لا بريش: في بداية ماي 2003، قام الرئيس بوش بخرجة انتصارية على حاملة طائرات تابعة للبحرية الأمريكية ،لإعلان النهاية الرسمية للحرب في العراق. بعد مرور عام على ذلك، كيف تصفون الوضع في هذا البلد ؟
جيلبر الأشقر : ما وقع يؤكد ما كنا نقوله في بداية اجتياح العراق: "لا زالت الصعوبات بالنسبة لواشنطن و لندن في بدايتها". تمت المراهنة سلفا على أن قلب نظام صدام حسين و الاحتلال العسكري للبلد لن يطرحا أي مشاكل للجيش الأمريكي، نظرا للتفاوت الهائل بين القوات المتواجهة.
لكن التحكم في بلد كالعراق يعني شيئا آخر. وفي هذه الحالة، لم يعد التقدم التكنولوجي الساحق للجيش الأمريكي محددا بنفس الدرجة.
أولا، يتطلب الأمر عددا من الجنود أكبر بكثير مما يحتاجه انتصار عسكري بسيط. و الحال أن إدارة بوش اعتقدت أن بإمكانها احتلال العراق بعدد ضئيل من الجنود .إنها واحدة من نقاط ضعف القوة الأمريكية: العامل البشري الذي سرعان ما اعتبر متجاوزا نتيجة الثورة التكنولوجية التي قلبت رأسا على عقب "فن الحرب".
ثانيا، يجب أن يكون هناك شعب يمكن ضبطه، بمعنى انه يظهر درجة ما من الخنوع، بل حتى قبول الاحتلال . و الحال أنه أمر بعيد عن الواقع. فقد استقبلت غالبية الشعب العراقي الجيش الأمريكي بشعور يمكن تلخيصه على الشكل التالي: " شكرا على إطاحتكم بنظام صدام حسين. والآن، غادروا المكان. لا نريدكم كقوة محتلة".ّ
كان هذا الشعور مصدر الحركات المناهضة للاحتلال التي تتضخم شيئا فشيئا وتترجم يوميا تقريبا بعمليات مسلحة. غير أنه في اعتقادي ليس هذا هو العنصر الحاسم. فالأكثر أهمية يتمثل في الطابع الجماهيري الذي يتخده رفض الاحتلال، كالمظاهرات الضخمة التي جرت مثلا إبان الخلاف بين الحاكم المدني بريمر و" آية الله العظمى " السيستاني حول مسألة الانتخابات.
هذا ما جعل مشروع الادارة الأمريكية يفشل، وصار العراق "ورطة" سقط فيها الجيش الأمريكي، وما فتأ الوضع يزداد سوءا دون أفق مخرج مشرف. وبهذا المعنى، هناك نقاط تشابه مع الفيتنام، ليس على المستوى العسكري – لا سبيل للمقارنة بين حرب العصابات في العراق و الحرب الفيتنامية – و لكن على المستوى السياسي: فكما كانت الفيتنام، صار العراق يشكل عبئا جسيما بالنسبة للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة. صرفت الولايات المتحدة حوالي 130 مليار دولار على تواجدها بالعراق حتى الان، مع هدف التحكم بثرواته البترولية الهائلة. لكنها لم تعد متأكدة اليوم من إمكانية البقاء فيه...
لا بريش: كيف تصفون الإجرءات الرئيسية المتعلقة بالسياسة الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق طيلة سنة؟
جلبير الأشقر: نسجل على هذا المستوى أيضا، اول إخفاق أمريكي: لم تستطع واشنطن بعد تغيير شروط استغلال البترول العراقي، مع أنه يشكل هدفها الأساسي.
لم تخض الولايات المتحدة هذه الحرب من أجل بضع صناعات تحويلية أو خدمات موجودة بالعراق. في هذا المجال، طبقت إدارة بريمر برنامجها حرفيا، عبر الخصخصة و منح الصفقات للمقاولات الأمريكية دون طلب عروض، بما في ذلك على حساب المقاولات الأمريكية الأخرى – وهو ما أثار العديد من الاستنكارات. وعلى العكس، لم تتوان الولايات المتحدة عن تأجيل القرارات المتعلقة بموضوع البترول، بالضبط نتيجة مشاعر الكره تجاهها والتي سرعان ما تحققت من وجودها بالعراق. و الحال أنه مع مرور الوقت، تتعاظم مشاعر الكره الشعبية التي جعلت الولايات المتحدة تؤجل قراراتها.
ليس مشروع إدارة بوش ،كما يقال أحيانا، هوخصخصة الموارد البترولية العراقية بلا قيد أو شرط. لن يكون من السهل قبول ذلك. كان هدفها يكمن في خصخصة غير معلنة على شكل اتفاقات تسمح للشركات البترولية الأمريكية باستغلال البترول العراقي بـ "شكل مشترك" مع شركة الدولة. لكن هم الولايات المتحدة الأساسي اليوم يكمن في تقدير إمكانية مكوثها في هذا البلد وبأية شروط.
لا بريش: جعلت إدارة بوش من 30 يونيو 2004 تاريخ "تحويل" السيادة للعراقيين. أين وصل ذلك؟
جلبير الأشقر:أعلن بريمر رسميا في الخريف الماضي عن مشروعه بصدد الحكومة العراقية المزعومة، التي رأى أن تضم أفرادا عينهم الاحتلال أو اختارتهم مجالس عينها الاحتلال. هذا ما أثار خلافا كان فيه السيستاني الذي يعد أكبر مرجع شيعي في العراق، الخصم الرئيسي.
إن " آية الله العظمى " السيستاني رجعي حتى العظم على المستوى الاجتماعي، وسلفي قروسطي. ومع ذلك، ظهر في هذه المعركة كمن يرفع التحدي ضد الحاكم المدني بريمر. هكذا أصبح رجل في غاية الرجعية ناطقا رسميا لطائفته و لغالبية الشعب العراقي في مواجهة مخططات قوى الاحتلال. هذا الوضع يجعلنا نستحضر الدور الذي لعبه الخميني في النضال ضد الشاه، رغم الاختلافات الكبيرة بين السيستاني و الخميني خاصة في ما يتعلق بتصورهما للعلاقات بين السلطة السياسية و السلطات الدينية.
فقد كان الخميني أيضا رجعيا متطرفا في الشأن الاجتماعي و حقوق النساء، وقد صار الوجه الرئيسي لمعارضة شاه إيران في نهاية السبعينات، مستعيدا مفهوم الديموقراطية لصالحه في مرحلة أولى. عندما أراد بريمر في نوفنبر 2003 الضغط على العراقين، رفع السيستاني التحدي ودعى إلى تنظيم مظاهرات اتخدت حجما هائلا أجبرت بريمرعلى التراجع.
عندها استدارت إدارة بوش مرة أخرى نحو الأمم المتحدة للحصول على وساطة وإنقاذ ماء وجهها. وقد أدت هذه الوساطة إلى الوعد المزعوم بتنظيم انتخابات في يناير 2005. أقول "المزعوم"، لأني لا أعتقد بأن الولايات المتحدة – إدارة بوش على أية حال – مستعدة فعليا لتنظيم انتخابات حرة في العراق.
في هذا السياق، لن ينخدع أحد بأجل 30 يونيو. فالحكومة العراقية القائمة ستبقى في الواقع معينة من طرف قوى الاحتلال: وحتى إذا كان تشكيل هذه الحكومة يتم عبر الأمم المتحدة، فالولايات المتحدة هي التي ستنصبها في آخر المطاف. وعلاوة على هذا، ستكون هذه الحكومة بدون سيادة: فلن تكون لديها أية رقابة على القوات المحتلة، ولا حتى صلاحيات كاملة في مجالات الميزانية.
في الواقع، لن يتم الانتقال الحقيقي للسلطات في 30 يونيو بين بريمر و"الحكومة" العراقية الجديدة، بل بين بريمر والسفير الأمريكي الجديد ببغداد، جون نيكروبونت. هذا الأخير، عمل في الفيتنام وشارك في أكثر الأعمال قذارة في الثمانينات إبان تدخل الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. يشغل الآن منصب سفير الولايات المتحدة بمنظمة الأمم المتحدة، في انتظار إدارة أكبر سفارة أمريكية في العالم ببغداد مكونة من أكثر من 3.000 موظف.
لا بريش: ما هي خطوط قوة إعادة الاصطفافات السياسية والاجتماعية الجارية بالعراق؟
جلبير الأشقر:يصعب فك رموز اللوحة بتواجد قوى اجتماعية و سياسية متحالفة في جزء منها، متنافسة أو متعارضة في جزء آخر: فهناك تلك التي تشارك في مجلس الحكومة النيابي الذي نصبه الأمريكيون وتلك التي لا تشارك فيه، وتلك التي تقوم على أسس دينية أو إثنية، والتقسيمات الحاصلة داخل الطائفة الشيعية، وقطاعات بعثية أعيد إدماجها من طرف الجيش الأمريكي بغرض الاشراف على الفلوجة ...
إن التصدع الأكثر أهمية ليس بين السنة و الشيعة، بل بين العرب والأكراد.
فالأكراد هم اليوم الفئة الوحيدة من السكان العراقيين التي تؤيد الاحتلال، والتي تعتقد أن من صالحها تأبيده. صحيح أن كردستان العراقية استفادت، منذ نهاية حرب الخليج الأولى في 1991، من تسيير ذاتي حقيقي و بوضع أكثر امتيازا مقارنة مع باقي العراق. انفلتت من ديكتاتورية صدام حسين، لا بل استطاعت أن تزدهر اقتصاديا بتشكيلها متنفسا لباقي مناطق البلاد الخاضعة لحظر الامم المتحدة، مما ساعد على تطور جميع أنواع التهريب. جرى هذا كله تحت حماية الولايات المتحدة و بريطانيا.
بالنسبة للأمور الأخرى، اللوحة السياسية مجزأة. لا توجد قوة مهيمنة قادرة على حكم البلد.
ولهذا السبب، تكتسي الآفاق من أجل شكل من الديموقراطية في العراق طابعا حقيقيا في اعتقادي، طبعا مع شرط إنهاء الاحتلال. أقول هذا بالمعنى الذي يمكن فيه مثلا التأكيد على أن إيران هي اليوم أكثر "ديموقراطية" من المملكة السعودية. في إيران، توجد معارك انتخابية ليست مجرد خداع. هناك تعدد القوى السياسية و لو في حدود معروفة. توجد حياة سياسية إيرانية متسمة فعلا بالصراع، ولا تمت بصلة الى السلفية الاسلامية التوتاليتارية للمملكة السعودية، ولا الى ديكتاتورية صدام حسين شبه- الفاشية.
وتبدو إمكانية سيرورة ديموقراطية بالعراق اكبر مما هي عليه في إيران، نظرا لغياب قوة سياسية- دينية واحدة مهيمنة. زيادة على هذا، تتعايش وسط السكان الأغلبية الشيعية مع أقلية سنية دون الحديث عن الاقليات الأخرى، ولا وجود لطائفة منسجمة فضلا عن ذلك. يساهم كل هذا في وجود الشروط الموضوعية لسيرورة تعددية و لو في حدود معينة .
خلقت الولايات المتحدة، دون تعمد، شروط هذه الدمقرطة الممكنة، حيث اعتقدت بإمكانية التحكم في البلد بسهولة بتدميرها جهاز دولة صدام حسين. في الولايات المتحدة الامريكية، يتفق الجميع تقربيا اليوم على ارتكاب ادارة بوش خطأ فظيعا لما أقدمت على حل الجيش و كل أنواع الاجهزة بالاضافة إلى "نزع البعث" – الذي نتج عنه طرد عشرات الآلاف من الموظفين انخرط أغلبهم في الحزب على أساس انتهازي محض وليس من السهل استبدالهم. وبهذا حرمت الولايات المتحدة نفسها من القوة الوحيدة القادرة على تأبيد التحكم في السكان، أي جهاز دولة قمعي و مخضرم.
خلق هذا وضعا صعب الانعكاس. فلا يمكن بكل سهولة إعادة بناء جهاز دولة جرى حله منذ أكثر من عام. رأينا في الفلوجة كيف خلفت محاولة اللجوء إلى جنرال من الحرس الجمهوري سابقا من أجل تهدئة الأوضاع موجة استنكار اضطر معها الجيش المريكي إلى التراجع جزئيا.
في هذا السياق، تكمن الإمكانية الوحيدة لإعادة تشكيل دولة عراقية في القيام بذلك في اطار تعددي، في مرحلة أولى على الأقل.
انبركور: تبنى مجلس أمن الأمم المتحدة أخيرا قرارا بالإجماع يوافق على سياسة الولايات المتحدة بالعراق. يبدو هذا وكأنه تبدل في موقف قادة كل من فرنسا، وألمانيا، وروسيا و الصين. كيف تفسرون ذلك ؟ هل قدمت إدارة بوش تنازلات للحصول على هذا الاتفاق ؟
جلبير الأشقر: من المؤكد أن فريق بوش قدم تنازلات: فلجوئه من جديد إلى الأمم المتحدة هو إقرار بالعجز و "تنازل" من جانب إدارة كان لها إلى وقت قريب موقف أكثر عجرفة. اغتبطت كل من باريس وموسكو و بكين التي تحوز على مقعد دائم و على حق الفيتو داخل مجلس الأمن، من تخويل هذا الأخير من جديد مسؤولية رسمية في تحديد مصير العراق. لكن ذلك لن يخدع أحدا: فاستمرار باريس و برلين في رفض المشاركة في احتلال البلد، في إطار الحلف الأطلسي، يبين جليا إدراك العاصمتين بأن السلطة الفعلية مازالت حصرا بيد واشنطن. ما تتمناه العاصمتان هو مشاركة حقيقية في تسيير العراق، و بالتالي في تقسيم الغنيمة (البترول وصفقة إعادة الاعمار)، وتتذرعان رسميا بعدم توفر الحكومة التي تم تنصيبها بالشرعية الكافية للسماح بتواجد عسكري أجنبي، رغم قرار الأمم المتحدة. وبمعنى آخر، ينتظر كل من باريس وبرلين و موسكو صعود حكومة منتخبة بالعراق، وهو أمر قد يحصل نظريا مع بداية السنة المقبلة. كما يتمنون أيضا تبدل فريق واشنطن مع وصول رئيس (كيري) إلى السلطة يكون أكثر استعدادا لاشراكهم و قلب صفحة تدهور العلاقات الناجم عن "النزعة الأحادية" للولايات المتحدة.
انبركور: أعلنت "الحكومة العراقية" الجديدة عن تشكيل قوة عسكرية عراقية. هل يتعلق الأمر بـ"إضفاء طابع عراقي" على الاحتلال كما كان الأمر بالفيتنام سنوات 1970 ؟ هل يعد تشكيل هذه القوة العسكرية محاولة متأخرة لدمج عناصر من جهاز دولة صدام القديم؟
جلبير الأشقر: استمرت محاولة إعداد قوة عسكرية عراقية منذ بداية الاحتلال، لكنها باءت بفشل صريح. إن "إضفاء طابع عراقي" على الاحتلال، أي إحلال جنود حكومة محلية تديرها قوة خارجية محل جنود الولايات المتحدة، ينقصه الكثير حتى يتم على منوال الفيتنام. وعلى كل حال، يجب أن لا ننسى بأن "إضفاء الطابع الفيتنامي" على الاحتلال لم يكن نفسه سوى مقدمة للهزيمة النهائية...
نضيف إلى قولنا هذا تغيير واشنطن لخادمها في إطار مراجعة عامة لعملها في العراق: تم تعويض الجلبي النصاب بعلاوي الفظ الذي وصفته جريدة لوموند عن حق بـ "صدام بلا شوارب". منذ البداية، كان هذا الأخير يناصر فكرة الاعتماد على جهاز النظام البعثي الذي كان هو نفسه سابقا أحد باروناته. وبعدما انخدعت بأوهام "المحافظين الجدد" (عادة ما يسمونهم في الولايات المتحدة الأمريكية بـ "الخداعين الجدد")، صحت الولايات المتحدة من غيها واقتنعت بأن جهاز صدام هو أحسن وسيلة للتحكم في بالعراق. لكن فات الأوان. فما كان سيشكل في البداية استراتيجية فعالة وإن كانت وقحة، يبدو الآن محكوما بالفشل.
صفحات المقال : 1 2 >>