من المستفيد من اندلاع هكذا حرب؟ صرح الرئيس بشار الأسد مرارا أن سوريا لا تريد الحرب، وأنها مستعدة لمفاوضات سلام فورية مع إسرائيل. وتفيد مصادر أجنبية أن مفاوضات شبه رسمية جرت قبل بضعة أشهر. وسيؤكد كل تحليل للسياقات الإقليمية والدولية أن سوريا ، الساعية بشدة إلى سحب اسمها من قائمة "محور الشر" التي وضعتها إدارة المحافظين الجدد الأمريكية، لا مصلحة لها في المبادرة إلى حرب ضد إسرائيل رغم كون الدولة اليهودية تحتل مرتفعات الجولان السورية منذ أربعين عاما. واجتهد الدبلوماسيون الأوربيون في إبلاغ حكومة إسرائيل ان الرئيس الأسد لا يستعد ولا يريد حربا ضد إسرائيل، وانه من المهم أن تؤكد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجهة النظر هذه.
كما أن الوزير الأول الاسرائيلي ايهود اولمرت غير مهتم بحرب، مدركا جيدا أن الد ;ل العربية، خلافا للسابق، قادرة على ضرب تراب إسرائيل وسكانها. ليس أولمرت ذكيا جدا، لكن له من الذاكرة ما يكفي لتذكر ما أبانه حزب الله من قدرة رد قبل عام. وبإمكان سوريا ان تضاعف كل ما يقدر عليه حزب الله عشرين مرة أو أكثر: ستكون كل مدينة باسرئيل هدفا للصواريخ السورية متوسطة المدى إذا بدأت إسرائيل الحرب.
لاهوت الحرب الاستباقية
هكذا، ان كان الطرفان ضعيفي الميل إلى مجابهة عسكرية، ما الذي يجعل حربا تبدو اقرب من أي وقت مضى؟ لأن ثمة عاملا ثالثا، له سلطة كبيرة بمنطقتنا، وتأثيرا راجحا وصلات هيكلية مع النخب الحاكمة الإسرائيلية: إنها إدارة المحافظين الجدد بواشنطن.
رغم ان غالبية القادة الأمريكيين يشيحون بوجوههم عن إستراتيجية " الحرب الشاملة الاستباقية بلا حدود" [انعطاف يوضحه تقرير بيكر هاميلتون]، لم توافق عصابة المغفلين الجدد المحيطة ببوش، والمسنودة من اللوبي الأصولي المسيحي، على هذا الانعطاف. وإن رد الرئيس على تقرير بيكر- هاميلتون معبر إذ رفضه بصراحة، وقرر بالعكس الإرسال الفوري لمزيد من القوات إلى العراق ورفع النبرة ضد سوريا. ومن المعقول الافتراض ان بوش سيطبق في سنتي ولايته الأخيرتين فلسفته السياسية- اللاهوتية حول الحرب "الاستباقية" ضد قوات الإسلام " الشيطانية".
متعصبون خطيرون
منذ عقود لم يكن للقوة العظمى فائقة القوة، الولايات المتحدة الأمريكية، قيادة بهذه الدرجة من العدوانية والتعصب، ومجهزة برؤية للعالم اقرب الى . ايديولوجية للعالم أكثر مما الى تحليل ملموس للعالم الواقعي. ليس ثمة في الفلسفة السياسية بالغة التبسيط للمغفلين الجدد من فروق او تناقضات ثانوية: العالم مقسم إلى اثنين: "الطيبون" المماثلين مع الحضارة اليهودية المسيحية المزعومة،الممثلة في الديمقراطية الأمريكية (مع اكبر هوة في العالم الغربي بين الفقراء والأغنياء)، و" الأشرار" المماثلين مع "المسلمين" المعتبرين دوما أصوليين وإرهابيين. يبدو بوش جاهلا للتناقضات بين السنة والشيعة، وكذا لوجود حكومة مسلمة على رأس إحدى أهم البلدان الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية بأوربا ( تركيا)، ولكون إحدى الأنظمة المسلمة الأشد سلفية ( المملكة السعودية) هي الشريك الأساسي للاستراتيجية الأمريكية بالخليج العربي الفارسي. هكذا يظل خطاب هذه الإدارة مطبوعا بخاتم التعميم المفرط والعدوانية الوطنجية.
في إسرائيل: صقور ومغفلون جدد و ... حقيقيون
قد تكون السنتان المتبقيتان لهذه الإدارة البدائية والأصولية مأساوية وقد تغرق العالم في فوضى أكثر دموية. بعد الإخفاق الأمريكي بالعراق، قد تكون الحدود السورية الإسرائيلية خط جبهة هكذا حرب، بفعل وجود الصقور المحافظين الجدد الذي يشاطرون الأهداف الإستراتيجية لبوش في قلب مراكز القرار الإسرائيلية.
ثمة أولا ايهود باراك، الذي أصبح وزيرا في الدفاع، وهو احد الإيديولوجيين الرئيسيين لإستراتيجية " ليس ثمة مخاطب، ولن يكون ثمة أبدا سلام".. باراك هذا مغامر خطير يعتقد ان ما لم يحقق بالقوة العسكرية سيحقق ... بمزيد من القوة العسكرية. انه يهيئ الجيش الإسرائيلي لهجوم على سوريا. وعلاوة على ذلك ثمة بنيامين نتانياهو ، نموذج المحافظين الجدد بإسرائيل. وقد يصير وزيرا أولا بعد الانتخابات المقبلة التي لا شك أنها ستجرى قبل الأوان.
الثمن بالدم يدفعه المدنيون
في إحدى السيناريوهات الكلاسيكية ستكون اسرئيل من جديد الحرس المسلح المتقدم لحرب واشنطن. أليس هذا ما جعل الإدارة الأمريكية تقدم على منح قرض بمبلغ 30 مليار دولار للميزانية العسكرية ( وليس المدنية) الإسرائيلية لعشر سنوات القادمة.
قبل عام حصلت إسرائيل على المال ولم تحقق الهدف المتعاقد معها عليه. ورغم ضغوط المحافظين الجدد اختار ايهود اولمرت الفرار من لبنان بعد فشل يوليو/تموز الأخير. ولن يتيح المغفلون الجدد تكرار هذا السيناريو. وكما الأمر في فليم هوليودي من السلسلة الثانية يقول ديك تشيني لاولمرت:" لقد حصلت على مال للقيام بعمل، الآن يتعين عليك انجازه ودون خداع حول ما سيكلف لأناسك".
وسيتعين على سكان إسرائيل دفع الثمن، حيث تفيد هيئات الرقابة بدولة إسرائيل أن النواقص التي كشفتها حرب لبنان الأخيرة فيما يخص حماية المدنيين الإسرائيليين لم تعالج. وقريبا سيموت مدنيون إسرائيليون على مذبح الحرب الصليبية الأصولية المصنوعة في واشنطن.
جريدة Solidarites السويسرية -
العدد 112 بتاريخ 27 اغسطس 2007
تعريب جريدة المناضل-ة