جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 لوحات ثورية : محتويات ومقدمة بقلم: اسحق دويتشر


الخميس 17 حزيران (يونيو) 2010

لوناتشارسكي

لوحات ثورية

أ.ف لوناشارسكي تقديم إسحق دويتشر

تعريب

أحمد خليفة

مؤسسة الأبحاث العربية

المحتويات

مقدمة بقلم اسحق دويتشر

مقارنة بين طبعات الكتاب

تقديم بقلم أ.ف.لوناشارسكي

فلاديمير ايليتش لينين

ليودافيدوفيتش تروتسكي

غريغوري اوفسيفتش زينوفييف

جيورجي فالنتينوفيتش بليخانوف

يعقوب ميخائيلوفيتش سفردلوف

الرفيق فولودارسكي

مويزي سولومونوفيتش اوريتسكي

يولاي اوسيبوفيتش مارتوف

فيودور ايفانوفيتش كالينين

بافل بيسالكو

مقدمة بقلم: اسحق دويتشر

لا يتذكر العالم الغربي جيدا اسم اناتولي فاسيليفتش لوناشارسكي، وقد لا يكون معروفا على نطاق واسع الآن حتى في روسيا. ومع ذلك فهو واحد من أشهر قادة الثورة، ومفوض الثقافة العظيم الأول فيها. ولا يزال تأثيره في الحياة الثقافية السوفيتية حيّا، وإن كان مطموسا. ويكتشف فيه الآن جيل جديد من المثقفين السوفييت واحدا من آبائه الروحيين.

ولد لوناشارسكي في بولتافا في العام 1875، ونشأ في بيئة من النبلاء الصغار، تحت تأثير أشخاص مثقفين جيدا، ذوي تفكير راديكالي. وكان والده كاتب عدل. وقد روى لوناشارسكي عن نفسه: «لقد أصبحت ثوريا في مرحلة مبكرة من حياتي إلى حد لم أعد أذكر معه متى لم أكن كذلك. ومرت طفولتي تحت التأثير القوي لألكسندر ايفانوفيتش انطونوف [صديق والدته] الذي لم يخف مطلقا ميله للطموحات الراديكالية واليسارية، ورغم كونه عضوا فعالا في المجلس الاستشاري ورئيسا لمجلس الرقابة في نيجني نوفجورود ثم في كورسك». وكانت هذه البيئة مشابهة لتلك التي ترعرع فيها لينين، إلا أنها أقل ريفية، وأكثر تقدما من الناجية السياسية. وكانت نشأة لوناشارسكي في مدينة كييف، وهي آنذاك نقطة التقاء للثقافات الروسية والبولندية واليهودية والاوكرانية، ومركزا هاما للحركات الراديكالية والاشتراكية، وقد انضم طالب المدرسة، الذي كان قارئا نهما وموهوبا وناضجا عقليا قبل الأوان، في مرحلة مبكرة جدا إلى إحدى الحلقات الماركسية السرية، وساهم في توسيعها إلى أن أصبحت تضم مئتي طالب. وكان الماركسيون هناك قد استطاعوا، قبل أي مكان آخر في إمبراطورية القيصر، التغلب على الشعبين، بحيث أصبحت الماركسية الهوى الذهني للمراهقين، وهو هوى لازم لوناشارسكي طوال حياته. إلا انه أيضا في مرحلة مبكرة جدا من حياته، وجد نفسه منجذبا بصورة مساوية إلى تيار عقلي آخر –إلى الفلسفة التجريبية النقدية- (Empirio-Criticism) وخاصة نظريات البروفسور الألماني-السويسري افيناريوس. وفي العام 1894، غادر لوناشارسكي روسيا إلى سويسرا، وأسلم نفسه إلى افيناريوس في جامعة زوريخ. وقد خلّفت تلك السنة آثارا لا تمحى على نظرته.

وأصبح طموحه منذ ذلك الوقت التوفيق بين تأثيرات ماركس وافيناريوس. وبات مقتنعا أن الماركسية بحاجة إلى «دعم» فلسفي، وأن التجريبية النقدية هي الفلسفة الأكثر ملاءمة لذلك. وقد قابل لوناشارسكي في زويريخ اكسلرود وبليخانوف، مؤسسي الماركسية الروسية ونوريها الهاديين، وأبديا استياءها من «نقطة الضعف» الفلسفية هذه لديه. وقد أصغى إليهما وتعلم منهما، وخصوصا من بليخانوف، إلا أنه ظل متمسكا بافيناريوس. ولم تمض فترة طويلة حتى ذاع صيته في تجمعات المنفيين والطلبة الروس في أوربا الغربية بأنه محاضر لامع وخطيب موهوب، وشخص واسع المعرفة إلى حد مذهل بالنسبة لعمره. (سجل في الجامعة في مقررات التشريح، علم الحيوان، علم النفس، الفلسفة والاقتصاد السياسي). وكان من بين زملاءه الطلبة روزا لوكسمبورغ، التي اشتهرت بعد فترة قصيرة في الأوساط الاشتراكية الأوربية بصفتها ألمع خصم للتنقيحيين (Revisionists) والإصلاحيين أثناء الجدل الكبير الذي دار في الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. ويتذكر لوناشارسكي أنه حتى في الجامعة «كنت احترمها جدا، وبصورة ما مفتونا بها. وقد سحرني شيء ما خرافي وشيطاني قليلا في قوامها النحيل البالغ القصر ورأسها الكبير المعبّر فوق كتفيها الواهنتين». كما كان من بين المهاجرين القدامى لافروف، ملهم الشعبية الروسية وصديق ماركس، الذي كان يقترب من نهاية حياته: وكان «يعيش في تجويف كالكهف محفور وسط الكتب... وبدا لي أعجوبة في المعرفة الانسيكلوبيدية. واستطلعت التوصل إلى إجراء مناقشات ممتعة ومطولة معه حول أمور كنت معنيا بها في ذلك الوقت أكثر من أي أمر آخر، أصول الأساطير القبلية لدى شعوب نائية عن بعضها البعض، والقواعد التي يتحكم تطور تلك الأساطير». ولكن أيا من هذه الاهتمامات لم يضعف الحماس الثوري للشاب، بل العكس، فهو من أجل أن يكون فعالا كثوري احتاج إلى النظر إلى المجتمع من كل جوانبه الممكنة. وكان حماسه قويا إلى درجة أنه أقنع أخاه المشلول، المصاب بداء عضال، بأفكاره واجتذبه إلى النشاط الثوري في فرنسا ثم في روسيا. وما إن مضت فترة وجيزة حتى قادته أفكاره التجريبية الانتقادية إلى الصدام مع بليخانوف، الذي بدت «سلفيته» بالنسبة إلى عقل لوناشارسكي «جافة وعقلانية أكثر من اللازم». كما بدت محاولات بليخانوف المزاوجة فلسفيا بين الماركسية وتراث حركة التنوير الفرنسية، وخصوصا ديدرو وهولباخ، «سطحية وغير مقنعة».

وفي العام 1896 عاد لوناشارسكي مع أخيه إلى روسيا، وتوجه إلى موسكو وانضم فورا إلى مجموعة سرّية كانت تحاول، بعد أن ألقت الشرطة القبض على عدد كبير من أفرادها، إقامة منظمة اشتراكية ديموقراطية جديدة. وكان من بين أفراد هذه المجموعة اليزاروفا، شقيقة لينين الكبرى (لينين نفسه، غير معروف تقريبا، حتى آنذاك على عتبة الانطلاق في مساره الثوري). ولكن ما أن مرت فترة وجيزة، حتى القي القبض على لوناشارسكي. وأتضح أن عميلا للشرطة كان مدسوسا في صفوف المجموعة. وقد احتجز في السجن الانفرادي لمدة ثمانية شهور، ثم جرى ترحيله شمالا إلى كالوجا، فولودجا، وأمكنة أخرى.

وكانت إقامته في كالوجا مهمة بصورة خاصة من زاوية مستقبل حياته، إذ تعرف هناك إلى أ.أ. بوغدانوف (مالنوفسكي)،الذي سيصبح صديقه الأقرب، وزميله السياسي والفلسفي (ثم أخ زوجته). لقد كان بوغدانوف، المنسي الآن ظلما، واحدا من أكثر الشخصيات أصالة وإثارة للإعجاب في الحركة الثورية الروسية. وكان في السنوات القليلة الحاسمة، بين العامين 1903 و1907، الرفيق السياسي الحميم للينين، وأحيانا نائبه في القيادة. وكان يتسم بنبل نادر، وقوة شخصية بطولية ومواهب عقلية متعددة الجوانب. وقد اشتهر بصفته اقتصاديا ومؤلفا لكتاب تعليمي ذائع الصيت. كما كان الشارح الروسي البارز للفلسفة التجريبية النقدية أو التجريبية-التوحيدية. وقد أوجد بصفته قائدا سياسيا اتجاها خاصا في البلشفية. وابتدع، كناقد فني، فكرة الثقافة البروليتارية (Proletkult) وإضافة إلى ذلك كان طبيبا بارزا ورائدا في البحث العلمي –وتوفي في العام 1928 أثناء إجرائه تجربة طبية خطرة على شخصه. وقد شدّ بوغدانوف من عزيمة لوناشارسكي في سعيه، إلى التوصل إلى مركب يجمع بين الماركسية وفلسفة افيناريوس.

وقد استفاد المنفيون في الأماكن التي أبعدوا إليها في الشمال من مساعدة وتعاطف السكان المحليين من أجل الدرس وإلقاء المحاضرات والمساهمة في الدوريات المختلفة. وكان من بين الذين اشتبك معهم لوناشارسكي في مناظرة عامة زميله في المنفى بردياييف، الذي بدأ في ذلك الوقت في الابتعاد عن الماركسية باتجاه احتضان المسيحية. وكان موضوع المناظرة بينهما الدين والاشتراكية. ومع أن لوناشارسكي هاجم آراء برداييف بحماس أثلج صدور الماركسيين، فإنه لم يسلم نوعا ما من «عدوى» أفكار خصمه. إلا أن الشرطة، التي أفزعتها هذه المجادلات، رحّلت لوناشارسكي ابعد نحو الشمال، إلى ارنكانجل حيث أصبح معزولا تماما تقريبا. وأفاد من هذه العزلة الإجبارية في كتابة واحد من أهم أعماله الإبداعية- «تجربة علم الجمال الوضعي». كما ترجم لكثير من الشعراء الأوربيين وخصوصا الألمان، ونشر عددا كبيرا من المقالات النقدية الأديبة. وفي دراسته حول علم الجمال لم يحاول الجمع بين التجريبية النقدية والمادية الديالكتيكية فحسب، بل شدد أيضا على الأساس البيولوجي والفيزيولوجي للحساسية الجمالية.

وقد وجه إليه النقد على أساس أنه أهمل أثر دور المجتمع في تكييف الفن، بيد أنه في الحقيقة طرح الموضوع بصورة جيدة في إطار النهج الماركسي في التفكير. وقد أوضح في فترة لاحقة بشكل فعّال صحة أفكاره بصورة خاصة في تحليله للعوامل الفيزيولوجية والبيولوجية في تطور الموسيقى.

وبعد أن أنهى لوناشارسكي مدة حكمه، عاد في سنة 1901 أو 1902 إلى كييف، حيث عرضت عليه إحدى الدوريات الليبرالية وظيفة الناقد الأدبي فيها، ولكنه لم يحتفظ بمنصبه طويلا. ففي العام 1903 انهمكت جميع الأوساط الاشتراكية في أوربا بمتابعة الانشقاق الذي حدث آنذاك في أوربا الغربية بين المناشفة والبلاشفة. وكانت الصدمة في روسيا هائلة إلى درجة أن كثيرا من البلاشفة أعادوا النظر في موقفهم وسعوا لإعادة توحيد الحزب. ولكن لينين، على أية حال، بقي صامدا –وكان من بين القلائل الذين دعموه دون تحفظ بوغدانوف. وحث بوغدانوف لوناشارسكي على القدوم إلى سويسرا للمساهمة في تحرير دورية بولشفية صدامية. واستجاب لوناشارسكي للدعوة، رغم الشكوك والتحفظات الذهنية التي ساورته. ولم تخلق لقاءاته الأولى مع لينين، في باريس وجنيف في سنة 1904، ذكريات سارة جدا. فبالنسبة إلى منظّر «علم الجمال الوضعي»، بدا لينين منغمسا كلية في السياسة وملتصقا بالواقع العملي أكثر من اللازم. ومع ذلك أصبح لوناشارسكي بلشفيا ناشطا: ليس بسبب قناعته بصواب لينين، وإنما لإحساسه الأعمق بأن المناشفة على خطأ، وأنهم أعاقوا الثورة من الداخل، وجروها إلى درك الانتهازية الصرفة والتسويات.

وقد وصف زمالته المبكرة مع لينين في ذكرياته الصريحة التالية، التي نشرت بعد الثورة: «بالطبع كان هناك اختلاف كبير [في الشخصية] بيني وبين لينين، كان يتناول جميع المسائل بصفته رجل عمل سياسي بجرأة روحية هائلة، وبصفته تكتياً وقائدا سياسيا عبقريا حقا، بينما كان تناولي للمسائل تناول فيلسوف، أو بالأحرى، شاعر لثورة. فالثورة كانت، بالنسبة لي، مرحلة مأساوية بالضرورة في التطور العام للروح الإنسانية نحو «الروح الكونية»، الحدث الأعظم والأكثر حسما في عملية «بناء الإله»، والفعل الأكثر إدهاشا وتحديدا في تحقيق البرنامج الذي صاغه نيتشه بصورة موفقة جدا في قوله: «إن العالم من دون معنى، ولكن ينبغي أن نمنحه المعنى».

وعندما يقرأ المرء هذا الكلام، لا يجد مشقة في تخيل لوناشارسكي لو عاش أربعين أو خمسين سنة بعد قوله هذا كوجودي يساري من نمط ما، يجادل في «عبثية الشرط الإنساني» ويسعى إلى «أنسنة» الماركسية. لقد كان لوناشارسكي، بدون شك، مفرط الحساسية إزاء الأنماط الفلسفية والجمالية السائدة في عصره، وكان نيتشه وافيناريوس يمثلان بالنسبة إلى مثقفي جيله ما يمثله هايدجر وسارتر، مثلا، بالنسبة إلى بعض معاصرينا. ولكن بما أنه لم يكن سهلا آنذاك الطعن في الطابع اللاإنساني للماركسية الثورية، فإن أتباعها لم يتطلعوا إلى «أنسنتها» وإنما إلى «تأليهها». وقد قال لوناشارسكي: «لقد بشرت بدين مأساوي ومفعم بالنشاط، ليس فيه أثر من «الإيمان» أو «الصوفية». وقد تصدى بليخانوف، المنشفي والأشد تمسكا بنقاء الفلسفة الماركسية، بقوة لهذه الهرطقة. وكان لينين يحترم ويقبل رأي بليخانوف في هذه المسائل. وعندما سئل مرة عن رأيه في شخص يعلن أن «الاشتراكية هي دينه»، أجاب بكثير من الذكاء الدياليكتي أن كل شيء يعتمد على هوية القائل. «إذا كان القائل شخصا متدينا فمعنى ذلك فعليا أنه يهجر الدين إلى الاشتراكية. ولكن إذا أدعى ذلك شخص يعتبر نفسه ماركسيا فمعنى ذلك أن يهجر الاشتراكية إلى الدين». إلا انه لم يخطر ببال لينين، على أية حال، أن يبدأ خصومة سياسية حول مسألة فلسفية. ولم تبد على لوناشارسكي، بالمقابل، أية أمارة تدل على هجر الماركسية (أو حتى البلشفية) من أجل الدين. وهكذا أصبح عضوا في هيئة تحرير بلشفية مصغّرة أصدرت صحيفتين: «إلى الأمام» و«البروليتاري»، وساهم فيها إلى جانب لينين ولوناشارسكي عضوان آخران. وقد أظهر لوناشارسكي، الذي كان يكتب تحت الاسم المستعار فينوف (المقاتل)، حماسة النضالي ليس في مناظراته ومناوشاته مع المناشفة فحسب، بل أيضا في مؤتمر الحزب، الذي ضم البلاشفة فقط، حيث قدم تقريرا حول العصيان المسلح ومكانه في الاستراتيجية الثورية. ولكن قلبه كان، على أية حال، مع الشعر والفن أكثر مما هو مع الاستراتيجية والتكتيك. وظل كذلك حتى أثناء ثورة 1905، التي لم يلعب فيها دورا بارزا. فهو، مثل لينين، وصل إلى روسيا متأخرا والثورة في طور الانحسار. وقد ساهم مع مكسيم غوركي، لفترة قصيرة في سان بطرسبورغ، في تحرير صحيفة نوفايا جيزن [الحياة الجديدة] البلشفية، التي كانت أول صحيفة صدرت علنا. واجتذبت محاضراته، ومعظمها حول مواضيع أدبية وفنية، جماهير كبيرة لدرجة أن رسوم الدخول شكلت مساهمة أساسية في صندوق الحزب، الذي لم تكن أحواله حسنة.

أما الصدع في العلاقات بينه وبين لينين، فقد حدث في فترة لاحقة، في العام 1908، في فترة الهزيمة والردة الرجعية. كانا قد أصبحا مهاجرين في أوروبا الغربية مرة أخرى، ومعظم أتباعهما المكروبين في روسيا قد تفرقوا. وحث لينين حزبه على الصمود، والعمل السري العميق، ولكنه حثه أيضا على العمل في العلن، وفي نطاق القانون، كلما سنحت الفرصة لذلك. وكثيرا ما كان يقول، بواقعيته وتصميمه المعهودين أبدا، «أنه ينبغي علينا أن نتعلم فنون التراجع». وقد خاض النقاش، من جهة، ضد تلك الفئة من المناشفة التي دعت إلى حزب علني دون نشاط سري على الإطلاق، ومن جهة أخرى، ضد «اليساريين المتطرفين»، الرمانسيين الثوريين، بين رفاقه، وخصوصا بوغدانوف ولوناشارسكي، اللذين لم يبديا ميلا لتعلم «فنون التراجع». وقد ضغط بوغدانوف ولوناشارسكي على لينين كي يتنصل من الأعضاء الاشتراكيين في مجلس الدوما (شبه البرلمان الذي أوجده القيصر)، باعتبار أنهم تصرفوا، بحسب رأيهما، بجبن شديد وتكيفوا مع الرجعية المنتصرة. ورفض لينين القيام بذلك، وبالتالي هاجمه اليساريون المتطرفون ووصفوه «بالانتهازي» و«شبه المنشفي».

وأتت في أعقاب الخلاف حول التكتيك المناظرة الفلسفية الكبيرة التي ألف لينين في خضمها كتابه المادية التجريبية النقدية. وكانت مساهمة لوناشارسكي الرئيسية في هذه المناظرة مجلدي الاشتراكية والدين اللذين جوبها برفض شديد من قبل بليخانوف.

وقد تجنب لينين هذه المناظرة لفترة طويلة، وأقبل عليها وهو كاره لها. والسبب في ذلك هو أن المناشفة استغلوا بشدة كون غالبية «المنحرفين» عن الماركسية من الناحية الفلسفية و«الساعين إلى الرب» هو من البلاشفة.

ونصَّب المناشفة أنفسهم حماة للماركسية السلفية (الأرثوذكسية) واستغلوا هذا الواقع للتشهير بلينين وأنصاره. ورد لينين بالتنصل من آراء لوناشارسكي وبوغدانوف الفلسفية والسياسية، وأخضعها لنقد صارم. لقد كان لديه الاستعداد للتساهل إزاء أية «هرطقة» فلسفية أو دينية داخل الحزب حرصا على الوحدة السياسية. ولكن لما كانت هذه الوحدة السياسية قد انهارت على أية حال، ومجموعة بوغدانوف-لوناشارسكي تحركت ضدّه علنا، فإنه لم يعد هناك سبب يدفعه للبقاء صامتا إزاء الخلافات الفلسفية. كما كانت لديه قناعة أن التطرف اليساري لبوغدانوف ولوناشارسكي لم يكن منفصلا عن «انحرافهما» الفلسفي. إلا أن حجج بليخانوف ضد التجريبية النقدية،وتلك التي أتى بها لينين، لم تحدثا، على أية حال، تأثيرا كبيرا على لوناشارسكي الذي بقي متمسكا بآرائه حتى النهاية.

ويجدر هنا تسجيل واقعة لها صلة بالصراع الفئوي المنهك المثلث أو المربع الأطراف الذي استمر حتى الحرب العالمية الأولى. فقد وجد لوناشارسكي وبوغدانوف حليفا لهما في مكسيم غوركي، الذي كان آنذاك في أوج شهرته كروائي وكاتب مسرحي. وأسس الثلاثة «مدرسة حزبية» في كابري في ايطاليا، استقدموا إليها عمالا من روسيا، قدموا لهم تثقيفا في النظرية الاقتصادية والتاريخ والفنون، ولقنوهم مبادئ «نشدان الإله»، وعبؤوهم، دون شك، ضد سياسة لينين اليمينية «الشبه منشفية». وقد أنكر عليهم لينين الحق في إطلاق تسمية «المدرسة الحزبية» على هذه الدورات التثقيفية، وشجب مغامرتهم ووصفها بأنها مؤامرة فئوية، ونجح في تعطيلها عن طريق كسب بعض تلامذة لوناشارسكي إلى صفه. ولكن لوناشارسكي عاد فافتتح مدرسة ثانية في بولونيا، تمكنت بفضل أساتذة مثل لوناشارسكي نفسه، وغوركي وتروتسكي والمؤرخ بوكروفسكي وآخرين، من اجتذاب تلامذة جدد من العمال. (قاد لوناشارسكي نفسه العمال في جولات في المتاحف ومعارض الرسم الإيطالية على أمل أن يدخل شيئا من روح عصر النهضة في نفوس كوادر الثوريين الروس). أما لينين فقد أنشأ مدرسته الخاصة في لونغجومو قرب باريس، حيث درب بنجاح اكبر بكثير قادة ومفوضي المستقبل، بمساعدة عدد اقل من الأساتذة اللامعين، وبرنامج أكثر التصاقا بالواقع. إلا أنه على الرغم من الخصومات والمجادلات بقي لينين، على أية حال، على صلة حسنة بلوناشارسكي، وبغوركي بالطبع. ومثّل لوناشارسكي، بموافقة لينين، البلاشفة في عدة مؤتمرات اشتراكية دولية. وعلى الرغم من النقد القاسي الذي وجهه لينين ضد آراء بوغدانوف، فإنه واجه «انحراف» لوناشارسكي بسخرية ودية. وروي انه في أحد الاجتماعات، بعد أن بشر لوناشارسكي بآرائه حول «نشدان الإله»، تقدم منه لينين منكس الرأس، وفي عينيه بريق ماكر، وهمس قائلا: «باركني أيها الأب أناتول».

وجاء اندلاع الحرب العالمية الأولى ليحجب جميع نزاعات ومشاجرات المهاجرين التافهة. وكان لوناشارسكي آنذاك في باريس، وأصدر مع تروتسكي ومارتوف صحيفة باللغة الروسية أعلنت عن معارضتها للحرب، وأيدت الحركة المدعوة بحركة تسيمرفالد –السلف الأول للشيوعية الأممية. وفي العام 1915، اثر إغلاق الحكومة الفرنسية للصحيفة وطرد تروتسكي من فرنسا، انتقل لوناشارسكي إلى سويسرا، حيث كان لينين بدوره يشن من هناك حملة ضد الحرب. وكان لوناشارسكي ما يزال آنذاك خارج صفوف البلاشفة. وفي العام 1917، بعد فترة وجيزة من ثورة شباط (فبراير)، عاد إلى روسيا، وانضم إلى المجموعة المسماة مجرايونتسي، وهي مجموعة كان يتزعمها تروتسكي. وفي إطار هذه المجموعة عاود الالتحاق بالحزب البلشفي في آب (أغسطس) من ذلك العام.

وقد لعب لوناشارسكي، بشهادة جميع شهود العيان من معاصريه، دورا بارزا في أحداث 1917. وفاجأ هذا «الساعي إلى الله»، «الرخو»، المتسم بذهول أساتذة الجامعة، جميع من شاهدوه وأذهلهم بروحيته النضالية التي لا تقهر وحيويته. لقد كان خطيب بتروغراد الحمراء العظيم، لا يعلو عليه في هذا المضمار غير تروتسكي. كان يخطب في كل يوم، أو حتى مرات عديدة في اليوم الواحد، أمام حشود ضخمة جائعة وغاضبة من العمال والجنود والبحارة، ويحطم دونما جهد تقريبا، بمحض إخلاصه ورهافة حسّه، جميع حواجز النشأة الاجتماعية والثقافة المحتمل أن تفصله عنهم. وقد افتتنت الجماهير به وأحبته. وعندما أمرت حكومته كرنسكي في تموز (يوليو) بسجن غالبية زعماء البلاشفة بتهمة التآمر والتجسس للألمان، أودع لوناشارسكي أيضا السجن. إلا أنه نال حريته بعد شهرين،وراح يدعو لحزبه في مجلس السوفييت، في المصانع والثكنات العسكرية ويكتل الجماهير تأييدا للانتفاضة المقبلة. ولاح للعيان في تلك الأيام المصيرية كبيرا إلى درجة أن الناس انتابتهم الحيرة فيما بعد، عندما رأوه يلعب دورا صغيرا نسبيا بعد الثورة. وفي الحقيقة من المحتمل أن الذي حال دون احتلال لوناشارسكي موقعا في الصف الأول بين زعماء البلاشفة الكبار القلائل، رغم كفاءته وثقافته الواسعة وذكائه الرفيع، هو إفراط معين في الكرم ونقص ما في القدرة على التركيز الفكري وقوة الإرادة الداخلين. ولا يخول من الدلالة أن الصفة التي يشدد عليها ويبدي أقصى إعجاب بها في تصويره لملامح شخصيات الزعماء البلاشفة لينين، تروتسكي، سفيردلوف وآخرين، هي إرادتهم القوية والمركزة، وهذه بالذات هي الصفة التي يفتقر إليها، بل انه في الحقيقية نقيض لما يدعى بالعقل المتوجه نحو هدف لا يحيد عنه.

وعندما عين لينين أعضاء حكومته الأولى لم يتردد للحظة في اختيار لونالشارسكي لمنصب مفوض الثقافة. وقد اظهر لينين في هذا الاختيار مقدرته العظيمة في الحكم على الرجال، وكان اختياره للشخص اختيارا لسياسة معينة. وقد اعتاد لينين أن يقول: «في مسائل الثقافة، ليس هناك ما هو أكثر ضررا وإيذاء من الحقد، الغطرسة والتعصب. وينبغي، بالنسبة لهذه المسائل، ممارسة قدر كبير من الرعاية والتسامح». وفضل أن يشغل منصب مفوض-الثقافة الشخص المنحرف، «الليّن»، الباحث عن الإله، على أن يشغله رفيق أكثر صرامة وتمسكا بالخط السلفي، رغم معرفته أن لوناشارسكي لم يكن إداريا على الإطلاق. لقد كان لينين، مثل قائد الاوركسترا الجيد العارف بنقاط القوة والضعف لدى كل عازف في فرقته، يوزع الآلات بشكل محكم تقريبا. ولم يكن واردا في الحسبان، بالطبع، أن يتراجع لوناشارسكي عن أي من هرطقاته الفلسفية، أو أن يعتذر عن أي من تقلباته السياسية، فهذه الطقوس لم يكن من الممكن، بكل بساطة، تصورها في عهد لينين. وإنما أدخلت في فترة لاحقة.

ومع لوناشارسكي لم يكن بعد العام 1917 في قيادة الحزب العليا، إلا أن دوره في العمل البناء في النظام الجديد كان من الدرجة الأولى. فقد كان على الثورة أن تتسلم «الميراث الثقافي» المتحدر من الماضي، وتحافظ عليه، وتجعله في متناول الجماهير كما لم يكن من قبل، كما كان عليها أن تدخل الروح الاشتراكية في العمل التثقيفي، وان تجرب وتبدع. وقد جمع لوناشارسكي في شخصه بصورة مثالية بين خصائص كل من حامي التراث والمبدع.

وكان لوناشارسكي منسجما مع نفسه عندما استقال بعد أيام قليلة من توليه منصبه احتجاجا على القصف المزعوم للكرملين في موسكو من قبل الحرس الأحمر أثناء ثورة تشرين الأول (أكتوبر)، وتصوره أن القصف الحق أضرارا بجدران القصر. وقد نشر بيانا ملتهبا شجب فيه هذا «العمل التخريبي» وناشد الطبقة العاملة أن تضع تحت حمايتها جميع المنشآت الأثرية المعمارية والكنوز الفنية. ولم يعد إلى تولي منصبه إلا بعد أن تأكد من أن الكرملين لم يصب فعلا بأية أضرار أثناء الثورة. وكانت مهمته الأولى والأولية ضمان استمرار سير العمل في المدارس والمؤسسات الثقافية دون انقطاع. ولم يكن ذلك بالأمر اليسير، نظرا لأن كثيرا من الأساتذة والانتلجنسيا والمهنيين المحترفين رفضوا العمل في كنف «البلاشفة الغاصبين». ولم يأل لوناشارسكي جهدا في إقناعهم بالتخلي عن المقاطعة، ونجح في ذلك إلى حد كبير. فقد كان معروفا عنه إخلاصه للثقافة والعلوم والفنون، وأوحت تصرفاته وأسلوبه بالثقة. وغالبا ما وصف بأنه «المفكر بين البلاشفة، والبلشفي بين المفكرين». ومع أن هذا الوصف ربما لم يكن دقيقا تماما، لأن معظم القادة البلاشفة كانوا «مفكرين»، إلا أن لوناشارسكي كان مقنعا على نحو فريد في تعامله مع الأنتلنجسيا المعادية للبلشفية و«المحايدة». وقد ساعد لينين، الذي أدرك بوضوح أنه من الصعب على الثورة أن تحمي تراثها الثقافي دون الدعم الطوعي من جانب الأنتلنجيسيا، لوناشارسكي بشتى الوسائل. وهكذا مُنح الأكاديميون والعلماء من أجل عملهم أوسع تسهيلات أمكن توفيرها في سنوات التدخل الأجنبي والحرب الأهلية والجوع والحرمان. وكان لوناشارسكي رائعا أيضا في نضاله ضد الأمية، وفي «إيصال» الموسيقى والفن المسرحي والأدب والفنون البصرية إلى الجماهير. ولم يتملق ذوق العمال والفلاحين، وإنما حاول تثقيفهم جماليا. وعصرن النظام الأساسي للتعليم، وأشرع أبواب المدارس أمام هواء الثورة النقي. كما أصلح طرائق التعليم بروحية متحررة تقدمية، مطبقا المفاهيم الماركسية ومستعيرا صراحة أفكارا من المفكرين «البرجوازيين» الأجانب المتقدمين. (نظرة سريعة واحدة على المدارس السوفيتية كانت كافية لإثارة حماس عالم تربوي نزّاع إلى الانتقاد مثل جون دوي، الفيلسوف الأمريكي البارز).

وفي جهوده من اجل إيصال التراث الثقافي إلى الجماهير وتثقيفهم من الناحية الجمالية، اضطر لوناشارسكي أحيانا إلى الإقدام على تضحية جليلة والهبوط من قمم مستواه العقلي الرفيع الثقافة كي يتحدث بوضوح وبساطة عن تيارات تاريخية أو أدبية معقدة. فهو يفعل ذلك مثلا في كتابه معالم الأدب الأوربي الغريب، الذي يشتمل على سلسلة من المحاضرات ألقاها في أوائل العشرينات في جامعة سفيردلوف أمام العمال والجنود الذين انتقاهم الحزب من قواعده من اجل ترقيتهم إلى مناصب اقتصادية أو إدارية وعسكرية. إلا انه لم يشجع، على أية حال، التبسيط على حساب الأصالة والتجريب. وقد تفتحت في ظل راعيه حقا «مئة زهرة» وازدهر كثير من المدارس الفنية والحلقات والمذاهب، التي كان بعضها غامضا ونخبويا. لقد كان شخصيا، بصفته ناقدا، محازبا صريحا. أما بصفته مفوضا أوكلت إليه مهمة الرعاية الرسمية للثقافة، فكان حكما منصفا وقادرا على التمييز. ولم يكن ليخطر بباله فرض آرائه أو ذوقه على أي شخص. وقد ألّف شخصيا مجلدات في النقد الأدبي تناول فيها بوشكين، غوغول، تولستوي، دستويفسكي، اندرييف، غوركي وآخرين، ورعا عبادة قومية للأدب الكلاسّي. إلا أنه في الوقت نفسه، لأسف لينين وتروتسكي، دعم مفهوم «الثقافة البروليتارية» التي دعا أنصارها إلى قطع الصلة بمجمل التراث الكلاسّي، وبشّروا بحلول حقبة بروليتارية في الفن والأدب. وشجع في وقت مبكر أعمال بيكاسو (التي خزنت في أقبية المتاحف السوفيتية حتى في أثناء حياته). كما شجع تاتلين، المعماري العظيم، الذي كان من الجائز القول عنه أنه كوربوزيي روسيا، لولا إغراقه المفرط في «الحداثة». وعين شاغال مديرا للأكاديمية الشعبية للفنون في فيتبسك، وأفسح المجال نفسه لماليفسكي، الفنان التشكيلي (الاستدلالي Consructivist) وخصم شاغال العنيد. مارس دور العرّاب لمسرح ماير هولد «البيو آلي» ولمشاريع ايزنشتاين التي افتتحت حقبة جديدة في الفن السينمائي. وقد استفاد من كرمه المستقبليون، الإخوة سيرابيون، التشكيليون والتخيليون، رغم ضيق لينين من الطبعات الكبيرة لأشعار مايكوفسيكي في وقت شكت فيه البلاد من أزمة ورق حادة. ولم يكن هناك في التراث الفني للإنسانية ما هو أجنبي في نظره. وكان المبدع في ذاته، وفي هذا المجال، متماثلا مع حامي القيم القديمة. أية مسافة ضوئية تفصل روحيا ليس بين تلك الحقبة وحقبة ستالين البربرية فحسب، بل وأيضا حتى بينها وبين «الليبرالية» البيروقراطية العجفاء التي تلت عهد ستالين! ولا عجب في أن الكتاب والفنانين السوفييت الآن، كبارا وناشئين، يتلفتون إلى ذلك العقد الأول للثورة تلفتهم إلى «عصر ذهبي» يستمدون منه الإلهام. ومع أن تلك الفترة كانت مضطرة وأقصر من أن تفسح المجال أمام نضوج فن «خالد»، إلا أنها أثارت بعمق الحساسية والخيال الشعري في روسيا. وعلى أية حال، ما أن حلت نهاية ذلك العقد، حتى بعد الغطاء الجليدي لعبادة الشخصية يطبق على الإبداع الفني وكل شيء آخر.

ولم يشارك لوناشارسكي في الصراع الحزبي الداخلي البشع الذي دار بعد وفاة لينين. فقد أحس نفسه ضائعا وسط التعقيدات والمؤامرات وأنماط السلوك السائدة. وكان اقرب المتنافسين إليه تروتسكي، الذي وصفه في اللوحة المتضمنة في هذا الكتاب، مقرونا مع لينين بأنه «واحد من أقوى اثنين، متقمصين كلية لدوريهما». إلا أنه كانت لديه تخوفات إزاء شخصية تروتسكي «المغرورة والمتسلطة»، وإزاء افتقاره إلى موهبة العمل الجماعي. وربما يكون أدرك، نظرا لمعرفته بعمق المشاعر السائدة في أوساط البلاشفة القدامى ضد تروتسكي، إن تروسكي يخوض معركة خاسرة. ولذلك حاول التكيّف مع زينوفييف، الذي أكنّ له احتراما وإعجابا أقل بكثير مما أكنّه لتروتسكي، إلا أنه كان خلال فترة طويلة زميل لينين المقرب، والشخص الذي اعتبره كثيرون في الفترة ما بين 1923-1925 «الممسك القوي بالدفة».

أما بالنسبة «لتكيّف» لوناشارسكي مع ستالين، فلا يوجد أدنى مجال للتساؤل. فليس ثمة، ولا يمكن أن يكون هناك، شخصان مختلفان عن بعضيهما ومتناقضان أكثر من هذين الرجلين. وأكبر دليل على فقدان أي رابط إنساني أو سياسي بينهما هو هذه المجموعة من اللوحات التي رسمها لوناشارسكي لملامح شخصية القادة السوفييت. فهناك فجوة ضخمة تفغر فاها أمام القراء الروس –إذ لا يشتمل الكتاب على لوحة ترسم ملامح شخصية ستالين. وعندما نشر الكتاب في العام 1923، وأعيدت طباعته في العام 1924، كان الصراع حول خلافة لينين على أشده، وستالين قد عزز مركزه كأمين عام للحزب. وكانت اللوحة الناقصة بمثابة قدح في الذات الملكية. وهكذا، بعد فترة قصيرة، «اختفى» الكتاب من التداول، وظل ممنوعا لمدة أربعين عاما. (أعيد نشر أجزاء منه، منتقاة بعناية وخاضعة لمقص الرقيب، في السنوات الأخيرة فقط). ولا يمكن التخيل أن لوناشارسكي فاته إدراك كم كان صمته حول سالين داويا. ومن الواضح أنه لم يستطع إرغام نفسه حتى على إبداء حد أدنى من الولاء الشكلي للامين العام. وكأنه أراد من موقفه هذا أن يخطر زملاءه البلاشفة أنه، إن كان لا بد من ذلك، فإنه مستعد أن يخدم تحت إمرة زينوفييف، ولكن ليس ستالين. وعندما تسنم ستالين القمة أخيرا، تجاهله لوناشارسكي قدر الامكان، وترفع عن القضايا الحزبية الداخلية، وحصر نفسه في نطاق عمله التثقيفي والأدبي. وتحاشى اللقاءات التي تصارعت فيها الفئات المختلفة مع بعضها البعض والاجتماعات الحزبية التي حلت بمشاهد «عبادة الشخصية» المشينة وكان لا يزال يأمل في المحافظة على استقلال ذاتي في مجال عمله، وانقاد الثقافة والأدب والفنون من جرّافات الستالينية والاستمرار في مهمته كراع اشتراكي للثقافة. وفي أثناء تلك السنوات، حطم قلمه السيّال جميع أرقامه القياسية. فقد نشر كتب الفن والثورة، المسرح والثورة، معالم الأدب الأوروبي الغربي في العام 1924، من سبينوزا إلى ماركس في العام 1925، وقضايا سوسيولوجيا الموسيقى في العام 1927، ومجموعات مختلفة تشتمل على مقالات نقدية، إضافة إلى مخطوطات لأفلام ومسرحيات عديدة (1).

ولكن حتى المفوضية والدراسات الأدبية لم تمنحه الملجأ الذي كان يبحث عنه. فالمفوضية تسلل إليها عملاء ستالين بالتدريج، ولم يحبذ الأمين العام على الإطلاق تجارب لوناشارسكي الثقافية «شبه الفوضوية» والضجيج «العصري المنحل» في الأدب والفن. وهكذا تم فرض الانضباط الجديد ببطء. وفي العام 1927 نفي تروتسكي وراكوفسكي وراديك إلى سيبيريا وطرد زينوفييف وكامينيف عمليا من الحزب، واحاقت التعاسة المريرة بلوناشارسكي. وبدأ قلبه المعذب يخذله، وكف عمليا عن ممارسة واجباته الرسمية، مع أنه ظل على رأس المفوضية لمدة عامين آخرين، أي حتى العام 1929. وقد وجد بعض العزاء في المهمات المؤقتة، التي كان ينتدب فيها إلى خارج البلاد. فقد انتدب متحدثا رسميا باسم السوفييت حول القضايا الثقافية في عصبة الأمم في جنيف، واستغل المناسبة ليتجول، برفقة صديقه القديم مكسيم لتفينوف، الذي أصبح مفوضا للشؤون الخارجية، في الأماكن التي اعتاد ارتيادها في أوروبا، وفي المتاحف والمسارح في باريس وبرلين. وبات يحس بغربة متزايدة في موسكو، وسط الطقوس الشاذة لعبادة شخصية ستالين والعنف «بالجملة» الذي رافق تنظيم الاقتصاد وفقا لمبدأ الجامعية. وفي اثر كل عودة إلى موسكو، كان ينزلق ثانية إلى أوروبا ليداوي قلبه المستعصي على الشفاء ويريح عقله المضطهد. وكان يرسل من فرنسا وألمانيا إلى الدوريات السوفييتية مقالات في النقد الأدبي ورسائل فقيرة المضمون بصورة محزنة ومعقدة من حيث الأسلوب. وتوالت اللطمات من جميع الاتجاهات: في عام 1931 انتحر مايكوفسكي، ثاني أبرز شاعرين في الحقبة الثورية، وكان الأول، ايزينين، انتحر قبل ذلك بعدة سنوات. وفي عام 1932 وبّخ ستالين مؤرخي الحزب الذين لم يبدوا حماسة كافية في تزوير تاريخ الثورة. ثم في عام 1933، سقطت ألمانيا في هوة النازية. ولكن شعاعا من الأمل، على أية حال، بزغ في الطرف الآخر من أوروبا، متمثلا بقيام الجمهورية في أسبانيا. وعيّن لوناشارسكي سفيرا في مدريد. هل تم التعيين بمبادرة من لتفينوف أو ستالين؟ ففي ضوء الأحداث اللاحقة يبدو هذا التعيين نذيرا بالشؤم، إذ أن السفارة في مدريد أصبحت في السنوات التالية نوعا من غرفة الإعدام بالنسبة لكل من شغل منصب السفير فيها، حيث أنهم جميعا، كقاعدة عامة، هلكوا في حملة التطهيرات الواسعة. إلا أن لوناشارسكي توفي قبل تسلمه مهامه كسفير، في عامه التاسع والخمسين. (أمضى أسابيعه الأخيرة في محاولة جادة لتعلم اللغة الأسبانية). ولو أنه عاش فترة أطول لكان احتسب ضده ارتباطه القديم بتروتسكي وزينوفييف وكامينيف وهرطقاته التي دافع عنها بعناد، والإساءة التي ألحقها بستالين في عام 1923، ولكان من الصعب عليه تفادي وصمه «كعدو للشعب» وجاسوس ومخرب. ولكنه توفي قبل التطهيرات الكبيرة بسنتين، وهكذا أقيمت له جنازة رسمية ودفن تحت حائط الأبطال في الكرملين.

وفي السنوات العشرين التالية غطى النسيان الموغر به من قبل البيروقراطية اسمه ودوره في الثورة وإنجازاته وكتاباته. وعندما كان قاضيا «محاكم التفتيش» الفلسفية الستالينية، جدانوف والسكندرانوف، يأتيان على ذكره فإنما كانا يفعلان ذلك فقط من أجل إظهاره كشخص انحرف عن الصراط المستقيم للعقيدة القويمة.

ولكن فصول الانتلجنسيا إزاء أفكاره وشخصيته اشتد في السنوات الأخيرة. ويجري الآن استخراج أعماله ببطء، بمشقة، وبصورة انتقائية. فالمجموعة الحاكمة حاليا ترى أنه من المناسب تقديم بعض كتاباته، الأكثر تقليدية أو الملموسة بآفة الستالينية، إلى القراء الشباب والنهمين التواقين إلى الوصول إلى تراث الثورة العقلي المغمور. ولكن لوناشارسكي، العقل الحرّ والمنفتح، الفيلسوف الضال، المبدع الجريء، وأخيرا وليس آخرا، المشارك اللامع والشاهد على الثورة، لا يزال يمثل إحراجا مربكا للبيروقراطية. ولذلك ما زالت تحذف أو تخفي بعناية تلك الأجزاء من كتاباته –وهي كثيرة- التي يشتم أنها على «مادة متفجرة».

ويندرج هذا الكتاب، بالطبع، تحت تصنيف المادة المتفجرة. وتكفي نظرة سريعة إلى قائمة المحتويات لتفسير ذلك: فمعظم الأشخاص الذين يكرمهم لوناشارسكي هنا لا يزالون أشخاصا «ساقطين من الاعتبار» في الاتحاد السوفييتي. إنه يكرمهم على طريقته الخاصة، المتسمة بدفء الشعور والتجرد، ويصورهم في جوانب قوتهم وضعفهم على حد سواء. وحتى لينين، الذي كان على فراش الموت عندما ظهر وصف لوناشارسكي لملامح شخصيته، لا يبدو هنا ذلك القديس السوبرمان الذي تصوره الأسطورة الرسمية. ولا يتردد لوناشارسكي في وصف مارتوف زعيم المناشفة، بعطف وإشفاق. حتى أنه عبر عن أمله في أنه ربما وجد مارتوف لنفسه مكانا داخل الحركة الشيوعية، كقائد «للجناح اليميني» في صفوفها. وكم يلوح هذا كله نائيا عن المفهوم الأحادي اللاحق للحزب. وقد أحسنت دار «ألين لين بنغوان بريس» للنشر صنعا بإحياء ذكرى لوناشارسكي في الذكرى الخمسين للثورة الروسية بإصدارها كتابه الصغير المدهش هذا. وآمل أن تصبح كتابات لوناشارسكي الأخرى قريبا في متناول القارئ الإنكليزي.

اسحق دويتشر

هاربوركوليدج

ولاية نيويورك

نيسان (ابريل) 1968

 

(1) كتب مسرحية بعنوان أوليفر كرومويل في عام 1919، وكامبا نيللي في عام 1922، وفيما بعد، في العشرينات، نشر أعماله المسرحية في مجلدين. ولم يقرأ أعماله المسرحية، ولكنني أذكر أن النقاد في موسكو تحدثوا عنها بسخرية مترفعة واعتبروه كاتبا مسرحيا عادي الموهبة.

المناضل-ة عدد 28

لوناتشارسكي

  لوحات ثورية: جيورجي فالينتينوفيتش بليخانوف
  لوحات ثورية : فيودور ايفانوفيتش كالينين
  لوحات ثورية: الرفيق فولودارسكي
  لوحات ثورية: يعقوب ميخائيلوفيتش سفيردلوف
  لوحات ثورية: مويزي سولومونوفيتش اوريتسكي

الطبقة العاملة

  مشاكل الضمان الاجتماعي والبديل العمالي
  اللجنة العالمية للأممية الرابعة مقرر حول تغير المناخ
  الفرع المحلي للج,م,ح,إ باشتوكة ايت باها يطالب بتطبيق قانون الشغل

الماركسية-الإشتراكية

  منظورات اشتراكية بوجه عولمة رأس المال
  الماوية والثورة الصينية
  حزب الطليعة: أي نقد ذاتي؟

التكوين-التثقيف

  لمحة عن حياة روزا لوكسمبورغ
  من الأممية- المبادئ إلى الأممية-التنظيم
  التصور الثوري والتصور الإصلاحي
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها