بعيدا عن النعوتات و الأوصاف المتجنية على ما قامت به حماس في قطاع غزة فإن الحدث يستلزم في نظرنا ضرورة فهم ماجرى في سياق ماآلت إليه القضية الفلسطينية على ضوء المشاريع الإمبريالية حول " شرق أوسط جديد " مفصل على مقاسات الدول المهيمنة الكبرى و مستجيبة لمصالحها الاقتصادية و الجيوسياسية .
حماس : أسباب الصعود الإنتخابي
لم يكن فوز حماس الانتخابي في يناير 2006 ( 45% من مقاعد المجلس التشريعي ) في حقيقته تعبيرا عن اكتساح تيار ديني للمجتمع الفلسطيني الأكثر علمانية و تحديثا عن كثير من المجتمعات الإسلامية . فليست أصوات الناخبين الذين كسبتهم حماس تعبيرا عن كونهم أنصار دولة إسلامية تطبق الشريعة، بل إن قادة حما س أنفسهم يتفادون أي سير بهذا الاتجاه.
كان هذا الاكتساح الانتخابي محصلة موضوعية لعوامل متعددة ، فحركة المقاومة الإسلامية حماس الناشئة في خضم الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 87 ، بلورت خطابا متجدرا يرفض أية مساومة مع إسرائيل منظورا إليها كممثلة للديانة اليهودية المعادية للمسلمين بالفطرة . كما رفضت اتفاقات أوسلو سنة 93 واصفة إياها كخيانة للشعب الفلسطيني دافعة عبر ممارسة راديكالية نحو تصعيد المقاومة ضد الصهيونية عبر سلاح العمليات الاستشهادية وهو ما أكسبها هالة حزب " الشهداء " و " الاستشهاديين " . كل هذا في سياق تراجع منظمة التحرير الفلسطينية التي نحت باتجاه البحت عن مساومة مع إسرائيل و الولايات المتحدة . و بعد اتفاقات أوسلو و بناء أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية بان للعيان أن كوادر حركة فتح المستأثرة بأجهزة السلطة الفلسطينية يتجهون نحو مراكمة المجد و الثروات الشخصية أكثر من انشغالهم بمصالح شعب يعيش في ظل الاحتلال الصهيوني في أسوأ أشكال الفقر و الحرمان . و أمام غياب أي نتائج ملموسة لسعي قيادة فتح نحو خط المساومة مع الإحتلال إذ أن هذا الأخير واصل سياسة التطويق الاقتصادي و الهجومات العسكرية و سياسة الاستيطان مبررا ذلك بغياب محاور فلسطيني جدي واصفا عرفات و بعده أبو مازن بالقيادة العاجزة عن تنفيذ الشروط الإسرائيلية المتمثلة أساسا في قمع و استئصال خلايا و منظمات المقاومة الفلسطينية المسلحة .
كانت هذه السياسة الإسرائيلية بمثابة حشر لقيادة فتح في الزاوية . فهي متمسكة بتبرير سياسي لخط مساومات واقعية مع إسرائيل و أمريكا دون نتائج ملموسة تبرر في أعين "شعب الجبارين" صحة هذا المسار السياسي،و فوق هذا أو ذاك أصبح كوادر فتح نماذج فعلية لاستشراء الفساد في أجهزة السلطة .
مقابل هذه المآزق كانت حماس منصرفة إلى سياسة القرب مع الجماهير الفلسطينية قائمة بتلبية الخدمات الاجتماعية للمعوزين و أسر الأسرى و الشهداء و بناء المستشفيات و رياض الأطفال و المؤسسات التعليمية مستفيدة من الأموال الآتية من بلدان الخليج و إيران لكن عبر تسيير مالي لا يشوبه الفساد الشخصي مما أظهرهم في أعين الجماهير المسحوقة نموذجا للنزاهة الأخلاقية على عكس كوادر فتح .
كل هذه العوامل مجتمعة هي ما تمخض عنه الاكتساح الانتخابي لحماس التي ظهرت في سياق إقليمي عرف صعود السلفية الإسلامية ، بجذريتها كحركة تمثل نموذج المقاومة المطلوبة لمواجهة الصهيونية و الغطرسة الإمبريالية بالمنطقة .
حرب ضد العملاء في فتح
استتار الصعود الانتخابي لحماس و تشكيلها للحكومة الفلسطينية رد فعل دولي مرفوض من طرف الإمبريالية الأمريكية و الأوروبية و كذا الأنظمة العربية الرجعية عبر الحصار الاقتصادي و السياسي للحكومة الفلسطينية كتعبير عن العقاب الجماعي للشعب الذي صوت لحركة حماس .
و قد عملت حماس عبر دبلوماسية خارجية نشيطة على البحث عن تحالفات و اتفاقات إقليمية و دولية لكسر الحصار الاقتصادي لحكومتها إلى أن كل المساعي فشلت أمام التصلب الأمريكي و الإسرائيلي و عجز الحكومات العربية وتواطؤ مشبوه للرئيس الفلسطيني ، عن تحدي أوامر واشنطن .
أمام هذا الوضع كانت الخيارات المطروحة أمام حماس محدودة فإما الاستجابة للضغوط الأمريكية عبر الاعتراف بإسرائيل و كل الإتفاقات المعقودة معها سابقا ، وإما استقالتها من الحكومة و عودتها للمقاومة المسلحة و ممارسة دور المعارضة في المجلس التشريعي . لكن حماس تفادت أي من الخيارين وتمسكت بموقعها في الحكومة الفلسطينية متحولة صوب حرب داخلية ضد فتح خاصة حول التحكم في جهازي الأمن و الاستخبارات حيث تتهم حماس رموز فتح القائمين على هذه الأجهزة بأنهم يشكلون تيارا لعملاء أمريكا وإسرائيل داخل فتح . ولم تكن الإتفاقات و الحوارات الثنائية بين فتح و حماس خاصة إتفاق مكة حلا لهذا الخلاف المعبر من جهة عن مأزق حماس في فك الحصار الاقتصادي لحكومتها و من جهة أخرى عن سعي فتح لجعل حكومة حماس شكلية لا تتحكم فعليا في أجهزة السلطة الفلسطينية . و بعد فشل أشواط من المفاوضات الثنائية و الوساطة العربية لم يكن أمام حماس من خيار أخر غير الخيار العسكري لاستئصال هيمنة فتح على أجهزة السلطة في قطاع غزة موقع قوة حماس تحت شعار استئصال تيار عملاء إسرائيل و أمريكا داخل فتح . إن هذا الانقلاب الذي قامت به حماس في غزة مفاجئ فقط من زاوية وحيدة هي أن كثيرا من التحاليل والتوقعات كانت ترى إمكانية دفع واشنطن حركة فتح لتنفيد "السيناريو الجزائري" عبر انقلاب عسكري يطيح بالسلطة المنتخبة (انظر مثلا مقال :الانطباعات الأولى حول فوز "حركة حماس" الانتخابي لجلبير الأشقر / جريدة المناضلة عدد 11 ) . فهل وقوع العكس دليل على النباهة السياسية لحماس ؟
حكومة الطوارء و مباركة الإمبريالية
أمام ما وصفته قيادة فتح قيادة فتح بالانقلاب العسكري لحماس في قطاع غزة على الشرعية الفلسطينية أعلن الرئيس الفلسطيني حالة الطوارئ و إقالة حكومة الوحدة الوطنية التي تقودها حماس وإعلان حكومة جديدة أغلبيتها من التكنوقراط و رجال الأعمال .
مباشرة بعد إعلان هذه الحكومة سارعت إسرائيل و أمريكا و الإتحاد الأوروبي للتعبير عن دعمها لهذه الخطوة واستعدادها لفك الحصار الاقتصادي على الفلسطينيين . مقابل ذلك تمسكت حماس بحكومتها طاعنة في الشرعية الوطنية و القانونية للحكومة الجديدة مراهنة على إرساء ميزان قوى جديد مع فتح في الميدان عبر صيغة حكومتين الأولى في غزة نموذج حكومة المقاومة و الثانية في الضفة نموذج حكومة المساومة.
حكومتان لشعب لاوطن له .... أية أفاق ؟
تراهن حماس عبر استيلائها على قطاع غزة على أن تعالج مشكلة المأزق المسدود لتواجدها في الحكومة الفلسطينية دون فقدان ماء وجهها أمام أنصارها عبر إرساء هيمنة ميدانية في غزة وقطعها من مساحة تحكم سلطة محمود عباس كي تضع فتح أمام خيارين : إما استفادة سكان غزة من صدقات المساعدات الدولية ولكن عبر الأجهزة الإدارية التي تسيطر عليها حماس . وإما قطع كل شيء عن غزة و ظهور فتح بمثابة من يصطف إلى جانب إسرائيل في حصار جماهير غزة و تجويعهم.
وكل الخيارات سلبية بالنسبة لفتح اللهم إن لم تفكر بشكل مجنون بالإعداد لهجوم عسكري على أجهزة حماس في غزة إن سهلت لها إسرائيل إمكانية مرور قواتها من الضفة نحو القطاع وهو خيار قد تسعى له إسرائيل ، لكن في حالة نفاده سيكون بمثابة قتل ما تبقى من الرصيد الكفاحي والشعبي لحركة فتح .
صعوبة هذا السيناريو قد تفتح الباب لخيار آخر مشابه له في الجوهر وهو اكتساح عسكري إسرائيلي لقطاع غزة لتقويض قوة حماس مرفوقا بطريقة اغتيالات منهجية للقيادة السياسية والعسكرية لحماس وإزالة مؤسساتها الإدارية والأمنية مع الاحتفاظ بوجودها العسكري داخل القطاع بطريقة تسهل عودة فتح لتلك المؤسسات ، دون أن ينسحب الجيش الصهيوني إلا بعد إرساء ميزان القوى الفلسطيني في غزة بالشكل الذي يريده .
إن تحليل الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة للوضع المستقبلي لقطاع غزة يدل على أن مفتاح المستقبل لا يوجد بيد فتح وحماس بقدر ما يوجد في مقدار المصلحة الإسرائيلية في أي وضع محتمل.
من البديهي أن إسرائيل في مصلحتها أي شقاق في الصف الفلسطيني ، ولكن ذلك رهين أيضا وبشكل وازن بالممارسة السياسية لحكومة حماس في غزة . فهذه الأخيرة ستوضع في نفس المآزق السابقة لفتح ، إذ أن هناك فرق كبير في السياق الفلسطيني بين الاستيلاء على السلطة والشروط السياسية للاحتفاظ بها . إذ أن الاحتفاظ بالسلطة يعني ضرورة مساومة مع إسرائيل. ستشترط هذه الأخيرة عدم إطلاق الصواريخ على مستوطناتها من غزة مع الإحجام عن أي عمل عسكري ضد جيشها ، وهو شرط إن التزمت به كتائب القسام فليس من ضمانة لالتزام الفصائل الأخرى به ، مضافا إليه أن تلك المآزق قد تستفيد منها فتح عبر مزايدة "كتائب الأقصى" بالمقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ انطلاقا من غزة مما سيضيق الخيارات أمام حكومة حماس ويجعل أيامها معدودة .
خلاصة هذا التحليل أن حماس ، عبر مغامرتها المعبرة عن انسداد أفق ، لن تحل مأزقها السياسي عبر حكومة أخرى في قطاع غزة لا تحظى بدعم أي فصيل فلسطيني آخر ولا بدعم دولي لم تقم سوى باستبدال ديكتاتورية فتح بديكتاتوريتها الخاصة (مراهنة على إكساب حكومتها الشعبية المطلوبة انطلاقا من فرض الأمن الداخلي) . وعبر تحولها من حركة مقاومة إلى حزب للسلطة (ولو في قطاع غزة) لن تستطيع بسبب أفقها السياسي وارتباطها بمصالح إقليمية (سوريا-إيران / السعودية) بناء دولة / حكومة المقاومة في غزة في غياب أي دعم سياسي داخلي (ليس فقط من اليسار الفلسطيني بل حتى من الفصائل الإسلامية ) بل ستضيق هامش الخيارات أمامها أكثر .
فإما أن تجعل بنيات السلطة في خدمة المقاومة المسلحة وبذلك تضحي بالسلطة لصالح المقاومة لان إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي، وإما أن تساوم إسرائيل وتحجم عن مقاومتها وتقمع الفصائل المسلحة الأخرى فتضحي بالمقاومة لصالح الاحتفاظ بالسلطة.
أما خيار مساومة إسرائيل والاتجاه نحو بناء نموذج دويلة إسلامية في غزة وفرض نموذجها الأخلاقي على الجماهير فهو واقع خارج جدول الأعمال ليس فقط لأنه سيعيدها إلى ما كانت عليه قبل 1987 كحركة إخوانية تسبق مهمة فرض الشريعة على مقاومة الاحتلال ، بل لأنه سيزيد من تعميق شرخها مع الجماهير الفلسطينية التي لا ترى أولوياتها في الحجاب واللحية بديلا عن تقرير المصير والتحرر من الاحتلال الصهيوني .
نبيل عثمان
18 يونيو 2007