كان كريس ماركسيا استثنائيا تَـوَكد في بريطانيا في سياق التجذر السياسي لمتم سنوات 1960 ومطلع سنوات1970. كانت له إسهامات فكرية في عدد مذهل من المجالات.
كان كريس،الوفي لتقاليد ماركس وانجلز ولينين وتروتسكي ولوكسمبورغ وغرامشي، ك ثوريا محترفا كرس حياته لبناء حزب العمال الاشتراكي SWP.
ولد كريس عام 1942 وانضم وهو تلميذ في Watford إلى Socialist Review Group ، سلف International Socialists الذي أصبح لاحقا حزب العمال الاشتراكي. وبعد دراسات في Leeds University بين العامين 1962 و1965 واصل مساره الجامعي في معهد London School of Economics وواصل به أبحاثا في إطار دوكتوراه.
و خلال النصف الثاني من سنوات1960كان معهد London School of Economics مركز تعبئة الحركة الطلابية البريطانية. و أصبح كريس من قادة الطلاب في هذه المؤسسة و تخلى عن مساره الأكاديمي.
خلال بقية حياته، اشتغل كريس كامل الوقت في تيار International Socialists، في البدء بصفته رئيس تحرير مجلة International Socialism وبصفة صحفي في جريدة Socialist Worker . و ترأس كريس هيئة تحرير Socialist Worker بين 1975 و1977 ومن جديد بين 1982 و2004. وأخيرا استأنف مسؤولياته رئيس تحرير لمجلة International Socialism لفترة أخيرة غزيرة الإنتاج.
منجزاته
قام عشرات آلاف الشباب بنفس الاختيار الذي أقدم عليه كريس في نهاية سنوات1960 ومطلع سنوات1970. لكن اقل من ذلك كثيرا من لم يتخلوا عن هذا الخيار لما بدأت موجة التمرد تتراجع في منتصف سنوات1970.
لم يتخل كريس، بل طور بكتاباته، منذ شبابه، الماركسية الثورية بما هي بوصلة قادرة على إرشادنا عبر تعقيدات و ظلمات العقود الأخيرة من القرن العشرين ومستهل القرن 21.
منح توني كليف، مؤسس تقاليد الاشتراكيين الأمميين، كريس نقطة انطلاقه النظرية. فقد خلق التحليل الذي طوره توني كليف، بصدد الاتحاد السوفيتي وباقي البلدان" الاشتراكية" بما هي رأسمالية دولة بيروقراطية، إمكانية مواصلة تطوير الماركسية الثورية.
برهن كليف انه على هذا الأساس وحده يمكن أن يكون معنى للتصور الذي كان لدى ماركس عن الاشتراكية بصفتها تحررا ذاتيا للطبقة العاملة.
استنادا على ما أنجز كليف، طور هارمان كثيرا النظرية الماركسية، سعةً وعمقاً، في مجالات عديدة مختلفة. في الجملة أنتج عملا بالغ الجودة انطلاقا من أبحاث معمقة جدا و تحليل صارم و أصيل. فيما ما يلي ملخص غير كامل عنه.
أولا، طور كريس تحليل الستالينية الذي وضعه كليف. فقد استكشف كتابه الأول Bureaucracy and Revolution in Eastern Europe (صادر عام 1974 وأعيد نشره بعنوان Class Struggles in Eastern Europe) تاريخ أنظمة رأسمالية الدولة بعد 1945 المتسم بعدم الاستقرار و بالصراعات.
وحتى قبل هذا الكتاب، استعرض كريس الديناميات التي يمكن من خلالها لمحاولات إصلاح الأنظمة الستالينية من فوق أن تخلق إمكانية إطاحتها من تحت. وكان هذا المنطق هو الذي أدى الى سقوط الستالينية قبل 20 سنة.
توقع كريس تلك النهاية في مقال :" «Poland: Crisis of State Capitalism ( 1976-1977) ". وقد جاء في هذا المقال بتحليل لكيفية اندماج البلدان "الاشتراكية" المزعومة في الوتيرات الرأسمالية الإجمالية للتجارة وللديون.
وقدم السقوط ذاته بما هو انزلاق من رأسمالية الدولة إلى الرأسمالية الخاصة في مقاله :" The Storm Breaks" (1990).
وبرزت مواهب كريس كمؤرخ على أتم وجه لأول مرة في الوصف الجذاب لحركات التمرد العمالية بكتابه Bureaucracy and Revolution, ودرس فيما بعد الثورة الألمانية 1918-1923 (The Lost Revolution, 1982) ثم الطور الصاعد من نهاية سنوات 1960 ومطلع سنوات 1970 (The Fire Last Time, 1988) .
كما كتب كريس مقالات هامة حول النظرية الماركسية في التاريخ. لكن ذروة انجازاته كمؤرخ كانت كتابه المتفوق A People’s History of the World (1999) الذي لقي نجاحا شعبيا عظيما، وبخاصة بعد إعادة طبعه مؤخرا لدى دار نشر Verso.
تمثلت إحدى أوجه قوة الكتاب في ما برهن عليه من فهم للمجتمعات المسماة "بدائية. بدأ كريس دراسته بالغة التدقيق للأبحاث علم الإناسة التي تناولت تلك المجتمعات لحظة النقاشات الحادة حو مسألة تحرر النساء في متم سنوات 1999.
كانت تلك الأبحاث بنظره البرهنة على إمكان عيش الرجال والنساء في مساواة عند إطاحة الاستغلال الطبقي إطاحة نهائية.
وهذا ما ميز المقاربة الفكرية لدى كريس. فقد كان يهتم بمشاكل خاصة، وليس في الغالب لأهميتها الخاصة، بل بقصد حل مشاكل سياسية. هكذا كان مقال The Prophet and the Proletariat (1994) دراسة ماركسية رائدة للإسلام السياسي أتاحت تهيئ حزب العمال الاشتراكي للنقاشات والصراعات التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر 2001.
كان البعض من أهم مقالات كريس مخصصا مباشرة لمشاكل الإستراتيجية والتكتيك الثوري. و كان مقال استثنائي في شبابه «Party and Class (1968) أصل وثيقة داخلية تحاول إقناع الطلاب المتجذرين المنضمين الى تيار International Socialists بضرورة بناء حزب لينيني طليعي.
ٌام كريس، في منتصف سنوات1970، لحظة تشوش متنام في أقصى اليسار الأوربي، بمساهمات هامة عديدة، لا سيما خلال الثورة البرتغالية في 1974-1975 وضد محاولة تحويل انطونيو غرامشي إلى منظر للنزعة الإصلاحية.
هذا الانشغال بمنح قيادة سياسية كان ايضا مصدرا لإشكالية أخيرة – ومركزية- في كتابات كريس : تحليل الرأسمالية ذاتها.
كان فهمه العميق والأصيل للاقتصاد السياسي الماركسي قد عرض في مساهمة متألقة في نقاش في متم سنوات1960 مع ارنست ماندل قائد الأممية الرابعة.
وقد واصلت سلسلة لاحقة من الدراسات، مجموعة في كتاب Explaining the Crisis (1983) عمل مايك كيدرون Mike Kidron . كان كيدرون قد بين كيف تبثت نفقات التسلح الرأسمالية مؤقتا بعد الحرب العالمية الثانية.
طور كريس هذا التحليل لتفسير عودة أزمات النظام الكبرى منذ نهاية سنوات 1960.
ووفي حقبة كان الاقتصاد الماركسي في اندحار في الجامعات، برهن كريس عن استمرار ملائمة محاولة ماركس فهم الحركة الرأسمالية. و واصل كريس إنتاج نصوص في مجال الاقتصاد السياسي في العقود التي تلت، لكن في آخر حياته عاد إلى فحص المسألة بعمق. واشتغل، محاورا باحثين اقتصاديين ماركسيين آخرين مشهورين، في كتابه Zombie Capitalism .
تضع هذه الدراسة الشامخة ، الصادرة مطلع 2009، الأزمة الراهنة في سياق تاريخ ودينامية الرأسمالية بمجملها.
إخلاص
إن قسما ضئيلا مما أنجز كريس قد يتيح لكثيرين تحقيق نجاح أكاديمي. لكن كريس أنتج كل ذلك، وأكثر، لا في وضع رفاهية سهلة وجاه الوسط الاكاديمي، بل بصفته عاملا باجر ناقص و كامل الوقت لدى حزب العمال الاشتراكي.
كانت أهم أدواره في الحزب هو رئاسة تحرير جريدة Socialist Worker ن بعد عودته إلى هيئة تحرير الجريدة في مطلع سنوات1980 ، تلك المرحلة المطبوعة بتشوش كبير لدى اليسار.
قاد كريس الجريدة عبر سنوات التاتشرية المقلقة – وفوق كل شيء مأساة إضراب عمال المناجم في 1984-1985 – و ركود سنوات 1990 و التجذر الجديد الذي جاءت به الحركات المناهضة للرأسمالية وللحرب في العقد الأخير.
كان كريس يخفي قدراته الهائلة وانجازاته خلف واجهة خارجية خجولة. و لم يكن لديه أي ادعاء من أي نوع كان.
لكنه ظل نموذج نزاهة وإخلاص ثوري. وقد عبر عن الحنين إلى الماضي وعن الرضا عن الذات مؤخرا في تجمع لإحياء ذكرى النضالات في معهد LES في سنوات 1960 بإعلانه أن التقاعد وفر له مزيد وقت من اجل النضال.
انه من أوجه قساوة الحياة عدم استفادة كريس من شيخوخة سعيدة ومنتجة كما يحق له أن يأمل. سيواصل رفيقنا كريس الحياة في كتاباته وفي التراث السياسي الذي خلف لحزب العمال الاشتراكي ومنظماته الشقيقة في الاتجاه الاشتراكي الأممي.
لكن هذا لا يقلص الخسارة الرهيبة التي تمثلها وفاته – وبالدرجة الأولى لرفيقته تالات وأبنائه سيث و سينياد ، وكذلك للمحيط الأوسع الذي اثر فيه.
انا شخصيا فقدت رفيقي وصديقي وأستاذي لأكثر من 35 سنة. هذه بالنسبة لنا لحظة بكاء وحداد قبل استئناف النضال.
المصدر: موقع www.alencontre.org
تعريب جريدة المناضل-ة