أطلق هذا النزاع فصلا جديدا من الصراع الداخلي حيث تتعارض مختلف الأجنحة. و فتح هذا التقصف الكبير في قمة الدولة ثغرة اندفعت منها التطلعات الديمقراطية للشباب والنساء والعمال الإيرانيين. و تزعزع دينامية التعبئات الشعبية على نحو عميق بناء الجمهورية الإسلامية، ولأول مرة بات "المرشد الأعلى" هدفا للمتظاهرين.
كان دعم احمدي نجاد حتى قبل الاقتراع، و وصف تجديد انتخابه "بالمعجزة الإلهية"، ضربة هامة من المرشد الأعلى لوظيفته الخاصة. فالمرشد الأعلى هو الشخصية الأولى في الدولة. يشرف على قيادة أجهزة الحكم: القوات المسلحة،لا سيما فيلق حراس الجمهورية (باسداران) والميليشيات الإسلامية(الباسيدجي)، ووسائل إعلام الدولة و جهاز القضاء، ويقوم بمراقبة السلطة التنفيذية. يقوم دستور الجمهورية الإسلامية على ولاية الفقيه المجسدة للحكم الإلهي ولسيطرة الدين على السياسة. بوجه عام تتمثل وظيفة المرشد، الذي يرسم الخطوط الموجهة لسياسة النظام، في التحكيم بين مختلف الأجنحة. لكن مشاركته في الانقلاب ضد المعسكر "الإصلاحي" تعني انه نزل بكامل ثقله في الميزان وعرض نفسه لرفض الشعبي. وهو يعزز على هذا النحو موقف من يعتبرون النظام غير قابل للإصلاح.
دينامية التعبئات الشعبية
تجنح دينامية التعبئة، التي كانت مركزة في البدء على التنديد بتزوير الانتخابات، إلى الطعن في الجمهورية الإسلامية برمتها. إن شعار "الموت للديكتاتور" موجه إلى أحمدي نجاد بقدر ما إلى خامنائي. لكن الحظ الوحيد لحكم الملالي متمثل في كون المعارضة الشرعية لمعسكر "المحافظين" والأصوليين بقيادة المرشد الأعلى واحمدي نجاد، لا تنوي وضع أسس الجمهورية الإسلامية موضع سؤال. فالمعارضة المسماة " إصلاحية" الممثلة بحسين موساوي و كروبي ، تسعى إلى الاستناد على موجة الاحتجاج الشعبي، مع احتوائها في الإطار المؤسسي الراهن. وأبعد من التحكم في دينامية الشارع، يسعى "الاصطلاحيون" إلى استعمال التعبئة الشعبية أداة ضد خصومهم.
رغم القمع والتعتيم الإعلامي المنظمين من قبل النظام، تتواصل التعبئة الشعبية. تحاول المظاهرات تنظيم نفسها بطهران وبالمدن الكبرى . و يسعى النظام إلى فرض درجة عنف كبيرة بقصد خنق التعبئة. و تتعرض المدن الكبرى لحالة حصار شبه دائمة مع محاصرة طرق المواصلات الرئيسية، و مراقبة حركة السير. ويحتل حراس الثورة و الباسيدجي النقط الحساسة في طهران. ويبدع السكان، بقصد تفادي مواجهة مباشرة مع الميلشيات الإسلامية وحراس الثورة،
أشكال تحرك جديدة لكنها لا تتراجع قط. وتكاثرت دعوات إلى الإضراب، وحتى الإضراب العام، لكن توسعها اصطدم حتى الآن بالقمع وبغياب حق نقابي ونقابة مستقلة. وكان بمقدمة هذه المبادرات أجراء المقاولات والخدمات الأكثر تعبئة في السنوات الأخيرة، مثل عمال شركة النقل العمومي بطهران. ومقاولة إيران خودرو ( أول مقاولة لصناعة السيارات بالبلد تشغل 60 ألف عامل)، وكذا أجراء قطاع الصحة أو الجامعيون . و خلافا لرؤية روجها خارج إيران أنصار احمدي نجاد، تشمل التعبئة الاجتماعية الشباب والنساء والعمال. وتتمثل إحدى خصائص الحركة الحالية في عدم اقتصار المواجهة مع السلطة على الطلاب، مثلما كان الأمر في تعبئة 1999. تبدأ المظاهرات،عندما يمكن حدوثها في طهران، من جنوب المدينة، في الأحياء الشعبية، وتعبر العاصمة نحو الشمال. وكان مرتقبا أن تمتد السلسلة البشرية التي حاول سكان طهران تنظيمها يوم 29 يونيو على طول 12 كلم. كانت هذه المبادرة، التي قلما أبرزتها وسائل الإعلام، ناجحة نسبيا رغم اعتداءات القوات المضادة للعصيان. وكل مساء تتردد في سطوح طهران الشعارات التي يرددها السكان، معرضين أنفسهم على هذا النحو لعمليات الإنزال المنتظمة التي تقوم بها الميليشيات. وطبعا، يشكل غياب قيادة ثورية وتنظيم مستقل على الصعيد السياسي والنقابي إعاقة حقيقية. لكن دينامية التعبئة والتجذر الجارية لن تظل بلا نتيجة. فحتى إذا تمكن النظام من التحكم في الشارع، يفتح فقده للمشروعية وضع عدم استقرار عميق ودائم.
يؤدي الشعب الإيراني ضريبة باهضة بمعارضته الجريئة للجمهورية الإسلامية. أكثر من 200 قتيل و آلاف الجرحى وأكثر من 2000 معتقل، وتروج أخبار عن حالات تعذيب للمعتقلين لانتزاع " اعترافات" أمام الملأ حول " علاقاتهم بالخارج".
انقسام النخب الحاكمة
على نحو نادر المثال، عبر عدد من آيات الله العظمى، مثل على منتظري و ناصر مكرم شيرازي و اسد الله زانجاني، و موساوي اردبيلي واية الله العظمى سناي، عن مخاوفهم صدد فقد النظام للشرعية. ويساند بعضهم، مثل اية الله العظمى علي منتظري، المتظاهرين. والحال أن من يعرف العالم الشيعي يعلم أن السلطة الدينية والمعنوية لآيات الله العظمى هؤلاء تفوق ما لـ"المرشد" . فهم في النظام العقائدي الشيعي مرجعيات ( وليست تلك حال على خامنائي الذي ُرقي إلى مرتبة آية الله ليصبح "مرشدا" ). تدل مواقف كبار رجال الدين هؤلاء عن حجم هذه الأزمة التي تتجاوز إلى حد بعيد مجرد تزوير انتخابي "بسيط".
ليس الوضع الراهن غير نتيجة سيرورة مديدة ومعقدة يشهدها النظام من جهة والمجتمع الإيراني من جهة ثانية.
باغتصاب اية الله الخميني ثورة 1979 وإرساء الجمهورية الإسلامية ، قام نظام مؤسسي برأسين. نظام برأسين لكن مع تضخم المؤسسات والوظائف الدينية. على هذا النحو، ثمة إلى جانب الطبيعة التيوقراطية للنظام مؤسسات من طبيعة جمهورية. ليس هدف الانتخابات في إيران (البلدية و البرلمانية ولا سيما الرئاسية) التمثيل لأنها بجلاء ليست ديمقراطية. معارضو الجمهورية الإسلامية لا حق لهم في وجود سياسي، والمرشحون ُيختارون مسبقا من طرف هيئة عليا للنظام، مجلس حراس الدستور. لكن لهذه الانتخابات هدف آخر،
أساسي أكثر، إنه إضفاء الشرعية على سلطة "ثورية" تعتبر نفسها شعبية ومدعومة بكثافة من المواطنين. والحال أن ثمة توترا دائما بين سلطة تعتبر نفسها، وهي تنتظر المهدي(الإمام الثاني عشر المختفي في العام 874) تعبيرا عن الإله (ولاية الفقيه) و مؤسسات ووظائف "تمثيلية" (برلمان ورئيس جمهورية "ناتجين عن السيادة الشعبية"...) . منذ إزاحة الخميني لبني صدر عاما بعد انتخابه سنة1981 إلى الصراع الدائم بين خاتمي وخامنائي من 1997، و إلى 2005 يتأصل هذا التناقض منذ بدايات الجمهورية الإسلامية.
في الجمهورية الإسلامية، دائما ما يبرر رجال الدين وكذا العلمانيون، مثل احمدي نجاد، عملهم بـ"تنظيرات" دينية. هكذا يقوم كل من هذه الأجنحة بتطوير تأويلاته الخاصة التي قد تتطور حسب الظرف، وحسب تبدل التحالفات. لكن نقاشا عميقا يخترق رجال الدين بإيران منذ عشر سنوات. يرتبط هذا النقاش بما للنظام السياسي الإيراني من رأسين وبنهوض التطلعات الديمقراطية والاجتماعية للسكان.
يدافع بعض كبار رجال الدين، وهم أقلية قليلة جدا، عن فك ارتباط الدين والسياسة. ينطلق انشغالهم من رغبة في وقاية الإسلام من تقلبات السلطة السياسية. وقد أثرت هذه الأفكار على بعض حلقات الطلاب النشيطة.
وتركز بعض المواقف، التي يعبر عنها داخل السراي موساوي و كروبي بوجه خاص، على "السيادة الشعبية". ترى الأجنحة المسماة "إصلاحية" وجوب أن تكون ولاية الفقيه قابلة للانتخاب وأن يكون الاقتراع العام واختيار الشعب أساس الدولة الإسلامية.
ماذا يمثل احمدي نجاد ؟
بوجه هذا التأويل، يرى احمدي نجاد، الذي يستوحي بعض الأعضاء النافذين بين رجال الدين مثل اية الله مصباح يازدي و اية الله مهداوي كاني، وجوب تأسيس الحكومة الإسلامية على مبادئ الشريعة الإسلامية. على هذا النحو لم يكن مهداوي كاني في العام 1998 يتردد في القول إن" كل حكومة يكون حاكمها معينا من الله مشروعة بنظرنا حتى ولو لم يقبلها السكان، وبالعكس كل حكومة لم يكن حاكمها معينا من الله غير مشروعة ومغتصبة حتى ولو قبلها السكان". ولا يتحدث هؤلاء عن الجمهورية الإسلامية بل عن الحكومة الإسلامية. ويدافع الجناح المسمى براغماتيا، المجسد في رفسنجاني، الرجل الأغنى في إيران والأكثر فسادا، عن موقف وسط موليا الأسبقية للمرشد مع التأكيد على "المشاركة الشعبية".
تعبر الأزمة السياسية الراهنة عن محاولة معسكر خامنائي-احمدي نجاد التخلص من الاقتراع العام الذي كان، حتى الانتخابات الأخيرة، يتيح لمختلف الأجنحة الفصل بينها وتقاسم السلطة.
و"بالتحرر" منه يسعى معسكر احمدي نجاد إلى التحكم المطلق بجهاز الدولة وكذا بالوسائل الاقتصادية والمالية. ليس لهذه التنظيرات بصدد الحكومة الإسلامية غير وظيفة هي تسويغ سيطرة حراس الثورة وقسم من رجال الدين على خيرات البلد، وتصليب النظام أكثر بقصد احتواء تصاعد النضالات الاجتماعية والديمقراطية وإزاحة الأجنحة الأخرى من السلطة. ففي التنافس الشرس داخل السراي تؤدي رغبة "الإصلاحيين" القريبين من القطاع الصناعي الخاص في مزيد من فتح السوق الإيرانية للمستثمرين الأجانب من جهة وتفكيك بعض احتكارات الدولة الموجودة بيد حراس الثورة من جهة اخرى، إلى تأجيج الصراع من أجل السيطرة على السلطة. إن الاندفاع الشعبي الأكيد، و الحرب القائمة بين مختلف الأجنحة وما تمثل من أقسام البرجوازية، قد تأججا تحت ضغط لازمة العالمية للرأسمالية. يصطدم "الاصلاحيون"، الذين يؤيدون اللبرلة الاقتصادية والاندماج المعزز لإيران في العولمة الرأسمالية، بالمصالح المافيوية- البيروقراطية لحراس الثورة.
لقد جرى صعود حراس الثورة على نحو تدريجي. ومن فرط المبالغة اختزالهم في جيش إيديولوجي ونخبة وفية للمرشد. تسعى قيادة حراس الثورة، التي تبوأت مكانة سياسية واقتصادية مهيمنة، إلى تسيير الدولة وإخضاعها لمصالحها الخاصة. و يساند حراس الثورة بنشاط احمدي نجاد الذي كان عضوا بفيلق النخبة هذا. وهو يمثل مصالحهم بقمة الدولة. وتتشكل القاعدة الاجتماعية الحقيقية لأحمدي نجاد في الشرائح التقليدية القريبة من البزار، والتي تقوم بدور اقتصادي لا محيد عنه، والباسدجي وأسرهم، وقسم من بيروقراطية الدولة العليا وكل المنتمين إلى المنظمات المدنية التي يسيرها حراس الثورة أو يمولونها. ولا يفلت من قبضتهم شيء ، يسيطرون على قطاع البناء وأنشطة الترفيه، و قطاع البترول والتسلح. ولا حدود لمجال نشاطهم، حتى التهريب وتنظيم شبكات الدعارة لملكيات النفط الخليجية. وبين أيديهم قوة مسلحة وكذا قوة مالية كبيرة.
فسيطرة قيادة حراس الثورة على المؤسسات المسماة بونياد – التي تأسست بعد ثورة 1979 لتسيير الممتلكات المصادرة لكبار أعيان الملكية– يجعل منها أحد الفاعلين الاقتصاديين الأساسيين. تلك المؤسسات هي شركات قابضة كبرى حقيقية ذات أنشطة بالغة التنوع وهي من أقوى الشركات بالشرق الأوسط. وتمثل زهاء 40 % من النتاج الداخلي الإجمالي غير دخل البترول. و كدولة حقيقية داخل الدولة، تفلت مؤسسات بونياد من كل رقابة إدارية وتمثل أدوات إفساد و زبونية . إن قلة من الأشخاص، منهم علي خامنائي، لها اطلاع على نشاط هذه المؤسسات وعلى نشاط حراس الثورة.
أما الحجة التي مفادها أن احمدي نجاد يمثل الفئات المحرومة فلا تستند على أي واقعة ملموسة. و كما أبرزت أبحاث عديدة، لم يكن فوزه في 2005 نتيجة تصويت "المهملين المتروكين لمصيرهم" كما يشاع غالبا حتى في اليسار الغربي.
فبمقارنة الخرائط الانتخابية للمصوتين على احمدي نجاد ونسب البطالة حسب الأقاليم أو المناطق الأقل تطورا أو العالم القروي نتبين بسهولة أن النتيجة المحققة هزيلة. في الواقع فاز محمود احمدي نجاد في 2005 بالاستناد على الخيبة الشعبية إزاء «الإصلاحيين" وبفضل الشبكة الترابية المضمونة من قبل الميلشيات الإسلامية وحراس الثورة وكذا الروابط بين الأنشطة الاقتصادية والعسكرية لحراس الثورة.
كانت ولايته الأولى مطبوعة بخطة خصخصة كثيفة استفاد منها المقربون إليه، لكن أيضا بارتفاع هائل للتضخم ( 30 بالمائة كل سنة) وبارتفاع قوي للبطالة. إن الاستعمال الزبوني للريع البترولي ( ليست إيران حالة فريدة بهذا الخصوص)، الذي يتيح نيل دعم بعض الفئات الاجتماعية المفقرة، لم يكن كافيا. ففي الواقع فقد هؤلاء بفعل التضخم أكثر بكثير مما يحصلون عليه عبر إعادة التوزيع الاعتباطية لقسم من الهبة البترولية. وقد حال تبديد عائدات البترول، التي تمثل 85 بالمائة من مداخيل الصادرات، و75 بالمائة من موارد الميزانية، دون أي تحديث للبنيات التحتية. و بغياب قدرات التكرير، تستورد إيران 40 بالمائة من استهلاكها من البنزين. ولم تكن الأجور قط مضغوطة كما هي حاليا رغم ارتفاع سعر البرميل وعائدات البلد النفطية. وقد اضطر عمال القطاعين الخاص والعام إلى خوض إضرابات عديدة للحصول على أجورهم. وكل مرة يرد احمدي نجاد ومن معه بالقمع والاعتقالات. وبعيدا عن تحطيم إصرار العمال أدى القمع إلى تجذير متنام للشباب وللمناضلات النسوانيات وللطبقة العاملة بوجه عام.
في بلد يناهز عدد سكانه 71.2 نسمة، وحيث يمثل الشباب 67.9 بالمائة من السكان، يشكل غياب آفاق اجتماعية ومساحات حريات مزيجا تفجريا بالنسبة للنظام. أسهم كل من فساد رجال الدين وحراس الثورة والعنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي المفروض من نظام الملالي بشكل واسع في إفقاد الجمهورية الإسلامية الشرعية. وُتفاقم السيرورة السياسية الجارية مع تزوير الانتخابات ومساندة المرشد لاحمدي نجاد وعنف القمع رفض النظام القائم.
" نزعة معاداة الامبريالية الخاصة بالأغبياء"
بعد الرفض الكثيف لبعدها الرمزي والإيديولوجي والاجتماعي والسياسي، لم تعد الجمهورية الإسلامية قائمة سوى بممارسة العنف. والحال أن الخوف من التنديد بالنظام برمته قد زال، وهذا ما تدل عليه المظاهرات الأخيرة. وبوجه حجم التعبئة، تحاول خطابات احمدي نجاد وخامنائي الاعتماد على شعور الإيرانيين القومي. بالتنديد بالمؤامرة الأجنبية، يسعى المعسكر الحاكم إلى عزل المتظاهرين و نيل حرية ممارسة قمع أعمى، باسم الدفاع عن مصالح الأمة. وطبعا لم يعد لهذا الضرب من الخطاب مفعول في إيران.
وجلي انه يجب الحذر من الانخداع. فعين القوى الامبريالية محدقة دائما على ثروات البلد. ولو كان بوسعها أن تفعل شيئا وتقيم نظاما مواتيا لمصالحها أكثر لفعلت. لكن يجب تسجيل انه ما من قوة امبريالية تقترح في هذا الطور قطعا دبلوماسيا مع الجمهورية الإسلامية. أما أوباما فيواصل " سياسة اليد الممدودة" الخاصة به. ان أمثل طريقة لمواجهة المشاريع الامبريالية ليست مساندة احمدي نجاد بل بناء حركة تضامن عالمية مع الشعب الإيراني. من الزيف تحليل الأزمة المفتوحة في إيران حاليا بما هي تعبير عن مؤامرة امبريالية أو فهم التعبئات ضد التزوير الانتخابات بما هي مساندة لجناح مساند للامبريالية، مبررة حتى للقمع. ان كان الشعب الإيراني يرفض أي تدخل امبريالي، فلا قابلية لديه أيضا لقبول حكم تيوقراطي رجعي فاسد وقمعي مدة أطول. إن للشعب الإيراني ما يكفي من مبررات للنزول إلى الشارع. لا يكف الشباب والنساء والعمال عن النضال من اجل المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق الديمقراطية. وعلى شاكلة ما اتخذ المناضلون اليساريون الإيرانيون من مواقف، يجب دعم التعبئات الشعبية ومساندة الذين واللائي يناضلون في إيران دون تزكية هذا الجناح أو ذاك. يؤكد البعض في اليسار العالمي أن ملايين الأشخاص ( 3 مليون متظاهر في شوارع طهران يوم 15 يونيو حسب أرقام بلدية طهران القريبة من احمدي نجاد) الذين يواجهون بأجسادهم القوات المضادة للتمرد متلاعب بهم من طرف الولايات المتحدة أو إسرائيل أو بريطانيا. إن نظرية المؤامرة تجهل الأسس الفعلية للأزمة التي هي من طبيعة داخلية قبل كل شيء. كما لا تعتبر الشروط الخاصة للتسيس في سياق قامت فيه الديكتاتورية بتفكيك كل المنظمات السياسية والنقابية.
تسلك هذه المواقف منحدرا خطيرا جرى استكشافه في أزمان سابقة وسبب خسائر عديدة داخل الحركة العمالية العالمية. لقد أدت نظرية "أعداء أعدائي أصدقاء لي" ببعض المناضلين إلى مساندة جرائم الستالينية، وحتى البحث عن تحالفات غريبة حتى مع اليمين المتطرف أحيانا. وأقرب إلينا، ليس من الوارد بالنسبة لمناضلين معادين للامبريالية وللصهيوينة أن ينددوا بدولة إسرائيل بتقديم تنازلات للخطاب المعادي للسامية. إن في تصديق فكرة أن احمدي نجاد قائد مناهض للامبريالية تجاهل للدور الذي اضطلع به النظام الإيراني في التثبيت النسبي للعراق. تمثل جمهورية إيران الإسلامية إحدى دعائم الوزير الأول الدمية العراقي المالكي الذي نصبته الامبريالية الأمريكية. وتسهم اليوم الجمهورية الإسلامية، بدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية، في المؤتمرات الدولية المتعلقة بتثبيت الوضع في أفغانستان. ما معاداة الامبريالية هذه المزعومة التي تتعاون مع قوى الاحتلال؟ وكما تعلم الإدارة الأمريكية، يتقاسم قادة الجمهورية الإسلامية كلهم الموقف ذاته بخصوص المسألة النووية. بوسع احمدي نجاد، وباقي المرشحين للرئاسة، أن يبدي في الواجهة خطابا متصلبا فيما يفاوض في الكواليس. ومن جهة أخرى ليس ثمة، في مجال السياسة الخارجية، فوارق عميقة بين مختلف الأجنحة. ولم تكن ولاية احمدي نجاد، بهذا الصدد، مختلفة عن ولايات سابقيه. إن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية نابعة قبل كل شيء بالقدر ذاته من مصالحها في الساحة الإقليمية والدولية، ومن حاجة النظام إلى تصليب قاعدته الاجتماعية حول خطاب شعبوي بنبرات قومية.
كلما تجتاز الجمهورية الإسلامية حقبة صعبة، يسعى قادتها إلى خلق توتر على الصعيد الدولي بقصد حجب خطورة الأزمة ، برز ذلك من خلال فتوى الخميني ضد سلمان رشدي و خطابات احمدي نجاد التي تنكر محرقة اليهود. لم تحل حدة الخميني خلال سنوات 80 ضد "الشيطان الأكبر" وحليفه إسرائيل دون إقدام الجمهورية الإسلامية على شراء أسلحة من الامبريالية الأمريكية وتسلمها من الدولة الصهيونية. إن اعتبار أزمة حكم أو تغير للنظام في إيران هزيمة للمقاومة اللبنانية و الفلسطينية وأمرا مفيدا لإسرائيل نوع من "معادة الامبريالية خاصة بالأغبياء".
ليس لدى إسرائيل ما تخشى من زعيق احمدي نجاد المعادي للسامية. بل على العكس يستغل القادة الاسرائيليون المشاعر الناتجة عن أقوال الرئيس الإيراني لتبرير سياستهم الاستعمارية ضد الشعب الفلسطيني و تعزيزها. لا يكفي تمويل منظمة مقاومة فلسطينية ما لربح نياشين معاداة الصهيونية أو معاداة الامبريالية، وإلا كانت العديد من ملكيات الخليج والأنظمة العربية الفاسدة ضمن مناهضي الصهيونية والامبريالية.
لا بأس، فشخص مناهض للامبريالية، مثل جيمس بيتراس، لا يتردد في التنديد بتحالف زائف يجمع "المحافظين الجدد والتروتسكيين" الذين "ضموا أصواتهم لأصوات الصهاينة محيين احتجاجات المعارضة الإيرانية، برغبة أي يروا فيها تقدما نحو ما لا ندري من " ثورة ديمقراطية". لم ينبس بيتراس بأي كلمة حول التناقضات الفاعلة في إيران، ولا بكلمة عن مشروعية التعبئات والتطلعات إلى الحقوق الديمقراطية والاجتماعية، وإلى مساواة الرجال والنساء، و ينساق جيمس بيتراس وآخرون، ويا للأسف، وراء حذلقة احمدي نجاد السخيفة.
وتعبر مواقف هوغو تشافيز لصالح احمدي نجاد، والتي تزيد البلبلة، عن مقاربة لبناء موازين القوى تعتمد أكثر على الدبلوماسية الصلفة للدول مما على التعبئات الشعبية. وتحيل بشكل أساسي على تصور ضيق يرى في التحكم بأسعار البترول سلاحا اقتصاديا استراتيجيا في تدعيم المواقع المكتسبة بوجه الامبريالية، فيما الطريق الوحيد الجدي والتقدمي كامن في تطوير التعبئات الشعبية، والاجتماعية والديمقراطية.
ومع ذلك نعلم أن معاداة الامبريالية، بانسجام، يجب أن تكون إلى جانب الشعوب التي تناضل من اجل تحررها. لا يمكن أن تنفصل معركتنا ضد الامبريالية عن المعركة من اجل العدالة الاجتماعية ومن اجل سيادة الشعوب، وضد كل أشكال الاضطهاد والاستغلال. السياسة الواقعية والتنديد الانتقائي ليست بأي وجه ضمن رؤيتنا التحليلية ومناهجنا النضالية. إنها أسلحة البرجوازية. ويجدر بهذا الصدد الإشادة بالنداء الموقع من طرف عدد من مثقفي اليسار، من دانيال بنسعيد إلى تشومسكي و الآن باديو، قدموا دعما صريحا للشعب الإيراني في نضاله ضد الديكتاتورية وبلا تنازل أيا كان للقوى الامبريالية. يجب ألا يبقى الشعب الإيراني معزولا. انه بحاجة إلى تضامننا .
4 يوليو 2009
انبركور – مجلة تصدرها الأممية الرابعة
تعريب جريدة المناضل-ة