لقد تمسك بوكرين بالجهر بعدم اعترافه بمقدساتهم، وبمواصلة معارضة نظام الاستبداد والاضطهاد والاستغلال، و وقف إزاء مسرحية المحاكمة السخيفة الموقف الذي يليق بها: رفض الكلام. وكم كانوا أقزاما أمام شموخ بوكرين.
بوكرين وجه من رموز النضال من اجل مغرب حر وسعيد، جسد استمرار كفاح حركة مقاومة الاستعمار، بمواصلة النضال ضد نظام الاستعمار الجديد الذي استعمل مؤسسات القرون الوسطى للتنكيل بالشعب ونهب ثرواته. ينتمي بوكرين الى مدرسة عبد الكريم الخطابي و احمد اكوليز [شيخ العرب] ودهكون وبنونة، ناضل ضد حرف طاقات النضال الى مسالك الإصلاحية المفضية الى مآزق، و درب أفواجا من الشباب، وبنى قوة مناضلة باقليم بني ملال، يتعين على شبابها ان يطوروا أفضل ما فيها بالتخلص من أوجهها التي أثبتت التجربة عدم صحتها. إن المشروع الذي وهبه بوكرين أكثر من نصف قرن من العطاء النضالي والثبات على الخط هو عين مشروع رفاق جبيهة رحال والتهاني أمين، مشروع قوى اليسار الثوري بالمغرب: بناء المنظمة القائدة لكفاح العمال وفقراء الفلاحين وعموم ضحايا الاستغلال والاضطهاد من أجل تحرير المغرب من السيطرة الامبريالية، وبناء مجتمع المنتجين المتشاركين بحرية وديمقراطية.
ان النهوض بواجب الوفاء لتضحيات بوكرين يبدأ بالتناول النقدي لحالة اليسار الثوري، حالة يكفي للاحاطة بها النظر الى ثلاث جوانب:
1- موقعه في الحركة النقابية حيث تعوز قسمه الاعظم بوصلة النضال المطابقة لراية الماركسية، فسقط في مرافقة البروقراطية النقابية المتعاونة مع أرباب العمل ودولتهم، مرافقة عملية لا تغير منها لغة بيانات المناسبات شيئا.
2- موقفه من نضالات كادحي الهوامش التي تصاعدت في السنوات الأخيرة: من تحرك لتجسيد التضامن، واستنهاض قوى جديدة الى الكفاح، أيام كانت جماهير تاماسينت وطاطا وإيفني وبوعرفة ،... تخطو على طريق النضال الفعلي؟
3- تيهه في مسألة استعمال مؤسسات الديمقراطية الزائفة بين موقف امتناع عقيم يضعه خلف الجماهير لا في مقدمتها، وانزلاق الى مشاركة بجانب قوى إصلاحية ناقصة النزعة الديمقراطية تلاحق وهم التغيير بواسطة تلك المؤسسات، بل إن بعضها لا يهمه غير امتيازات المقاعد.
ان أسطع خلاصات هذا الوضع هو ان سياسة القسم الأعظم من اليسار المنتسب الى القضية العمالية تحكم عليه بالتخلف عن ركب النضال العمالي و الشعبي.
مباشرة بعد الانتخابات البرلمانية سيصعد الحاكمون الهجمات على الطبقة العاملة و الكادحين، بإنزال مشروع قانون الإضراب، و استكمال تقويض المكاسب الطفيفة بأنظمة التقاعد وقانون الوظيفة العمومية، وتشريعات الشغل، وتسريع تطبيق السياسة النيوليبرالية، وإجمالا رهن مستقبل البلد لدى البنك العالمي وغيره من مؤسسات الامبريالية. لذا ينتصب سؤال كبير: ما هو التوجه الذي يجب أن يدافع عنه الاشتراكيون الثوريون داخل الحركة العمالية والشعبية لتتمكن الطبقة العاملة والكادحون من تنظيم دفاع ناجح، ثم الانتقال الى الهجوم؟
لا يتمثل موقف الثوريين من البيروقراطية النقابية في كيل الشتائم لها، ولا حتى في الاقتصار على التشهير بجرائمها، بل في الدفاع عن خط نضال عمالي، سواء حول طبيعة المطالب أو مناهج النضال وتسيير المعارك. ويستتبع هذا دعم القيادات النقابية طالما تمثل العمال بشكل صائب والعمل باستقلال عنها فور انزياحها عن ذلك التمثيل الصائب، وهذا ما تلخصه صيغة ليون تروتسكي" مع الجماهير دوما، ومع القادة المترنحين أحيانا، لكن فقط طالما كانوا على رأس الجماهير".
إن غياب يسار نقابي كفاحي قد اثر جدا على تجدد النضالات العمالية في نهاية الثمانينات و مطلع التسعينات، و سهل نجاح غارات العدو الطبقي، وسيحكم على القادم منها بالمآزق ذاتها.
إن خط النضال العمالي المطلوب قائم على مزاوجة المطالب الاقتصادية و السياسية، وحفز فعل العمال الذاتي، والذود عن الديمقراطية في تسيير النضالات، و اضطلاع العمال بالأدوار المتقدمة في نضال الجماهير الشعبية ضد الاستبداد. انه خط التربية السياسية للجماهير بواسطة التشهير بالاستبداد باستعمال كل متاح من إمكانات، والانخراط في نضال الجماهير اليومي بمنظور البلورة المكتملة للمطالب أي بلوغ جوهرها السياسي، و العمل من اجل تلاقي كفاحات العمال مع نضالات الجماهير الشعبية بالعالم القروي، ونضالات الشباب بالجامعة ومن اجل الحق في العمل.
إن بناء يسار نقابي بهذا المنظور أمر لا غنى عنها لجعل النضالات العمالية تندرج في إطار إستراتيجية ثورية، وفيه يكمن إخلاصنا لتضحيات الرفيق بوكرين و غيره ممن سبقوه من مناضلي طبقتنا الثوريين.
جريدة المناضل-ة
27 يونيو 2007