نشرت الآداب في العدد الماضي ملفا حول خيار «الدولة الديمقراطية في فلسطين تضمَّن رؤية الماركسي المعروف د.جلبير الأشقر لهذا الموضوع، فانتقد خيارَي الدولة المستقلّة والدولة الديمقراطية معاً بقوله: «إنهما، معا، ضربان من الخيال. ذلك أنَّ عللَ مشروع الدولة المستقلة واضحة، وأوَّلها أن الاعتقاد بأن دولة فلسطينية وطنية بإمكانها أن تكون مستقلة فيما هي تقع بين فكي كماشة اضطهادية –أحدهما الدولة الصهيونية وثانيهما الدولة الهاشمية- إنما هو ضرب من الخيال الصرف»، أما خيار الدولة الديمقراطية فـ«خيالي بكل وضوح –وكيف يظنّنَ أحد أن جر الإسرائيليين إلى التخلي عن دولة اليهود، التي هي العمود الفقري لإيديولوجيتهم، من أجل دولة مشتركة ومساوتية مع كافة العرب الفلسطينيين، غاية واقعية؟» واقترح الأشقر برنامجا بديلا يجمع بين «يوتوبيا ثورية وإستراتيجية نضالية واقعية،» مؤكدا أن «اليوتوبيا الوحيدة الجديرة بالهام النضال الثوري الفلسطيني والإقليمي لهي مشروع التوحيد القومي الفدرالي الاشتراكي العربي (مع الاعتراف ضمنه للأقليات القومية –أيْ ذاتِ اللغة غير العربية- بحق تقرير المصير).» أما الإستراتيجية الثورية الواقعية للنضال الفلسطيني التحرري، التي يدعو إليها، فيمكن تلخيصها بما يأتي: العمل على تحويل عواصم المحيط العربي لفلسطين إلى «هانويات» من أجل ضمان قوة الدولة المستقلة التي ستقوم بعد تحرير الأراضي المحتلة عام 1967 (وسيكون الأردن جزءا منها)، وانصهار فلسطيني الشتات في النضالات الوطنية والطبقية في بلدان إقامتهم، إسهاما في الأراضي التي احتلت عام 1948 من أجل دولة المواطنة أو الدولة الثنائية القومية.
الحقيقة أن ما يستوقفنا في رؤية الأشقر ليس مجرد الاختلاف معها، بل المنطق الذي حكمه في صياغتها أيضا.
فهو يميز بين نوعين من اليوتوبيا: 1) يوتوبيا لاواقعية وغير عقلانية، يمثلها في رأيه خيارا «الدولة الديمقراطية» و«الدولتين»، و2) يوتوبيا ثورية عقلانية واقعية تجسدها يوتوبياه التي تدعو إلى الدولة العربية الواحدة الفدرالية الاشتراكية. والسبب الوحيد الذي يقدمه لرفض خيار الدولة الديمقراطية باعتباره «يوتوبيا غير واقعية» هو رفض المجتمع الإسرائيلي لهذا الخيار.
ولكن هل ما ينطبق على مجتمعات العالم لا ينطبق على المجتمع الإسرائيلي؟ أوليس الواقع، والناس جزء منه، في حالة حركة وتغير دائمين؟ أين قوانين الجدل حول التغيرات الكمية والتحولات النوعية؟ وأين جدلية العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي؟ إذا كان رفض المجتمع الإسرائيلي لخيار «الدولة الواحدة» هو سبب رفض الأشقر لهذا الخيار واعتباره يوتوبيا غير واقعية، فإن عليه أن يتوقف عن الدعوة إلى الخيار الاشتراكي في المجتمعات الرأسمالية (في أوروبا وأمريكا...) لأنها ترفضه اليوم وتؤيد الخيار الليبرالي!
لكن، مهلا. فالأشقر استحضر المنطق الشكلي فقط من أجل دحض مبررات خيار الدولة الديمقراطية، وسرعان ما تخلى عنه عندما تعلق الأمر بالخيار الذي يدعو إليه. هكذا عاد المفكر الماركسي إلى منطقه المادي الديالكتيكي، وراح يتحدث بثقة عن اليوتوبيا الثورية الملهِمة، وإمكانية التغيير في المنطقة العربية والشرق الأوسط والعالم كله. إذا، نحن أمام منطق يجمع بين الجدل والتماثل، والمادية والمثالية!
لقد فشلت الحركة الصهيونية في تحقيق «وعودها» بتخليص اليهود من حياة الغيتو، وكل ما فعلته أنها نقلتهم من غيتو إلى غيتو جديد –هو الدولة العنصرية. وسوف يدرك الإسرائيليون عاجلا أو آجلا ضرورة التخلص من هذه الدولة التي لم تتوقف منذ قيامها عن زجهم في أتون حروب متتالية، وجعلتهم يعيشون في حالة دائمة من الاستنفار والقلق والخوف من المستقبل. لذلك فإن التعريف بخيار «الدولة الواحدة» والدعوة إليها هما من الخطوات الضرورية لدفع الإسرائيليين إلى تغيير قناعاتهم. والحق أن الأشقر يقر بأن «يوتوبيا الدولة الديمقراطية أو الثنائية القومية ساعد على التثقيف بضرورة تخطي التشنجات القومية وعيش الناس على اختلاف مللِهم وأديانهم وقومياتهم في بلد واحد...» لكنه يتجاهل علاقة هذا الكلام العضوية بخيار الدولة الديمقراطية، وأهميته في تحقيق هذا الخيار. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يصْلح هذا التثقيف كما يقول الأستاذ جلبير في جزء من فلسطين (أراضي 1948)، ولا يعمم ويفعل فعله في كل فلسطين التاريخية؟
ويتابع الأشقر: «رأى الحكيم [د.جورج حبش] أنه يتوجب البدء بتحويل عمان إلى هانوي عربية كي يجد الكفاح من أجل تحرير غرب فلسطين عمقه الضروري. ولم تسقط تلك الإستراتيجية اليسارية الثورية، أسوةً بسابقتها القومية، بعد تجريبها، بل إنها لم تُجرَّبْ فقط. فقد حال دون تلك تضافر جهود المملكة الهاشمية القمعية الدموية، وجهود اليمين الفلسطيني الإحباطية والاستسلامية. وعلى العكس، فإن إستراتيجية اليمين الفلسطيني هي التي سقطت الآن سقوطا ما بعده سقوط».
حسنا قد لا نختلف كثيرا مع هذا الكلام، ولكننا نقول إن النضال من أجل خيار الدولة الديمقراطية هو أيضا لم يجرَّبْ. فلماذا يقول الأشقر باستحالة تحقيقه ويحْكم عليه بالفشل مسبّقا؟ مرة أخرى، نحن أمام منطق انتقائي، يقيس بمسطرتين مختلفتين. وهذا ما تؤكده دعوة الأستاذ جلبير إلى تبني «وثيقة الأسرى» كاملة، واعتبارها وثيقة معقولة، مع أنها تقوم على أساس حل الدولتين، الذي كان قد رفضه واعتبره خيالا أو يوتوبيا غير واقعية! كما أن الوثيقة تؤكد حق العودة الذي ترفضه اليوم غالبية المجتمع الاسرائيلي، ومع ذلك فإن هذا الرفض لم يدفع بالأشقر إلى رفض «الوثيقة» كما فعل بخيار الدولة الديمقراطية. (وهذا ما يفتح الباب أمام السؤال الآتي: هل وجود حق العودة في «وثيقة الأسرى»، وبالتالي في الإستراتيجية التي يقترحها الأستاذ جلبير، مجرد كلام، أيْ إنه غير مطروح للتطبيق على أرض الواقع؟).
ثم يقول الكاتب إن القضاء على الدولة الصهيونية وتحقيق الدولة الديمقراطية بالقوة مستحيل لأن إسرائيل نووية وتقف وراءها الامبريالية. بالتالي يجب، في رأيه، العزوف عن هذا الهدف، والتفكير بهدف آخر هو: إقامة دولة للفلسطينيين بحدود 67، مضافا إليها الأردن بعد تحويلها إلى هانويّ وتحويل العواصم العربية إلى هانويات، وإقامة دولة المواطنة أو الدولة الثنائية القومية في الأراضي التي احتلت عام 1948. لكن الامبريالية، بلا شك، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما سيحصل! فهل يتخلّى د.جلبير عن إستراتيجية نتيجة لدعم الامبريالية للدول التي يريد تحويل عواصمها إلى هانويات، كما فعل عندما اعتبر أن دعم الامبريالية للدولة الصهيونية يجعل من تدمير هذه الدولة بالقوة أمرا مستحيلا، وقاده ذلك إلى رفض خيار الدولة الديمقراطية؟!
ثم إن هناك سؤالا آخر يطرح نفسه: أين تتعارض الإستراتيجية الثورية التوحيدية العربية، التي يدعو إليها الأشقر، مع خيار الدولة الديمقراطية؟ إذا كان الحل الملهم البعيد الأمد، وأعني الفيدرالية الاشتراكية للشرق الأوسط، الذي دعا إليه الأشقر في مقابلة أجراها معه فوتي بنليسوي وأيكوت كيليس في 20/05/2008 (نُشرت تحت عنوان «الولايات المتحدة تزرع بذور مأساة طويلة الأمد...») لا يتناقض مع حل الدولة العربية الاشتراكية الموحدة، فإن الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية لن تعوِّق هذا الحل الأخير، بل قد تكون عاملا أساسا في دفعه إلى الأمام، لكونها ستقوم على أنقاض الدول الصهيونية، رأس حربة الامبريالية العالمية، المعادية لذلك الحل. وعلى الرغم من أن دعاة خيار الدولة الديمقراطية لم يطرحوا تصورا واحدا ومتكاملا حول آليات العمل التي يجب إتباعها، إلا أن المنطق يقول إن العمل من أجل هذا الخيار لا يتعارض مع مقاومة الاحتلال في الضفة وغزة، ولا مع النضال من أجل انتزاع حقوق المواطنة ومقاومة التمييز العنصري في الأراضي التي احتلت عام 1948، ولا مع تشكيل الفلسطينيين في الشتات لحركة قوية من أجل الدفاع عن جميع حقوق اللاجئين بما في ذلك حق العودة، ومشاركتهم في جميع نضالات الجماهير العربية.
دمشق
*كاتب فلسطيني مقيم في دمشق
مجلة الآداب (11-12/ 2009)