النظام السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية مطبوع ببنيته الفيدرالية، التي ُتبعد عن السلطة المواطنين البسطاء، و قد مال بسرعة،بفعل فصل السلطتين التنفيذية والتشريعية، نحو نظام رئاسي. يعين الرئيس لمدى الحياة قضاة المحكمة العليا الذين يبثون في النقاشات حول دستورية القوانين. وللرئيس حق اعتراض [ فيتو] تشريعي يصعب على الكونغرس إطاحته -1- . ولم يتطور الدستور، الموضوع في 1786 بعد حرب الاستقلال، إلا قليلا مذاك، رغم أنه ألغى إقصاء العبيد و النساء. يبين هذا الاستقرار أن الطبقة السائدة الناشئة بالولايات المتحدة الأمريكية تزودت، بعد الثورة التي أقامت استقلالها، بجهاز فعال لاحتواء النضالات الاجتماعية وإبقاء وهم المصالح المشتركة بين الطبقات.
أداة توحيد بورجوازية
غالبا ما كانت الحقوق الاقتصادية والسياسية للبرجوازية الانجليزية، المحدودة من طرف الارستقراطية المحيطة بالملك، مرفوضة للنخب الاستعمارية. وخلال حرب الاستقلال، وبعدها، تنظم المعمرون البيض، الّذين كان العديد منهم مالكي معامل أو مزارع قائمة على عمل العبيد. وكانوا، رغم استلهامهم المبادئ التي بلورها فلاسفة الأنوار، يستبعدون منذ الوهلة الأولى النساء والعبيد من العملية وكذا الجماهير الشعبية بوسائل أكثر مداورة. وغالبا ما يجري الدفاع، لا سيما في البداية، عن النظام الفدرالي القائم فوق الولايات بصفته كابحا ملائما للديمقراطية وكذا للمواجهات بين أقسام البرجوازية. وتظهر تلك التعارضات بصدد مسألة العبودية و بصدد الترخيص لامتدادها إلى الولايات الجديدة المستعمرة بالغرب. كما تتعلق أيضا بالنظام الحمائي -2- وأدت إلى الحرب الأهلية. وبالتالي فان أحد العناصر المحددة للنظام يتمثل في هذا التنوع بين الولايات المتقاطبة في القرن 19 بين شمال صناعي وجنوب زراعي عبودي.
انتصر الشمال في الحرب الأهلية، و حافظ بالتالي على تفوق النظام الفيدرالي ومنع الولايات من الانفصال بجعل اتحادها غير قابل للفسخ.
كما ان الأداة المؤسسية الفيدرالية، التي تقوم بدور بالغ الأهمية، مرتبطة أيضا ببنيات سلطة على صعيد الولايات. وترتبط شبكتها المتفاوتة بحجم التراب وتاريخه المديد والمعقد. وكان المبدأ المعلن في البداية هو الحد من "طغيان" محتمل للسلطة الفيدرالية. أتقنت البرجوازية بمهارة استعمال السلطة الفيدرالية للحد من إشكال التقدم المحلية، وأشكال التقهقر المحلية لنسف المكاسب الوطنية. وكانت أنواع " الثقل الموازن" المؤسسة باكرا جدا بوجه النظام الفيدرالي تتعلق أيضا بالحقوق الفردية، وكانت مطبوعة بسمات ظرفية جرى الالتفاف عليها مع مر السنين. هكذا نجد في أولى تعديلات الدستور حق الشعب في جمل السلاح، المؤول مذاك في إطار التقاليد الأشد محافظة بالبلد.
ويجعل شبه مستحيل اليوم النضال ضد انتشار الأسلحة، وحتى الميلشيات، في المجتمع. وكان التعديل الخاص بحرية التعبير سلاحا للعنصريين والظلاميين، و قد كانت جملة نضالات ضرورية للحد قليلا من استعمالاته المعادية للمجتمع. ولا يمنع غياب دين مؤسس من قبل الدولة من قيام الكنائس البروتستانتية بفرض نفسها كتيار مهيمن، كما تدل « in God we trust » جول الدولار او نفوذ créationnistes . و يمثل حجم التفاوتات، وتجزؤ المجتمع لدرجة الفصل وضعف القطاع العام عناصر محددة لكل هذه الانحرافات. وينصب الحذر على المؤسسات الفيدرالية، على العاصمة، لدرجة تحوله أحيانا إلى نظرية مؤامرة. وقد أفضى أحيانا إلى مواجهات مع الدولة، وكان مصدر الميول الفوضوية لدى الحركة العمالية الجذرية، لكنه كان بوجه خاص نقطة ارتكاز للتدخلات المحافظة القائمة على مبدأ "دعه يعمل" الاقتصادي. وقد كان « New Deal » الذي وضع ردا على الأزمة الكبرى استثناء، وحورب خلال الحرب الباردة واعتبر شرا سياسيا مطلقان وجرت ماثلته مع الاشتراكية.
التحجر الاجتماعي ونظام الحزبين
ماذا تبقى إذن من شأن عمومي في هذا المجتمع؟ يوجد تنظيم ذاتي لكنه يواجه عقبات عديدة، في بلد نادرا ما يعتبر نفسه منقسما إلى طبقات، ويقلل من شأن العنصرية و يمجد فعل الفرد. غالبا ما تكون المنظمات التي يمكن تسميتها " جمعيات" مرتبطة بالمؤسسات التي تخصخص مهامها دون إضفاء الديمقراطية عليها.
وتوجد أحيانا في community organizations (" منظمات الحي") هوامش لعمل جماعي ديمقراطي على جبهات مختلفة، لكنها تشتغل غالبا كأدوات مرتبطة بالأحزاب المؤسسية و بـ " المؤسسات" « fondations » التي يخلقها كبار الرأسماليين. وبالتالي يصعب جدا النضال ضد البيروقراطية والتعاون الطبقي في هذه البنيات، وبالأحرى في مستوياتها الوطنية. في هذا الإطار وقعت في الفخ أغلبية ورثة نضالات سنوات 1950 و1970 ( الحقوق المدنية، النسوانية، Chicanos)، ويحمل تاريخها أوجه شبه مع تاريخ الحركة العمالية وتبقرطها ( انظر روج عدد 2271) . وغالبا ما تكون العلاقات مع الكنيسة هامة. وكانت أحيانا فضاءات حيوية للحرية لحركات مثل السود في الجنوب، و مثلت الفضاء الجماعي الذي لم يحرموا منه حتى في أسوأ اللحظات، مما يبرز نقص فضاءات التحرر. وتكتسي البيروقراطية بعدا آخر مع اللوبيات، جماعات الضغط ، المنشغلة حول المؤسسات الفيدرالية، وحتى المحلية.
ويوضح نظام المؤسسات ٍ fondations و think tanks غياب تقليد بلورة للتوجهات السياسية في منظمات ديمقراطية ولو قليلا. وهكذا يمكن لأي مجموعة مصلحية لديها موارد مادية هامة أن تؤثر على نحو غير متناسب على النظام السياسي. ولا تغير القوانين المفترض أن تؤطر اشتغالها، مثل قوانين تمويل الحملات الانتخابية، الشيء الكثير في هذه الآليات.
يسيطر نظام الحزبين منذ زهاء قرن. و بتأثير النظام الرئاسي بوجه خاص، أتاح هذا الاشتغال للمعارضات الكبرى التي تهدد أحيانا الاتحاد، التعبير عن نفسها. لكنه بوجه خاص جر كل حزب إلى دمج تلك المعارضات، وصولا إلى حالات قصوى مثل الحزب الديمقراطي، الذي كان عنصريا في الجنوب ويحصل بكثافة على أصوات الناخبين السود في الشمال. وهذا الحزب مرتبط أيضا على نحو عضوي، ومنذ أمد طويل، بالتيار المهيمن والبيروقراطي في الحركة النقابية، American Federation of Labor، وهذا ما يفصح جيدا عن الوجه الرجعي لهذه الحركة النقابية. ولا تستند الاتجاهات التي تعلن داخل الحزب الديمقراطي أفكارا يسارية إلى هذه الحركات المهيكلة.
أما الحزب الجمهوري فلديه علاقات جيدة جدا مع القوى الأكثر محافظة بالبلد، رغم أن الأمر لم يكن دائما كذلك. لكن بما أن هذه القوى هددت أحيانا مصالح الرأسماليين الكبار على صعيد الولايات المتحدة برمتها، وحتى العالم، فيفيد هذا الحزب أيضا في الحد من هذه التناقضات. تتوفر إذن لدى البرجوازية الكبرى أدوات ممتازة لتقسيم المجتمع، وتستعمل التناوب، كما تستعد لفعله مع اوباما، على نحو لا يتغير معه شيء.
سدود و أشكال غش
يستدعي فهم اشتغال المؤسسات اعتبار عناصر تاريخها هذه، غير الخطي بالقدر الذي يعتقد الوطنيون المعتزون بدستورهم المستكمل 200 سنة. لكن ما الوضع اليوم؟ تجرى الانتخابات البرلمانية كل سنتين، والرئاسية كل أربع سنوات. أدت أهمية الانتخابات الرئاسية، وصعوبة اختيار الفرد المناسب في بلد من هذا التعقيد، إلى إحداث نظام انتخابات أولية حيث يمكن لناخبي كل ولاية انتقاء مرشح يقدمه مندوبو الولاية إلى الندوة الوطنية لحزبهم. يتيح هذا النظام انغراسا ما في هيئة الناخبين، مع الحفاظ على مصالح بيروقراطية الأحزاب والتحكم في الصراعات الداخلية. وفي كل الولايات تقريبا تتكون الهيئة الناخبة بنسبة 100% من المنتخبين المؤيدينللمرشح الحاصل على الأغلبية النسبية في الولاية. يقلص هذا أهمية التصويت في الولايات ذات الميل التاريخي إلى مساندة حزب ما، وتعززه في ولايات أخرى (( « swing states » .
يتعزز بذلك نظام الحزبين، وفي بعض الحالات التاريخية، مثل 2000، لا يكون المرشح الحاصل على اكبر عدد من الأصوات على صعيد وطني هو المنتخب. نعلم ان انتخاب 2000 قررته المحكمة العليا بعد نزاع حول فلوريدا. فقد كقام حاكم هذه الولاية، وهو أخ جورج . و. يوش، بدور جدير بأسوأ جمهوريات الموز. ولا تشارك بورتوريكو وأراض أخرى في الانتخابات. وقد حلت اليوم تلاعبات عديدة بالقوائم الانتخابية مكان الترهيب الصريح الذي كان السود يتعرضون له بالجنوب، حتى بعد نهاية العبودية. و تبذل بعض الجمعيات جهودا مذهلة للوقوف عقبة بوجه أشكال الشطط القصوى للنظام. كما يقوم حرمان العديد من السود المسجونين من الحقوق بدور أيضا، وكذلك انعدام أي حقوق لـ 12 مليون ممن لا أوراق ثبوتية لديهم. ويكمل ظهور آلات للتصويت نظاما ضالا حيث يمكن التصويت بالمراسلة، أسابيع من قبل، وحيث الانتخاب العام منظم جيدا لدرجة استحالة التصويت دون طابور انتظار قد يدوم أحيانا ساعات. انه ثمن اشتغال أفضل نظام سياسي في العالم.
يبرز جيدا هذا الجرد لتاريخ مؤسسي طويل كل الطريق الواجب اجتيازه لإدخال ولو قليل من الديمقراطية وسلطة العمال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأهمية بناء تعبئات مستقلة ومنظمات ديمقراطية لتحقيق ذلك. كما يتيح فهما أفضل للأسباب العديدة الداعية إلى عدم تعليق آمال على الحملة الرئاسية الحالية ما لم يتبعها استئناف الثقة والنشاط من قبل كل الذين يناضلون.
سيمون مارسو
جريدة Rouge عدد 2272 بتاريخ 30 أكتوبر 2008
تعريب : جريدة المناضل-ة