لقد سبق التنكيل، باستعمال التهمة عينها، بمناضلين عديدين بربوع البلد، كما اضطهدت مئات من المناضلين بتهمة من النوع ذاته تتعلق بمشكل الصحراء طيلة عقود، وفي الشأن نفسه تحاكم إحدى قياديات حركة سلفية لمجرد تلفظها بكلمة جمهورية.
الأمر جلي واضح بقدر ما هو جسيم: لا حرية تعبير عن الآراء السياسية في المغرب.
ديمقراطية المغرب لا تتسع حتى للنطق بكلمات معينة، كلمات لم يبق سوى إزالتها من القواميس. لا حق بالمغرب لرافضي نظام الحكم في الوجود سوى في السجون والقبور.
يجري هذا الطغيان محاطا بالجلبة المألوفة حول "الانتقال الديمقراطي"، وباسم حكومة تضم وزراء من أحزاب جرت عادة خادعة على نعثها بــ"القوى الوطنية الديمقراطية"، و بمعاينة صامتة من النخبة "المثقفة" المدعية للديمقراطية والحداثة، أي أنصاف الديمقراطيين الذين دجنهم النظام تدريجيا في سعيهم الى دمقرطة متدرجة لاستبداد قرسطوي.
وليس سد الأفواه هذا غير المكمل المنطقي للترسانة القمعية المتضمنة في قوانين الجمعيات، والتجمعات، والتظاهر، والصحافة، و الأحزاب، وما سيضاف إليها بشأن حرية الإضراب. يتعذر فرض الاستغلال المفرط، والتجويع، وتردي الخدمات العامة، وتحويل كل شيء إلى سوق لجني الإرباح، أي باختصار يتعذر استقرار نظام الرأسمالية التابعة، دون استعمال صنوف القهر و إعدام الحريات كلها.
ما هذه العدالة ؟
لم يحاكم المسؤولون عن دفن الناس أحياء في تازمامارت، و لا عن اختطاف المئات واحتجازهم في معتقلات سرية رهيبة. لم يُساءل مقترفو جرائم التعذيب المفضي إلى الموت، و لا المسؤولون عن العاهات والإصابات البدنية والعقلية والمآسي الاجتماعية.و لم يحاسب المجرمون مطلقو الرصاص على الجائعين في احتجاجات ضد سياسة اقتصادية أملتها مؤسسات استعمارية جديدة مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
و لم يحاكم اللصوص ناهبو المؤسسات العمومية، من بنوك وشركات وصناديق حماية اجتماعية. جرائم بهذا الحجم المهول لا تحرك ذرة في ميزان عدالة تنقض اليوم بشراسة على شباب بتهمة رفع شعارات، أي بتهمة الكلام.
أيا كان ما جرى يوم فاتح مايو باكادير والقصر الكبير وتزنيت، تظل الغاية تشديد حمرة خطوط المنع ولجم إمكانات التعبير.
ان ما يتعرض له المناضلون على اثر مسيرات الأول من مايو، والمتابعات المحركة مؤخرا ضد ناشطي الحركة الاجتماعية التي شهدتها طاطا قبل عامين، والتهم الملفقة ضد نقابيي المزارع بسهل سوس، هجوم لترويض قوى النضال، ودفعها لقبول الإطار المرسوم للاحتجاج، إطار "النضال" القابل للاحتواء.
إن محاكمة الآراء حول المؤسسات، و حول كل ما ُتضفى عليه القداسة، درجة استبداد دالة على حجم المعارك اللازمة لتحقيق الديمقراطية، أي نظام الحريات والاحتكام إلى إرادة أغلبية الشعب.
إن الظفر بالديمقراطية يستدعي نضالا شعبيا حقيقيا، أي مشاركة مئات ألوف المضطهدين والمستغلين، مشاركة واعية لحقيقة العدو وللأهداف. وقد أكدت تجارب الشعوب أن لا قائمة تقوم لتلك المشاركة الجماهيرية الواعية دون غلب هيمنة التصورات المبتورة عن الديمقراطية التي تحملها قوى طبقية لا تسعى سوى إلى تفاهم مع أعداء الديمقراطية.
إن القوة الجماهيرية تبنى بالنضال اليومي في المعارك الجزئية، معارك طبقة الأجراء ومفقري المدن والقرى،والشباب و النساء، إن هي خيضت بروح كفاحية، طبقية وديمقراطية. أما إعلان المواقف الرافضة دون القدرة على بناء ميزان قوى اجتماعي قادر على فرضها، فسيظل مجرد مكمل للوضع القائم، مجرد شحنة يسارية تضفي مصداقية على آلية الاستبداد المقنع. إن الاعتراض دون قدرة على استعمال إمكانات التحريض والتعبئة المتاحة، وتوسيعها، لبناء منظمات النضال وانتزاع مكاسب فعلية تقوى القدرة النضالية وتجذب قوى إضافية، اعتراض لا يتيح المراكمة والمراس الذين لا غنى عنهما لانتصار الكادحين.
لذا فإننا، نحن كل الساعين إلى تغيير حقيقي، تغيير عميق وشامل، ينهي كل استبداد واستغلال، مدعوون إلى التفكير مليا في أحوال أدوات النضال، بمنطق الوفاء لعلة وجودها. وهو ما لم نبرهن بصدده عن وعي كاف بالواجب، ولا عن مطابقة تامة للفعل مع القول، سواء عند تحرك كادحو المناطق المنكوبة مثل طاطا وتاماسينت وايفني وبوعرفة، او إزاء ما يجري بمنظمات العمال النقابية من تصد لهجمات البرجوازية ولعسف البيروقراطية على السواء.
هذا هو المدلول الحقيقي للتضامن مع مضطَهَدي الفاتح من مايو، وغيرهم من ضحايا الطغيان، وما سواه من عبارات طقوسٌ غير مجدية ليس إلأ.
الحرية لمعتقلي الأول من مايو !
قدما على طريق الدفاع عن الهوية الكفاحية لمنظمات النضال العمالي والشعبي !
جريدة المناضل-ة
8 مايو2007