تمهيد
ثمة سؤال معروف جيدا حول مقابلات القبول في الكليات، وهو: "إذا تسنت لك الفرصة لتناول العشاء مع أي شخصين في التاريخ فمن ستختار؟ "الآراء بلا شك ستتنوع عندما نأخذ في الاعتبار عدد الشخصيات التاريخية في جميع مجالات المعارف الإنسانية، ولكن إذا كان المرء مهتما بمعرفة الشرق الأوسط في الزمن الحديث من قبل محللين معاصرين، فإنني لا أتصور رفاق عشاء أكثر جاذبية و إطلاقا من نعوم تشومسكي وجلبير الأشقر
.
لقد قابلت نعوم تشومسكي للمرة الأولى عام 1966، عندما كنت طالبا في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT . كان تشومسكي في ذلك الوقت مشهورا بما أنجزه من تثوير في مجال اللغويات، وكان في الحين نفسه قد أصبح معروفا كناقد جريء لحرب الولايات المتحدة في فيتنام، وعلى مدى أربعة عقود منذ ذلك الوقت، قرأت وتعلمت كثيرا من تحليله للسياسية الخارجية، والإعلام، ودور المثقفين في المجتمع. لكن الأكثر روعة حتى ذكائه الهائل، هو التزامه غير الاعتيادي بالتغيير الاجتماعي. وكطالب في مرحلة ما قبل التخرج، كنت دهشا من أن مثل هذا الأستاذ المتميز من الممكن أن ينضم إلى الطلاب في الاعتصامات و التظاهرات . وفي بدء السبعينات،عندما كنت أعد نشرة صغيرة للطعن في الأحكام العرفية في الفليبين، كان أول تجديد للاشتراك في النشرة نتلقاه في البريد كل عام يأتي من نعوم تشومسكي. وقد بات هذا نموذجا متسقا طوال معرفتي به فلقد ساعد في عدد لا يحصى من التنظيمات والمنشورات السياسية، ورد على عدد هائل من الرسائل الواردة من أنحاء العالم، وخصص الكثير من الوقت للتحدث وإسداء النصح والهام جميع من يناضلون من أجل عالم أفضل.
في مطلع السبعينات بدأ تشومسكي بالكتابة عن الشرق الأوسط، متحولا بذلك الى موضوع كان معنيا به منذ انضمامه في عهد الشباب الى الجناح اليساري من الحركة الصهيونية. لقد فكر هو وزوجته في بدء الخمسينات في الاستقرار في كيبوتس إسرائلي، ولكنهما قرار في النهاية الا يفعلا ذلك، وكان ليده دائما اهتمام ملحوظ بالمنطقة وقضياها المتصلة بالسلام والعدالة. عام 1974 نشر كتابه السلام في الشرق الأوسط، تأملات في العدالة والقومية Middle East; Reflections on justice and Nationhood Peace in the وكانت دراسته الثانية التي جاءت في حجم كتاب عن الشرق الأوسط قد كتبت عقب كارثة الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982: المثلث المقدر: الولايات المتحدة، وإسرائيل ، والفلسطينيونthe Fateful Triangle: The United States,israel, and the Palestinians ويشتمل عدد كبير من كتب تشومسكي الأخرى على أجزاء، أو مقالات، عن أهمية الشرق الأوسط كشيء لابد منه من أي تناول لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، بناء على أهمية المنطقة وتقبلها. ولكن هذا هو أول كتاب له جديد كليا منذ "المثلث المقدر" يركز حصريا على ذلك الجزء من العالم.
وقد شارك جلبير الأشقر في التزام تشومسكي القوي بالسلام والعدل الدوليين واهتمامه الشديد بفهم سياسية الولاية المتحدة الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، فان للأشقر خبرة ذاتية ومعرفة أكاديمية بالشرق الأوسط. فقد نشأ وترعرع في لبنان سنوات عديدة، وكان منخرطا بعمق في سياسة المنطقة وعلى معرفة جيدة بالدوائر اليسارية في العالم العربي، وبعد أن انتقل الى فرنسا، استمر على نحو حثيث في متابعة أحداث الشرق الأوسط، أكاديميا أو ناشطا مناهضا للحرب.
قابلت جلبير للمرة الأولى في شباط / فبراير 2003، قبل الغزو الذي قادته أمريكا للعراق بفترة قصيرة، عندما كان يتحدث في إطار جولة توقيع كتاب في جامعة "ويليام باترسون" Wliam Paterson في نيو جوسي حيت درست وعلى مدى السنوات القليلة اللاحقة، وجدت تحليلاته للعراق والشرق الأوسط عامة تحليلات ثمينة جدا، تقوم على خبرته وقراءته الدؤوبة للصحافة الناطقة بالعربية . وكثيرا ما نشرت مقالاته وترجماته على موقع على الانترنت أعمل عليه يسمى znet آملا أن أستحضر كتاباته التنويرية إلى جمهور أوسع من الناطقين بالإنجليزية. وبرغم أن معظم اتصالاتنا كانت من طريق البريد الإلكتروني عبر الأطلنطي،فقد أصبحنا صديقين، وفي أواخر عام 2005 كتبنا معا مقالا يقيم خططا متنوعة وضعت من أجل "إعادة الانتشار" للجنود الأمريكيين في العراق
وتعد كتابات الأشقر مفعمة بتقدير للاعتبارات الأوسع للعلاقات الدولية، خاصة المثلث الاستراتيجي بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والذي بلوره في كتابه la nouvelle guerre froide ( الحرب الباردة الجديدة) ( the Nue cold War ) ومن ثم في كتابه الآخر صدام الهمجيات: الإرهاب، الإرهاب المقابل والفوضى العالمية قبل 11 أيلول /سلتمبر وبعده ، 11 Sptember and the making of the Nue world Disorder: the clach of Barbarisme رسخ نفسه محلل ابصيرا، وناقدا لا يهادن لكل من سعي واشنطن الدؤوب للسيطرة العالمية الاسلامية،في الوقت تنفسه ، فانه كثيرا ما أظهر تفهما لبعض الانفعالات التي أشعلها الصراع الإسرائلي –الفلسطيني، حتى في وسط الدوائر التقدمية، مثلما بين في تحريره وسائل متبادلة بين اثنين من اليساريين اليهود. وكانت مقالات أشقر المتعددة التي جمع بعضها في كتابه الشرق الملتهب: الشرق الأوسط في المنظور الماركسيEastern Cauldron: Islam .afghnistan.Palestine.and Iraq in a Marxist mirror قد قدمت تحليلا صارما وحيويا، وإرشادا عمليا لمن يبحثون عن عدالة عالمية. وكانت مقالته في نسيان /ابريل2003، رسالة الى ناشط/ناشطة ضد الحرب مصاب /مصابة بقدر من الإحباط" lettre to a Slightly Depressed Antiwar Activist قد أصبحت من المأثورات.
أما هذا الكتاب، فهو ليس مقالات منفصلة لكتابين جمعت معا، بل هو يقوم على حوار بينهما، أحيانا يتفقان، وأحيانا يثني أحدهما على تحليلات الآخر بناء على منظورا تهما ومعلوماتهما، و أحيانا يختلفان. وهكذا فان الكتاب أكثر من مجرد جمع لأجزائه. فمن خلال محادثهما، نجد فهما أكثر ثراء يظهر من تعليقاتهما المشتركة كخبيرين لديهما خبرات متنوعة.
وقد قرر تشومسكي و الأشقر منذ البداية أنه سيكون من المفيد وجود شخص ثالث لإدارة حوارهما الذي يجري وجها لوجه. وكان لهذا المشروع أن يكون محادثة بين شخصين، لكن من شأن طرف ثالث أن يطرح أسئلة، وأن يحافظ على مسار النقاش، ويعتني بالعملية الفنية للتسجيل ، ويمكن المتناقشين من التركيز على تحليلاتهما وحججهما. وقد دعيت الى أداء هذا الدور . وبقدر ما أمكنني ، حاولت أن أكون خارج المحادثة، و أحركها عند الضرورة .
وقد تضمن الإجراء الذي اتبعناه عدة خطوات.
بدأنا ببلورة قائمة من الأسئلة التي ينبغي تناولها . وكان الهدف هنا توليد أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالرجوع إلى موسوعة ، بل أسئلة تحاول الكشف عن العوامل المؤسسة و ديناميتها في العمل ، فالأحداث في الشرق الأوسط تتحرك بسرعة كبيرة بحيث يمكن لأية محاولة تسعى إلى تقديم وصف حقيقي أن يتخطاها الزمن في وقت وجيز، ولكن تحليل القوى الرئيسية العاملة وطريقة مراقبة القضايا الحرجة ستمكن القارئ من تفسير الماضي وفهم تطورات الحاضر و المستقبل .
ومع أن القصد الأول كان أن يدور هذا الكتاب حول الشرق الأوسط، فإن استيعاب ما يجري في هذه المنطقة غير ممكن بمعزل عن مصالح وتدخلات قوى خارجية، خاصة الولاية المتحدة في السنوات الأخيرة. لذلك فقد حاولنا إثارة مواضيع تتعلق بالشرق الأوسط و السياسة الخارجية للولايات المتحدة مع التركيز على مناطق صراع معينة.
وقد اشتملت المواضيع على الإرهاب (ما الإرهاب؟ ومدى التهديد ، وكيف ينبغي التعامل معه ؟) والمؤامرات (الى أي مدى تساعدنا على فهم التطورات السياسية ؟) والأصولية ( ما يحركها ، أين تكون ذروة حالتها ؟) والديمقراطية (وضعها في الشرق الأوسط،كيف تأثرت بحرب العراق؟) وجذور السياسية الخارجية للولاية المتحدة في المنطقة (خاصة دور النفط وأهمية "اللوبي الإسرائيلي")
وقد كانت الصراعات المحددة التي ركزنا عليها في أفغانستان بعد الحادي عشر من أيلول /سبتمبر، والعراق بجميع أبعاده: دور الولايات المتحدة ، التطورات السياسية ، وضع الشعب الكردي (في العراق و أيضا في تركيا) ، بالإضافة إلى الصراعات المحتملة في إيران وسوريا ، وبالطبع أردنا تخصيص اهتمام ملحوظ بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: جذوره التاريخية ، و الديناميات الحالية ، والحلول المحتملة، بالإضافة إلى مقاربة طبيعة المجتمع الإسرائيلي ،والقوى السياسية الفلسطينية المختلفة،و قضايا معاداة السامية ، ورُهاب الإسلام أو الاسلاموفوبيا، والعنصرية ضد العرب. ومع إتمام الأسئلة، اجتمعنا نحن الثلاثة في مكتب نعوم في معهد ماساتشوستس للتكنولاوجيا MIT ، في كامبدريج ماساتشوستس على مدى ثلاث أيام من المحادثة، من الرابع من كانون الثاني/ يناير 2006 الى السادس منه. وهذا ومن غاية الصعوبة انتزاع ثلاث أيام مع تشومسكي بوجه عام ، بسبب جدوله المزدحم دائم على نحو لا يصدق ،والحقيقة كان علينا أن نتوقف مرة واحدة لعقد مقابلة رتبت سلفا مع صحافية أجنبية. وبرغم ذلك، كنا قادرين على الدخول في المحادثة نحو أربعة عشرة ساعة ،وكانت جلساتنا ودودة وحيوية وحتى عندما كانت هناك اختلافات لم يكن نعوم ولا جلبير يتورعان عن ذكر رأيهما بقوة (كانت المناقشة مكثفة على نحو اضطررنا إلى تجاهل وجبة الغداء مرتين) .
وقد تولت ميليسا جامسون وبمهارة ملحوظة إفراغ الساعات الأربع عشرة من التسجيلات ودونتها، وأعدت من المخطوطة التي نتجت من التسجيل مسودة للتحرير، أزالت عنها الأقوال المتكررة و المشتتة ، وعاودت ترتيب بعض أجزائها، وتحسين صياغاتها لتكون مقروءة، ثم راجعها كل من نعوم وجلبير سريعا وأضافا ملاحظتهما.
لم يكن الهدف هنا هو إنتاج نسخة طبق الأصل وأمينة من المحادثة، بل كانت الفكرة هي السماح لكل منهما بان يوضح ويشرح ملاحظاته (ولكن دون تغيير حجة رئيسية، كان قد سبق لأحدهما الرد عليها بالفعل) . وقد عملنا بالرؤية القائلة إن التعليقات الشفوية التي قدمت بدون الوصول إلى المصادر يجب ألا تقدم على أنها الكلمة الأخيرة أو الفاصلة . ومن ثم فقد تأكدنا من الحقائق وفحصناها وملأنا الإستشهادات وفق المقتضى. ولأننا نعتقد أن القراء ينبغي الا يأخذوا تلقائيا بما قاله المؤلفان فقد شعرنا أنه من الأهمية بمكان أن نضيف توثيقا لجميع المزاعم غير الواضحة أو المثير للجدل.
وفي أي عمل من هذا النوع، كثيرا ما يواجهنا السؤال المتعلق بحديث المادة . وقد فكرنا في أنه سيكون من التضليل والتشويش أن نجعل من المحادثة راهنة اليوم عن طريق التدخل في عملية التحرير أو الصياغة . فلاشك على الإطلاق في أن أحداثا مهمة جديدة ستكون قد وقعت في الشرق الأوسط بعد صدور الكتاب، قبل أن يصل إلى قرائه .
لذلك قررنا أن نبقي على النص الرئيسي كما هو كتسجيل لتقييم كل من تشومسكي و الأشقر في كانون الثاني / يناير 2006 . ولكن مع تضمين خاتمة منفصلة ، أعدت بعد ذلك بستة أشهر، أمكن كلا من المؤلفين التعليق فيها على تطورات مهمة في مسار الأحداث .
و أني لأمل أن يكون هذا الكتاب بدعوته نعوم تشومسكي وجلبير الأشقر كريفقين إلى مائدة العشاء لمناقشة قضايا الشرق الأوسط، قد غذاء غنيا للأفكار.
ستيفن شالوم