ستجري من 14 مايو 2009 إلى 19 منه انتخابات مندوبي العمال بالقطاع الخاص، وفق ما ينص قانون الشغل. وكالعادة ارتمت قيادات مختلف الاتحادات النقابية في خضم تنافس تبذل فيه جهود استثنائية للظفر بأكبر عدد من المقاعد، جهود لم تنفق قط في نصرة إضراب أو اعتصام عمالي. يحدوها في ذلك سعي لاكتساب صفة التمثيلية التي ُيعتمد فيها، ضمن معايير أخرى، على عدد المندوبين. وهذه التمثيلية تحدد مكانة النقابة لدى الدولة سواء في ما يسمى "الحوار الاجتماعي"، أو الإعانات المالية أو التمثيل بعدد من المؤسسات لعل أهمها في حالة القطاع الخاص مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
و جلي أن هذه الانتخابات تهم كل نقابي، لا سيما مع ما بلغ التنظيم النقابي بالقطاع الخاص من ترد وتراجع بفعل حملة القمع المتواصل، بتعاون ميداني بين أرباب العمل ودولتهم، وكذا بفعل توالي الهزائم بفعل طبيعة الخط السائد داخل النقابات.
أكدت تجربة 47 سنة من وجود مؤسسة المندوبين أنها غير مجدية من زاوية نظر الدفاع عن مصالح الأجراء. فالقانون ذاته جعل مندوب العمال مجرد ساعي بريد يوصل شكايات العمال إلى رب العمل. وهي شكايات تقف في حدود غير المطبق من قانون الشغل وعقد العمل الفردي أو الاتفاقية الجماعية، وما سوى ذلك من المطالب غير وارد في مهام مندوب المستخدمين. وفي حال رفض رب العمل تسوية المشكل موضوع الشكاية يحال الأمر على مفتش الشغل. و الحال أن مفتش الشغل عديم الحيلة بوجه رفض أرباب العمل تطبيق القانون، علاوة على قلة مفتشي الشغل، و تفضيل بعضهم غض الطرف عن انتهاكات القانون مقابل رشاوى من المشغلين.
ومع كل هذه النواقص يظل مندوبو المستخدمين مؤسسة يتجنبها أرباب العمل، خوفا من أن تكون بداية للتنظيم النقابي، وهذا علامة على شدة الاستبداد داخل المقاولات، وثمة منهم من يستعملها لصالحه بتنصيب بيادق له.
هذا ولا شك أن النسبة الأكبر من المؤسسات لن تشهد انتخاب المندوبين لفرط هشاشة أوضاع العمال [ العمل المؤقت عبر شركات السمسرة في اليد العاملة، واستشراء عقود العمل الموقعة على بياض، وانعدام أدنى مقتضيات قانون الشغل]، لا سيما أن القانون لا يعاقب على عدم إجراء الانتخابات سوى بغرامة هزيلة. كما أن النتيجة المألوفة التي لا ريب أن الانتخابات المقبلة ستؤكدها هي عدم انتماء أغلبية المندوبين لأي نقابة.
وهذه حالة تسهل أكثر انفلات المندوبين من أي رقابة، و تيسر لرب العمل تطويعهم وتدجينهم بالإكراه و/أو بالإغراء. انه أمر وارد جدا لأن قانون الشغل لا يتيح للعمال الاجتماع بالمندوبين ومن ثمة إخضاعهم لمشيئة القاعدة، ولا يمكن من عزلهم إلا بعد انصرام 3 سنوات من انتخابهم وبشرط نصاب كبير [ثلثي الأجراء].
إن مؤسسة مندوبي العمال، بالكيفية التي وضعها قانون الشغل، غير مجدية من وجهة نظر تحسين أوضاع العمال، وتكرس عادة تفويض الأمر إلى ممثلين بدل الفعل المباشر للجماعة، فهي تربي العمال على إسناد أمرهم الى وسيط بينهم وبين رب العمل، والركون إلى السلبية. لذا يجب ألا ُتعلق عليها الآمال، والتوجه، بدلا عنها، إلى بناء التنظيم النقابي بناء ديمقراطيا يضمن أكبر مشاركة من القاعدة.
لكن بالنظر إلى بقاء القسم الأعظم من مقاولات القطاع الخاص بلا نقابة، واعتبارا للمصاعب الجمة التي باتت تعرقل العمل النقابي، يمكن لانتخابات مندوبي العمال أن تكون رافعة أولى للنقاش الجماعي و تجميع الجهود للتنظيم في نقابة. وهذا ما يوجب على مناضلي طبقتنا استثمار أجواء الانتخابات لخدمة هدف توسيع التنظيم النقابي.
ثمة وجه آخر لمؤسسة مندوبي الأجراء، فمن جهة، عادة ما يجري تقديمها بصفتها شكلا من الديمقراطية داخل المقاولة [ ما يسمى الديمقراطية الصناعية]، ومن جهة ثانية يسهم مندوبي العمال في انتخاب قسم من مجلس المستشارين، الغرفة الثانية بالبرلمان المفترض انه مؤسسة سلطة الشعب على صعيد وطني.
ليس ما يقال عن الديمقراطية داخل المقاولة غير خرافة للتضليل، حيث تنتصب سلطة الرأسمال المطلقة بوجه العمال، قائمة على التملك الخاص لوسائل الإنتاج، و التصرف المطلق في التسيير بقصد تضخيم الأرباح بكل السبل. أما مجلس المستشارين، والبرلمان كله، فعديم السلطة، ومجرد غرفة تسجيل قرارات ُتتخذ بعيدا عن إرادة الشعب، هناك في الدائرة المحيطة بالفرد الحاكم الحكم كله بموجب دستور لا يجرأ أحد على الدفاع عن ديمقراطية وضعه و "المصادقة" عليه.
لو كان الماسكون بزمام أمر الأجهزة النقابية أوفياء فعلا لعلة وجود المنظمات العمالية، لكانت انتخابات مندوبي العمال في المقاولات فرصة لأوسع حملة ضد الاستبداد السياسي ببلدنا، بإبراز طبيعة مؤسساته، و حاجة العمال، وعموم الشعب إلى الحريات والى ديمقراطية حقيقية، حيث لا سلطة غير منتخبة و غير قابلة للعزل وفق مشيئة الأغلبية.
لذا تقع هذه المهمة على القلة القليلة من المناضلين الكفاحيين الرافعين راية النضال البروليتاري، راية تحرر الشغيلة من نير الاستبداد السياسي ومن عبودية العمل المأجور على السواء.
ويبقى لطفيليات الحركة النقابية الركض وراء كراسي الامتيازات على ظهر شعب مقهور، ركض يتجه بها مباشرة إلى مزبلة التاريخ.
جريدة المناضل-ة
13 مايو 2009