لورون كاراسو
23 يناير 2010
محتوى
لن يقوم هذا التقرير بجولة مفصلة حول العالم. سيحاول التركيز على الأهم، وما نرى بنظرنا وجوب أن يكون موضوع فهم مشترك للأحداث وللمهام. وسيقوم الرفاق بصدد أوضاع إقليمية عديدة بإثراء النقاش بشكل واسع بتدخلاتهم.
I- الوضع العالمي مطبوع بأمارة الأزمة
إننا نواجه أول مرة في التاريخ أزمة شاملة ومركبة للنظام الرأسمالي، إي أزمة اقتصادية واجتماعية و غذائية و بيئية و إنسانية. لأول مرة في التاريخ تندرج هذه الأزمة في العولمة الرأسمالية وتُفسر بها. ولا يفلت منها أي قسم بالعالم. وكل العوامل، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، مترابطة على الصعيد العالمي.
ليست الأزمة الاقتصادية أزمة ظرفية، إنها هيكلية، أزمة منظومة، إنها اخطر أزمة منذ العام 1929. فقدت الولايات المتحدة الأمريكية 35 % من ثروتها المالية وفقدت منطقة اليورو 25 % .
«الأزمة لم تنته»
عندما تتحدث الحكومات عن 𪡟«الخروج من الأزمة»، لا نتفق معها. قد تكون ثمة أوجه انتعاش ظرفية، مرتبطة بسياسات دعم النشاط الاقتصادي بهذا البلد أو ذاك، لكن بلدان المركز- الولايات المتحدة و أوربا- لا تخرج من الأزمة. و إن انفجار الدين العمومي في أوربا الجنوبية – اليونان واسبانيا...- و انعدام اليقين البنكي والمالي يدلان على عدم استقرار الوضع، وعن طور جديد من الأزمة، في أوربا بالأقل: إن «الأزمة لم تنته»!
ليست الأزمة الراهنة مجرد أزمة دورية ظرفية، بل تندرج في أزمة هيكلية طويلة الأمد، أزمة "النظام المنتج" الذي أرسته الثورة المضادة النيوليبرالية في متم سنوات1970. تتناوب أطوار "الانتعاش" و " الانحسار" منذ عقود، لكن الأزمات تزداد عمقا، وتجنح إلى التوالي بوتيرة متسارعة أكثر فأكثر، وتصيب حاليا قلب النظام، وكلفتها الإجمالية في ارتفاع مطرد.
تبدي الأزمة الراهنة تعمقا للتناقضات و "للحدود التاريخية" للنظام. بدأت هذه الأزمة في الدائرة المالية، لكن لا يمكن بأي وجه اختزالها في أزمة بنكية ومالية. إنها ناتجة عن تركيب أزمة فيض إنتاج سلع، وفيض تراكم الرأسمال و نقص الاستهلاك.
في متم سنوات 1970 ، لما انتهى طور نمو العقود الثلاثة السابقة، شنت الطبقات السائدة هجوما لإعادة إرساء معدل الربح، بخفض الأجور، وبخصخصة كثيفة، وبتطوير بطالة جماهيرية، و بتفكيك القوانين الاجتماعية.
أدى هذا الضغط على الأجور و على التشغيل وعلى الميزانيات الاجتماعية، أدى إلى انخفاض الطلب، ومن ثمة إلى فيض في قدرات الإنتاج، و بالتالي مشكل مردودية الإنتاج الصناعي. كان ثمة مذاك انخفاض للاستثمار حيث أصبح الاستثمار في الصناعة أقل مردودا و الاستثمار في الأسواق المالية ذي مردود أعلى.
و بقصد التعويض عن هذه الأزمة المزدوجة – أزمة انتاج فائض القيمة مع تراجع المردودية الصناعية وأزمة تحقيق فائض القيمة مع انخفاض الاستهلاك (أزمة مزدوجة حللها ارنست ماندل في متم سنوات 1980 ومطلع سنوات 1990)، انخرط النظام في هروب إلى أمام: في السعي المتنامي إلى أرباح في الأسواق المالية في التمييل financiarisation وفي الاستدانة الخاصة ( استدانة الأسر) والعامة (استدانة الدول).
هذا ما تقصف في العام 2008. و كانت البنوك و الأسواق المالية في المقدمة. إن احد أبعاد الأزمة بنكي ومالي، عبر سقوط قيمة ما يسميه البعض " الرأسمال الوهمي". لكن الذي غذى هذه الدوامة هو منطق الرأسمالية ذاته، منطق السعي إلى الربح، والسعي إلى أفضل معدل مردودية للرساميل المستثمرة، وتنافس الرساميل، والملكية الخاصة لقطاعات الاقتصاد الأساسية.
أفضت هذه الآليات إلى أزمة طويلة الأمد مطبوعة بالخاصيات التالية:
أ) نمو محدود بنسبة 3 % إلى 4 % على الصعيد العالمي، مع تفاوت مذهل: 1 % إلى 2 % بأوربا، و 2 % إلى 3% بالولايات المتحدة الأمريكية و 8% إلى 10 % في مجموعة البرازيل- روسيا- الهند- الصين، رغم تعذر وضع نمو الهند والصين مثلا في نفس مستوى البرازيل. و بدون الهند والصين يكون النمو العالمي بالغ الضعف.
ب) استمرار البطالة : 50 مليون عاطل إضافية في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين، و أكثر من 217 مليون عاطل في العالم بتقدير منظمة العمل الدولية. و 20 % من البطالة ببلد مثل اسبانيا . وضياع بلا رجعة لفرص عمل بالولايات المتحدة الأمريكية و أوربا بنسبة بين 3% و5% من فرص العمل.
ت) انخفاض وحدود للاستهلاك مرتبطان بالضغط على الأجور. و ارتفاع جلي لكل خدمات المساعدة الغذائية المستعجلة في الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا الرأسمالية. أكثر من 26% من المساعدة الغذائية الإضافية في المدن الرئيسة السبعة والعشرين بالولايات المتحدة الأمريكية.
ث) عجز عمومي ضخم بقصد احتواء الأزمة ( بين 8% و 13% من الناتج الداخلي الإجمالي)، ودين عمومي بين 70% و 80% من الناتج الداخلي الإجمالي في المتوسط
ج) انفجار السيولات و فقاعات مضاربة جديدة: تدفق الرساميل نحو البلدان الصاعدة على حساب الاستثمارات بالمركز، وارتفاع أسعار البورصة، ومضاربات على المواد الأولية
ح) لا تزال الحسابات بعيدة عن التطهير من الأصول السامة.
ولا تستبعد حالات إفلاس بنكية جديدة.
يقود هذا أرباب العمل و الطبقات السائدة إلى مضاعفة هجماتهم على العمال و الشعوب. لحظة الأزمة لحظة هجوم جديد للرأسمال:
أ) ثمة حاليا سوق عالمية لقوة العمل، تتطلب أكثر فأكثر تنافسا بين الرساميل وتنافسا بين العمال. وقد سرعت أزمة 2008 إعادة هيكلة المقاولات، مع خطط إعادة تنظيم الإنتاج مرتقبة من قبل في فروع النشاط الرئيسة، مع تسريحات، و مزيد من المرونة و الهشاشة. يضغط هذا على الأجور ويجر إلى أسفل حقوق العمال.
ستتواصل هذه الهجمات و تتدهور أكثر شروط حياة ملايين منهم.
ب) تتكاثر الهجمات على الخدمات العامة. والهدف تشديد الهجمات في أوربا برمتها ضد الحماية الاجتماعية و الصحة و أنظمة التقاعد.
ت) نتيجة هذه الهجمات الاجتماعية هي اشتداد السياسات الأمنية، والرقابة البوليسية و التحكم الاجتماعي في السكان مع تصاعد عنف الدولة، كما يدل في البرازيل أو المكسيك العنف البوليسي والعسكري الذي يمثل الأطفال والنساء أولى ضحاياه. و تمثل اليونان واسبانيا مختبرا. فهناك تلوح موجة سياسات تقشف في أوربا برمتها.
وبقصد تعويض الديون والعجز المالي، تطلب الطبقات السائدة و الأسواق المالية و البنك المركزي الأوربي تفكيك الخدمات العامة، وخفض عدد الموظفين، والأجور و الحماية الاجتماعية. وتستعمل الحكومة في اليونان" إرهاب الديون" لفرض تراجعات اجتماعية وكذا إعادة نظر في بنية خدمات و قطاع عامين لا يزالان وازنين. و قليل قول إنه بعد لحظة هلع، و الضجيج الإيديولوجي حول "عودة الدولة" – كأنها زالت !! – و "تخليق الأسواق المالية والرأسمالية"، جرى تأكيد السياسات النيوليبرالية. وهذا يحسم نقاشا حول إمكانات "انعطاف كينزي".
ليس المقصود العودة إلى نقاش تاريخي بل فهم دينامية الأزمة. كان ثمة، بعكس العام 1929، تدخل دولة كثيف من أجل احتواء الأزمة: إنها نزعة تدخل دولة نيوليبرالية. لكن في هذه المرحلة لا تتجه موازين القوى الاجتماعية، و لا خيارات الطبقات السائدة، كما كان الحال بعد العام 1945، نحو سياسات عامة جديدة، ونحو ضمان اجتماعي جديدة، و إطلاق للطلب، وخلق قطاعات إنتاج جديدة، و إحداث كثيف لفرص عمل. وليس ثمة في الأفق معادل لطور جديد من "الإنتاج الكثيف" و "الاستهلاك الكثيف" كما في تلك المرحلة، مع العلاقات الاجتماعية- السياسية" التي كانت قائمة وقتذاك.
2. أزمة المناخ
ضمن هذا السياق ستزداد أزمة المناخ حدة، الأمر الذي دل عليه فشل قمة كوبنهاجن. كنا نعلم أن الرأسمالية عاجزة عن حل الأزمة البيئية. فالرأسمالية تفكر بمنطق "الربح" حيث يتوجب إعمال منطق "الحاجات الاجتماعية". وتفكر بمنطق "تنافس الرساميل والملكية الخاصة" حيث يلزم منطق التنسيق والتخطيط وخيارات طويلة الأمد. لكن ما تبين قمة كوبنهاجن، هو عجز النظام الرأسمالي عن التحول إلى "رأسمالية خضراء". و ثمة رأسمالية بطلاء أخضر لا رأسمالية خضراء...
ليس لدى الدول والحكومات عزم، ولا قدرة، على رسم أهداف خفض نسب غازات الاحتباس الحراري على قدر ما تقتضي الأزمة. و ليس ثمة التزام بأهداف مجموعة الخبراء المشتركة بين الحكومات حول تطور المناخ GIEC [1]. إن المصالح الرأسمالية –إيجاد أسواق جديدة، لا سيما الخاصة بحقوق التلويث- تسمو على إعادة تنظيم "خضراء" للطاقة وللمدن وللنقل. و لا تبزغ الرأسمالية الخضراء بمثابة "نيو ديل " [2] لسنوات 2010. فحتى أبعد من تنافس الرساميل التي لا يتيح ردا متوازنا على الأزمة البيئية، لا يمثل "الاقتصاد الأخضر" Green business [3]سوى زهاء 2% من فرص العمل في 10 سنوات. ولا يبدو في الأفق " إنتاج و استهلاك أخضر على نطاق كثيف"، ولا انتعاش للنظام بفعل الرأسمالية الخضراء، رغم تلاعب الحكومات والمجموعات الكبرى بمسألة البيئة بقصد فرض الطاقة النووية أو تبرير طرد السكان الأصليين من مناطق بأكملها في آسيا أو أمريكا اللاتينية.
3. "تأرجح العالم"
تتمثل إحدى خصوصيات الأزمة الراهنة في اقترانها مع "تأرجح للعالم" في إطار العولمة الرأسمالية. ليس الأمر سيرورة مكتملة و بلا رجعة، لكن مراكز ثقل الوضع العالمي تتحرك.
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية انحدارا نسبيا. واللفظان هامان للأسباب التالية:
تنخفض حصة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية في الاقتصاد العالمي. و تتعرض على غرار أوروبا، لسيرورة تراجع وزن القطاع الصناعي. وتبلغ ديونها أحجاما مذهلة. وتدهورت مكانتها في العالم، لا سيما مع تورطها في العراق وأفغانستان. وكان خيار الرئيس الأمريكي أوباما لصالح الطبقات السائدة هو بالضبط استعادة المبادرة، لكن حدود سياسته تتجلى جيدا في عمق الأزمة الاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية، وفي ما يلقى من مصاعب في العراق وبأفغانستان، وفي ضرورة قبول بعض أشكال تعدد الفرقاء. إن ثمة طعن جلي في الهيمنة الأمريكية التي طبعت سنوات 1980-2000 ، و قد عجز أوباما عن قلب هذا الميل.
لكن الأمر "انحدار نسبي"، إذ تظل الولايات المتحدة الأمريكية أول القوى العالمية. و السوق الأمريكية شاسعة. و يظل الدولار، المدعوم بتوظيفات الأموال الصينية واليابانية، العملة المرجعية...وبوجه خاص تظل الهيمنة العسكرية الأمريكية بمنأى عن أي جدل.
في ظل وضع التراجع الاقتصادي هذا، تكتسي التدخلات العسكرية ومحاولات التحكم الجيو-استراتيجية المتعلقة بالنفوذ الترابي وبالموارد الطبيعية وبالمواد الأولية كالبترول،أهمية حاسمة. وتتمثل أهدافها في كل من الشرق الأوسط ومنطقة غرب آسيا أو أمريكا اللاتينية. وتشهد الخيارات العسكرية في كل من أفغانستان وهندوراس أو هايتي، على هذه الشراسة العسكرية الأمريكية. كما أنها وسيلة لجذب القوى الإمبريالية الأخرى، لاسيما بواسطة منظمة حلف الشمال الأطلسي. وعلينا أن نركز كامل اهتمامنا على مناطق المواجهات السياسية والعسكرية مع الإمبريالية الأمريكية.
يضع هذا على جدول الأعمال أهمية تدخل حركتنا ضد الحرب، وتعبئة وحدوية من أجل انسحاب القوات الأمريكية من هذه البلدان، والدفاع عن سيادتها وعن الحريات الديمقراطية. وتتولى إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، تنفيذ سياسة الحرب العدوانية هذه، حيث شنت في ظرف 3 سنوات حربين عدوانيتين على لبنان وفي قطاع غزة نتج عنهما أكثر من ألفي قتيل، علاوة على التنامي الراهن لتهديدات جديدة ضد لبنان.
تندرج هذه الحروب في المنطق الشمولي لـما يدعى"محاربة الإرهاب"، و تستلزم مواصلة معركة تضامننا مع نضال شعب فلسطين والاعتراف بحقوقه المشروعة.
وفي بلدان مثل العراق وفلسطين وأفغانستان، نقرن المطالبة بانسحاب القوات العسكرية، بما هي مهمة مركزية، بدعمنا للمناضلين والجماعات التقدمية، و بالمعركة ضد هيمنة التيارات الإسلامية السلفية.
و في إيران، نرفض جميع تهديدات القوى الإمبريالية لإيران، فيما تنظم في أوروبا نفس الحملة الإعلامية السابقة لغزو العراق، ونساند الحركات الجماهيرية ضد نظام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ونضالها من أجل الديمقراطية.
لكن إحدى مسائل الوضع العالمي الرئيسة تتمثل في العلاقات الجديدة التي تقوم بين الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية وبقية العالم. فقد بلغ معدل النمو في الصين نسبة 9% سنة 2009، وقد يصل إلى نسبة 10% سنة 2010، فيما لم يبلغ في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا سوى حوالي 1 إلى 2%. و على الصعيد التجاري، باتت الصين أول مصدر عالمي، وثالث مستورد سلع، والسابع والخامس بالنسبة للخدمات. وتحقق الصين حاليا نسبة 8.7% من صادرات السلع العالمية (ما يعادل نسبة الولايات المتحدة الأمريكية)، و 6.7% من الواردات العالمية (مقابل 14.% بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية). أصبحت الصين الآن القوة الاقتصادية الثانية جنبا إلى جنب مع اليابان. وتنافس الشركات الصينية العملاقة شركات عابرة للأوطان في قطاعات كصناعة الطيران والنقل.
إن اقتصاد الصين، التي اضحت "معمل العالم"، موجه إلى التصدير. كما يشهد أيضا سيرورة تصنيع كثيفة وسريعة، و توسيع سوقها الداخلي الذي تطور على نحو هائل في السنوات الأخيرة. و على الصعيد السياسي، لا منازع في كون الصين أول قوة سياسية في آسيا.
وهذه المنطقة مطبوعة بتدخلات الإمبرياليتين الأمريكية واليابانية وبقوى ذات تطلعات عالمية، أي الصين والهند. و في السنوات الأخيرة، كانت الصين من وسع أكثر هيمنته على المنطقة (وقف أو حل عدد كبير من النزاعات الترابية مع جيرانها، و تعزيز العلاقات مع كوريا الجنوبية، و تطبيع العلاقات مع اليابان، و توطيد تبعية تايوان الاقتصادية إزاء الصين القارية، و توقيع اتفاق تبادل حر مع مجموعة دول جنوب شرق آسيا، و صعود قوي للصين في باكستان و سريلانكا.... ). ومنذ عشر سنوات، ضاعفت الصين شراكاتها عبر العالم، بإفريقيا بوجه خاص، بقصد خفض تبعيتها في مجال الطاقة. وتستغل شركات صينية، وكذا دولة الصين، ملايين الهكتارات بأمريكا اللاتينية وإفريقيا. وتترافق صفقات المواد الأولية طويلة الأمد مع التزام جمهورية الصين الشعبية بتطوير البنيات التحتية للممونين بشروط تفضيلية. كما تمنح الصين قروضا بأسعار فائدة بالغة الانخفاض و"بلا شروط" سياسية.
بيد أن الصين تواجه مكامن ضعف هيكلية:
نمو الصين الاقتصادي بالغ التبعية للصادرات. إنها مضطرة لاستيراد كميات كبيرة من مواد أولية ومكونات. و طلبها الداخلي مختل التوازن جدا، إذ يرتكز أساسا على الاستثمار، فيما استهلاك الأسر بالغ الضعف. ويستدعي إفلات أفضل من الأزمة إعادة توازن النمو لصالح استهلاك الأسر، الأمر المتطلب لتنمية القدرة الشرائية على نطاق واسع، وتقليص التفاوت، وإحداث حماية اجتماعية حقيقية.
في الوقت الحاضر، يؤدي التفاوت الحاد إلى تنامي التوترات الاجتماعية والصراعات العرقية. قد يكون الناتج الداخلي الإجمالي للصين الثاني عالميا، لكن متوسط دخل الفرد بها يظل في مستوى بلد من العالم الثالث. وستطرح شيخوخة السكان السريعة، مع شبه انعدام نظام تقاعد، مشكلا خطيرا في السنوات القادمة. فكل شاب صيني سيكون مطالبا بإعالة أبويه وأجداده الأربعة.
ارتكزت سياسة إنعاش الاقتصاد على تطوير هائل للقروض أدى إلى انتعاش قوي لسوق العقار ولتوظيفات البورصة. وينطوي هذا على خطر التحول إلى فقاعات مضاربة.
تجب أيضا الإشارة إلى ضعف جهاز الصين العسكري قياسا بالولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، باتت الصين قوة عسكرية إقليمية كبرى ذات قوة ضاربة نووية. و تسعى حكومة الصين إلى في تطوير قوتها العسكرية لمرافقة تطور قوتها الاقتصادية. ولذلك زادت منذ سنوات إنفاقها العسكري على نحو كبير. وقد باتت قواتها البرية منذ الآن من الأولى في العالم. لكن لا تزال ثمة مكامن ضعف كبيرة في الأسطول البحري و في الطيران تسعى الحكومة إلى معالجتها.
ويثير تحديث جيش التحرير الشعبي هذا مخاوف لا سيما لدى الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.
تقوم بين القوتين –الولايات المتحدة الأمريكية والصين- علاقات تبعية متبادلة و ونزاعية. و أول مثال لذلك مشكل معدل صرف عملتي الدولار واليوان. فالولايات المتحدة الأمريكية تريد إجبار حكومة الصين على تغيير قيمة اليوان من أجل خفض عجزها التجاري إزاء الصين، وإنعاش اقتصادها. لكن فائض الصين التجاري يتيح لها مراكمة احتياطات دولار هائلة تستثمرها في سندات خزينة أمريكية، ما يمكن الولايات المتحدة الأمريكية من تمويل إنقاذ اقتصادها.
إن تغيرات ميزان القوى بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تتيح اليوم لاقتصاد الصين جر النمو العالمي. إنه عامل جديد وأساسي في الوضع العالمي، يجب تقدير حدوده: فمازال اقتصاد الصين بعيدا جدا عن ضمان منافذ كافية لمجموع الاقتصاد العالمي لإخراجه من الأزمة. إنها لا تزال بعيدة عن الحلول مكان الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الدور.
البقية في العدد المقبل