جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

من تاريخ كفاح العمال

 نضالات جبل عوام: التجربة والدروس المستخلصة


الثلاثاء 10 تموز (يوليو) 2007

يوسف بنعلي


تقديم: يشكل قطاع المناجم أقدم الأنشطة الصناعية بالمغرب ويحتل مكانة كبيرة على مستوى التشغيل والتصدير. فمنذ بداية القرن ركز المحتل الفرنسي على ثروات باطن الأرض خاصة الفوسفاط (خريبكة) الرصاص والزنك (زليجة، أحولاي، جبل عوام) الحديد (الريف وأين عمار) المنغنيز (إيسني) الكوبالت (بوازار). وقد كان المستعمر الفرنسي مدركا لأهمية هذا القطاع، ولهذا السبب ثم إنشاء المكتب الشريف للفوسفاط سنة 1920 ومن أجل استغلال الثروات المعنية الأخرى ثم إنشاء مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية في دجنبر 1928. ومنذ 1956 ووعيا منها بأهمية هذا القطاع وضعت الطبقة الحاكمة نصوصا مثل ظهر 08 يوليوز 1957 وظهير 24 دجنبر 1960 من أجل تنظيم الاستغلال ومراكمة الأرباح على حساب عرق العمال وجوع عائلاتهم. ويعاني عمال من القطاع من الاستغلال الرأسمالي في شروط بالغة السوء وبأجور الجوع. ومما يكرس هذه الأوضاع سمة التشتت التي تطبع عمال هذا القطاع مما يجعل شغيلته فريسة سهلة لهجمات الرأسمال وصلت حد التشريد الجماعي. ونستعرض هنا نموذجا لهذه الهجمات من خلال مأساة عمال جبل عوام وعزلتهم أمام الوحش الرأسمالي وجهاز دولته مدة تزيد عن السنتين.

I - تعريف عام بموقع المغارة

1) الموقع وبداية العمل: تقع مناجم جبل عوام في فضاء "تغزى" يقرب بمسافة 7 كلم من مدينة مريرت التابعة لإقليم خنيفرة. بالقرب من الحي السكني يوجد المختبر وآلات التصفية والإدارة في حين تقود الطريق - حوالي 3 كلم- إلى المنجم (الغار). انطلقت الأشغال منذ العشرينات. وفي سياق مواجهة الإستعمار وبتنسيق مع المقاومة المسلحة المغربية، استولى العمال سنة 1955 على مخزن للأسلحة وسلموا محتوياته من البنادق ورشاشات وذخيرة إلى المقاومين، وكان رد فعل المستعمر هو إغلاق المنجم. وفي سنة 1958 عاد المنجم إلى الإستغلال مع بعض التوقفات حتى الآن.

2) الشركة: يعود ملكية شركة مناجم جبل عوام إلى شركة مختلطة بلجيكية مغربية مكونة من:

-   الشركة الملكية الأستورية للمعادن CRAM بنسبة 74% من الأسهم

-   مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية 26% يتكون المجلس الإداري في أغلبيته من الأطر البلجيكية، ويترأس المجلس مدير عام وابتداء 1986 أصبح ينتمي إلى مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية

3) المعادن المستخرجة: يتم استخراج المعادن من بئرين وهما:

* بئر جبل عوام: يتوفر على احتياطي معدني يقدر ب 15 سنة ويحتوي على:

-  نسبة 6% إلى 8% من الرصاص

-   1.8% إلى 2.5% من الزنك

-   من 100 إلى 160 غرام من الفضة في الطن الواحد من الإنتاج الخام.

* بئر اغرم أوسار : يفوق احتياطه 20 سنة بناءا على تقديرات حالية وبالتقنيات المتاحة حاليا ويحتوي على:

-   8% إلى 14% من الرصاص

-   2% تقريبا من الزنك

-   180 غرام من الفضة في الطن الواحد من الإنتاج الخام .

وهناك آبار أخرى مجمدة كبئر سيدي احمد ويحتوي على احتياطي تفوق نسبته 2.5% من الزنك و4 غرامات من الذهب في الطن الواحد ويقوم معمل التصفية بمعالجة ألف طن من الإنتاج الخام وتعطي:

-  ما بين 70 طن و90 طن من الرصاص في اليوم به 100 إلى 120 غراما من الفضة

-  ما بين 18 إلى 25 طن من الزنك به ما بين 8 إلى 10 غرام من الفضة القدرة الإنتاجية عن كل شهر من العمل (25 يوم عمل)

نوع المعدن القدرة الإنتاجية الدنيا القدرة الإنتاجية العليا الرصاص 1500 طن 2300 طن الفضة 2700 كلغ 3200 كلغ الزنك 430 طن 600 طن المصدر" بيان اليوم" 07/09/93

عرف عن مناجم جبل عوام أنها تنتج الرصاص بالدرجة الأولى، والواقع أن ذلك يمكن يقال عن الفترة التي سبقت أواسط الثمانينات، حيث كان المنجم ينتج إضافة إلى الرصاص معدني الزنك والفضة إذ أن أهمية الرصاص آنذاك كانت أعلى في السوق العالمية. أما بعد الفترة المذكورة ونظرا لانخفاض أسعار الرصاص، وتزايد أهمية إنتاج الفضة بالمنجم، فيمكن أن يقال إن مناجم جبل عوام تنتج حاليا حسب الأولويات كلا من الفضة والرصاص والزنك كما أن المنجم يحتوي على احتياطي لأزيد من 15 سنة.

II - بنية العمال والشروط العامة للاستغلال.

1 - بنية العمال: يشتغل بالمنجم أكثر من 700 عامل موزعين على الشكل التالي:

-  حوالي 32 إطارا عاليا

-  550 عاملا مرسما، وحوالي 30 عاملا مياوما

-  140 إطارا متوسطا

وفئة الأعمار المتواجدة بالمنجم هي فئة 25-40 سنة، وهي فئة تتميز بديناميكيتها وقدرتها على العطاء أكثر. وتعتبر هذه الميزة إلى جانب عوامل أخرى من أهم ضمانات النفس الطويل الذي ميز المعركة الحالية. يتقاعد العمال المنجميون في سن 55 سنة والإداريين في 60 سنة.

2- شروط الاستغلال: دمار للصحة:

يشتغل أغلب العمال بباطن الأرض في ظروف قاسية ومحفوفة بالمخاطر.

أ‌- الأخطار المرتبطة بالحوادث : فالمنجم عبارة عن غار في جبل ثم حفره عموديا على عمق طويل جدا مكون من 12 طبقة تزيد مسافتها عن 50 مترا، وأنفاق تحت الأرض تزيد عن 3000 مترا. ويتم النزول إلى هذه الطبقات بالمصعد، حيث يوجد غار أفقي يقود نحو المعادن، وفيه يعمل العمال. وفي طبقة من الطبقات الاثني عشر، هناك غار يدفع التراب والحجارة إلى مصعد خاص، ثم إلى شاحنات تحمله إلى المختبر وآلات التصفية. إن العمل بالمنجم محاط بالأخطار القاتلة خاصة مع غياب الإشارات المنبهة، حيث تساقط الصخور، والإختناق بالغازات، وخطر التعرض لآلات الجر داخل المنجم والمتفجرات. [ نظرا لتقصير البيانات النقابية والصحافة لم نتمكن من تكوين صورة دقيقة معززة بإحصائيات عن هول الكوارث/الحوادث التي يتعرض لها عبيد الأعمال بهذا المنجم.]

ب - الأمراض المهنية :

تشكل الأمراض المهنية، إلى جانب أرباب العمل والحوادث، عدو العمال الأول. فغالبا ما يتعرض العمال لمرض السليكوز والذي يسببه كثرة الغبار. يصيب السليكوز الجهاز التنفسي للأشخاص الذين لهم احتكاك بالسلس (خاصة عمال عمق المناجم ومعامل الأسمنت). حيث أن أنظمة التنقية للقصبة الرئوية لدى العامل تصبح ،عاجزة عن أداء وظائفها في استفراغ الجزئيات المعدنية مثل السلس. عند ظهوره يأخذ السيلكوز شكل سعال جاف مع بصق في بعض الأحيان. وينمو بسرعة حسب أهمية الغبار، ومدة التعرض له، وطاقة التحمل لدى المريض. ويؤدي على المدى الطويل إلى ضعف تنفسي مزمن، حيث يصعب على المريض صعود منحدر أو أدراج، وفي المرحلة النهائية يصبح عاجزا عن المشي وأحيانا عن الكلام. كما أن له مضاعفات على القلب، ويمكن أيضا أن يتفاقم إلى إصابة رئوية. لذا فإن المرضى بالسيلكوز هم غالبا عرضة لمرض السل. ويصاب العمال أيضا بالروماتيزم الناتج عن العمل في عمق كبير لساعات طويلة خلال اليوم. ونظرا لظروف العمل الفظيعة يغدو بديهيا أن تفتك الأمراض بصحة العمال، فأبسط وسائل الوقاية هي غالبا مفتقدة، فضلا عن ضعف وعي العمال بما يهددهم. ويبقي الشيء الوحيد الكفيل بإنقاذ العمال هو التغذية الجيدة، لكنها غير ممكنة نظرا لهزال الأجور.

ج - التطبيب :

يوجد بجبل عوام مستوصف قليل التجهيزات، يعمل به طبيبان وأربع ممرضين وممرض ممتاز. إلا أن هذا المستوصف لا يستجيب لحاجات تطبيب العمال المعرضين لأبشع الأخطار. كما أن الرأسمال لا يبالي بالوضع الصحي للعمال لأنه يجد رهن إشارته جيشا من العاطلين[ كاحتياطي يؤمن تعويض من فتكت بهم الأمراض والإصابات.]

د - السكن : تقطن حوالي 250 عائلة بالحي السكني بـ"تغزى" الذي ثم بناؤه للعمال. ويسكن الباقون بمريرت. وهي دور مقسمة بين العمال والإداريين والتقنيين، فالعلاقات التراتبية التي يغذيها الرأسمال تجد تعبيرا لها في السكن والحياة اليومية.

هـ- ساعات العمل : تستمر محنة العمال هذه ليل نهار من خلال نظام التناوب بين ثلاثة فرق. تتكون كل فرقة من 250 عاملا. ويضطر العمال إلى زيادة ساعات العمل في مراحل ازدهار التسويق.

و - الأجور : إن الرأسمال يضع العامل بمواجهة مخاطر عديدة ومتنوعة، وفوق ذلك ينزع عنه كل وسيلة للدفاع. فأجرة العامل لا تسمح له بتوفير التغذية والوقاية اللازمة لجعل جسمه قادرا على مواجهة المخاطر المحيطة به خلال استغلاله، وهذا ما يجعله فريسة تراكم الأمراض والآلام بينما يراكم الرأسمالي الأرباح. فأجور عمال باطن الأرض، أي أكثر من 77% من العاملين بالمنجم، تتراوح ما بين 2000 و3000 درهم. وينخفض ذلك بالنسبة للمياومين. [المياومين هذا الخطر على وحدة ونضالية العمال والضروري لتراكم رأسمال مقابل العمل في أدنى الشروط وبأدنى مقابل لقوة العمل والاستعداد الدائم لكسر النضالات. لذا لا نستغرب إذا وجودنا الشركاء البلجيكيون يقترحون كحل "للأزمة الحالية" تقليص عدد العمال الرسميين إلى النصف وتعويضهم بالمؤقتين!]

واضح أن هذه الأجور هزيلة قياسا لما يكابده العامل في ظل شروط العمل المضني والمحفوف بالأخطار الدائمة.

-  الأطر المتوسطة ما بين 2500 درهم إلى 7000 درهم.

-  المهندسون، ما بين 6000 درهم إلى 15000 درهم.

ز - النقل : لا تنتهي محنة العمال عند انتهاء يوم الأشغال الشاقة في باطن الأرض، إذ بانتظارهم معاناة أخرى أثناء تنقلهم إلى مقر سكناهم، إذ يحشرون في شاحنات مكدسين كـ"البهائم"

3 - المطالب العمالية: هذه الأوضاع العامة التي سبق وصفها هي الكامنة خلف المطالبة المستمرة من قبل العمال بتحسين شروط العمل والسكن ومستوى الأجور، والتي أجبرتهم على خوض عدة نضالات لفرض هذا التحسين. فالمطالب التي تقدم بها العمال عبر السنوات تعكس بوضوح ما يعانيه كادحو المنجم:

-  الزيادة في الأجور

-  التعويض عن السكن/ إصلاح السكن

-  الزيادة في المنحة السنوية للعطل

-  الزيادة في التعويض عن التدفئة

-  الزيادة في المكافآت على المردودية

-  بدلتان للعمل بدل واحدة

-  مطالب مرتبطة بأحداث موسمية : الطرد، العقوبات...الخ

III النضال العمال في مواجهة الاستغلال والتشريد

1- نضال عمال جبل عوام قبل الإغلاق

ارتبط نضال عمال جبل عوام بالكفاح ضد الاستعمار الفرنسي الذي كان يستنزف خيرات المنجم منذ العشرينات، عبر استغلال بشع للعمال وحرمانهم من أي حق مادي أو معنوي –وقد تنظموا مبكرا في إطار العمل النقابي، وصولا إلى الإتحاد المغربي للشغل النقابة المناضلة الوحيدة في الساحة إلى حدود 1978.

فقد تظاهر العمال سنة 1951 ضد السياسة الاستعمارية، وتدخل الجيش الاستعماري ليغرق مريرت في الدماء مخلفا العديد من الشهداء. وبتنسيق مع المقاومة المسلحة، استولى عمال منجم جبل عوام سنة 1955 على مخزن للأسلحة وسلموا محتوياته من البنادق ورشاشات وذخيرة إلى المقاومين، وكان رد فعل المستعمر إغلاق المنجم.

وخلال 1968 تمكن العمال من توقيع بروتوكول مع الإدارة يخول للعمال الذين يغادرون العمل بسبب التقاعد أو المرض الحصول على التعويض النقدي بقيم الأجرة الشهرية عن كل سنة قضاها العامل في الشغل.

وتشير جريدة المسار لفاتح مايو 1985 أن العمال خاضوا خلال شهري مارس وأبريل من نفس السنة إضرابا دام 57 يوما ضد محاولات الإدارة التراجع على المكاسب، وعلى رأسها البروتوكول الموقع سنة 1968 بين الإدارة وممثلي العمال. وفي سنة 1989 عندما بدأ مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية الذي كان يدير الشركة آنذاك في مكننة وسائل الإنتاج. قدم العمال دفترا مطالبهم للإدارة وكان رد هذه الأخيرة هو التجاهل مما اضطر العمال إلى الدخول في سلسلة من إضرابات 24 ساعة يوم 22/02/89 - 24 ساعة يوم 08/03/89 وآخر لمدة 48 ساعة. وقد انتهت هذه المعركة لصالح الإدارة دون أن يحقق العمال أي شيء.

خلال شهري مايو ويونيو 1990 خاض العمال ثلاثة إضرابات بمشاركة نقابتي الاتحاد المغربي للشغل و الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وقد كان هدف هذه الإضرابات تحقيق مطلبين:

-   لزيادة في الأجور بنسبة 10% التي أعلن عنها وزير التشغيل بمناسبة فاتح مايو 90

-   تطبيق قانون المنجمي [ ظهير 24 ديسمبر 1960] وفي خضم المعركة تعرض ستة (6) عمال للطرد بتهم ملفقة، فدخل العمال في إضراب لا محدود استمر أكثر من شهرين ونصف، و انتهى بالزيادة في الأجور وإرجاع المطرودين بقرار مجلس حكومي.

3- من الاستغلال البشع إلى التشريد

ليست الرأسمالية هي الاستغلال وما يصاحبه من بؤس ومعاناة فقط، بل أيضا خطر البطالة المحدق في كل لحظة. فاستقرار الشغل وهم في نظام اقتصادي يبقى فيه سير المنشآت الإنتاجية محكوما بالمزاحمة بين الرأسماليين وبقراراتهم الفردية وبتلاعباتهم بمصائر العمال بتنسيق مع جهاز الدولة البورجوازي. وأزمة جبل عوام نموذج جميع مساوئ الرأسمالية المتخلفة وشبه الاستعمارية السائدة في المغرب. فبعد عقود من الاستغلال في ظروف تجرد الإنسان من إنسانيته وتسحقه فارضة عليه حياة العبيد، تقوم الشركة بتشريد أكثر من 700 عائلة (بمعدل 8 أفراد لكل عامل) بعد إغلاق المنجم إثر قرار المحكمة الابتدائية بعمالة أنفا الدار البيضاء بالحكم لصالح البلجيكيين بالتصفية القضائية للشركة وذلك بتاريخ 06/05/93.

أ - نحو فهم طبيعة "الأزمة"

في السنوات الأخيرة يعيش قطاع المناجم أزمة حيث استمرار تراجع الإنتاج وانخفاض الصادرات بارتباط مع انخفاض الأسعار في السوق العالمية. غير أن هذه المظاهر ليست عاملا مفسرا للأزمة نظرا لتقلبات السوق، فعمليات إغلاق المناجم التابعة للدولة في المغرب تتزامن مع بداية انهيار مقصود لمكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية مثلما هو الشأن بالنسبة للمكتب الوطني للأبحاث البترولية، ويرتبط ذلك بكل تأكيد بسياسة إلغاء أدوار الدولة الاقتصادية والاجتماعية وتمليك الممتلكات العامة للقطاع الخاص.

فقد جرى تقزيم دور الدولة ومكانتها العمومية في ميدان البحث المنجمي، وسلم الأمر للخواص. واستفادت المجموعة الاحتكارية أومينيوم شمال افريقيا "أونا" من أهم اكتشاف معدني بالبلاد حيث تأتت له حيازة منجم كماسة [قرب مراكش] الغني والمربح. كما صار التنقيب عن المعادن والبترول حكرا على الخواص أجانب ومغاربة بشروط تتعدى التشجيع على الاستثمار أو التحفيز على التنقيب لأنها شروط تفويت، والحال أن ثروات باطن الأرض في العالم تعتبر ثروات مشتركة، إذن فإن تفكيك الملكية العمومية في الميدان المنجمي هي نتيجة لسياسة التقويم الهيكلي.

فقبل 1985 لم تكن هناك مشاكل حقيقية على مستوى تسويق منتجات جبل عوام، أو أية بوادر للأزمة داخل المنجم باستثناء الهجوم على قوت العمال كلما وجدت الإدارة الفرصة سانحة لذلك. وفي سنة 1986 شرعت إدارة الشركة في إنجاز بعض المشاريع منها الحدادة العصرية بمكناس (F.I.M.)، وقدر رأسمالها 2 مليار و 300 مليون سنتيم، و بناء مقر مركزي للمنجم بالبيضاء وهو عمارة من 7 طوابق بحوالي 2 مليار سنتيم، و إنجاز تجزئة سكنية بمريرت على مساحة 50 ألف متر مربع بحوالي مليار سنتيم، وبعض الأبحاث في الجنوب، تلك المشاريع امتصت قدرا ماليا كبيرا يقدر بالملايير وانعكس ذلك سلبا على رأسمال المنجم.

وفي سنة 1989، بدأت الشركة مشروع مكننة وسائل الإنتاج بنفس الطريقة التي استعملت بمنجم وانسيمي بالجنوب المغربي، مصعد للإستخراج Charpente بأغرم أوسار . وفي خضم هذه التطورات تم إشراك مساهم جديد في الشركة سنة 1990 إنه "الشركة المعدنية لتويست"، التي أصبحت تدير المنجم بواسطة الرئيس المدير العام الجديد لمنجم جبل عوام. وفي نفس الوقت يدير شركة تويست، للإشارة، في ظل هذه المنجزات أي منذ 1986 بدأ الهجوم بشكل شرس على مكتسبات العمال بدءا بالإجهاز على البروتوكول الموقع منذ 1968، تجميد الأجور، فضلا عن التراجع على المخيم الصيفي لأطفال العمال وتقليص التطبيب، هكذا تزامن توسيع الرأسمال لمشاريعه بحثا على الربح الأقصى مع هجوم شرس على مكتسبات العمال.

في عام 1991 ظهر الحديث عن الأزمة والاستدانة، وظهر الصراع بين المدير العام للشركة (تابع لمكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية) ممثل الطرف المغربي مع رئيس المجلس الإداري ممثل شركة تويسيت والبلجيكيين والسبب من ذلك أن مشاريع المكننة لم تفض إلى تطوير الإنتاج. وفي سنة 1992، أعادت الإدارة وأجهزتها طرح مسألة الديون التي بذمة الشركة، والفوائد الطائلة المترتبة عنها، وضرورة إعادة المكننة كصيغة لتسيير النشاط المنجمي من أجل الرفع من الإنتاج وإنقاذ الشركة. وحاولت حمل العمال حملهم على قبول أحد حلين لا ثالث لهما: إما تقليص الأجور أو التخلص من عدد لا يستهان به من العمال وفصلهم نهائيا عن مصدر عيشهم اليومي.

وفي سنة 1993، اشترت الشركة البلجيكية أسهم شركة تويسيت التي انسحبت من شركة مناجم جبل عوام وطرحت مشروعا يقضي بطرد نصف العمال وإعادة النظر في طريقة الإستغلال نتيجة الاستثمارات التي خلقت ديون الشركة، والخطوط العريضة للحل كما تراه شركة GRAM:

-  الإحتفاظ بحوالي 400 فقط من العمال وتسريح الآخرين.

-  التراجع عن المكتسبات التي حققها العمال بفضل نضالاتهم منذ أكثر من 30 سنة.

-  تخويل المشغل صلاحية تشغيل المياومين عند الحاجة.

-  حرمان العمال المحتفظ بهم من جميع المصالح الاجتماعية.

إن مقترحات الشركة كحل للأزمة تهدف إلى سحق العمال وتذريرهم، فرفضوا هذا المشروع لذلك قررت الشركة البلجيكية تصفية المنجم والبحث عن منجم آخر وهذا ما تم بالحكم القضائي بتاريخ 06/05/93.

ب - تشريد العمال والمعركة غير المحدودة

بعد إغلاق المنجم أصبح مصير العمال هو التشريد والضياع والجوع والمرض.. الخ، وهذا ما دفعهم إلى الدخول في معركة ضد الرأسمال ودولته وقد كان هدفهم واضحا منذ البداية:

-  لو حدث أن أعيد فتح المنجم فينبغي أن يستمروا بكل مكتسباتهم.

-  إذا كانوا سيتوقفون عن العمل فينبغي ألا تمس حقوقهم، وأن يتم تعويضهم عن المدة التي تم استغلالهم فيها.

وقد كانت أهم فصول المعركة كما يلي:

-   مسيرة إنذارية يوم 23/05/93 طافت أزقة وشوارع القرية العمالية.

-   مسيرة احتجاجية يوم 27/05/93 في اتجاه مدينة مريرت، تمت محاصرتها من طرف قوى القمع عند مخرج المدينة، فتحولت إلى اعتصام داخل ملعب كرة القدم من الثامنة والنصف صباحا إلى الواحدة بعد الزوال، حيث طلب الممثلون النقابيون الحوار. وكانت وعود عامل الإقليم: تسديد الأجور، وتقديم منحة العيد للعمال مع إخبارهم أن يوم 14/06/93 ُحدد من طرف الوزارة الوصية كآخر أجل لإنهاء مشكل جبل عوام على أرضية "ضمان استمرار المنجم" و"احترام حقوق العمال". وتجدر الإشارة إلى أن المسيرتان ُنظمتا بتنسيق بين مكتبي نقابتي الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

-   اعتصام إنذاري لمدة 4 ساعات يوم 14/07/93 ، شارك فيه عدد غفير من العمال وعائلاتهم أمام قيادة مريرت. قوبل هذا الاعتصام بلا مبالاة الدولة مما حدا بالعمال إلى إصدار بيان بالمناسبة دعوا فيه إلى الاعتصام اللامحدود، وطالبوا فيه الجماهير العمالية في جميع المواقع بالتضامن معهم في محنتهم.

انطلق الاعتصام اللامحدود أمام مقر قيادة مريرت يوم 07/27/93 احتجاجا على الوضع المتأزم والإمساك عن أداء أجور العمال والمطالبة بإعادة فتح المنجم.

وقد نصبت 72 خيمة علقت عليها لافتات تدين الباترونا وجهاز دولتها، وتخللت المخيم مجلة حائطية تحتوي على رسومات أحد العمال ومقالات مختلفة منشورة بعضها بالجرائد الوطنية. كما تم إبداع صيغ تنظيمية لتفعيل الاعتصام: لجنة الاتصال الخارجي، لجنة اليقظة (الحراسة الليلية)، اللجنة التنظيمية ولجنة الإعلام. وتميز الاعتصام بمشاركة النساء والأطفال والشباب إضافة إلى المساندة الدائمة لسكان مريرت.

بعد أن دام الاعتصام أكثر من 6 أشهر عانى فيه العمال الأمرين بسبب ضربات الشمس وسوء التغذية وقلة الماء الشروب وانتشار الأمراض وأخطرها الإسهال وانعدام الخدمات الطبية وعجزهم عن شراء الأدوية، وبعد أن طرق العمال جميع الأبواب من قائد الدائرة إلى الوزير الأول والديوان الملكي، وبعد أن استنفذوا ما وفروا وباعوا ممتلكاتهم وأثاث منازلهم، ولم يشبع التضامن اللفظي جوع أطفالهم، وبعد ان تبخر حلمهم في التضامن العمالي إثر تأجيل قيادة كدش للإضراب العام ليوم 25/02/94 ، اضطر العمال إلى إعلان نهاية الاعتصام دون أن يعلنوا نهاية معركتهم ضد الرأسمال.

-   18/11/93 تقديم العمال مقترحات للجهات الحكومية والقضائية لإيجاد مخرج للأزمة.

-   بتاريخ 26/09/94 دخل أبناء العمال بمختلف الأسلاك في مقاطعة الدراسة احتجاجا على قرار السلطات المحلية الذي يقضي بحرمانهم من الاستفادة من النقل المدرسي التابع للمنجم. كما نظم العمال تظاهرة سلمية صحبة أسرهم صبيحة يوم 27/09/94 احتجاجا على هذه الوضعية وعلى المماطلة في إيجاد حل لها.

-   بعد مرور الصيف من جديد، والدخول المدرسي، وانسداد آفاق الشغل، وارتفاع ديون العمال، استعد العمال للتحرك في فصل جديد من المعركة. قام الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بزيارة إلى القرية العمالية يوم فاتح أكتوبر 1994 ينقل إليهم تحية القيادة لصمود العمال وصبرهم أمام الجوع والتشرد وطلب منهم المزيد والتزام الهدوء وترك مزيد من الفرص للمساعي كما بشر العمال بأن "قضية جبل عوام لم تبق محصورة في هذه القرية وحدها لأن جهات عديدة منشغلة بهذا الملف من منظمات وهيئات نقابية محلية ودولية، منظمات تابعة للأمم المتحدة، الرأي العام المغربي بكل أحزابه وبكل نقاباته، الحكومة وأيضا حظيت باهتمام جلالة الملك..." وهذا ما كان له انعكاس سلبي على المعركة وعلى معنويات العمال إذ بقيت وضعيتهم بدون حلول.

-   وفي يوم 25/11/94 اجتمعت لجنة الاقتصاد بمجلس النواب بحضور وزير الطاقة والمعادن،وكان الغرض من هذا الاجتماع تدارس الأثر الذي يحدثه توقف منجم جبل عوام على الانتاج.

وكان يوم 18/12/94 مختلفا عن غيره فالعمال عوض الإنصات لصيحات التزام الهدوء، ونشيد المساعي والركض وراء حوار اجتماعي لا ينتهي ولا يجدي نفعا، قرروا اقتحام المنجم والاعتصام بالغار. وبذلك ابتدأ فصل أكثر قساوة: رغم الحصار الشديد تمكن (يوم 25/12/1994) أربعون (40) عاملا رفقة أسرهم من التسرب الى مغارة المنجم والاعتصام فيها (في عمق 600 متر) في ظروف البرودة الشديدة والظلام الدامس. وقد تسمم بعض المعتصمين لاضطرارهم استعمال المياه الراكدة المتواجدة وسط الأنفاق، وأمام إصرار العمال، بدأت أساليب القمع للضغط على العمال من أجل فك الاعتصام. فضربت قوات القمع التي حضرت إلى عين المكان(درك وقوات مساعدة) الحصار على "فوهة" المنجم مانعة إمداد المعتصمين بالدواء والمؤن، وعملت السلطات على شل النقابة بمحاولة فرض توقيع التزام من طرف المسؤولين النقابيين بعدم الاقتراب من الغار. وقد كان رد العمال حازما حيث قرروا تنظيم مسيرة سلمية يوم 30/12/94 من الحي العمالي باتجاه المنجم حيث يوجد المعتصمون، والدخول في إضراب عن الطعام. كما قرر المعتصمون الإضراب عن الطعام ونزولهم إلى درج جديد في المغارة. في نفس الوقت بدأ أبناء العمال مقاطعة الدراسة وتحرك رجال التعليم بعد سبات عميق، كما بعثت المنظمة العالمية للطاقة والمناجم برسالة إلى الوزير الأول تحتج فيها على قمع العمال وعلى عدم التزام الحكومة بالوعود.

أمام إصرار العمال على الحل السريع للمشاكل بما يكفل حقوقهم ومكتسباتهم أو الانتحار، اضطر الوزير الأول السيد عبد اللطيف الفيلالي إلى عقد اجتماع بمقر الوزارة الأولى يوم 03/01/95 ضم عددا من الوزراء وأعطى تعليماته لتسوية الجانب الاجتماعي والاقتصادي لهذا الملف، مع مراعاة تعويضات المستخدمين والحفاظ على الإنتاج. وفي يوم 09/01/95 عقد لقاء بين وزير التشغيل والمكتب النقابي لعمال جبل عوام التابع لـ كدش، بحضور ممثلين عن وزارة الطاقة والمعادن وقد التزم الوزير شفويا: أنه - سيعطي تسبيقا ماليا قدره 10000 درهم لكل عامل وذلك في أجل 10 أيام القادمة في انتظار التصفية القضائية للشركة، وأنهم سيعقدون لقاء مع وزير الطاقة والمعادن في 12/01/95 قصد ترتيب إعادة تشغيل المنجم. كما أخبر أن إعادة تشغيل المنجم ستبدأ مباشرة بعد 19/01/95 وأنه سيتم الاحتفاظ بجزء من العمال على أساس مراعاة الوضعية القانونية لباقي العمال الآخرين الذين يعانون من العجز، أو الذين هم على وشك التقاعد. وللتذكير فقد تجاوب العمال على أساس الاقتراحات التالية:

-   هناك عدد من العمال الذين التحقوا بالعمل وحالتهم الصحية جيدة جدا وأصبحوا بعجز ناتج عن ظروف العمل فهؤلاء يمكن تعويضهم عن العجز الذي لحق بهم وإحالتهم على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

-   هناك من العمال من اقترب من سن التقاعد، فهؤلاء يمكن التعامل معهم وكأنهم بلغوا سن التقاعد.

-   هناك من بإمكانهم أن يتطوعوا أو يعلنوا عن رغبتهم في الانفصال عن الشركة إذا ما تم تشجيعهم على ذلك على غرار ما سبق لشركة "كرام" نفسها أن مارسته مع عمال منجم تويست بوجدة.

-   ألا يخضع التعويض إلى التقسيم عبر دفعات. وعلى اثر لقاء 09/01/95 مع وزير التشغيل أخبرت الصحافة أن المكتب النقابي المحلي لعمال جبل عوام (كدش) قرر فك الاعتصام بتنسيق مع المكتب التنفيذي لكدش وتلى ذلك تصريح حكومي في الموضوع.

كل هذا ليس إلا وعودا وهمية لشل الحركة النضالية فقط!
-   في 15/05/95 حكمت المحكمة الابتدائية لأنفا بدفع التعويضات المستحقة للعمال

-   06/95 في لقاء مع وزير الطاقة والمعادن تبين أن هناك تراجع عن تنفيذ الوعود السابقة. لم يجد العمال مرة أخرى سوى الدخول في معارك نضالية قصد إجبار الحكومة على تنفيذ الوعود.

-   اعتصام مجموعة من العمال في بئر عوام على عمق 600 متر منذ 20/06/95.

-   اعتصام مجموعة أخرى من العمال في بئر اغرم أوسار على عمق 500 متر منذ 26/06/95.

-   اعتصام مفتوح بمقر الاتحاد المغربي للشغل بالرباط منذ 17/07/95 مع إعلان إضراب عن الطعام ابتداء من يوم 24/07/95 على الساعة 12 ليلا.

-   وفي يوم 28/07/95 عقد ممثلو العمال المعتصمين بمقر امش بالرباط لقاء بحضور الوزير المكلف بحقوق الإنسان ومدير المعادن بوزارة الطاقة والمعادن والمصفي القضائي المكلف بمتابعة ملف الشركة المنجمية لجبل عوام الخاضعة للتصفية القضائية، وقد أعلن الوزير المكلف بحقوق الإنسان خلال هذه الجلسة أن الحكومة تلتزم بما يلي:

1- دفع تعويض مالي يقدر ب 49 مليون درهم وهذا المبلغ يمثل الديون الإمتيازية المستحقة والتي نص عليها الحكم القضائي الصادر بتاريخ 15/01/95 لفائدة العمال،وحتى يتم توفير هذا المبلغ سيتم بيع عمارة المقر الإجتماعي للشركة بحي النخيل بالبيضاء، والمخزون المعدني بميناء مهدية، وشركة الحدادة الصناعية بالمغرب FIM بمكناس. والفارق بين عائدات هذه المبيعات و 49 مليون درهم التي تشكل الديون المستحقة سيتم صرفه مسبقا من طرف الخزينة العامة للدولة وذلك في انتظار تفويت المنجم بشكل نهائي للمستغلين الجدد قبل نهاية سبتمبر 1995.

2- بعد تفويت المنجم سيكون صاحب حق الاستغلال الجديد ملزما بإعطاء حق الأسبقية في التشغيل للعمال السابقين حسب احتياجاته.

3- مجموع المبلغ المذكور- 49 مليون درهما - سيسلم بأكمله للعمال

4- أما مبلغ 17.282 مليون درهم الذي يشكل مجموع التعويضات العادية فسيخضع لمسطرة التصفية القضائية الجارية. وقد قرر العمال:

-   توقيف الإضراب عن الطعام في نفس اليوم 28/07/95.

-   الاستمرار في الاعتصام بباطن الأرض بعوام وبأغرم أوسار وبمقر ام ش بالرباط في انتظار مصادقة المجلس الحكومي على الالتزامات السالفة.

ونظرا للتسويف الحكومي دخل المعتصمون بمقر ام ش في إضراب لا محدود عن الطعام، وهذا ما دفع بالمجلس الاستشاري للحوار الإجتماعي المنعقد يوم 08/08/95 إلى نقاش طويل لقضية عمال جبل عوام، وكون لجنة تضم كلا من وزيري العدل والداخلية وممثل عن نقابة ام ش التي اجتمعت في مساء نفس اليوم مع المصفي القضائي لوزارة العدل، وقد أصدرت النقابة نتيجة لذلك بلاغا تعلن فيه فك الإضراب عن الطعام.

IV - التجربة والدروس المستخلصة

1- ضعف التضامن

بعد أيام من انطلاق الاعتصام الذي بدأ يوم 27/07/93 طالب عمال جبل عوام من خلال بيان لهم (أنوال) "من كل القوى الوطنية الحية والهيئات الحقوقية وكذا الرأي العام الوطني والدولي والجماهير العمالية في كافة مواقعهم بالتضامن معهم في محنتهم". نفس الشيء تكرر في مناسبات عديدة بما فيها المرحلة الأخيرة من معركتهم والتي ابتدأت منذ 20/06/95. وهذه الصرخات وحدها كافية لبيان ضعف الضامن الواجب لمعركة من هذا الحجم: معركة سنتين. لقد كان من الواجب والمفروض التجنيد بكل الوسائل وكل المعارك المماثلة، انطلاقا من فتح اكتتاب على أوسع نطاق، وتكوين لجان تضامنية في كل المواقع العمالية، وتطوع مناصري قضية النضال العمالي من أطباء وغيرهم. ناهيكم عن التضامن بالإضراب على الأقل في قطاع المناجم.

بقي الدعم، مع بعض الاستثناءات اتضحت هزالتها، لفظيا إلى حد كبير، وتم تعويض المساندة المادية والنضالية بأسوأ أشكال الاستجداء عبر دعوات إنصاف العمال من أعدائهم من خلال البيانات أو الرسائل الاستعطافية. ولم تنل بعض عبارات التخويف، التي أطلت من خطب بعض القادة في المهرجانات، من إصرار جهاز الدولة البورجوازي واراب العمل على سحق العمال ومحاولة إرغامهم على الاستسلام.

2- والصحافة؟

لقد برهنت معركة عمال جبل عوام كغيرها من المعارك الحاجة الملحة إلى إعلام نقابي مناضل كشكل من أشكال الصراع الطبقي. إعلام يكون أداة تثقيف للنقابيين وللتشهير بأوضاع المأجورين وبوصلة توجه معارك حركة العمال.

لقد كانت مقالات الجرائد اليومية تنحصر في
-   مقالات لا تنفك تتحدث عن ما أسمته "أزمة الشركة" وتنتهي بالتدخل "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه" أو "بما يضمن حقوق الشركة" أو "لتفادي الكارثة".

-   تقارير صحفية فارغة من أي مضمون طبقي باستثناء عبارات إنشائية تهدف إلى إثارة العطف على العمال دون أن تلهب سواعدهم وتذكي الثقة فيهم وتفتح أعينهم على حقائق الرأسمال. أما الجريدتين النقابيتين "الطليعة" و"الديموقراطية العمالية" فلم تكونا بحجم معركة السنتين. فيبقى السؤال معلقا حول لماذا لم تصدرا كل منهما عددا خاصا بالمناسبة؟ يتناول المعركة من كل جوانبها مستعرضا ظروف استغلال العمال، وموقع المنجميين في مسيرة نضال البروليتاريا بالمغرب، ونماذج من نضال عمال المناجم في مختلف بقاع العالم .وكذلك المعطيات الدقيقة التي تتوفر عليها النقابتان حول أسباب الإغلاق وسوء التسيير والتدبير بالشركة. فما الفائدة من إصدار جرائد نقابية إذا لم تكن أدوات بيد العمال وهم يخوضون نضالهم الطبقي؟

3- أسوأ طريق القيادة:

أ - الرسائل الإستعطافية : بخصوص الرسائل جرب عمال جبل عوام بدورهم هذا الأسلوب كمن سبقهم في تجارب عديدة على طول المغرب وعرضه. إذ كاتبوا عدة مرات الوزير الأول ووزير الطاقة والمعادن ووزارة التشغيل والبرلمان الخ. كتبوا رسائل عديدة مفتوحة وغير مفتوحة. فما الغرض من ذلك؟ فلو كانت الغاية هي إخبار الوزراء بتشريد العمال ومأساتهم فلا داعي لذلك لأن لكل وزارة مصالحها الخارجية وللدولة جهاز مخابراتها. وإذا كان القصد هو إثارة "إشفاق" هذا الوزير أو ذاك فهذا وهم ليس إلا، ذلك أن الرأسماليين كوزراء وغير وزراء هم أعداء الطبقة العاملة وأن العمال يستطيعون تحقيق أهدافهم بالإعتماد على أنفسهم فقط وعلى رفاقهم من نفس طبقتهم وحلفائهم وعلى كفاحهم المشترك.

ب - الركض وراء سراب المساعي والحوار : سعت القيادة النقابية التي توالت خلال المعركة إلى طلب حل للمشكل عن طريق "الحوار الجاد والمسؤول وتفادي الكارثة" متناسية تجاربها المريرة في هذا المجال والتي كانت نتيجتها تراجع العمل النقابي. وقد بني طلب الحوار بالنسبة لجبل عوام على ثلاثة ثوابت:

-   التهدئة: طلب الهدوء من العمال، والنضال المسؤول وترك الفرصة للمزيد من المساعي من أجل حل المشكل وتفادي الاصطدام.

-   الاستجداء عن طريق الرسائل للجهات العليا.

-   التخويف وهو الذي كان يطل بين الفينة والأخرى حول إمكانية اللجوء إلى نضال أكثر اتساعا دعما لمعركة جبل عوام والتهويل مما قد يسببه ذلك من انفجارات.

إن التلويح بإمكانية إنفجارات لا يخيف ارباب العمل وجهاز دولتهم، لأن مثل ذلك تعد له ما استطاعت من وساءل الردع والقمع. إن ما يخيفها هو التنظيم الذاتي للعمال المستند إلى النضال الطبقي الحازم، والذي يتقوى من خلال وعي الكادحين الطبقي وثقتهم بأنفسهم. إن التركيز على المساعي والحوار وجعلها محور العمل النقابي يؤدي إلى انزلاق نحو المفهوم البرجوازي للنقابة العمالية أي نقابة تخدم أرباب العمل وتراعي متطلبات تراكم الرأسمال بدل الدفاع عن الشغيلة ضد الرأسمال وجهاز دولته.

خاتمة أبانت العزلة التي ميزت كامل فصول معركة جبل عوام طيلة سنتين واقع أزمة الحركة النقابية بالمغرب والمجهودات الجبارة المطروحة على كافة المناضلين الذين يحرصون على مستقبل النضال العمالي بالمغرب من أجل حركة نقابية طبقية. كما أبانت أن أسلوب النضال هو الكفيل بتحقيق المكتسبات، وهو الكفيل بتنمية وعي العمال وثقتهم في تنظيماتهم الذاتية وفي قدرتهم على دك الوحش الرأسمالي.

نشر بجريدة النهج الديموقراطي.العدد الاول 20 سبتمبر 1995 اعاد فرع نقابة التعليم – كدش باسفي نشر هذا المقال في كراس "من دروس الكفاح العمالي بالمغرب"، فصادرته بيروقراطية النقابة، وتعرض فريق النقابيين الكفاحيين بفرع التعليم لحرب ضروس شارك فيها يساريون زائفون.

يوسف بنعلي

المناضل-ة عدد 20

يوسف بنعلي

الطبقة العاملة

  طنجة: إدارة شركة ديوهرست تطرد العمال بسبب تأسيسهم للمكتب النقابي و المطالبة بحقوقهم
  قانون الإضراب : قيود إضافية من اجل تنفيذ مزيد من السياسات المعادية للكادحين
  إضراب 14 دجنبر 1990: المجريات والدروس

الحركة النقابية

  المؤتمر الثامن لنقابة التعليم- كدش الكفاحية و الديمقراطية أو الهلاك!
  بيان تنديدي عميل الإدارة"محمد الإبراهيمي" يحشر أنفه في ما لا يعنيه
  اللجنة المحلية لدعم معتقلي توسيت مريرت بيان للرأي العام الوطني
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها