سمعت بمارتوف لأول مرة بصفته واحدا من أفراد الثالوث –لينين، مارتوف، بوتريسوف. وكان هؤلاء هم الاشتراكيين الديموقراطيين الثلاثة الذين نفخوا روحا جديدة في الهيئة العامة للاشتراكيين الديموقراطيين المهاجرين، التي أصدرت جريدة الشرارة.
وعندما وصلت إلى باريس في طريقي إلى جنيف للانضمام إلى هيئة التحرير المركزية للبلاشفة، قابلت أو.ن.تشيرنو سفيتوفا، التي ربطتني بها صلة قرابة عن طريق المصاهرة، وكانت تعرف مارتوف جيدا. وقد تحدثت عنه بحماس كرجل يخلب اللب باتساع اهتماماته.
وقالت لي: «أنا متأكدة أنك ومارتوف ستصبحان صديقين حميمين. فهو ليس مثل الاشتراكيين الديموقراطيين الآخرين، الذين هم جميعا متعصبون ورؤيتهم أحادية الاتجاه. إن عقل مارتوف واسع الأفق ومرن ولا شيء أدنى من أن يستحق اهتمامه». وجعلني هذا الوصف بالتأكيد ميالا جدا إلى مارتوف، مع أن هوة سياسة فصلت بيننا آنذاك.
أما لقائي الفعلي الأول بمارتوف فليس ثمة ما هو أسوأ منه. ففي أثناء محاضرة لي، حاول المناشفة إثارة فضيحة قذرة صغيرة عن طريق الصراخ وافتعال الشغب ومحاولة فض الاجتماع. وحدث صدام حاد بين مارتوف وزوجتي. وتدخل أولا ليادوف ثم أنا وتبادلنا كلمات عدة جارحة.
ورغم مرارة اللقاء بيننا، فإن علاقاتنا لم تكن في الحقيقة عدائية أبدا. وكانت لقاءاتي معه في أثناء إقامتي في سويسرا نادرة، إذ أن البلاشفة والمناشفة عاشوا بصورة عامة منفصلين عن بعضهم تماما. ويمكن القول أننا تقابلنا فقط في ساحة المعركة، أي في أثناء الاجتماعات والمناقشات، ولكن الأنباء عن كل طرف كانت تصل بالطبع إلى الطرف الآخر. وقد توصلت إلى اعتبار مارتوف بوهيميا من نمط ساحر إلى حد ما مع شيء من الطالب الأبدي في مظهره، ومولعا بحكم المزاج بارتياد المقاهي، ولا مباليا بوسائل الراحة، ودائم النقاش وغريب الأطوار قليلا. وتأكد لدي هذا الانطباع، بخصوص صفاته الخارجية على الأقل، عندما عرفته على نحو أفضل بكثير فيما بعد. وسأحاول الآن أن أصف مارتوف بتفصيل أكثر بصفته كاتبا وخطيبا في أثناء فترته السويسرية.
من ناحية السمات الظاهرية، كان مارتوف محاضرا مملا. كان صوته ضعيفا، وله طريقة غريبة في إنهاء الجمل، إذ كان ينهيها فجأة وبدون تغيير في النبرة وكأنه يقضمها قضما. وجعله هيكله السقيم، إضافة إلى النظرة المستديرة المتدلية فوق أنفه الكبير، يبدو نموذجا للمفكر النظري إلى درجة أنه لم يكن واردا بالنسبة إليه أن يكون خطيبا من النوع الجماهيري الذي في مقدوره أن يلهب حماس المستمعين. وأحيانا، عندما كان مارتوف يعتلي المنبر وهو متعب، كان صوته ينخفض إلى طبقة غير مسموعة ويصبح حديثه مملا إلى حد قاتل. وزيادة على ذلك، كان دائما من الصعب على مارتوف التكلم باختصار: فقد كان يحتاج كخطيب إلى الاتكاء، إذا جاز التعبير، بمرفقيه على الطاولة. وجعل هذا خطبه أحيانا كئيبة ورتيبة رغم حقيقة أنها لم تفتقر أبدا إلى المضمون.
ولو استطاع المرء فقط تتبع خيط تفكير مارتوف خلال خطبه الموحشة، فإن هناك دائما شيئا قيّما يمكن اكتسابه منها. ولكن كانت له أيضا لحظات تألقه. وكان أكثر ما يثير حماسه سجال المجادلات، ولذلك كانت فعاليته القصوى تظهر عندما كان يرتجل في الحديث، أثناء المحاورات مع خصومه بعد انتهاء المحاضرة وعندما كان يقدم التخليص الختامي. وأعرف كثيرا من سادة الكلام هم أخطر ما يكونون في التلخيص الختامي. لقد كان باستطاعة بليخانوف أن يكون لاذعا ولامعا، ولكنه مع ذلك كان يترفع عن استغلال منافع التلخيص الختامي، الذي لا مجال للرد بعده. وكان ماهرا إلى حد كبير حتى في تلخيص، سحق وتحطيم أية اعتراضات يقدمها فلاديمير ايليتش وكأنها مجرد تفاهات لا علاقة لها بالموضوع، ومع ذلك لا أعرف أحدا يستطيع هزيمة مارتوف في هذه اللعبة. وإذا كانت الكلمة الختامية لمارتوف، فإنك لا يمكن أبدا أن تكون واثقا من نفسك، مهما كانت قناعتك بصواب قضيتك، ومهما كانت أسلحتك في الدفاع عنها جيدة.
ومارتوف يبعث حيا دائما في التلخيص الختامي. إنه يتدفق بالسخرية، ويبرق ذهنه الحاد بوميض حقيقي، ويستطيع تشريح كل شيء قاله خصمه ويستغل بصورة مطلقة كل ثغرة مهما صغرت وأقل انحراف ممكن. إنه محلل موهوب بشكل رائع، وإذا كان لديك صدع مهما صغر في درعك فبامكانك أن تكون واثقا أن هناك تماما سيوجه مارتوف إليك طعنته الخارقة التي لا تخطئ. وعندما يفعل ذلك، فإن حيويته تزداد أكثر فأكثر، وتدفع الجمهور إلى الضحك أو إلى غمغمات الاحتياج.
ويتصرف مارتوف بشكل مشابه عندما يتحدث حول موضوع يثيره بصورة خاصة، وكثيرا ما حدث ذلك أثناء الأيام المأساوية في ثورتنا. وبعض خطبه في سوفييت بتروغراد خلال فترة السيطرة المنشفية عليه، وفي اجتماعات المناشفة المنفصلة واجتماعات المندوبين السوفييت بكامل هيئاتهم، كانت، رغم أنها يمينية بصورة عامة في توجهها، رائعة حقا، ليس في محتواها فحسب، بل وأيضا في اتقاد غضبته وتعبيره الصادق والمشرف عن مشاعره الثورية، وأذكر كيف أن مارتوف، بعد خطبة ألقاها في تأييد غريم [6] ضد تسيريتللي، جعل حتى تروتسكي يهتف: «يعيش الثوري الصادق مارتوف!»
وعندما يتحدث المرء عن لينين، تروتسكي وزينوفييف، لا يستطيع إلا أن يلاحظ أن عظمتهم كخطباء كانت أكبر منها بصفتهم كتابا، مع أن قادة الثورة الروسية الثلاثة هؤلاء من سادة القلم. أما بالنسبة لمارتوف فالعكس هو الصحيح. وبصفته خطيبا، فإنه ناجح فقط عندما يتفجر عاطفيا، أو يندفع أو يجفل بشكل مفاجئ على أن تكون حالته حسنة، وحتى آنذاك فإن التأثير السطحي لأدائه يميل إلى حجب مهارته في بناء السياق وعمق تفكيره. وتبرز هاتان الصفتان الأخيرتان، على أية حال، في المقالات التي يكتبها. وأسلوب مارتوف في الكتابة رفيع بصورة مدهشة. فهو لا يعني بتنميق لغته المكتوبة بالمُلح الصغيرة أو زخرفتها بمختلف أنواع الصور والاستعارات البلاغية. وينقص كتاباته على الورق التألق المباشر لأنها تفتقر إلى قالب محدد. إلا أنها في الوقت نفسه، لا تمتلك تلك البساطة الخاصة الفجة، وذلك التبسيط المتعمد للشكل دون الفكر الذي يشكل مصدر قوة كتابة ذلك الزعيم الشعبي الأصيل، لينين.
ويبدو أن مارتوف يكتب بلغة رتيبة إلى حد ما ولكنها حساسة وصادقة بصورة مثيرة للمشاعر، وتكسو الفكر مثل طيات أنيقة لثوب إغريقي يتيح لفكره البروز بكل التناسق الرشيق المتجلي في بنائه المنطقي. نما في الجوهر، فإن مارتوف ليس مفكرا، إذا أنه غير قادر في الأساس على ابتداع أية أفكار أصيلة. ومن المستحيل بكل بساطة التحدث عن مارتوف كمفكر، حتى بالمقارنة مع كاوتسكي مثلا، إذ أنه من غير الممكن أصلا البدء بمقارنته مع ماركس. ويتوفق الدرع الضخم لشخص مثل لينين بشكل ساحق على تركيبات مارتوف المرهفة الدقة. وليست المسألة في مقدرة لينين على صوغ شعارات فعالة أو سعة إدراكه للتقنية الثورية، بل بالأحرى في موهبته المذهلة في التحليل الدقيق، وقدرته على استخدام العدسة المكبرة وسك أفكاره. أما مارتوف، فكان عقله أداة صقل وإرهاف. واتسمت أفكاره السياسية والتكتيّة دائما بطابع العمل المكتمل، المشغول بدقة إلى أن يصبح الموضوع المنتفي في غاية الوضوح.
ومن ناحية كونه سياسيا، فإن مارتوف يبدأ مكبلا بعوائق سياسية. فهو لا يمتلك المزاج، أو الجرأة أو اتساع الرؤية الضرورية للقائد السياسي. وهو قابل للضياع في المسائل التفصيلية وميال بطبيعته إلى الحذر والحيطة اللذين يتطوران إلى جبن يحد من اندفاع النزوع الثوري.
وكل من يعاني من هذه الخصائص، أما أن ينتهي برجوازيا منافقا أو مجرد ثوري من مناضلي الصالونات. وقد كان مارتوف دون شك شيء من خصائص سياسي الصالونات. وسأذهب إلى أبعد من ذلك وأقول أن مارتوف يضع مواهبه السياسية التي لا نظير لها ومقدرته الصحافية المقنعة في خدمة أفكار الآخرين إلى حد كبير. إن مارتوف حائك إيديولوجي ممتاز: فهو يستخدم ذوقه الرفيع في تفصيل وحياكة أزياء إيديولوجية جميلة وملائمة لكسو الشعارات التي صاغها المناشفة الأمضى عزما من وراء ظهره. وحتى التردد يحتاج إلى حسم معين. وفي حالة المناشفة النموذجية حتى العظم، فإن تذبذبهم السياسي ليس نابعا من نقص في قوة الشخصية –فهم كأشخاص قد يكونون صلبين وجازمين جدا. وإنما نابع من المصالح الطبقية للفئات التي تريد أن تسلك سبيل الوسط. وهذه المجموعات الوسطية مترددة بحكم طبيعتها. فهي محكوم عليها بأن يدفعها التاريخ إلى أرضية تتوسط طبقات متناقضة لدودة، ومن هنا الفقدان الناجز لأية مسحة من البطولة في وضعها ولكن هؤلاء الأشخاص قادرون أحيانا على تنفيذ قراراتهم الوسطية بحزم شديد، وبما أنهم في وضع ثوري يمثلون الأمل الأخير لتجمعات من الطبقات صاحبة الامتيازات، ماكرة جدا ولا يزال لها نفوذ كبير، فإنهم أحيانا يصبحون، مثل نوسكه [7] ، مستعدين لاستخدام قبضة حديدية في خدمة الأعداء الظاهريين لطبقتهم ومن أجل قهر إخوانهم اليساريين، بينما تتحلل يساريتهم الخاصة إلى مجرد عبارات ثورية تشكل ستارا لحجب نشاطاتهم الحقيقية، التي تمتد أحيانا إلى حد القمع.
ومارتوف غير قادر على لعب مثل هذا الدور، ولكن أسلوبه المنمنم في صلب تكوينه، وقالبه الذهني الميال إلى التعامل مع الحقائق كل على حدة وعدم قدرته على احتمال تلك الخطوط القاطعة الخشنة الصادرة عن العاطفة الثورية الجياشة التي تمزق أعضاء المفاهيم الهندسية اللطيفة، كل ذلك اجتمع ليجعله غير ملائم أبدا للعمل في خضم ضجيج الثورة الحقيقية الحية.
وتدفعه خصائصه الشخصية هذه بصورة لا تقاوم –مع أنه أحيانا يحاول التملص- إلى معسكر الانتهازيين، وهناك تستغل مواهبه كحائك من أجل تجهيز ثياب بهية للاندلاقات الفكرية المشوشة الصادرة على الليبرادنيين [8] على اختلاف أنواعهم.
كم مرة وصل مارتوف، مدفوعا بمشاعره الديموقراطية الأصلية، إلى عتبة عقد تحالف مع يسار الاشتراكية الديموقراطية ولكنه ارتد إلى الوراء بسبب ما كان يدعوه فظاظتنا. وفي كل مرة ثناه عن عزمه ذلك الحماس الكاسح الذي يجد فيه بعض الناس متعة قصوى واكتفاء عظيما، ويعتبره آخرون شيطانيا إنما بالأساس مجبول في صلب تكوين القوة البدائية للثورة، ولكنه غريب عن طبع مارتوف.
وقد وقع مارتوف مرة أخرى في مستنقع الليبردانية، وبالامكان مشاهدة ذهنه الحاد يومض ويخبو فوق المستنقع وكأنه وهج مستنقعي.
وفي أثناء الثورة الأولى كان مارتوف صادقا مع نفسه وأظهر تماما كل الخصائص التي حاولت الآن أن أصفها ولا أستطيع القول أنه خلال ذلك الصدام الأول بين جماهير الشعب والحكومة لعب دورا رئيسيا كقائد سياسي حقيقي: إنه كان كما دائما صحافيا تحليليا ممتازا، ورجلا نزّاعا إلى الخصام وبارعا في التكتيك الحزبي الداخلي.
وقد وجهت فترة الهجرة التالية إلى مارتوف ضربة قاسية جدا وربما لم يلاحظ نزوعه إلى التذبذب أبدا مثلما لوحظ آنذاك، ومن المحتمل أنه لم يتألم لذلك مثلما تألم في ذلك الوقت. فالجناح اليميني للمناشفة بدأ يهترئ بسرعة، وانحرف إلى ما سمي «بالتصفوية». ولم تكن لدى مارتوف رغبة في الانحراف نحو هذا التحلل البرجوازي الصغير في الروح الثورية. ولكن «التصفويين» كانوا مسيطرين على دان، ودان إلى مارتوف، وجرّ «ذنب» المنشفية الثقيل مارتوف كالعادة إلى قاع الهاوية. وقد مرت لحظة كاد فيها مارتوف فعليا أن يعقد تحالفا مع لينين، مدفوعا إلى ذلك من قبل تروتسكي واينوكينتي [9]، الذي كان يحلم بتشكيل وسط قوي في مقابل اليسار المتطرف واليمين المتطرف.
وكان هذا الخط، كما تعرف، مدعوما بقوة من قبل بليخانوف، ولكن هذه المعزوفة لم تستمر طويلا، وتغلبت النزعة اليمينية على مارتوف ونشب الخصام ذاته مرة أخرى بين البلاشفة والمناشفة.
وكان مارتوف في ذلك الحين يعيش في باريس. وقد سمعت أن التحلل بدأ يعتريه قليلا، وهو خطر كامن دائما للمهاجرين. فالسياسية انحطت إلى قضية منازعات تافهة، وحبه لحياة المقاهي البوهيمية بدأ يهدد بتقزيم قواه الذهنية. وعلى أية حال، عندما نشبت الحرب لم يتماسك مارتوف فحسب، وإنما أيضا اتخذ إزاءها منذ البداية موقفا شديد الحزم.
ومما لاشك فيه أن الجناح الاممي في الأممية الثانية مدين لمارتوف ببعض إنجازاته، فقد أيد مارتوف الأمميين بقوة في خطاباته، ومقالاته، ونفوذه وصلاته وجرّ تقريبا جميع المهاجرين المناشفة (باستثناء جماعة بليخانوف، الذين اعتبروا إلى ذلك الحين يساريين ولكنهم لدى نشوب الحرب تقاطروا فورا إلى قضية الدول الحليفة الإمبريالية) إلى تأييد خط زيمرفالد وكينتال، مع أنه من الصحيح أن مارتوف اتخذ في زيمرفالد موقفا وسطا وانحرف بحزم عن طريق لينين وزينوفييف.
ولقد استرد مارتوف أصالته مرة أخرى، ولكن تردده القاتل عاد إلى الظهور ثانية. ومع أنه كان واعيا تماما المعاني المشؤومة المتضمنة في موقف الاشتراكيين الدفاعيين، فإن مارتوف استمر في أمله في كسب الدفاعيين ولم يستطع أن يحمل نفسه على قطع صلاته التنظيمية بهم. وكان هذا هو السبب في دمار مارتوف سياسيا. فقد دمر ذلك موقفه الأخلاقي، لأن مارتوف كان بامكانه أن يلعب دورا لامعا كقائد أصيل وملهم لمجموعة يمينية داخل الحزب الشيوعي لو أنه فقط أبدى في ذلك الوقت ما يكفي من التصميم لإلقاء وزنه في الجانب اليساري من الحد الفاصل.
وفي بداية الثورة، بعد وصول تروتسكي إلى روسيا في أيار –حزيران (مايو-يونيو)، حلم لينين بتحالف مع مارتوف، لإدراكه كم يمكن أن يكون ثمينا للثورة، ولكن تذبذب مارتوف المتوجه نحو اليمين في أساسه كان قد حسم، حتى منذ أيام باريس، مصيره سلفا، أي أن لا يعترف به لا هذا الجانب ولا ذاك، وأن يكون أبدا وحيدا في العراء، معارضا مفردا صريحا وصادقا ولكنه عاجز عن التأثير.
إن هذه النزعة لدى مارتوف جعلته دون لون من الناحية السياسية، ونتيجة لذلك سيدخل التاريخ بصفته شخصية أبهت بكثير مما ينبغي لإنسان يمتلك مواهبه السياسية.
وقد كنت على صلة أوثق بمارتوف في سويسرا من عام 1915 إلى عام 1916، إذ كنا نسكن بجوار بعضينا، وكان مارتوف ضيفا كثير التردد على أصدقائي من عائلة كريستي. وغالبا ما تحدثنا ليس في السياسة فحسب، التي اختلفنا دائما بصددها، بل وأيضا حول الأدب ومسائل الثقافة عموما. وقد أعجبت بذوق مارتوف والاتساع الكبير لاهتماماته، مع أنني يجب أن أعترف أن نظرة مارتوف، في ذلك الوقت على الأقل، كانت أحادية الجانب أكثر بكثير مما توقعت. ولم يبد حماسا كبيرا للفن، أو اهتماما عميقا بالفلسفة. لقد قرأ في كل موضوع، وكان باستطاعته التحدث حول كل شيء والتحدث بصورة مثيرة للاهتمام، بذكاء وأحيانا بأصالة، ولكنه كان يفعل ذلك بصورة آلية نوعا ما، ولم يكن قلبه فيها: وكلما وصلت صحيفة كان يقطع أية محادثة وينغمس فورا في قراءتها. وحتى عندما كان شخص ما يقرأ بصوت مرتفع شيئا مسليا أو مشوقا ومثيرا لإعجاب أو حماس مارتوف، فإنه كان يبقى مستترا وراء صحيفته كما لو أنه مأخوذ بها، وكان مارتوف يبدي اهتماما حقيقيا فقط عندما يدور الحديث حول السياسية وخصوصا في حقل السياسة الحزبية الداخلية الضيق.
ومع ذلك ينبغي أن أعترف أنه من زاوية العلاقات الشخصية فإن مارتوف يمتلك سحرا كبيرا. وهناك شيء جذاب من الناحية العقلية فيه، ولديه عفوية وصدق كبيران يجعلانه رفيقا من المجزي جدا مزاملته، والناس المحايدون سياسيا يطورون دائما محبة واحتراما كبيرين له. أما حلفاؤه السياسيون فيتسم رد فعلهم تجاهه، إن لم يكن بنفس مشاعر العبادة المتحمسة التي يثيرها لينين، فبالود الصادق ونوع خاص من الإعجاب.
وأقول مرة أخرى، بعد التفكير مليا في كل ما أذكره عن الرجل: بأسى عميق أجدني مضطرا إلى الاعتراف بأن هذا الرجل العظيم، بعقله العظيم، لم يتمكن، بسبب القصور المتضمن في صلب تكوينه النفسي، من تحقيق عشر القدرة الكامنة فيه من زاوية التأثير البناء في السياسة.
والمستقبل؟ لا جدوى من محاولة التخمين. إذا نجح النظام الشيوعي في كسب المعركة ووطد كيانه، فمن المحتمل أن يكون لمارتوف دور يلعبه في إطار جناح يميني موال للنظام، ويحتمل في الوقت ذاته أن يبرز كواحد من العقول الخلاقة في عالم جديد –وهذا ما أرجو شخصيا بإخلاص أن يحدث. وإذا اتضح، على أية حال، أنه ما تزال هناك ثغرات وتباطؤ قبل إنجاز الانتصار النهائي للشيوعية، فإن مارتوف إما أن يهلك لأنه أصدق من أن يبقى صامتا في فترة الردة الرجعية، أو أن يتيه بشكل نهائي في المجاري الفرعية للثورة، كما هو تائه في الوقت الراهن*.
ملاحظات
من زاوية إنجاز السياسي الحقيقي فإن مارتوف كان فاشلا، على الرغم من خدماته الجليلة للاشتراكية الديموقراطية الروسية في السنوات الأولى لتشكلها في العقد العاشر من القرن التاسع عشر. ومع ذلك كانت جاذبية شخصيته كبيرة إلى درجة أنه حتى في عالم السياسة الثورية الروسية الوحشي في ذرائعيته، حيث العقيدة والولاءات الفئوية كانت لها اليد العليا واحتقار المشاعر الخاصة فضيلة رئيسية، فإن لينين لم يفقد مطلقا محبته لمارتوف. فقد كانا رفيقين في الحركة منذ بدايتها، واعتقلا ونفيا في الوقت ذاته، وهاجرا وعملا في إطار تعاون وثيق في الايسكرا. وكانت خلافاتهما اللاحقة كبيرة جدا. فمارتوف لم يتول قيادة المناشفة المحتقرين فحسب، بل وأيضا استمر في محاولة إعادة تشكيل حزب موحد يحتضن جميع الآراء على اختلاف ألوانها، وهو تصور بغيض جدا بالنسبة للينين. وإضافة إلى ذلك، كان مارتوف نموذجا للانتلجنسيا المولعة بالكتب والتنظير، وهي سلالة كان لينين يمقتها على الرغم من انتمائه إليها. وأخيرا، لم يستطع مارتوف أبدا التغلب كلية على شكوكه (المرتكزة على أساس جدي جدا) حول النتائج السياسية النهائية المترتبة عن منح السلطة المطلقة لحزب من النمط اللينيني-مفرد، قاس، يخضع فيه الفرد بصورة صارمة لسلطة الحزب. وقد ذهب مارتوف في عام 1920 إلى برلين ضمن وفد منشفي ولم يعد منها أبدا. وبينما كان لينين مريضا على فراش الموت في عام 1923، كان واحدا من تعليقاته الأخيرة المفهومة (بعدها بفترة وجيزة حرمته النوبة القلبية الثالثة من القدرة على الكلام) قوله بحزن لزوجته: «يقولون أن مارتوف يحتضر أيضا».
* وقد تاه فعلا لحظة وفاته، التي عرفت بها اليوم أثناء التصحيح النهائي لمسوداتي. ويسرني أن اذكر أن الخطوط الرئيسية لتصويري لشخصيته تتطابق تماما مع نعي راديك [10] الممتاز لمارتوف في الازفستيا.