رغم نتائج انتخابات الرئاسة المطعون فيها
، و التعبئات الشعبية المطالبة بإلغائها، تم إعلان علي بونغو، مرشح فرنسافريقيا، رئيسا لدولة الغابون يوم 30 أغسطس 2009. و قام الحرس الرئاسي سيئ الذكر والجيش بمحاصرة ليبروفيل وتشتيت المتظاهرين بعنف. وجرى إحراق قنصلية فرنسا و مقر شركة توتال الفرنسية بما هما رمزان لفرنسافريقيا ونظام عمر بونغو. واحتقارا لمعارضة الشعب الغابوني كان ساركوزي و محمد السادس أول من هنأ علي بونغو وبارك له.
عمر بونغو : ملك فرنسافريقيا
ورث علي بونغو ، نجل الحاج عمر بونغو، سلطة والده المتوفى يوم 8 يونيو 2009 ببرشلونة، عن عمر يناهز 73 سنة بعد أكثر من 40 سنة من حكم الغابون. بونغو عراب إقليمي لفرنسافريقيا وللمافيافريقيا التي ارساها جاك فوكار، عضو الشبكات الماسونية، صديق كل رؤساء الجمهورية الخامسة الفرنسية وساعدهم الأيمن، من دوغول الى ساركوزي مرورا بميتران. وقد ساعد فرنسا و شركاتها متعددة القوميات على الحفاظ على سيطرتها الاستعمارية، السياسية والعسكرية و الاقتصادية على الغابون و على القارة الإفريقية .
كان بونغو، أقدم رؤساء الدول بالمنطقة هذا، صديق الحكام الأفارقة المستبدين، منهم موبوتو بالزايير، وتيودورو اوبيانغ نغوما بغينيا الاستوائية، و دنيس ساسو نغيسو بالكونغو برازافيل والد زوجته الأخيرة. ومن جهة أخرى اوبيانغ ونغيسو متهمان مع عمر بونغو باختلاس أموال عمومية و تبييض أموال و التصرف السيء في ملك اجتماعي، وخيانة الأمانة والتواطؤ. والقضية ما زالت جارية...
علاقة الغابون - المغرب
منذ وصل بونغو إلى السلطة في العام 1967، ظلت العلاقات الديبلوماسية بين المغرب والغابون قوية ومعززة. وقد ساند بونغو، الذي اعتنق الإسلام و أصبح حاجا منذ سنوات 1970 ، وكان صديقا ومقربا للحسن الثاني، الموقف المغربي حول الصحراء-1- . و جند مغاربة في حرسه الرئاسي، ولقي المساندة من المغرب عند الحاجة. وقد كانت عنف الحرس الرئاسي، من تقتيل عن "طريق الخطأ"، والسجن، في حق المعارضين واقعا يوميا.
في كتابه "الأعمال الأفريقية" المنشور عام 1984 ، والذي ظل ممنوعا بالمغرب، كشف بيار بيان Pierre Péan في بحثه حول الغابون ان الشاعر ندوما دوبونو، الزوج السابق للسيدة بونغو قتله مغاربة من الحرس الرئاسي في العام 1977.
ومن 1975 الى 1978 كان الغابون محطة للمرتزقة لا سيما أشهرهم المدعو بوب دينار. وإن مسار هذا المرتزق المولود بالمغرب عام 1929 والمتوفى بفرنسا عام 2007 ، والمتورط بعدد من الانقلابات في أفريقيا، لبليغ.
بوب دينار: ابن جندي بالجيش الاستعماري، قاتل لأول مرة بالهند الصينية. وبعد تدريب بالولايات المتحدة الأمريكية في 1952 ، دخل إلى المغرب ، وعمل لدى شركة حراسة أمريكية، و تجند في البوليس الاستعماري بالمغرب ليطارد الوطنيين و ُيحضر لخلع محمد الخامس. وعمل لدى مصلحة التوثيق الخارجي والتجسس المضاد SDECE ولدى الايليزيه في شبكة فوكار في خدمة جاك فوكار Foccard ، السيد كلي القوة للإمبراطورية الفرنسية السابقة. ثم أصبح مرتزقا وعمل لدى العقيد موبوتو في الزايير في 1967، ونظم عصيان كاطانغا، ثم أرسل الى بيافرا، وعمل مزارعا في الغابون، صديقا لبونغو، وأصبح رئيس حرسه الرئاسي، وشارك في مختلف الانقلابات التي دبرتها "شبكة فوكار". -2-
بعد وفاة الحسن الثاني ، تواصلت الصداقة بين بونغو ومحمد السادس الذي زار مرارا في الغابون، واهتم بالسوق الغابونية التي تمنح فرصا كبيرا للإعمال المربحة بفضل عمليات خصخصة القطاعات العامة.
في العام 2007، وقعت شركة اتصالات المغرب اتفاقا مع الغابون لشراء 52 % من رأسمال شركة اتصالات الغابون، وبرنامجا لتحديث هذا القطاع يقدر بمبلغ 100 مليار فرنك CFA. وفي 2008 اشترى البن المغربي – التجاري وفابنك- 51 % من رأسمال الاتحاد البنكي الغابوني، ثاني بنك بالغابون.
وفي أوج النيوليبرالية، تثير السوق الغابونية مطامع رجال الأعمال المغاربة الذي يقومن بزيارات عديدة إليها. وحتئذ كان الغابون يصدر الى المغرب الخشب أساسا، فيما يصدر المغرب إلى الغابون المواد الغذائية، والألبسة، والأحذية. ويستقبل المغرب 300 طالب غابوني ويكون الأطر المدنية والعسكرية.
قويا بهذه الروابط التاريخية، والاقتصادية، وهذه الصداقة، سارع محمد السادس إلى تهنئة علي بونغو الرئيس الجديد المطعون في شرعيته.
غابون آل بونغو
تتخلل الحياة الاقتصادية لهذا البلد الصغير – 1.3 مليون نسمة- عمليات اختلاس ضخمة ومشاريع عبثية بقدر ما هي مكلفة يغتني منها آل بونغو ومحيطهم. كان بونغو، المتأكد من فوزه بأكثر من 90 % من الأصوات في كل انتخاب، والمكمم لكل صوت معترض، والملغي كل معارضة، يسير البلد كأنه ملك خاص به. ومع أزمة البترول في متم سنوات 70 ، أعلن بونغو الزراعة أولوية للبلد، وبدا الغابون الزراعة بلا تراب [ زراعة في ماء به أملاح ذائبة] في بلد لا تنقص فيه الأرض الخصبة ومشروع إنتاج 30 الف طن سكر كل عام فيما سكان الغابون لا يستهلكون سوى 8 الاف طن.
و عند تنظيم مؤتمر قمة منظمة الوحدة الأفريقية في ليبروفيل في 1977، شرع في أشغال مبالغ في ضخامتها:قصر مؤتمرات، فنادق، طرقات ، وكل هذا بصفقات بلا عروض أثمان.
وكلف بناء قصر الرئيس، المسند الى 3 مهندسين فرنسيين وشركة فرنسية SETIMEG مبلغ 1,5 مليار فرنك فرنسي.
ثم كان مشروع خط سكك الحديد Trangabonais بقصد تصدير حديد بيلينغا Belinga في أقصى البلد ، والذي يعبر مسقط رأسه، بمنطقة Ogoué العليا، ويمر من فرانسفيل المقصود ان تكون عاصمة جديدة. أدى هذا المشروع العملاق، احد اكبر الاوراش بالعالم، الى تخريب 3 مليون هكتار من الغابة. ومع كل هذه المشاريع انفجر دين الغابون. و تركت الفاتورة لشعب الغابون الذي لا مصلحة له في هذه المشاريع الخارقة.
والحال ان بونغو مات دون محاكمته عن كل ما اقترف من جرائم. كان لعمر بونغو، المورط في قضايا عديدة، مثل تمويل حملات انتخابية فرنسية، مشهورا بتوزيع حقائب لكافة الأحزاب السياسية الفرنسية من اليسار الى أقصى اليمين.
وعند افتضاح قضية ELF عام 1994، كشفت المحاكمة مسارات المال " الأسود" للبترول بين رؤساء دول أجنبية، والشبكات السياسية الفرنسية وكبار أرباب العمل.
عندها اتهم عمر بزنغو الذي كان من الرؤوس الكبيرة لهذه القضية السياسية- المالية، بتهمة اختلاس أموال عمومية بملايين اليورو بين 1983 و 1993.
في تقرير عن تبييض المال الوسخ بالولايات المتحدة الأمريكية ، قدر الكونغرس الأمريكي مبالغ التي اختلسها عمر بونغو ومحيطه بزهاء 100 مليون دولار كل سنة
لكن القضاء لم يحاسبهم... بالعكس تعرض François Xavier Verschave مؤلف كتاب "صمت اسود" -4- الصادر سنة 2000 محاكمة بتهم " اهانة رؤساء دول أجنبية" . وقد خرج بريئا من هذه المحاكمة المشهودة.
و دوى رعد آخر يوم 5 مايو 2009، لما قبل عميد قضاة التحقيق في القطب المالي بباريس الشكوى المقدمة من طرف جمعية ترانسبارانسي الدولية و جمعية شيربا Sherpa ضد بونغو و نغيسو و اوبيانغ. لكن هذا القرار القضائي، التاريخي في هذا المضمار، أثار ردا معاديا من النيابة العامة بباريس التي استأنفت منذ 7 مايو بمبرر أن المشتكين لا مصلحة لهم في هذه القضية... ويقع الآن على محكمة استئناف باريس ان تحسم أمر قبول الشكوى. -5- نعيد الى الأذهان أن بحثا لمصالح الشرطة على اثر شكوى أولى في مارس 2007 من جمعيات Sherpa و Survie و فيدرالية الكونغوليين بالمنافي ن كان قد أتبث بجلاء وجود ممتلكات منقولة وعقارات بقيمة كبيرة -6- بعيدة كل البعد عما يصرح به هؤلاء القادة وأسرهم: 39 ملكية و 70 حسابا بنكيا في ملك عمر بانغو و أقاربه، و24 ملك عقاري و 112 حساب بنكي في ملك أسرة ساسو- نغيسو، وكذا سيارات ليموزين اشترتها أسرة أوبيانغ.
تعويضات فورية !
الغابون بلد غني بالبترول، والخشب، و مناجم المنغنيز، والحديد واليورانيوم. ورغم هذه الثروات الهائلة التي تضعه في الرتبة 84 بين أغنى الدول حسب النتاج الداخلي الإجمالي، يعيش 62% من سكان الغابون تحت خط الفقر. ويرتب برنامج الأمم المتحدة للإنماء الغابون في الدرجة 119 ضمن 177 بلدا بمؤشر تنمية بشرية متوسط.
اذا مات عمر بونغو دون محاكمة بعد 40 سنة من نهب البلد، فان ابنه علي بونغو المعد لخلافته مطالب بالحساب أمام شعب الغابون المستنزف حتى الموت.
في المغرب، البلد الذي حافظ على علاقات امتيازية مع "سلالة" بونغو ، يجب ان نطالب كذلك بالحساب وبفتح تحقيقات حول الأملاك غير الشرعية لاسرة بونغو و غيرها من الحكام الطغاة، مثل موبوتو، "المدللين" من طرف البنوك المغربية، بعكس المهاجرين الأفارقة الذين تسيء الدولة المغربية معاملتهم.
نعيد إلى الأذهان أن المهاجرين الأفارقة اضطروا إلى الهروب من بلدانهم اضطرارا، بفعل المجاعة، والبؤس، والحروب، التي اغتنى منها ورثة الإمبراطورية الاستعمارية الذي يبقوننا في أغلال الديون، والسيطرة، والإخضاع والظلم.
كما يجب على فرنسافريقيا ان تقدم الحساب, وعلى الحكام الذين خدموا فرنسافريقيا ان يدلوا بالحساب لشعوبهم.
فيما يشهد العالم أخطر أزمة اقتصادية منذ 1929، من الملح لشعوب الجنوب ان تطالب بتعويضات للدين الاستعماري والبيئي والتاريخي الذي كنا ضحية له. إن الخروج من الأزمة يتطلب ان يدفع المسؤولون عنها الثمن -7-
كما تتمثل المطالبة بالحساب في دفع مختلف دولنا إلى بناء علاقات تضامن وتكامل قائمة على سيادة الشعوب و حقها في تقرير مصيرها بنفسها. من الملح ان نمسك بمستقبلنا بأنفسنا.
سعاد كنون
-*- فرنسافريقيا : لفظ معبر عن السيطرة الامبريالية الفرنسية بافريقيا