع حقوق الشرطة ومراقبة الأفراد. وتعرضت مساحة الحياة الخاصة والحريات الفردية لتقليص خطير، وذلك كله باسم محاربة الإرهاب. وشهد مفهوم الإرهاب هذا ترويجا هائلا وبلغ الأمر بالاتحاد الأوربي الى المصادقة على تعريف واسع لدرجة الانطباق مثلا في الحالة الفرنسية على اقتلاع المزروعات معدلة الجينات أو تخريب مطعم ماكدونالد.
إن استعمال هذا اللفظ بالغ الخطورة، إذ يوقظ ردود فعل قصوى في السكان. إذا أُستعمل للنيل من تيارات لا صلة لها بالإرهاب –بمعنى انعدام نوايا قتل إزاء السكان المدنيين أو ما شابه- يصبح خطيرا جدا. الأمر يعادل تماما أسلوب وسائل الإعلام السوفييتية التي كانت تسم بالفاشية كل من لا يشاطرها رؤيتها السياسية.
هذا إرهاب إيديولوجي، لأن وصف تيارات بكاملها بهكذا سمات ممارسة للتفزيع وخلق مناخ إرهاب.
وعلى هذا النحو تصرفت إدارة بوش باستعمال مخاوف الجمهور الأمريكي لتمرير جملة تدابير. الآن بدأ الرأي العام الأمريكي يستدرك ويتبين استلابه السابق. يكفي التفكير في غوانتانامو(السجن الخارج عن العالم الشرعي)، وفي كل ما اقترفت هذه الإدارة من انتهاكات فظيعة أخرى للحقوق الإنسانية، للتمكن من قلب الأمر، واتهامها بممارسة أشكال إرهاب، ناهيك عن الهجمات ضد السكان المدنيين، وعشرات آلاف ضحايا العمليات العسكرية الأمريكية التي تعادل نوعا من الإرهاب الممارس على صعيد عالمي.
لا يعتقد زميلكم تشومسكي أن حكومة بلده ستهاجم إيران في الأمد القصير. ما رأيكم بذلك؟
ذلك ما كان يقول فعلا بالكتاب، لكنى أرى أن الوقت والفرصة أتيحا له لتغيير رأيه مع الأحداث الأخيرة. الأكيد أن إدارة بوش لن تتردد لحظة في مهاجمة إيران عسكريا لو أتيحت لها وسائل ذلك. وهذا غير أكيد.
ومن جهة أخرى تواجه تلك الإدارة ما يكفي من مصاعب للتحكم بالوضع العراقي، وإيران بلد أكثر استعصاء عن التحكم بفعل عدد سكانه الأكبر. ومن جهة أخرى قد تنطوي ضربة عسكرية على مخاطر جسيمة على مصالحها بالمنطقة.
ومن جانب آخر باتت إدارة بوش في وضع أقلية حتى داخل الطبقة السائدة الأمريكية. وقد يعادل هكذا هجوم هروبا إلى أمام، وقد يكون متهورا جدا. لا يمكن استبعاد كلي لهجوم على إيران، لأن تلك الإدارة سبق أن أبانت قدرتها على التصرف على نحو لاعقلاني، لكن لا اعتقد أن الأمر بوسعها من وجهة نظر القدرة الفعلية، النية قائمة لكنهم تعرضوا لإضعاف شديد مؤخرا، وهذا يغير الوضع كثيرا، وان كان عليهم مع ذلك اعتزام هكذا هجوم وجب عليهم التفكير مليا بفعل وضع ضعفهم.
فيما يخص الرأي العام، هل ستكون ذريعة انتشار السلاح النووي كافية هذه المرة؟
لقد فقدت هذه الذريعة كل مصداقية بسبب السابقة العراقية. وحتى بافتراض أن تلك الإدارة تعتقد فعلا أن إيران عازمة على إنتاج سلاح نووي، بات ثمة ميل إلى الشك فيما قد تحكيه تلك الإدارة منذ ما حصل بالعراق لدرجة أن قلة من الأشخاص تصدق ما يقولون. إنها إدارة أصبحت بالغة الضعف، ولم يبق لهم غير 18 شهرا من الوجود.
فيما يتعلق بالحركات الاجتماعية بالشرق الأوسط، هل تعتبرون أنها متينة بقدر كاف لإحداث تغيير ايجابي بالمنطقة؟
ليس ثمة حاليا بلبنان حركات اجتماعية متينة، إنها بالغة الضعف. ثمة قوى سياسية، مثل حزب الله، الذي له وجه طائفي، وقوى أخرى. إن القارة الوحيدة التي بها حركات اجتماعية قادرة على القيام بتغيير هي أمريكا اللاتينية، والتغيير جار هناك بفعل ضغط الحركات الاجتماعية.
ليس هذا حال بقية العالم. توجد بأوربا حركات اجتماعية تنجح أحيانا في تغيير بعض الأمور. ففي فرنسا مثلا نجحت التعبئات ضد عقد أول استخدام في فرض سحبه. كذلك الحملة ضد الدستور الأوربي التي نجحت في مقاطعة الدستور منددة بطابعه النيوليبرالي. ثمة إذن مساحة للحركات الاجتماعية وحالة وجود بالقوة.
لكن يمكن بأمريكا اللاتينية دون غيرها ترقب تغييرات حقيقية بالسلطة. أما بأوربا فيتعلق الأمر بالأحرى بمعارك مقاومة، لكنها تمثل علامة أمل. تمكنا خلال السنوات الأخيرة أن نشهد انبعاث هذه الحركات، ومنها أشكالها المناضلة من اجل عولمة بديلة، وتقدمها المذهل. اعتقد أن ما يجري بأمريكا اللاتينية يدل على أن فرض تلك الحركات لتغييرات على صعيد عالمي إمكان لا يزال قائما. إنها عملية سائرة لكن يتعذر استباق نتائج.
ماذا عن موقف الولايات المتحدة من تلك الحركات؟
تدافع الولايات المتحدة عن مصالح الرأسمال الكبير على الصعيد العالمي، تماما كما تفعل الحكومات الأوربية وغيرها. تقوم إدارة بوش حاليا بجولة في القارة للتصدي لتقدم تشافيز. ويندرج هذا في الميل الأمريكي إلى محاربة الحركات الاجتماعية بأمريكا اللاتينية، ولا جديد في الأمر. إنما هي اليوم مجبرة على الانتقال الى الهجوم المضاد لأنها ترى أوجه تقدم اليسار الكبيرة خلال السنوات الأخيرة، وستسعى طبعا إلى تدمير هذه السيرورة.
نص الاستجواب الأصلي باللغة الاسبانية
http://www.alterzoom.org/index.php?option=com_
content&task=view&id=61&Itemid=1
جرى التعريب اعتمادا على النص باللغة الفرنسية
http://www.alencontre.org/USA/Achcar03_07.html
تعريب جريدة المناضل-ة
[*]السلطة الخطرة: الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية (مع نعوم تشومسكي) – يصدر هذا العام عن دار الساقي