جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 لا تناسب طموح المشروع الإمبريالي مع قابلية تحقيقه: من المشروع إلى … تنفيذه ؟


الاربعاء 15 كانون الأول (ديسمبر) 2004
المناضل-ة عدد: 3

كلاوديو كاتز

وضع اجتياح العراق فعلا في صلب النقاش وضع الإمبريالية المعاصرة، وهو ما يستلزم توصيف سماتها الأساسية. تمثل إمبريالية القرن العشرين آلية لسيطرة رأسماليي البلدان المركزية على مجموع بلدان الأطراف. ويمارس هذا الاضطهاد اقتصاديا عبر ترحيل منهجي للموارد، وسياسيا من خلال سيرورة إعادة استعمار، وعسكريا بواسطة وجود قوات احتلال.

يشكل العدوان الحالي ضربة إمبريالية لأن هذه الأبعاد الثلاثة قائمة في عزم الولايات المتحدة الأمريكية تملك البترول وإعادة رسم خريطة المنطقة وتعزيز نشر قواعد أجنبية بالشرق الأوسط.

يفتتح الصراع، دون شك، "مرحلة لااستقرار جديدة"، لكن المشكل الكبير يكمن في تحديد الحلقة الضعيفة لهذه الإختلالات. تقع هذه النقطة الحرجة، بنظري، في ما تواجه إدارة بوش من لاتناسب قائم بين طموح المشروع الإمبريالي وقابلية تحقيقه. ليس احتلال العراق( وتهديد سوريا وإيران) مماثلا للاستيلاء على غرانادا أو باناما أو التدخل بالصومال. فالعراق بلد بلغ مستوى معينا من النمو الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري الخاص، ولا يمكن تحجيمه بسهولة في وضع مستعمرة. تحاول الولايات المتحدة الأمريكية التصرف على منوال بريطانيا في القرن 19 بإرسال أسطول لاحتلال مناطق، وبلقنة بلدان، وإرساء إدارة عميلة بقصد نهب الموارد الطبيعية. لكنها لا تواجه شعوبا بدائية أو أمما في طور التشكل، أو دولا غير موجودة، بل جماعات مهيكلة منذ زمان ولها، علاوة على ذلك، ذاكرة واسعة من معاداة الاضطهاد الاستعماري.

تظهر أول مؤشرات محدودية قابلية المشروع (الامبريالي ) الاستراتيجية للحياة في ما تلقاه واشنطن من مقاومة في تحقيق الغزو السريع، البسيط وغير الدامي،الذي وعدت به. و تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، حتى إن نجحت في غزو ناجز للبلد، منظور مقاومة مستمرة. وقد يفضي نظام الاحتلال إلى إعادة خلق نضال كبير مناهض للاستعمار.

لكن الأهم متمثل في الأهمية الإقليمية لهذه المعركة، لأن الغزو سائر إلى إعادة استثارة المشاعر المناهضة للإمبريالية في العالم العربي برمته، والتي لم تكن لحد الساعة تلتقي سوى حول المسألة الفلسطينية. لذا تؤدي "فلسطنة" الصراع المحتملة هذه إلى هكذا دوخة بين أنصار السياسة الخارجية الأمريكية.

لا علاقة مباشرة مع الظرف الاقتصادي

لا أعتقد أن ثمة علاقة مباشرة بين اجتياح العراق والانهيارات البورصوية والمالية الأخيرة. إن تلك الاضطرابات نتاج انفجار السيولة المترتبة عن أشكال نزع الضبط النيوليبرالية في العقد الأخير، وكذا عن الجروحية الناتجة عن انجذاب الرأسمال المالي واستعلاء الدائنين. لكن الدافعين المباشرين بالعدوان لم يكونوا هم البنوك ولا صناديق المعاشات، بل اللوبي البترولي والمركب الصناعي-العسكري. وإن نعث" الطفيلي" يلائم كل هذه المجموعات وأيضا القسم الأعظم من الطبقة الرأسمالية.

بنظري يستجيب الهجوم على العراق لحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلي تحقيق طور من المكاسب يؤكد هيمنتها. فكما كانت الرأسمالية الأمريكية المحرك الأول للتحولات الكبرى المسجلة منذ بداية سنوات 1990 (قفزة نوعية للعولمة، ثورة معلوماتية، نزع ضبط بنكي، إعادة استعمار بلدان الأطراف، توسع جغرافي وقطاعي للرأسمالية)، فهي أيضا الصانع الرئيسي للضربات الإمبريالية. لذا فرغم أن بوش سرع الحرب لإعطاء ضربة ُتوقف الانكماش الراهن، فإن رهانه لم يكن ظرفيا. لقد بات نصر عسكري أمرا لا غنى عنه لمحاولة بعث نمو سنوات 1990، مع منشطات ضريبية لأقوى المجموعات وحوافز لاستثمارات المنشآت، مبنية على النيل من مكاسب اجتماعية. إن إظهار قوة نارية كبيرة هو، على سبيل المثال، كيفية الدفع نحو سعر للدولار يبقي على تدفق الرساميل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويتيح في الآن ذاته انتعاشا للصادرات.

ليس صحيحا الاقتصار على تفسير الغزو بما هو "مغامرة لاعقلانية" لصقور رامسفيلد. فكل الطبقة السائدة الأمريكية تدعم العدوان وستدعمه طالما بقيت ثمة حظوظ لنجاح العملية. ولن تبرز الخلافات بقوة إلا عند التورط في الحرب. ويكشف دعم الطبقات السائدة هذا أن النزعة الحربية ليست مجرد "ستار دخان" لإلهاء السكان عن المصاعب الاقتصادية أو حيلة انتخابية لكسب أصوات بفضل خطابات وطنية، إنها حاجة أيضية métabolique لدى الرأسمالية الأمريكية.

في هذه المرحلة، مازال توصيف الأثر الاقتصادي المحتمل للحرب أمرا سابقا للأوان. إن توقعات جريدة وول ستريت(" نزاع وجيز سينشط الأعمال وتواصل الحرب سيلهب سعر البترول") والمجموعات المنخرطة في صناعة الموت (إعادة إعمار العراق ستحفز من جديد مستوى النشاط إذا لم تتجاوز النفقات العسكرية العجز الضريبي)، توقعات ظرفية جدا. يتوقف كل شيء على نتيجة الصراع. وقد تشكل هذه الخاتمة انعطافا في تطور، أو فشل نهائي، للمرحلة الجديدة من الرأسمالية التي بدا أنها ترتسم منذ سنوات 1990.

طبيعة"التصدعات في الجبهة الإمبريالية" وردود الفعل المناوئة للحرب

بقصد توضيح مسألة"التصدعات على الجبهة الإمبريالية"، والقيام بمقارنات قياسا على الماضي، يتعين استجلاء ثلاث سمات للصراع. أولا، لا يتعلق الأمر بحرب إمبراطورية بالمعنى الذي يعطيه نيغري لهذا اللفظ، إذ لا تتواجه فيها قوى منتمية لنفس الرأسمال العابر للقوميات. و يؤكد الصراع أن الحدود لم تـنمح، وأن المجموعات الرأسمالية تواصل التنافس في ظل حماية دولها. كما لا يجب إساءة استعمال مقارنات مع الإمبراطورية الرومانية، لأن سير عمل الرأسمالية المعاصرة وتناقضاتها مختلفان كليا عن القوى الغالبة في العصور القديمة.

ثانيا، لا يندرج الهجوم على العراق في منطق الحروب بين الإمبرياليات التي سادت حتى منتصف القرن الماضي، لأن تحضير مواجهة حربية بين القوى الكبرى غير وارد في المدى المنظور. إن محاولة إضعاف منافس ما بضربة استعمارية مخالف كليا لتحضير مواجهة مباشرة. وتحاول الولايات المتحدة الأمريكية إجهاض مشروع وحدة منافسها الأوربي، وإخضاع اليابان بشكل نهائي. لكن لحد الآن، وأيا كانت الخاتمة، لن تجعل الولايات المتحدة الأزمة الحالية شبيهة بمرحلة قبل الحرب العالمية الثانية، لأنه ليست ثمة أي قوة أو تحالف قادر على تحضير تحد عسكري للولايات المتحدة.

هذا ما يجعل من الخطأ والبهرجة تلك المماثلة بين بوش و هتلر، التي يرد بها الكثير من نقاد الإمبريالية على ما تروج الصحافة الأمريكية من قرابة مثيرة للسخرية بين صدام والرايخ الثالث. أكيد أن هذيانات بوش الروحانية تذكر بهتلر وأن الهلوكوست الذي قد تطلقه آلة الحرب الأمريكية يتجاوز كل ما شهدنا. لكن الحرب الجارية حرب إمبريالية، وليست بين الإمبرياليات. هذا ما يجعلني أرى انه لا يصح تعريف الإمبريالية وفق الرؤية الكلاسيكية، بما هي مرحلة("نهائية" أو لا) للرأسمالية ولا كمرحلة مختومة بتقسيم العالم عبر مواجهات مسلحة بين القوى الرئيسية. أرى أن علينا أيضا أن ننطلق من هذا التوصيف لتقييم مشاريع البنتاغون ضد الصين وروسيا.

ثالثا، يسير مجرى الحرب إلى توضيح ما تواجه الولايات المتحدة من حدود للتصرف كقوة إمبريالية عليا، أي دون خصوم وازنين، وقادرة على الاستغناء على تحالفات كبرى لممارسة هيمنتها. رغم أن بوش شن الهجوم على العراق بإحداث أزمة غير مسبوقة في حلف الأطلسي، وبالمخاطرة بمستقبل الأمم المتحدة، فان الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة بناء شبكة جدية من التحالفات بقصد العمل كقوة مهيمنة تتجاوز التهريج المسلح الحالي مع دول صغيرة لدعم الهجوم على العراق.

تتمثل أكثر عناصر العدوان الجاري دلالة في الرد العالمي المذهل على عملية الإبادة. وبخلاف فيتنام، بدأ هذا الرفض قبل الصراع وليس كنتيجة لسيره الدامي. وتقف هذه التعبئة الاستثنائية على طرف نقيض من السلبية السائدة في سنوات 1990 بوجه حرب الخليج والبلقان، وتتجاوز حجم مقاومة صواريخ برشينغ التي هزت أوربا بين 1981 و1983 . إنها مقاومة شعبية في موقع إفشال العملية الإمبريالية .

وبنفس القدر، يبدو لي لافتا للنظر وجود منتدى عالمي يحفز وينسق المظاهرات، لأن حركة احتجاج على العولمة الرأسمالية تتطور نحو معركة مع النزعة العسكرية الإمبريالية وجها لوجه. إن الانتقال من موقف رفض رجال البنوك إلى التعبئة ضد الحرب يتيح تطوير الوعي المناهض للرأسمالية الناشئ داخل الجيل الجديد الذي ينزل إلى الشارع بمواجهة النيوليبرالية دون التعرض للصدمة السياسية التي مثلها انهيار الاتحاد السوفيتي سابقا.

يجب ألا ننسى أن الحروب سرعت في الماضي تجدد المشروع الاشتراكي، وأن هذا المنظور يمثل إمكانية بالواقع الراهن. لكن لا غنى، من أجل السير في هذا الاتجاه، من موقف سياسي واضح للاشتراكيين على أربع جبهات بالأقل.

يجب أن نضع أولا موضع اتهام انتظار حل تقدمي من البنية الحالية للأمم المتحدة، وحجب مسؤولية هذه الهيئة في حمام الدم بالعراق.

يجب، في مقام ثان، مساجلة الاعتقاد الرائج بأن الحكومات الرأسمالية بأوربا المعارضة للحرب تمثل مثالا ُيقتدى، مع تناسي تواطئها ومصالحها في الضربة الإمبريالية .

وفي مقام ثالث، يتعين تبني موقف نقدي جدا من المثقفين التأمليين أو الكلبيين الذين لا يقيمون إيجابيا النزعة التقدمية الاستثنائية الكامنة في حركة الاحتجاج ضد الحرب.

و يتعين أخيرا أن ُتقام في كل منطقة الصلات الرابطة بين النضال ضد الحرب ومحاور التعبئة الشعبية. و تتمثل تلك الجسور، في حالة أمريكا اللاتينية، في المعركة ضد منطقة التبادل الحر لدول أمريكا وضد سداد الدين الخارجي.

مجلة Alencontre – السويسرية- عدد 12.

تعريب : "المناضل-ة"

المناضل-ة عدد 20

كلاوديو كاتز

  استراتيجيات اشتراكية في أمريكا اللاتينية (القسم2 )
  الأرجنتين: نضال البيكتيروس الذي لا ينتهي
  استراتيجيات اشتراكية في أمريكا اللاتينية (القسم1 )
  منظورات اشتراكية بوجه عولمة رأس المال

الإمبريالية-الحرب

  كميل داغر :" نحن مع توحيد العالم العربي، لكن مع احترام الحقوق المشروعة للاقليات."
  Juin 1967
  الإمبريالية بين الماضي و الحاضر

التكوين-التثقيف

  مجتمع المستقبل
  1974 : الثورة البرتغالية
  لوحات ثورية : يولاي اوسيبوفيتش مارتوف
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها