المُفارقُ في الإتهامات التي أطلقها النواب الرجعيون بخصوص العرض الإفتتاحي لمهرجان ربيع الثقافة شهر مارس المنصرم بالبحرين، أنها أصابت شاعرا رقيقا مبتلا بالصدق و الرقة كقاسم حداد، و موسيقيا غنى بلسان ملايين الناس بمصداقية قلما كسبها موسيقي عربي مثل مارسيل خليفة. و بالمقابل يثير الإنتباه كم أحسنوا اختيار الهدف لما كانوا يستهدفون الحرية و الحب و الإبداع الإنساني، فالشاعر و الموسيقي هما حقا صوتان لكل ذلك.
أجدني ميالا أحيانا للبحث عن أعذار للأغبياء. و يكفي هنا أن نتصور حجم الكارثة في أن يكون المرء برلمانيا عربيا و ظلاميا رجعيا في نفس الوقت. أكيد أنه سيفكر في إدانة الحب لأنه لا يُدركه، و الحرية لأنه يخافها ، و الإبداع لأنه لا يفهمه. الرجعي كائن مرعوب؛ يخشى أن يحب في الطريق إلى المسجد، أو أن تستفرد به فكرة بين آيتين ، يخشى أن تحِب ابنته أو ترقص زوجته. و لديه قوالب جاهزة لكل شيء، يخاف عليها كما يخاف على شرف بنات العائلة، و هو يعيب على الماء نفسه أن يسيح خارج قوالبه.
خليفة و حداد يدافعان عن الحياة و يعملان لتستمر أرواحنا جميلة و عاشقة، كما الماء يعمل طول الوقت لتنبُت الأزهار و تتشابك خصلات الشعر و ينوجد الخرير.. و هما ضروريان لعالمنا العربي الذي عاد مرعبا بما يعانيه من قحط روحي. ننصت إليهما بجوارح مفتوحة و ذلك ما لا يستطيع أحد أن يمنعنا منه. و حين يلزم الأمر أشكالا أخرى للفعل كثير منا جاهزون. إن دفاعنا عن الشاعر و الموسيقي هو دفاع عن الشعر و الموسيقى بما يحملانه من حقائق إنسانية عميقة لا يُدركها إلا ذوو القلوب المشرعة.
الرجعية ضد الإبداع، هو خلخلة و هي تأبيد. لذا لا يحاكم في عالمنا العربي إلا الإبداع الحقيقي الذي يخلخل و يمضي نحو الجِدَّة بماض مفتوح على الحاضر و الآتي، فيما تطلق المؤسسة الرسمية العربية عشرات ممن يحسبون أنفسهم على الفن ليعيثوا تشويها في ثراثنا و أرواحنا.
"أخلاقهم" تهتز حين يُحمل الحب محمل شعر و موسيقى و رقص، و الأصابع التي لم تتصور قط أن الأصابع تعزف أو تكتب الشعر تشرع في القيام بأقصى ما يمكنها أن تبلغه: أن تكون أصابع اتهام.
لكننا، من جهتنا الحُرّة، نرى الأصابع التي تقطر شعرا و موسيقى تشير إلى قلوبنا و أجسادنا فنكتشف فينا السماء، و نرى الحب ذائبا في الأزرق و الحياة تهب كما ظلت تفعل منذ الأبد. و ننقر مع العصافير التي ماتزال تعنيها السماء قضبان القفص العربي الشاسع، بنظرة تلامس الأفق، و بإيمان مطلق بالحرية.
كثيرون نحن، مجانين حرية و حب و جمال. نريد دائما من يذكروننا بإنسانيتنا حين يفتك بنا العصر. وبأجسادنا حين يحاصرنا العهر الرسمي، و بالحب حين لا ينظر إليه بعد أحد. نحب خليفة و حداد لأنهما معنا، واقفان جنبا إلى جنب مع أحلامنا التي تختلف لتقول الحرية. أخلاقنا الحب و الحرية و الجمال..و نعرف كيف نحميها.
نحن نعرف قاسم حداد و مارسيل خليفة الذين اختارا دائما أن يحملا رسالة الإنسان و دفعا ثمن ذلك كلٌّ حسب حظه. و لا نعرف هؤلاء النكرات الذين يخافون الحب و يرعون الغباء. لدينا كثير من النواب البرلمانيين، و هم من التشابه حتى ليمكن عدهم الرجل نفسه. و لدينا قاسم حداد واحد و مارسيل خليفة واحد، نحبهما ولانقبل أن يُمسا بسوء. المجد لكما، خليفة و حداد، إذ تقلقان راحة الغباء.
المجد لكما و انتما تضعان الحب في واجهة الحياة.
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها