يتجلى من مجريات الدخول الاجتماعي والسياسي ان ثمة أزمة عميقة في صف القوى الرافضة للسياسات الجارية . فبينما يواصل الطاقم السياسي للطبقة السائدة عمله بشكل منهجي ودؤوب في تخريب ما تبقى من مكاسب شعبية طفيفة وتضييق الخناق القمعي، تظل قوى المعارضة، الإصلاحية والجذرية على حد سواء، مشتتة القوى وضعيفة المبادرة.
فبعد إنزال مشروع قانون منع الإضراب من اجل تجريم الاحتجاج والنضال، هاهو قانون صنع الأحزاب الطيعة يأتي ليلغي إمكان وجود أي حزب معارض للوضع القائم، وذلك على نحو غير مسبوق منذ أن كان وجود قوى معارضة وبشدة للنظام أمرا واقعا فرضته موازين قوى المعركة ضد الاستعمار. وتدل الآراء الأولى المعبرة عنها أن الاعتراض يبقى آلي حد كبير في حدود الشكليات. هذا بينما السؤال هو هل يحق للمغاربة أن يعبروا في القضايا الأساسية للحياة السياسية عن رأي آخر غير ما تريده الدولة ؟
وعلى الصعيد الاجتماعي يتواصل بوتيرة جهنمية العمل في اوراش التخلص من موظفي الدولة الذين بات ُينظر إليهم - حسب تعبير مدير صحيفة ليكونوميست- كماموت (فيل ضخم منقرض) لا تفكير سوى في نزع شحمه بمختلف الوسائل. ويستمر قضم تدريجي لما تبقى من صندوق دعم المواد الأساسية وتخطيط للإضرار بالمتقاعدين وفق سيناريوهات ندوة دجنبر 2003 ، وتوضع تفاصيل تطبيق ما سمي بالتأمين الصحي الذي يؤسس نظاما صحيا هزيلا لمن لهم من الكادحين دخل ُيقتطع منه (أجراء الدولة وعمال القطاع الخاص المسجلين في الضمان الاجتماعي) ويتخلى عن ملايين الفقراء ( شعب القرى و اكثر من مليون عامل غير مسجل بالضمان الاجتماعي وملاين أخرى من المقتاتين بشتى أنواع الأنشطة الهامشية). وبينما يفتك البؤس الأسود بالقاعدة العريضة من فقراء الفلاحين ُتقدم الدولة على تسليم أراضى صوديا وصوجيطا التي انتزعها الاستعمار من فلاحيها في بداية القرن هدية للرأسماليين. وبينما ضحايا البطالة يتكاثرون تأتى ميزانية 2005 لتؤكد ان الدولة لا تفكر فيهم سوى بمنطق القمع . اما الخدمات الموجهة لعامة الناس فصارت عبئا زائدا مثله الذين تخدمهم.
اما من جهتنا فنقاباتنا تفقد تدريجيا علة وجودها بعد أن استقرت أنظارها على ما سيأتي من فوق من حوار دلت التجربة كذبه في ظل ميزان قوى مختل ،او من إشراك في مناظرات توصف بـ"الوطنية" لإضفاء الإجماع على سياسات معتدية على الكادحين. نقابات لم تعد تخاطب سوى الفوق( قل لي من تخاطب أقول لك من أنت) صامة آذانها عن نبض القاعدة العمالية التي تعاني الويلات. نقابات تسعى آلي اكثر ما يمكن من تداخل مع الدولة بينما علاقاتها في ما بينها تقنعنا انها وجدت لتشتيت العمال لا لتوحيدهم.
اما سياسيا فيظل اليسار بمعناه الواسع مفتقدا لمشروع بديل حقيقي، افتقادا يدل عليه بشكل رئيسي بقاء أم المشاكل، مشكل الديون الخارجية المستنزفة للبلد، خارج أي نقاش. أما أشكال التعاون بين قوى اليسار فلم تتجسد بعد في برامج نضال ميداني يروم التصدي للهجوم البرجوازي الكاسح.
هذا ما يجري على السطح ، اما في الأعماق فطاقة التمرد تتراكم، بعضها يجد قنوات منظمة أو غير منظمة ليأخذ وجهة ما والقسم الأعظم يحتقن.
هذا ما يضع على كاهل المناضلين العماليين الجذريين مسؤولية جسيمة تلزمهم بالاغتراف من دروس وتقاليد طبقتهم، من أجل العمل في تلك الأعماق الشعبية ونفض ما دل التاريخ انه لا يؤهلهم لواجبهم ، واجب السير ضد تيار الاستسلام وأوهام الترميم، مع ما يستلزمه ذلك من طول نفس وبعد نظر وروح تجديد وتفادي الانطباعية في قراءة دينامية الواقع.