جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 الطاقات المتحجرة والمناخ ومناهضة الرأسمالية


الاحد 13 أيار (مايو) 2007

دانيال تانورو

التبغ مسبب للسرطان، فما القول عن طبيب مكتشف لورم برئة مريض فوصف له لفافة تبغ؟ سيقال عنه إنه مشعوذ أو قاتل. لا يعالج الداء بالداء بل بالتصدي للداء.
ينطبق المنطق ذاته على النضال من اجل المناخ. التغير المناخي" فشل غير مسبوق للسوق"، حسب " تقرير ستيرن"(1). ان الاعتقاد بإمكان محاربة ظاهرة ناتجة عن السوق بتوسيع السوق أمر عبثي. ومع ذلك هذا ما يقترح ستيرن. وتقتفي اللجنة الأوربية وكل الحكومات أثره: مزيدا من السوق، مزيدا من النمو، مزيدا من العولمة... والحال أنه يتعين السير في الاتجاه المعاكس: سوق أقل، و مزيد من القطاع العام، و منافسة أقل، ومزيد من التعاون، و "حرية مقاولة" اقل، ومزيد من التخطيط، وعولمة اقتصادية أقل، و مزيد من الطابع المحلي. إن سياسة من اجل الحاجات ليست بحاجة إلى إنتاج مزيد على الدوام.

"اكبر وأوسع فشل للسوق"

لماذا تقع مسؤولية ارتفاع الحرارة على اقتصاد السوق؟
لا يجيب ستيرن على هذا السؤال. ولا قدرة له على ذلك، لان الجواب يكمن في أسس الرأسمالية ذاتها، وليس في هذه او تلك من النواقص الصغيرة.
اقتصاد السوق مسؤول أولا عن ارتفاع الحرارة لأنه قائم على المنافسة وعلى التراكم. لا تتخذ قرارات الإنتاج حسب المنفعة والبيئة بل حسب الأرباح. يجري القيام بأمور لا فائدة منها أو ضارة لهدف وحيد متمثل في إرضاء جشع مالكي الأسهم. وتستعمل حملات إعلان تجاري لتصريف السلع. وتدفع المنافسة العمياء إلى فيض الإنتاج، ويذهب قسم منه إلى النفاية. ويجري تصور منتجات كي تهلك بسرعة أو تفرط استهلاك الطاقة. و يجري الصنع بالبلدان الفقيرة ثم النقل إلى البلدان " الغنية"،... باختصار تبذير الموارد ملازم لاقتصاد السوق. انه راسخ في القوة التي تدفع كل مالك رساميل على نحو لا يقهر إلى استبدال عمال بآلات، بقصد الفوز ب " ريع تكنولوجي"، وفي ميل النظام إلى تعويض ميل معدل الربح الى الانخفاض – الناتج عن تكاثر الآلات- لا باستغلال للعمل وحسب، بل أيضا ب(فيض) الإنتاج الكثيف، وغزو أسواق جديدة، واختراع حاجات جديدة.
لكن ليس هذا كل شيء. يتمثل السبب الأهم لارتفاع الحرارة في إحراق محروقات متحجرة (فحم، بترول، غاز طبيعي). والحال أن استعمال هذه المحروقات المتحجرة هو ذاته ناتج عن منطق الربح. فمن المعلوم منذ 1839 إن الضوء الطبيعي يولد الكهرباء بالتقائه ببعض المواد (" المفعول الضوئي الكهربائي"). لو جرى توجيه البحث العلمي نحو استغلال الطاقة الشمسية كأولوية، لن يكون الجو اليوم مشبعا بالكربون، وقد يكون العالم على الأرجح سلميا أكثر واقل تفاوتا. لكن لماذا لم يتبع هذا السبيل؟ السبب في كون نظام الطاقة الرأسمالي كان قد ارسي بناء على الملكية الخاصة للموارد وعلى المركزة القصوى لإنتاج الطاقة. وكان المفعول الضوئي الكهربائي غير متجانس مع منطق هذا النظام. إذ لا يمكن لأي كان أن يتملك إشعاع الشمس، لأنه دفق لا محدود ومنتشر، بينما يمكن تملك مخزونات محدودة من الفحم والبترول والغاز... ومراكمة ريوع كبيرة جدا علاوة على الأرباح.

الريع في صلب نظام الطاقة الرأسمالي

يتقاسم البترول و الفحم والغاز خاصية كونهم طاقة شمسية مراكمة، قابلة للخزن وللنقل. منذ القرن 14 بأوربا تملكت البرجوازية الناشئة والنبلاء الغابات، التي كانت من قبل ملكيات مشتركة. وآنذاك أصبح الخشب سلعة وأصبح التحكم بموارد الطاقة رهانا حاسما للسيطرة الطبقية. إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية الطاقة ومن زاوية اجتماعية، يمكن القول إن احتكار ملكية الأرض قد أتاح لطبقة الملاكين العقاريين بيع الطاقة الشمسية – المجانية- في شكل خشب، محققة ربحا متوسطا، علاوة على ريع عقاري (ربح فائض).
لم يزدد هذا الميل إلا تعززا مع ظهور البرجوازية الصناعية، التي استبدلت "الطاقة الشمسية في شكل خشب" بـ" الطاقة الشمسية المتحجرة"(الفحم في البدء، ثم البترول والغاز). و تكفي نظرة خاطفة إلى تاريخ تكنولوجيا الطاقة لملاحظة أن تركز الرأسمال، واحتكار الموارد ومركزة السلطة، كلها رافقت الانتقال من الخشب إلى الفحم، ثم من الفحم إلى المحطات الكهربائية الحرارية، ثم من المحطات الحرارية إلى المحطات النووية. والمفتاح دوما الحفاظ على ريع الطاقة الثمين.
ففي حالة البترول مثلا يدر بيع منتجات البترول المصفاة زهاء 2000 مليار يورو كل سنة. وتمثل التكاليف بالكاد 500 مليار. وتفوز بالربح وبالريع البترولي – 1500 مليار كل سنة على الصعيد العالمي !- بعض الشركات متعددة الجنسية، وبعض ذوي الامتيازات الفائقة الحاكمين في البلدان المنتجة (ما عدا في فنزويلا) (2). إن البترول دجاجتهم التي تبيض ذهبا. يريدون أن تبيض أطول مدة ممكنة. وتشاطرهم هذا المسعى القطاعات الملحقة: إنتاج السيارات، بناء السفن، صناعة الطائرات، الصناعة البترولية -الكيماوية... ولا حاجة إلى تدقيق أن لهذه الأوساط قوة ونفوذ سياسي هائلين. لهذا السبب لم ُينصت إلى العلماء الذين ينبهون منذ 30 سنة إلى خطر ارتفاع حرارة الكوكب. هذا سبب انخفاض حصة الطاقة المتجددة في ميزانية البحث والتنمية المتعلقة بالطاقة بالبلدان الأعضاء بالوكالة الدولية للطاقة منذ الصدمة البترولية الأولى ( 7.7% من 1986 إلى 2002 ، مقابل 8.4% من 1974 إلى 1986 ٍ!) . لهذا السبب حظي الانشطار النووي، وليس الطاقات المتجددة، بحصة الأسد في تلك الميزانيات (47,3%)، وبعده تكنولوجيا تحويل الطاقات المتحجرة (3). لماذا؟ كان ذلك من أجل إنقاذ الأرباح، والريع، والسلطة السياسية ، والتحكم الاجتماعي الناتجة عن المركزة الطاقية. وليس البحث عن الجواب في مكان آخر سوى بحثا عن المصاعب حيث لا توجد.
ليست السوق مسؤولة عن إفساد المناخ وحسب،بل تفعل كل شيء لتأخير الإجراءات الواجبة. وتحاول عند اتخاذها، ان تضعفها، أو تشوهها لدرجة أنها تستحق بالكاد نعثها بـ" أول خطوة في الاتجاه الصائب". انظروا إلى بروتوكول كيوتو: انه محشو بـ" آليات مرنة" لدرجة انه سيقلص في أفضل حال النفث الإجمالي للغازات المسببة لارتفاع الحرارة بالبلدان الصناعية بنسبة 1,7% في العام 2012 (4). والحال انه يجب ان تنخفض بزهاء 70% في أفق 2050... على الصعيد العالمي!

البديل مناهض للرأسمالية وشمسي

خفض نفث الغازات المسببة لارتفاع حرارة الكوكب بنسبة 70% في أفق 2050 على الصعيد العالمي! أيمكن هذا في آجال قريبة إلى هذا الحد؟ الأمر صعب لكن ما زال بالوسع إنقاذ ما هو أساسي في المناخ. يمثل المستمد من إشعاع الشمس 8000 مرة الاستهلاك العالمي من الطاقة. وقد تتيح التكنولوجيا الحالية استعمال جزء واحد من ألف منها، أي ثماني مرات الحاجات الحالية للبشرية. وسيرفع البحث العلمي هذه القدرة في السنوات المقبلة ( إذا أتيحت لها الوسائل). يجب طبعا الاقتصاد وإلغاء أشكال التبذير- وهدا يعني كل واحد منا، وعاداتنا، الخ. لكن لسنا مجبرين على الاختيار بين المناخ والرفاهية، أو بين المناخ و تنمية بلدان الجنوب، أو بين المناخ و كتل النفايات المشعة التي ستظل خطيرة خلال عشرات آلاف السنين ! ستتيح لنا خطة عالمية موضوعة بشكل ديمقراطي حسب الحاجات أن نواجه الخطر. إن ثمة بديل، مناهض للرأسمالية، و... شمسي.
يجب على الرأسمالية في آخر المطاف أن تقوم بشيء ما لتثبيت الوضع، والخروج من منطق " الخطوات الصغيرة" لكيوتو. وتقترب لحظة هذا القرار بخطوات كبيرة، وهن ثمة الصخب الإعلامي الحالي. لكن السوق "ستنقذ" المناخ على طريقتها، مثلما خربته، أي على ظهر العمال والشعوب المضطهدة. ستقوم بذلك حسب الأرباح، لا حسب الحاجات. وسيجري ذلك في طورين. سينتظر النظام في البدء أطول مدة ممكنة، كي يصبح" إنقاذ" المناخ نشاطا مربحا، وكي تصبح سوق التكنولوجيا " النظيفة" مدرة لأرباح ضخمة ( الأسف لمن باتوا عرضة للتغير المناخي لكنهم لا يمثلون سوقا موسرة). ثم بعد أن يصبح إنقاذ ما سيتبقى من مناخنا مربحا لمالكي الأسهم، سيتعين علينا أن نؤدي بالضرائب وبتفكيك الحماية الاجتماعية (الأسف لمن تعوزهم الوسائل).
إن تقرير ستيرن واضح جدا بهذا الصدد. يعني إنقاذ المناخ بأقصى ما يمكن فعل كل شيء ليبقى ارتفاع الحرارة تحت 2°C قياسا على 1780. يستتبع هذا بالملموس أن يبلغ نفث الغازات المسببة لارتفاع الحرارة قمة في السنوات العشر المقبلة ثم ينخفض بنسبة 5% كل سنة. ويقدر ستيرن كلفة هذا السيناريو بمبلغ 1200 مليار دولار كل سنة... ويعتبرها باهضة جدا. و بالتالي يدافع عن حل: بلوغ قمة في 20 سنة ثم الانخفاض ب 1 إلى 3 % كل سنة. ويتيح هذا أكثر من 50 % من فرص تجاوز2°C من ارتفاع الحرارة... لكنه سيخفض الكلفة إلى ثلثها. هاهي السياسة الرأسمالية «لإنقاذ" المناخ! سيتوجب في أفق 2080 على 200 مليون من البشر الهروب من صعود المحيطات، وسيضيف ارتفاع الحرارة 3 مليار من الرجال والنساء والأطفال إلى من يعانون من نقص الماء. تكفي 1200 مليار دولار كل سنة لتفادي هذه الكوارث... لكن الرأسمالية تعتبرها كلفة باهضة جدا! نعيد إلى الأذهان أن الميزانيات العسكرية تبتلع سنويا، علاوة على الريع البترولي انف الذكر، 1037 مليار دولار كل سنة (5).
على ممر سباقه إلى الأرباح والأرباح الفائضة، طورت الرأسمالية نظام طاقة قائم على الطاقات المتحجرة وعلى استغلال عمل الإنسان. وبفعل ذلك نوجد اليوم في مأزق طاقة وبيئة على صعيد الكوكب. وما من وسيلة للخروج منه، بدون حمام دم اجتماعي ولا كارثة بيئية، غير القطع مع منطق السوق، وإعادة جعل الطاقة ملكا مشتركا، والتخلي عن تكنولوجيا مطلقي الجن، التي تستجيب، مثل الذرة، لحاجات التراكم الرأسمالي، وليس لحاجات سكان هذا الكوكب.يجب و يمكن إسماع هذه الرسالة في التعبئات الموحدة من اجل المناخ. وعلى اليسار ان ينشرها فيها!

عن موقع: www.europe-solidaire.org
تعريب جريدة المناضل-ة

 

هوامش
(1)تقرير صاغه نيكولا سترن Nicholas Stern بطلب م الحكومة البريطانية في اكتوبر2000 .
(2)جان ماري شوفالييه " معارك الطاقة الكبرى" Gallimard 2004 .
(3) الوكالة الدولية للطاقة 2004
(4) الوكالة الأوربية للبيئة تقرير رقم 8/2005 ، صفحة 9.
(5) رقم سنة 2004 SIPRI ، Stockholm

المناضل-ة عدد 20

دانيال تانورو

  أثمان المنتجات الزراعية المستعرة، والوقود الزراعي، و الرأسمالية الخالصة". هل نحن ازاء انعطاف؟
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها