جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 بمناسبة الملتقى الوطني الرابع للتنسيقيات: تقييم لجوانب من حركة مناضهة الغلاء


الاحد 2 آذار (مارس) 2008


يوم الأحد 2 مارس 2008 يجتمع مناضلو تنسيقيات مناهضة الغلاء في لقاء وطني هو الرابع في زهاء السنة ونصف السنة من وجود الحركة. اثارت هذه آمالا كبيرة في نشوء حالة نضالية متقدمة يضطلع فيها اليسار بدور تنوير الاستعداد الشعبي وحفزه، بعد تفاقم أزمة الحركة النقابية العمالية الناتج عن انتقال اليسار الإصلاحي إلى موقع الإسهام المباشر في تمرير السياسة النيوليبرالية المدمرة لما تبقى من طفيف المكاسب الاجتماعية لأغلبية المغاربة. لكن سرعان ما تأكد فرط تفاؤل تلك الآمال الناتج عن بخس تقدير ما بلغت القيادات النقابية من تقاعس، واليسار غير الإصلاحي من تدهور.

مسؤولية القيادات النقابية

أصرت بيروقراطية النقابات العمالية على تجاهل حركة التنسيقيات واندفاع الكادحين الى الدفاع عن قوتهم اليومي. ففي أول مجلس وطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بعد ظهور التنسيقيات، لم يأت عرض المكتب التنفيذي[24 فبراير 2007]على أي ذكر لها رغم وصفه للوضع الاجتماعي بأنه" يشهد تدهورا كبيرا يدعو إلى القلق". و تواصل تجاهل حيوية الشارع، مع المراهنة على مؤسسات الاستبداد المقنع، حيث ُكرس لانتخابات 2007 مجلس وطني خاص لتسخير النقابة انتخابيا. ورغم اتضاح معاكسة القيادة الكونفدرالية لتطلعات الكادحين واستعدادهم الكفاحي الذي مثلت معركة صفرو شكله الأكثر تقدما، يصر تيار الأموي و من يسايره من جذريين على غض الطرف عن النضال ضد الغلاء بالموقف المخزي للمجلس الوطني الأخير [8 فبراير 2008] الذي لم يذكر أي شيء عن النضال ضد الغلاء ولا ضد أي شيء آخر. ولم يكن سلوك قيادة الاتحاد المغربي أفضل، حيث قامت آلية شل دور المنظمة العمالية وطنيا بدورها كاملا. فمنذ عقود جرى تفكيك أوصال المنظمة وتكريس انطواء النقابات القطاعية وانعدام أي إستراتيجية نضال.و يمثل تعطيل عمل البنيات التنظيمية الوطنية، وعلى رأسها المؤتمر الوطني الذي لم ينعقد منذ 1995، والامتناع عن إصدار جريدة النقابة التعبير البليغ عن ذلك كله. لقد أتيح للنقابات العمالية ان تجدد قواها بالنهوض بدور ريادي في النضال ضد الغلاء، وها هي تزداد بفعل قياداتها فقدا للاعتبار وتراجعا خطيرا.

مسؤولية أغلبية اليسار الجذري

جلي ان سياسة أكثرية اليسار الجذري ساعدت البيروقراطيات على شل النقابات العمالية وجرها الى مباركة تعديات أرباب العمل ودولتهم على حقوق العمال ومكاسبهم. فبدل الدفاع عن دور النقابة في مقاومة الرأسمال بوجه سياسة "السلم والشراكة الاجتماعيين"، والذود عن الديمقراطية الداخلية، كان هم أكثرية قوى اليسار الجذري الظفر بمواقع سلطة أي المقاعد في الأجهزة، فلزمت صمتا مطبقا عن كل ما تقترف البيروقراطية ضد المصلحة العمالية. وبذلك أبطل هذا اليسار وظيفة تجميع قوى النضال العمالي التي من شانها تعزيز كفاحية النقابات ونهوضها بدور رئيسي في ساحة النضال الشعبي، ومنه حركة مناهضة غلاء المعيشة. بالنظر الى تصعيد حرب الأسعار بشكل غير مسبوق، وما أبدته الجماهير الشعبية من اندفاع نضالي حتى دون أي دور تنظيميي للأحزاب او النقابات،كان متاحا ان تنمو حركة النضال ضد الغلاء بقوة ستفرض التحاق الممتنعين، كما بينت حركة النضال ضد الغلاء بالنيجير في 2005، تلك الحركة التي نجحت، بتعبئة شعبية حقيقية [150الف متظاهر بالعاصمة]، في فرض تراجع الدولة على جزء من إجراء فرض ضريبة القيمة المضافة على مواد الاستهلاك الأساسية.

لا شك أن مانع تطور حركة النضال ضد الغلاء ببلدنا هو ما جلبه اليسار الجذري من سلبيات. فليس خاف على كل من عمل بإحدى التنسيقيات، المشكل اغلبها من مناضلي اليسار الجذري بصفات نقابية وجمعياتية مختلفة، ما يشوب سلوك أكثرية هؤلاء من تسلط بيروقراطي و وتحفظ من أي تعبئة شعبية حقيقية. فبقدر النقص البالغ في تقاليد وخبرة نضال شعبي حقيقي لدى مجموعات اليسار تتضخم الحسابات الخاوية القائمة على السعي للسيطرة. إن أهم ما كشفته حركة مناهضة الغلاء هو خاصية اليسار الجذري هذه، فمعظم قواه نشأت تاريخيا في ظروف قمع رهيب، حصر وجوده في الجامعات حيث التعبئات مختلفة كليا، شكلا ومضمونا، عن العمل مع الفئات الكادحة. واندمجت تلك القوى في قطاعات عمومية أساسا أهمها التعليم، فطبع ذلك نضاليتها: نقص خبرة العمل الميداني من تعبئة وتوحيد التحرك وديمقراطية في تسيير النضالات. فالإضرابات في التعليم باتت شهيرة بتسييرها من فوق دون تجمعات عامة والتعبئة شبه منعدمة لا سيما بالمدن الكبرى، مما يفرغ الصفة النقابية لمناضلي اليسار من الكثير ن محتواها.

تنسيقية الدار البيضاء نموذج للعقبة "اليسارية"

تمثل تنسيقية الدار البيضاء، ولا شك، المثال الحي عن الدور الكابح لقسم من اليسار الجذري، حيث تشكلت يومها الأول من29 إطارا[أحزاب وتنظيمات شباب وجمعيات]، و لم يتجاوز من تنجح في تعبئتهم لأشكال الاحتجاج 200 شخصا، أي أقل من 10 أشخاص للإطار. و حالت جهات داخل التنسيقية دون تجاوبها مع استعداد كادحي المدينة للنضال. ومثال ذلك التعبئة التلقائية لسكان سيدي عثمان ضد الزيادات في فواتير الماء والكهرباء بالعرائض و بوقفة احتجاجية أمام دار التوزاني. غابت التنسيقية عن تلك الوقفة بسبب خدعة من عضوين من السكرتارية المؤقتة إدعيا خشية ما سمياه "إنفلات الوقفة، أو تدبيرها من قبل عناصر انتخابية أو إسلامية"، فروجا كذبة إلغاء الوقفة وجرت هذه دون مشاركة التنسيقية. وظلت تنسيقية البيضاء بعيدة عن نضالات الأحياء، وعاجزة عن مواكبتها. إنها تنسيقية تفضل الاحتجاج الرمزي أمام الولاية أو مجلس المدينة بعيدا عن السكان المتضررين، لا بل بداخلها من يعمل لخنق المبادرات المتجهة نحو العمل مع السكان داخل الأحياء بالطعن فيها وتنظيم دعاية حول كونها من تأطير تيار سياسي معين، وهذا عين ما أوقف تنسيقية ايت ملول.

ان سلوك قسم من كوادر اليسار لا يحكمه منطق بناء ميزان قوى شعبي بتعبئة جماهيرية قادرة على فرض تنازلات، بل منطق النضال الرمزي و ايصال الرسائل الى فوق. وهذا ما عبر عنه عضو سابق بارز بلجنة المتابعة بالقول:""التنسيقيات حركة اجتماعية تسعى إلى تنظيم مسيرة رمزية لتوجه رسالة واضحة للطبقة الحاكمة"، وكذا فرع جمعية اعتبر ان غاية احتجاج الهيئات هو"إبلاغ السلطات العمومية أرائها بشأن مواضيع تهم المواطنين".

قصور في التدبير الديمقراطي و في الرؤية السياسية

ومن جانب آخر عانت حركة التنسيقيات من عجز قوى اليسار عن تدبير ديمقراطي، سواء في التنسيقيات المحلية او الملتقيات الوطنية، فلم تعكس هذه الأخيرة دينامية المناطق التي شهدت تحركا شعبيا حقيقيا ( سيدي إفني ، طاطا ، بوعرفة ، ورزازات ....)، فكانت غالبية الحاضرين من مناطق المركز المغربي، و من مناضلين سياسيين مفصولين عن الجماهير.كما كان للصراعات على مواقع السلطة في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بين حزبي الطليعة والنهج دور قوي في عرقلة عدد من التنسيقيات وحتى شل بعضها.

وكان أكثر الأوجه سوءا الدور المدمر لبعض الجماعات ذات الأصول الطلابية، المختصة في التطرف اللفظي و السلوك اللاديمقراطي الأهوج، في إفشال ملتقيات وطنية للتنسيقيات. وحتى في الحالات التي لم يبلغ فيها الدور التخريبي لبعض "اليساريين" هذا المستوى، ظلت حسابات السيطرة والتحكم التنظيمي طاغية ولو بكلفة نسف التعبئة الشعبية. يقوم هذا السلوك على توهم أطراف في اليسار أنها ستفرض قيادتها للحركة بخدع تنظيمية وتحكم بيروقراطي، بدل الظفر بتلك القيادة بإقناع الجماهير بصواب خطها في معمعان النضال. بلغ الأمر بمتحجري الفكر من اليساريين حد اعتبار أي تقدم للتعبئة الشعبية كسبا لفائدة قوة سياسية منافسة وبالتالي وجب وقفه. وبوجه عام كان نقص النزعة الديمقراطية لدى اليسار خلف سلبيات أخرى حدت من امكانيات تطور الحركة ضد الغلاء:
-  ضعف العمل بمنطق الجسم الوطني يشد بعضه بعضا، مع غياب نقاش حقيقي لمختلف أوجه الحركة، برز هذا بحدة في العزلة التي عانت منها الحركة النضالية ببوعرفة و بشكل مأساوي بعد قمع صفرو، كما في انعدام تضامن التنسيقيات مع النضالات العمالية والشعبية.

-  ضعف سبل تواصل التنسيقيات مع سكان الأحياء الشعبية: الإعلام مقتصر على انترنيت، ولا تثقيف شعبي حول الغلاء( أسبابه الحقيقية، وتعريف بنضالات ناجحة محليا ودوليا).كانت اول خطوة مفترضة إعداد منشور وطني موحد توزع منه مئات آلاف النسخ.
-  غياب سعي الى صيغ تنظيمية تحفز استعداد المواطنين. تركيبة التنسيقيات فوقية مبنية على توافقات سياسية لتقاسم التمثيلية.
-  بدل التركيز على المطالب المباشرة التي تنبع من تحرك الناس العفوي، بقصد بناء التعبئة تدريجيا، جرى إغراقها في عموميات لم ترق إليها بعد مدارك عامة المواطنين التواقين لوقف نار الأسعار، لا بل سقطت بعض التيارات في زلة الشعارات القصوية التي لا تعبئ أحدا.

ختاما لابد من الإشارة الى قصور سياسي كان له مفعول سلبي على نمو التعبئة الشعبية ضد الغلاء، برز ببعض المناطق لكنه سيظل عائقا مستقبلا ما لم يتم علاجه. إنه التعامل السلبي (بالمعيار الايديولوجي) مع التيارات السياسية الدينية. تمثل هذه التيارات القوة السياسية ذات الحضور الشعبي الأكبر، وبالتالي لا يمكن اعتبار إبعادها عن أي تعبئة شعبية، ضد الغلاء او غيره، شرطا لانخراط اليسار في النضالات. ثم كيف يمكن لليسار ان يقنع الكادحين بخطه إن لم يدل بالممارسة انه مناضل فعلا من اجل حقوقهم مع كل من يناضل من أجلها؟ وكيف يمكن إقناع الكادحين بجدوى اليسار وبرنامجه، مقارنة بالقوى ذات المشروع المجتمعي الرجعي، إن لم يكن بممارسة نضالية تتيح لتلك الجماهير اختبار جميع القوى السياسية في الميدان؟ إن استعمال احتمال تجند القوى السياسية الدينية في التعبئات الشعبية مبررا للابتعاد عنها لن يزيد اليسار سوى انعزالا وتلاشيا. أن استعمال فزاعة القوى السياسية الدينية للحيلولة دون أي تعبئة ميدانية ، سواء من اجل مطالب اجتماعية او سياسية، إنما يفضي الى الالتفاف حول النظام وقبول سياسته المعادية للجماهير الشعبية، وهذا بالذات مع فعل اليسار الاصلاحي الحكومي.

لقد كان لحركة التنسيقيات فضل عظيم، فضل كشف الحالة الصحية لليسار، مدى طابعه الكفاحي والديمقراطي، علاوة على تعبئات شعبية حقيقية غير مسبوقة بعدد من المناطق. وكلا الأمرين أساس صلب للآتي من كفاحات.

ابراهيم الوالي ورفيق الرامي

المناضل-ة عدد 20

الحركةالاجتماعية

  هدية الى مناضلي ايفني- ايت باعمران... من تجارب الكفاح الشعبي الظافر
  جرادة الصوت الحر بلاغ من خط النار
  معاناة الكادحين واضطهاد المناضلين في مرآة نشاط مناضل حقوقي.
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها