І- القروض الصغرى بالمغرب
ظهرت فكرة القروض الصغرى ( قروض سقفها 50.000.00درهم ) مند سنة 1978 من طرف الاقتصادي الليبرالي البنغالي محمد يونس ( منحت له جائزة نوبل سنة 2006 ) الذي استغل فقر نساء بنغلاديش لجمع الملايير مكنته من إنشاء بنك قروي ( Grameen Bank ) سنة 1983.
انتقلت الفكرة إلى باقي بلدان العالم التالث لتصل عدد الدول التي تمنح فيها القروض الصغرى أكتر من 140 دولة سنة 2005 التي اعتبرت سنة القروض الصغرى حيت بلغ عدد الزبناء 20 مليون فقير و800 مؤسسة للقروض الصغرى فتم عقد المؤتمر العالمي لمؤسسات القروض الصغرى بواشنطن سنة 1997.
وفي المغرب ظهرت الفكرة بداية التسعينات بعد عشرية التقويم الهيكلي التي أوصلت الشعب المغربي إلى حافة الهاوية (السكتة القلبية), عبر تجربة محدودة لجمعية تضامن بلا حدود سنة 1993 لتترجم في أواسط التسعينات بتأسيس نور الدين عيوش لمؤسسة زكورة للقروض الصغرى سنة 1995 وإدريس جطو لمؤسسة أمانة للقروض الصغرى سنة 1996 ومؤسسة التنمية والبركة وإنماء والكرامة ومؤسسة أرضي للقروض الصغرى ( تابعة للقرض ألفلاحي ) والشعبي للقروض الصغرى ( تنتمي لمجموعة البنك الشعبي ).... فوصلت أكثر من 13 مؤسسة وطنية ومحلية منضوية تحت إطار (FNAM) الفيدرالية الوطنية لجمعيات القروض الصغرى كإطار للتنسيق لامتصاص دماء كادحي المغرب.
تشغل هذه المؤسسات أزيد من 8000 موظف تتوفر على 1.2 مليون زبون أي نصف زبناء القروض الصغرى بمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. 55% من الزبناء نساء يتواجد 40% منهم بالوسط القروي. أشار البنك الدولي سنة 2005، التي حصل فيها المغرب على جائزة الأمم المتحدة الدولية للقروض الصغرى على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن 5 ملايين مغربي يمكن أن يستفيدوا من القروض الصغرى. مما فتح شهية هذه المؤسسات للتوسع و يفسر تدخل وزارة المالية لمعالجة المشاكل التي يتخبط فيها القطاع لما تعقده الدولة من آمال على هذه القروض لامتصاص غضب الكادحين. احتلت مؤسستا زكورة وأمانة سنة 2007 مراتب أولى عالميا من حيت مبالغ القروض الممنوحة ومن حيت عدد المستفيدين (الزبناء) من بين 823 مؤسسة تشتغل في هذا المجال.
هذه المؤسسات يؤطرها قانون 97/18 الذي خرج إلى حيز الوجود في 5فبراير 1999 فلا هي بمؤسسات مالية ولا بجمعيات. وهي تخضع لرقابة وزارة المالية بإشراف بنك المغرب و معفية من الضرائب ويمنع عليها أن تجمع الأرباح.
تتوصل هذه المؤسسات بقروض بنكية بفوائد مشجعة و بهبات ومنح من مؤسسات وطنية وأجنبية كصندوق الحسن الثاني للتضامن ومؤسسة محمد الخامس وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والبنك الأوربي للإستتمار وابناك وطنية ودولية.
П – مؤسسة زكورة للقروض الصغرى
في سنة 1995 أسس نور الدين عيوش مؤسسة للقروض الصغرى بهدف غير ربحي سماها مؤسسة زكورة نسبة لاسم أمه التي كانت تنشط في العمل الجمعوي و في عملية القرعة ( تسمى أيضا بعملية دارت: في الأحياء الشعبية تلتزم كل أعضاء المجموعة بنفس المبلغ كل أسبوع أو كل شهر ويتم الاستفادة منها بالتناوب بين المساهمين دون فوائد ).
كانت هذه المؤسسة، التي يوجد مقرها المركزي بالبيضاء، في البداية تشتغل على واجهتين: السلفات الصغرى والتربية غير النظامية ومحو الأمية. غير أنها مند 1997 أصبحت عبارة عن مؤسستين يرأسهما نور الدين عيوش لأن قانون 97/18 يمنع الجمع بين مؤسستين في مؤسسة واحدة. ترى هذه المؤسسة أنها جاءت لمحاربة الفقر والأمية عبر إعطاء فرصة للنساء والرجال للاستقلال المادي وتغيير المستوى المعيشي للسكان بمشاريع مدرة للدخل مع مرافقة وتكوين أصحاب المشاريع.
وترتكز لمبادئ التضامن واحترام الشخص والمساواة بين الجنسين وروح الجودة ومحاربة الرشوة.
تقدم المؤسسة نوعين من القروض إحداها تستهدف خلق انشطة مدرة للدخل (AJR) تتمثل في السلف التضامني (المجموعة) والمقاولات الصغرى وحفر الآبار والسياحة القروية. فيما الثاني يستهدف تحسين المستوى المعيشي للمستفيدين- الزبناء المستفيدين من النوع الأول (AGR) يشمل الإصلاح والحصول على السكن. تشترط زكورة أن يكون المستفيد من ذوي الدخل المحدود (دخل عائلة من خمسة أفراد يجب أن يقل عن 2500 درهم) ولا يتوفر على إمكانية القروض البنكية ويتوفر على مشروع أو فكرة مشروع. وصلت إلى 345 ألف مستفيد - زبون إلى غاية 31 دجنبر 2008.
Ш – زكورة العمل الاجتماعي: قروض صغيرة بفوائد كبيرة
تمنح مؤسسة زاكورة للقروض الصغرى - التي تدعي العمل الجمعوي لأهداف غير ربحية كيافطة تستفيد خلالها من مساعدات وامتيازات - سلفات للمستفيدين - الزبناء بفوائد تتجاوز نسبتها حتى تلك التي تفرضها البنوك المالية. فبعد أن كانت لم تتجاوز8 ٪ أصبحت الآن تبدأ من 12٪ وتزداد مع طول مدة القرض وتختلف حسب نوعيته، فعن 5000.00 درهم يضطر الزبون الحاصل على قرض المقاولة الصغيرة لإرجاع مبلغ 5610.00 درهم مدة 6 أشهر أي بزيادة 12.2٪ و 5751.00 لمدة 9 أشهر أي بزيادة نسبة 15.02 ٪ و 5907.00 مدة سنة بزيادة 18.14 ٪ ومبلغ 6210 مدة 18 شهر أي بنسبة 24.2٪ ومبلغ 6504.00 درهم مدة عامين أي بزيادة نسبة 30.08٪ و مبلغ 6240.00 درهم مدة 30 شهر أي بزيادة نسبة 24.8٪ فيما يصل المبلغ مدة ثلاثة سنوات إلى 7164.00 أي تصل النسبة إلى 43.28٪ من القرض الممنوح للزبون.(نسب 2008).
وفق تقرير التدقيق 2007 وصلت عدد السلفات الممنوحة 603707 والنشيطة منها 472699 .وتبلغ السلفات الممنوحة 244292200 درهم بجاري إجمالي 1492468000 درهم.
أوصلت مؤسسة زاكورة عائلات إلى الهاوية بعملها "الاجتماعي" فمنها من باع ما يملكه من أتات لاتقاء التهديدات بالمتابعات القانونية ومنها من وصل إلى الطلاق، فعديد منهم لم يكونوا على علم بحصول زوجاتهم على القروض الصغرى سوى عندما أصبحوا عرضة للتهديدات، كما أن العديد من المستفيدين – الزبناء لم يعودوا قادرين على أداء ما بذمتهم للمؤسسة نتيجة النسب المرتفعة ونتيجة السياسات اللاشعبية المتسمة بالغلاء المعيشي وزيادة التكاليف على العائلات من جراء تفويت خدمات للخواص كانت إلى وقت قريب يقدمها القطاع الاجتماعي بأثمان زهيدة أو بالمجان. لتصبح العائلات غير قادرة على الأداء لاسيما وأن أغلبها لا دخل لها بل ولا عمل، فظهر إلى الوجود زبناء امتنعوا عن الأداء متذرعين بقلة ذات اليد حينا وبوجود عفو ملكي أحيانا أخرى ( لذلك أصدر وزير الداخلية مذكرة للولاة والعمال والباشاوات للتدخل لتقديم العون لهذه المؤسسات وليس للفقراء ).
VІ - ظروف العمل بالمؤسسة و العمل النقابي
تشغل مؤسسة زاكورة للقروض الصغرى ما يزيد عن1723 مستخدما إلى حدود يونيو 2008 منهم مرسمون وعديد منهم يشتغلون عبر عقدة (ANPEC) تلقوا تكوينا نظريا وميدانيا لمدة شهر.وهم موزعون على طول خريطة المغرب، فالمؤسسة قسمت المغرب إلى 8 جهات ( ليس التقسيم الجهوي المعروف بالمغرب) يشرف على كل جهة مسؤول جهوي وتنقسم الجهة بدورها إلى عدد من الفروع يشرف عليها رئيس الفرع ( إلى حدود يونيو 2008 تضم المؤسسة 181 فرع رئيسي و387 فرع ثانوي ) والفرع بدوره مقسم إلى عديد من المواقع (les sites) يشتغل فيها المكلفون يرقن المعلومات على الحاسوب إلى جانب أعوان السلف المكلفون بالميدان الذين يقع عليهم العبء الثقيل. فهم المكلفون بالبحث عن الزبناء وإعطاء السلفات وتكوين ومراقبة ومتابعة حاملي القروض. وهم مسؤولون عن استردادها مع ما يمثله ذلك من مخاطر، فهم يشتغلون في الهوامش والقرى دون أن توفر المؤسسة وسائل النقل بل يتحملون مسؤولية الأموال مما يعرضهم للاعتداءات كما حدت بضواحي أكادير ومناطق عديدة. وهم مضطرون مع هذا لتحقيق ما ترسمه المؤسسة لهم من أهداف كمية (عدد المستفيدين وعدد المبالغ المستخرجة) مما يؤدي إلى اشتداد وثيرة العمل والاستغلال .
إن هذه الشروط القاسية تدفع بالعديد من المستخدمين إلى تغيير المؤسسة عند أول فرصة متاحة، فالغالبية منهم لم تتم حتى مدة العقدة مما دفع بالمؤسسة أمام ما تهدره من أموال لتكوينهم إلى خفض مدة العقدة إلى 12 شهر عوض 18 شهر المعمول بها في باقي الموؤسات وزيادة 500.00 درهم للأعوان المكلفين بالميدان لتصل أجورهم إلى 2500.00 درهم عوض 2000.00 درهم كما كان الأمر في السابق، وسن تعويضات عن التنقل والتغذية وتحفيزات عند تحقيقهم للأهداف المسطرة رغم أن غالبية ذلك مكتوب على الورق فقط فيما يتقاضى مسؤولو المؤسسة مركزيا أجورا وتعويضات تفوق ذلك بكثير.
يوم الثلاثاء 05 مايو 2009 أعلن عن الاندماج بين مؤسسة زاكورة للقروض الصغرى ومؤسسة الشعبي للقروض الصغرى بحضور وزير الاقتصاد والمالية. جاء هذا بعد أن كان المسؤولون عن زكورة يقرون بأنها تمر في أوضاع مالية صعبة قد تؤدي بها للتوقف، فتخلت المؤسسة عما تبقى من العمل الاجتماعي فاستبدلت كلمة المستفيدين بالزبناء وتعرض مستخدمو المؤسسة لهجمة شرسة امتدت حتى للمرسمين بعد أن بدأت بذوي العقدة.
بالرغم من الأوضاع المزرية التي يشتغل فيها مستخدمو زاكورة فالنقابة لم يتم تأسيسها إلا مؤخرا وفي جهتين اثنتين فقط لحد الآن، الجديدة وجهة الجنوب (سوس والصحراء) تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. انظم جل مستخدمي المؤسسة من مسؤولي الفروع وأعوان والمكلفين برقن المعلومات على الحاسوب بالجهتين للنقابة فخاضوا أشكالا نضالية بعد أن رفضت الإدارة المركزية التحاور مع ممثلي الشغيلة بالمؤسسة. وكان أبرزها المعركة الأخيرة بالجنوب التي انطقت يوم 01 يوليوز 2009 من أجل إرجاع 6 مطرودين بالجهة، واحترام الكرامة، وتطبيق بنود قانون الشغل بالمؤسسة، ووقف التمييز بين مستخدمي زكورة والشعبي، مع عدم تحميل المستخدمين تبعات أخطاء الإدارة المركزية. فتميزت المعركة بمقاطعة الاجتماع السنوي المقرر عقده بأكادير و بالتوقف عن عملية استرجاع الديون طيلة ثلاثة أيام مما فرض على الإدارة الجلوس للحوار, رغم أنه لم يأت بمكاسب فعلية غير الرضوخ للجلوس مع الممثلين النقابيين. فكانت النقابة عرضة للهجمات من قبل الإدارة فكان أول الضحايا أعضاء النقابة كما هو شأن الكاتب العام للنقابة بالجنوب الذي رفضت الإدارة ترسيمه بعد أن انتهت فترة التعاقد معه. فالمستخدمون يتم الاستغناء عنهم لأبسط المبررات ويتم تنقيلهم بشكل تعسفي إذ يتم تصيد الأخطاء التي يسقطون فيها نتيجة شدة العمل واتخاذها كمبرر لأي إجراء تتخذه الإدارة في حق من لا ترغب في بقائه.
إن انحصار النقابة بالجهتين يحد من مفعول العمل النقابي بالمؤسسة, ويزيد من تعقيد مأموريته القلة العددية للمستخدمين بكل فرع ( معدل 8 مستخدمين بكل فرع رئيسي ), ويحول بعد المسافة بين الفروع دون انعقاد اجتماعات موسعة بشكل مكتف بحضور جل الأعضاء, فالغالبية تكتفي بتسجيل مواقفها من بعيد دون الحضور للمساهمة في نقاش الخطوات المزمع اتخاذها وتنفيذها الشيء الذي من شأنه أن يقوي النقابة. كما أن تقرب بعض مسؤولي الفروع للإدارة يحول دون انخراط وتنفيذ الخطوات النضالية من قبل المستخدمين. ونشير إلى أنه للمرة الأولى يتم انتخاب مناديب العمال بالمؤسسة, غير أنهم بحاجة إلى تكوين نقابي ( لم يتم إخبار المستخدمين بانتخاب المناديب سوى يومين قبل موعد الانتخاب).
ІV- ما العمل؟
إن الأوضاع الكارتية التي يعيشها مستخدمو مؤسسة زكورة للقروض الصغرى تفرض على النقابيين في الجهتين تنسيق عملهما النضالي و العمل على توسيع الانتماء النقابي لنفس المركزية ليشمل الجهات المتبقية ( لتسهيل هيكلة نقابة وطنية ) وخاصة أن التهديد بالتسريحات الجماعية لايفرق بين الجهات.
ومن جهة أخرى عليهم أن يبذلوا ما في وسعهم للتنسيق النقابي بين نقابات مؤسسة القروض الصغرى على غرار توحيد الباترونا لمواقفها في إطارها الفيدرالي. وما يسهل هذه العملية تواجد مستخدمي مؤسسة أمانة للقروض الصغرى بنفس المركزية النقابية كدش بل ولها مكتب وطني موحد بهذه المركزية. لذلك فعلى النقابتين الجهويتين بزاكورة تشكيل ائتلاف نقابي مع نقابة أمانة الوطنية. إئتلاف سيشكل مرتكزا لتقوية النقابات القائمة وحافزا على تأسيس نقابة وطنية لزكورة ورافعة للتنظيم النقابي ببقية مؤسسات القروض الصغرى الأخرى.
إن اندماج المؤسستين زكورة والشعبي يفرض إقناع مستخدمي مؤسسة الشعبي للقروض الصغرى للالتحاق بالنقابة حتى لاينطبق عليها المثل القائل أكلت يوم أكل الثور الأبيض. عوض أن يرى كل منهم أن له الحق في البقاء عوض الآخر بمبررات من قبيل التجربة الميدانية أو التنظيم في العمل والانتماء للمؤسسة القوية.
يجب على النقابيين بمؤسسة زاكورة عدم التفريط في ذوي العقدة المطرودين دون انتهاء فترة العقدة فمطلب تعويضهم عن الأشهر المتبقية - خاصة وأنهم أتموا الفترة التجريبية التي حددتها المؤسسة في ثلاثة أشهر- كفيل بمدها بقوة إضافية لتجسيد أشكال نضالية بالشارع العام لدفع الدولة لتحمل مسؤوليتها في إرغام باترونا مؤسسة زكورة وباقي مؤسسات القروض الصغرى على تطبيق ما جاءت به مدونة الشغل على علته.
إن الواجب النضالي يفرض على النقابيين الكفاحيين تقديم يد العون لهذه التجربة النقابية الفتية للمساهمة في بناء نقابات مكافحة بهذه المؤسسات. وفي هذا الإطار يأتي هذا المقال.
عسو منصور