2.2 التبادل الحر
سيؤدي انضمام المغرب الى المنظمة العالمية للتجارة، ثم توقيع اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة الامريكية، واستئناف المفاوضات مع الاتحاد الاوربي حول الجانب الزراعي [17] الى تسارع تحرير الزراعة المغربية، وكذا اعتماد عدد من المبادئ التي ستفضي الى عواقب عميقة.
تمثل المبدأ الاول في فتح كامل للاسواق الزراعية، ورفع اشكال الحماية الجمركية، وكذا الغاء الاعانات التي كانت تحمي بعض المنتجات المحلية الاساسية( الدقيق، السكر) وحرية الاسعار. ولم تكن الاجال المحددة تمس الهدف الاقصى: ستدخل المنتجات الزراعية المغربية في تنافس مباشر ودون احتياط في افق 10 الى 15 سنة مع المنتجات الزراعية لبلدان ذات معدلات مردودية، وانتاجية، وتنافسية اكثر نجاعة.
وكان المبدأ الثاني طابع المعاملة بالمثل في الاتفاقات، بما يعيد النظر في الاتفاقات التفضيلية واللامتساوقة التي ُرجحت لحد الساعة، والتي كانت ترمي الى تشجيع زراعات بلدان الجنوب (تلك حالة الاتفاقات السابقة مع الاتحاد الاوربي). ان الاتفاقات الموقعة اليوم قائمة على المعاملة بالمثل مما يضع بلدانا ذات اقتصاديات متباينة كليا على قدم المساواة. و يمكن تخيل من سيكون الفائز في المنافسة بهكذا قواعد لعب، كما لو وضع على الحلبة ملاكم من وزن الذبابة يزن 50 كلغ واخر من الوزن الثقيل يزن102 كلغ!
وكان المبدا الثالث وقف أي شكل من الدعم، الذي سيتجسد في الغاء صندوق المقاصة، وارتفاع اسعار ماء السقي، كما شُرع في الحديث عن اعادة النظر في الاعفاء الضريبي- وهو اعفاء ظالم على نحو خاص- الذي يستفيد منه مجموع الفلاحين ايا كانت مداخيلهم منذ سنوات 1980.
2-3 التزامات مناقضة للواقع
رغم ما يعترض تطبيق التبادل الحر في المجال الزراعي من مصاعب جلية، ورغم الاقرار المكرور بلا توقف بان "تاهيل" قطاع الزراعة سيؤدي الى ازاحة اقسام كاملة من الفلاحين المغاربة، يرتكز كل بناء الزراعة المغربية اليوم على كلمتين رئيستين: تعزيز التنافسية وفتح الاسواق. وفي هذا السياق يواصل المغرب، رغم الوعي بالمصاعب القادمة، التعهد بالتزامات صارمة في ما يخص الالغاء التدريجي لمجموع اشكال الحماية الجمركية وفتح الاسواق. هذا لدرجة ان المفاوضات الجارية مع الاتحاد الاوربي تتناول مبدأ الفتح الاجمالي لاسواق كافة المنتجات، ووحدها المنتجات الحساسة المسجلة صراحة في "قائمة سلبية" قد تكون موضوع استثناءات مؤقتة[18]. وتشمل هذه "القائمة السلبية" حاليا بالنسبة للمغرب الحبوب واللحوم ومنتجات الحليب وبعض الفواكه.ان مقاربة "اللائحة السلبية" هذه خاصة بالمنظمة العالمية للتجارة كما جرى تبنيها في اطار اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة الامريكية.
واخيرا أُعلنت نهاية اعانات صندوق المقاصة لكل المواد تقريبا في يونيو 2006.
2-4 في الميدان العقاري
ونشهد في الآن ذاته تفكيك اراضي شركتي صوديا وسوجيتا[19]، وهي اراضي المعمرين التي استعادتها الدولة، واصلاح أنظمة الاراضي المخزنية والاحباس [20]، بقصد اتاحة دخول الرساميل الخاصة، في شكل شراء او تفويض التدبير، وقد باتت خصخصة بعض الاراضي الجماعية الزراعية على جدول الاعمال. وبالموازاة تلجإ الدولة الى الاستثمار الاجنبي، اشخاص ذاتيين او شركات، سواء لكراء اراض لامد طويل او للشراء. وقد اقبر نهائيا قانون المغربة الصادر في 1973 والذي كان ينهي سيطرة المعمرين الاجانب على الاراضي الزراعية.
2-5 على صعيد سلاكات الانتاج
إن سلاكة الحبوب مقبلة على اضمحلال تدريجي، فموازاة للجدول الزمني للالغاء التدريجي للحماية الجمركية والتعريفية، المجدولة على 10 سنوات، التي ستتيح الحفاظ على حد دخل ادنى للمزارعين، بوجه الحبوب الامريكية او الاوربية ذات الاسعار المدعمة الى حد كبير، من المرتقب خفض حاد لمساحة الحبوب، لصالح زراعة اشجار الفواكه و ُجنبات الكلأ في المناطق المسماة " غير ملائمة"، وتوسيع زراعات القطاني في المناطق الملائمة اكثر. هكذا سينتج المزارع المغربي مكان القمح الزيتون و الحمص في افضل الاحوال، لكن ايضا التين والجوز والخروب والرمان وزهرة الكبر. و تبلغ وتيرة التحويل المرتقبة – مع تقديم دعم- 52 الف هكتار حبوب كل سنة[21]. بيد أنه سيتواصل تطوير الزراعات التصديرية في المساحات المسقية، برساميل مغربية او اجنبية. ان مبدأ " القمح مقابل الطماطم" الذي رددته بافراط الصحافة المغربية والخبراء الحكوميين يضرب في الصميم مبدأ السيادة الغذائية مضرا بشكل خاص بالاقسام غير الموسرة من صغار الفلاحين. انها ظاهرة معروفة جيدا وقد اتبث قيمتها ببلدان عديدة: بينما تتطور المنتجات الموجهة للزراعة تتسع المجاعة وسوء التغذية بين الفلاحين. وعلاوة على هذا ثمة خطر كبير في قيام البلدان الغربية، بعد تفكيك بلدان الجنوب انتاجها للحبوب، والغاء حمايتها الجمركية، وفتح اسواقها بالكامل لشركات البذور والحبوب متعددة الجنسية، بخفض دعم زراعتها أو الغائه (أي البلدان الغربية) وهو ما سيؤدي الى ارتفاع اسعار المنتجات التي تدفعها الى الاسواق، لكن لحظة تكون قد احتكرت تماما السوق العالمية.
كانت سلاكة السكر من افضل ما في الزراعة المغربية. جرى تطوير هذه الزراعة بدءا من سنوات 1960 في المساحات المسقية، وفق عملية مندمجة، من الانتاج الى الاستهلاك، باشراف قوي من الدولة، واتاحت تلبية طلب المستهلك المغربي القوى على السكر. و تمكنت هذه السلاكة، المنطلقة من عدم، من تلبية 64% من الطلب الداخلي في سنوات 80، محققة خلال هذه الفترة توسعا للمساحات المخصصة للمزروعات السكرية وحتى تحسينا للمردودية. ومع بداية سنوات 1990 اصبح انسحاب الدولة محسوسا، وركدت المردودية وشهد معدل الاكتفاء الذاتي تراجعا كبيرا، حيث بلغ زهاء 50% [22]. ومع شراء مصانع السكر الاربعة باسعار زهيدة من قبل كوزيمار ( مجموعة أونا: اومنيوم شمال افريقيا) بلغت الريبة ذروتها بين المنتجين والصناعيين. ويقاطع فلاحو تادلة زراعة الشمندر[23]، ويضاعفون اشكال الاحتجاج، ازاء ركود المردودية، وتنافر توجيهات الدولة والشروط الجائرة المفروضة من شركة كوزيمار.
يمثل هذا نموذجا لاثر نقص متابعة وتماسك السياسات الزراعية في سلاكة كانت مع ذلك واعدة. ان انسحاب الدولة وتحرير القطاع وخصخصة بعض وحداته لا يحفز بقدر ما يخلق اوضاع صراع وانحباس اكبر. والنتيجة تبعية متنامية ازاء الواردات.
اجمالا تعاني الزراعات، بالغة التبعية لتبدلات المناخ، من ركود المردودية، ولم تتمكن من مسايرة فعالة لتزايد السكان. النتيجة استمرار تبعية المغرب الغذائية في المنتجات الاساسية (الحبوب، السكر، الزيوت) أوتفاقمها، بينما تدهور الميزان التجاري الزراعي الغذاني، هذا القطاع المفترض انه يشكل الى جانب الفوسفاط راس رمح الصادرات المغربية، حيث نزل من فائض بداية سنوات 1970( 180% من معدل التغطية) الى 46% فقط في بداية سنوات2000.
1- الثورة في القرى
تبرز بعض الاوجه المتناولة في هذا المقال (بسبب ضيق الحيز لم نتناول مشكل الماء الشائك، ولم نتناول مشكل الانظمة العقارية الا بشكل طفيف) ان الحلول الليبرالية – وبوجه خاص مضاعفات اتفاقات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الامريكية ومع الاتحاد الاوربي [24]- ستؤدي الى كارثة حقيقية بالقرى المغربية: تحويل مساحات الحبوب الى زراعات أخرى، وتفكيك مزارع الدولة، وبيع الاراضي الزراعية للاجانب والتملك الخاص للاراضي الجماعية، و المخزنية و واراضي الاحباس، وتعزيز التوجه الانتاجوي لزراعة موجهة نحو التصدير، والتخلي (المبرمج او الجزافي) عن الزراعة المعاشية، هذا في سياق انفتاح متزايد كل سنة للاسواق المغربية على الواردات الزراعية الاجنبية.
ليس أكيدا ان الدولة المغربية قد قامت بقياس كل عواقب هذه التوجهات.
على الصعيد البيئي سيؤدي توسع زراعة من نوع صناعي مفرطة في استهلاك الماء الى ثقل اضافي على الُفرشات المائية التي تعاني اصلا ضغطا: لقد سبق دق ناقوس الخطر بخصوص فرشات حوز مراكش وسوس، وهي التي ستواصل تحمل القسم الاعظم من الطلب. كما ان توسيع مجال زراعة الاشجار المثمرة( تفاح، اجاص، الخ) مستهلك كبير للماء، وقد سبق ان ادى الى تجفيف بعض بحيرات الاطلس المتوسط . يبدو ان التوجه المختار يتطابق بصعوبة مع منظور للتنمية المستدامة.
وعلى الصعيد الاجتماعي يجمع الملاحظون، ومنهم المفاوضون الامريكيون، على ان منطق الانفتاح سيؤدي الى تكاليف اجتماعية باهضة[25]. لكن هذا الاقرار غير كاف، بنظر اغلب الخبراء، لاعادة النظر في اتفاقات التبادل الحر والمنطق الكامن في مجمل الاصلاحات المقررة. ليس ثمة غير توصية باقامة" شبكات اجتماعية" مثل تمويل المشاريع بالغة الصغر بالقروض الصغيرة، الموجهة نحو السياحة القروية وانشطة الخدمات. واخير بدأ ورش كبير للكهربة والتزويد بماء الشرب بمساعدة البنك العالمي والتعاون الدولي، لكن ليس مؤكدا ان يكفي ذلك لتثبيت ضحايا المصيبة المعلنة في المراكز القروية الصغيرة.
و على الصعيد السياسي ستتعزز تبعية المغرب لمراكز القرار الدولية – مؤسسات مالية وتجارية، و حكومات، وشركات صناعة غذائية من ذات الجنسية المتعددة. لكن ثمة ايضا مخاطرة قوية لزعزعة شديدة للدعم السياسي الذي قدمه العالم القروي للملكية وللمخزن، سواء باتساع مرتقب لفقر عميق اصلا ، او باعتماد قواعد منافسة شرسة بين المنتجين و التفكيك المخطط لتدخل الدولة الضابط.
بدأت حركات عصيان تظهر بنقاط مختلفة بالمملكة: احتجاجات منتجي الشمندر في منطقة بني ملال، حركات في سوس، حول مسالة خصخصة سوديا وسوجيتا، وايضا حول مسالة الحقوق في الماء ورخص حفر الابار، وحركات عمال زراعيين ( مزرعة كليمانتين بالجديدة). و ثمة الى جانب هذه التعبئات، المشتتة والتي قلما يبرزها الاعلام، حركات احتجاج محلية كبيرة في بعض المراكز القروية ( املشيل، طاطا، بوعرفة،الخ) قاسمها المشترك المطالبة بحقوق الافادة من الخدمات الاجتماعية الاساسية (التعليم، الصحة، الطرق...) وكونها تجمع مختلف فئات السكان والقطاعات الاجتماعية: انها بداية تعبير عن رفض تهميش القرى. يظل هذا الهدير بالقاعدة مشتتا وعصيا على الهيكلة بقدر ما كان المخزن قد حرص منذ 50 سنة على ان يخنق في المهد كل سعي الى التنظيم الذاتي او التمرد بالعالم القروي. و إن القطاع الوحيد الذي لديه بنيات تشاور وتعبئة هو كبار المنتجين والمصدرين ( الحوامض واشجار الفواكه...) الذين يحاولون في اطار اتفاقات التبادل الحر ايجاد مساحات تصدير بالاسواق الاوربية والامريكية. وثمة ايضا بقدر اقل تقاليد عمل نقابي بسيطة في بعض المستغلات الزراعية الكبرى. لكن لم يكن ابدا لصغار المنتجين والمزارعين هامش ديمقرطي كاف لبناء هيئات تتيح التعبير عن تطلعاتهم ومطالبهم والدفاع عنها. وقد تمثلت قوتهم الرئيسة لحد الآن في قوة الجمودية، لكن هذه القوة، علاوة على انها ابقت فئات السكان تلك في حرمان بالغ، غير كافية على ما يبدو للتصدي للدكاك الليبرالي السائر الى سحقهم.
2- خلاصة
بينما تعلن الادارة المغربية ان محاربة الفقر اولوية اولوياتها، تظهر السياسة الزراعية المطبقة كمسبب كبير للفقر، وما يلازمه من توسع منفلت للقطاع اللاشكلي، سواء على صعيد السكن او الانشطة، واندفاع للهجرة يتعارض كليا مع التزامات الدولة المغربية ازاء اوربا، المسدودة اكثر من قبل بوجه هذا النوع من الهجرة الكثيفة وغير المؤهلة، والراغبة اكثر فاكثر في امتصاص اطر بلدان الجنوب ونخبها.
ليست الليبرالية مع ذلك الخيار الوحيد لاخراج الزراعة المغربية من وضعها الهش ومن عجزها عن تامين الامن الغذائي للمغاربة وبقاء الفلاحين على اراضيهم.
يدافع نجيب اقصبي عن "اعادة الاعتبار للدولة في وظائفها الاساسية الاستراتيجية والمنظمة" ويضيف ان مطلب الديمقراطية ليس "مسبقا عقائديا" بل " شرط تبني اهدافها ووسائلها" [27].
تشير المنظمة العالمية للاغذية والزراعة FAO الى ان"فرض التبادل الحر سيجعل ميل الاسعار الزراعية الفعلية الى الانخفاض يحكم على مئات ملايين الفلاحين الاضافيين بالركود والافقار والهجرة، ثم البطالة والاجور المتدنية, تكمن البدائل حسب تقرير مقدم للقمة العالمية للتغذية في يونيو 2002، في حماية الزراعات الفلاحية السائرة الى هلاك او التي تواجه مصاعب فقط:" يجب تنظيم وضبط المبادلات الزراعية الدولية على نحو يحتمل عيش الجميع فيه"[28].
وتدافع الحركة الفلاحية العالمية بيا كامبسينا عن بديل مماثل، مركزة مقترحاتها على مبدأ السيادة الغذائية. و تنطلق منظمة بيا كامبسينا من مبدأ قوامه ان دور الفلاحين في المقام الاول هو تغذية مواطنيهم. ويمر هذا عبر تطوير أسواق القرب وحمايتها واقامة حمايات تعريفية كافية للاحتماء من المنافسة غير المشروعة. وتعتبر ان التجارة ليست هدفا بحد ذاتها. و لا ترى حركة بيا كامبسينا في الحديث عن السيادة الغذائية سعيا الى الاكتفاء الذاتي بل من اجل هيئات دولية للضبط وتسوية الخلافات داخل الامم المتحدة. و تمر السيادة الغذائية عبر زراعة عائلية وتوسيع عادل لوسائل الانتاج، وتفترض الحد من سيطرة شركات الصناعة الغذائية ذات الجنسية المتعددة. تكاد هذه المقترحات تكون غير مسموعة بالمغرب بقدر ما سحق الدكاك المخزني كل امكانية تعبير ذاتي لدى الفلاحين الصغار. ومع ذلك يتعين الاقتداء بها لتفادي الافلاس الاجتماعي الماثل خلف الاختيارات المعتمدة الى يومنا هذا.
ملاحظة: نشر هذا المقال بالعدد 135 من مجلة Informations et commentaires.
بقلم لوسيل دوما: عضو سكرتارية جمعية أطاك المغرب