جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 الفصل الثاني من كتاب "الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي"

حول الانتماء والتاريخ السياسي
السبت 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

علي الشامي

الصحراء الغربية. تعريف أولي

عندما نترك مراكش ونتجه نحو الصحراء من الوسط، أو عندما نغادر شاطئ أغادير ونتجه جنوبا على محاذاة الأطلسي، ندخل الصحراء. المنطقة الأولى، يطلق عليها المغاربة اسم إقليم الطرفايا وعاصمتها (طان طان)، 25600 كيلومتر مربع يفصلها عن شمال المغرب وادي درعا. المنطقة التي تليها معروفة باسم الساقية الحمراء وهي المساحة الممتدة إلى الجنوب من وادي درعا وتغطي 82000 كلم2. امتدادها الساحلي يطلق عليه اسم وادي الذهب، وهو خط السير الجنوبي وتبلغ مساحته 190000 كلم2. من الساقية الحمراء باتجاه الشرق تبدأ منطقة تندوف (الجزائرية) والتي تشمل كل الحمادة باتجاه الغرب الشرقي وتضم معظم المنطقة الصحراوية الواقعة بين وادي درعا وايرج شيش، أي من حدود دولة مالي إلى شمال موريتانيا. تبقى صحراء أقصى الجنوب (موريتانيا) وتدعى منطقة تيريز-زمور، وهي الجزء الأكبر من الصحراء، إذ تبلغ مساحتها ما يعادل نصف مساحة الدولة الموريتانية كلها.

الصحراء الغربية المتنازع عليها والتي تضم إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، أو تحديدا، منطقة تواجد القبائل الرحل (الحسانيون)، فإنها تتميز عن الصحراء الوسطى (جزائرية، تونسية، ونيجيرية، الخ)، وعن الصحراء الشرقية (ليبية، تشادية...). يمكن تحديدها هي موريتانيا داخل منطقة تنحصر بين وادي درعا وسفح جبال باني، والأطلس الداخلي، وحمادة تندوف وضفاف نهر السنغال ومنعطف النيجر.

أما الساقية الحمراء ووادي الذهب فتمتد شمالا من ناحية شمالا من ناحية الطرفايا إلى الكويرة ورأس كاساندور في أقصى الجنوب المحاذي لساحل موريتانيا. تتصل شمالا بالمغرب وغربا بالمحيط الأطلسي، وجنوبا وشرقا بموريتانيا وشرقا من ناحية تندوف بالجزائر. تبلغ مساحتها، حسب المسح الاسباني، 272 ألف كلم2، داخل منطقة يبلغ عرضها 460 كلم وطولها 1200 كلم تبدأ من الطرفايا في الشمال وتنتهي عند رأس كانسادور في الجنوب.

أهم ما يميز هذه المنطقة هي موقعها الجغرافي-الاستراتيجي. فهي من ناحية نقطة اتصال بري بين الجزائر والغرب وموريتانيا، ومن ناحية ثانية، تربط افريقيا بأوروبا عن طريق المحيط الأطلسي، وأخيرا فإن المساحة الممتدة من جزر لاس بالماس إلى مدينة العيون، والتي تبلغ حوالي 200 كلم، تشكل مضيقا يمتد جنوبا فاتحا استراتيجيا نحو افريقيا واسيا.

بالنسبة لعدد سكان هذين الإقليمين، تغدو المسألة غنية بالالتباس، إذ أن وثائق الأطراف المتنازعة حول الصحراء الغربية تحتوي إحصاءات متناقضة ومتباعدة تغلب عليها الاعتبارات السياسية أكثر من التدقيق العلمي.

أحمد بابا مسكي يذكر إحصاء البوليزاريو ويعطي رقمين متباعدين رفقهما بتقدير «عاطفي»: «500000 إنسان تقريبا، مائة بالمائة عرب ومسلمون... عام 1974 كان عدد السكان يقدّر بـ 100000 (أي ربع المهاجرين) التقديرات الصحراوية تتراوح بين 500000 ومليون وبغياب أي إحصاء جدّي ومعقول، فإننا نعطي التقدير الأكثر تواضعا من بين هذه التقديرات»(1).

علي يعته، زعيم الحزب الشيوعي المغرب (حزب التقدم والاشتراكية)، يعطي رقما يختلف كثيرا عن الرقم السابق. فقد ذكر في كتابه (الصحراء الغربية المغربية) صفحة 66، «ان عدد سكان الصحراء كان، قبل الاحتلال الاسباني، يبلغ 200 ألف نسمة، أما الآن فإن العدد لا يتجاوز الستين ألفا، عشرون ألفا يعيشون في الساقية الحمراء وأربعون ألفا في وادي الذهب». أما عبدو عبد الغني في كتابه «الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية» فإنه يذكر بأن عدد السكان يتراوح بين 70 ألفا و80 ألف نسمة، وعدد المقيمين منهم في الجزائر والمغرب وموريتانيا لا يزيد عن 300 ألفا مهاجر. (2).

الماركسيون المغاربة أعطوا رقما آخر. ففي مقال بعنوان «فلسطين جديدة في الصحراء» ذكرت مجلة «أنفاس» أن عدد السكان يبلغ 250 ألف نسمة، دون تحديد ما إذا كانوا جميعهم من المقيمين حاليا في الصحراء، أم من المقيمين والمهاجرين.(3).

وأخيرا، فإن غوديو اتيليو، في كتابه «ملف الصحراء الغربية» يتحدث عن عدد المقيمين قائلا بأن عددهم يبلغ السبعين ألفا.(4).

وحسب الإحصاءات الرسمية المغربية المعلنة بتاريخ 30 آذار/مارس 1966، فإن عدد السكان محدّد على الشكل التالي:

1-منطقة إقليم الطرفايا: 27976 نسمة من المهاجرين.

2-الساقية الحمراء ووادي الذهب: 48400 نسمة من المقيمين.

3-موريتانيا: 9000 نسمة من المهاجرين.

4-تندوف: 1200 نسمة من المهاجرين.

أي أن عدد السكان الإجمالي يبلغ وفق ما جاء في هذا الإحصاء 97376 نسمة نصفهم مهاجر خارج حدود الصحراء الغربية.

يتناقض هذا الرقم مع إحصاء الأمم المتحدة الخاص بالمهاجرين. فحسب إحصاءات الأمم المتحدة، يبلغ عدد المهاجرين الصحراويين خلال العشرين عاما الماضية ما يلي: 30000 في المغرب، 4000 في موريتانيا و2400 في الجزائر.

من بين هذه الإحصاءات جميعها، يبدو الإحصاء الاسباني الأكثر علمية. وبوصفها القوة المسيطرة في الصحراء، وتقوم بتنفيذ إستراتيجية استيطان، فإن اسبانيا كانت ملزمة بإجراء إحصاء دقيق للسكان المحليين. عملية الإحصاء تمت بالهليكوبتر وشملت كل الصحراويين المقيمين والمرتحلين. وفي عام 1974 نشرت الحكومة الاسبانية إحصاء للسكان يشمل فقط المقيمين ويستثني اللذين هاجروا بعد عام 1958، ويتضمن الجدول التالي:

1-العدد الإجمالي للسكان: 73497 من المقيمين في الصحراء

2-عدد الذكور: 38336

3-عدد الإناث: 35161

4-عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم سن السابعة عشرة بلغ 35909، أي ما يقارب النصف، من بينهم 18876 من الذكور و17033 من الإناث.

طال الإحصاء الاسباني أيضا عدد أفراد كل قبيلة وعدد أفراد كل مدينة وقرية في الصحراء الغربية.

حسب التقييم القبلي للأفراد المقيمين داخل الإقليم –أي أن عدد أفراد القبيلة ليس كاملا لوجود فروع لها خارج الصحراء الغربية- فإن هذا الإحصاء يقدم الجدول التالي:

ازرقيون 19000، أولاد الدلايم 11000، العروسيون 4500، أولاد تيدرارين 1000، آية الحسن 3000، ايكوت 1000، توبالت 600، مجاط 450، أهل الشيخ ماء العينين 2500، فيلالا 200، لادايكه 500، لميار 700، شناغلة 100، آية موسى 150، أولاد بوعسيطة 40، أولاد بو السباع 15، آزوافيد 80، ايمراكوين 40.(5).

حسب التوزيع الجغرافي، يقسّم الإحصاء الاسباني الصحراويين على أهم ثلاث مدن ويذكر الجدول التالي:

1-مدينة العيون (وهي أكبر المراكز الحضرية في الصحراء، تقع على الجانب الأيسر من الساقية الحمراء وتبعد عن الشاطئ 25 كلم، كما تعتبر عاصمة الصحراء ومركز الفوسفات) يبلغ عدد سكانها 28010 نسمة.

2-مدينة الداخلة أو فيلا سيسنيروس (تمتاز بموقعها التجاري الهام، وموقعها البحري وثروتها السمكية) يبلغ عدد سكانها 5370 نسمة بدون الاسبان –مع الاسبان يصبح العدد 15 ألفا.

3-السمارة (مدينة الشيخ ماء العينين، وتحتل موقعا رئيسيا يربط الساقية الحمراء بوادي الذهب) يبلغ عدد سكانها 7280 نسمة.

في أجواء إحصاءات متناقضة من هذا النوع، فإننا لا نستطيع إعطاء رقم ثابت وعلمي بشكل نهائي، إلا أننا نميل للأخذ بعدد احتمالي ووسط بين مجموع هذه الأعداد: سبعين ألفا من المقيمين في الساقية الحمراء ووادي الذهب. أما المهاجرون فإن إحصاءهم يخضع لعملية ابتزاز سياسي، ولا يمكن الركون لأي منها، كما أن اختلال العدد بهذا الشكل لا يساعد على إيجاد رقم وسطي.

البنية القبلية ومراحل التمركز

حركة الانتقال نحو الصحراء والأساس التاريخي للأصول القبلية لسكان الساقية الحمراء ووادي الذهب يتمتعان بوفاق الباحثين. عندما تبدأ عملية تحديد الانتماء السياسي الراهن لهذه القبائل تطفو كل التناقضات على السطح. وبدون نفي للتاريخ المتفق عليه، فإن الباحث عن هوية سياسية معينة يعمل في التاريخ تأويلا من المفترض أن يوصل إلى إثبات هذه الهوية. الأصل متفق عليه ولكن التفسير والتطور مجال نزاع.

تمتلك البنية القبيلة -تاريخها، أقسامها، تناقضاتها وعلاقاتها السياسية والإيديولوجية- أهم مفاتيح المشكلة وفي نفس الوقت، القفل الذي اعتراه الصدأ: فهي تتوحد داخل تاريخ معين، تعمل فيه وينعكس فيها، وهي أيضا تتوزع في حقباته ومساحاته بحيث أن عملية التجميع، في عصر التجزئة، تغدو معقدة. وإذا اكتملت فإلى أي «وطن» تنسب؟ إذن، الأصل ليس موضع نقاش وإنما الانتماء، وهذا ما يجعل «المفتاح» التاريخي «قفلا» سياسيا.

لا ندعي أننا استوعبنا البنية ولا نوافق على أن إلغاء القفل يمكن في استعمال التاريخ. ما سنعرضه يشكل مراجعة تاريخية وتعريفا سريعا، أكاديمي أكثر منه تحليلي-نقدي، والهدف هو جلاء الغموض الذي يكتنف معادلة تحول الوضوح الماضي إلى ارتباك معاصر.

في القرن الثاني بعد الميلاد، ارتحل عدد كبير من البربر الصنهاجيين باتجاه الجنوب بحثا عن مستقر آمن لوقت محدد، انتهى بعودة قسم واستقرار القسم الباقي الذي سوف يكون لاحقا الذرية التي سينحدر منها مؤسسو الإمبراطورية المرابطية. وفي القرن التاسع الميلادي وصلت القبائل العربية الحسانية (ماكيل) إلى الصحراء في مهمة «أسلمة» من عاد فأنكر إسلام الحملة الأولى: الزناتة الذين اسلموا على يد عقبة بن نافع وارتدوا في عهد عبد الرحمن الثالث الذي جدد المهمة التبشيرية بحملة قادها عيلان بن حسان بوجهة سير محطتها ما وراء السنغال والسودان. في طريق العودة، رغبت بعض القبائل العربية بمناخ الصحراء فاستقرت داخل الساقية الحمراء ووادي الذهب وموريتانيا. أما القبائل السود الإسلامية والمستعربة لاحقا فأغلب الظن أنها قدمت من الجنوب والجنوب الشرقي من نواحي السنغال ومالي وتشاد واستقرت في الأجزاء الشرقية والجنوبية للصحراء.

من بين هذه التجمعات يتمتع العرب بتفوق معترف به من قبل شركائهم: أفضلية قائمة على أسبقية إسلامية (الصنهاجة اسلموا على يد العرب) وتفوق قائم على نجاح مهمة التبشير والفتح وتوسيع رقعة الإسلام. يضاف إلى ذلك احتفاظ القبائل العربية بامتياز الحرب (حيازة الأسلحة) وكثرة عددهم بالمقارنة مع البربر والسود، مما يعطي صفة عربية غالبة في الانتماء التاريخي للصحراء لما بعد الفتح العربي-الإسلامي.(6).

منذ عاد يحي ابن إبراهيم من الحج واتجه غربا مع رفاقه الملثمين من قبيلة لمتونة، كانت بوادر فعل سياسي آت من الصحراء قد لاحت في الأفق: تحالف حقيقي ومتين بين جميع القبائل البربرية والعربية القاطنة في الصحراء الغربية (قبائل لمتونة، غزولة، ماكيل، بني هلال، بني سليم وبني حسان...) تجمعه مهمة إصلاح الوضع المتردي في المخزن المغربي وحمل راية الإسلام المالكي المعارض للإسلام الشيعي. مهمة نجحت بقيام دولة المرابطين. استتبع سقوط الإمبراطورية فرط التحالف الذي انتشرت أجزاؤه في الصحراء منتجة ثلاث مجموعات كبيرة: الرقيبات، التكنة والحسانيين.

الرقيبات: انتقلوا إلى المغرب مع الادارسة وينسبون أنفسهم إلى إدريس الثاني مؤسس الدولة الادريسية، ولذلك يعتبرون أنفسهم مع الأشراف. إلا أن تسميتهم بالرقيبات تعود عمليا إلى سيد أحمد الرقيبي. هذا الأخير، حفيد مولاي عبد السلام بالمشيش، المدفون في جبل العلم بالقرب من مدينة تطوان، كان أول الراحلين باتجاه الجنوب حاملا التراث المذهبي لجده عبد السلام. غادر «تواط» محطته الأولى وحط رحاله على مقربة من درعا ليؤسس «زاوية» في الساقية الحمراء في بداية القرن السادس عشر (1503). بعد زواجه من سلام كوريا بنت محمد (عربية) أنجب ولدين: علي، زعيم قبيلة رقيبات الساحل، وقاسم، زعيم قبيلة رقيبات الشرق (القواسم). أما زواجه من ايلامود اواسمي الزنجية فقد أعطاه (عامر) زعيم أولاد الشيخ وأولاد طالب. هؤلاء الأولاد الثلاثة، باختلاف تواجدهم، يشكلون أساس الرقيبات الصحراويين الحاليين.

تمركز الرقيبات في الصحراء الغربية ترافق مع تطورات سياسية، تتميز بمنازعات واتفاقات مع أطراف محلية وخارجية، يصعب تفسيرها. أو تبريرها دون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة القبيلة التي تفوق كل مصلحة أخرى. اصطدموا بادئ الأمر مع بني حسان ومن بعدهم أولاد الدلايم، وتفاديا لنزاع طويل الأمد، اشتروا من هؤلاء الأراضي التي استقروا فيها بادئ الأمر والتي تمتد من درعا والساقية الحمراء إلى زمور وتيريس لغاية ادرار سطوف. أدت الاتفاقية مع «الجيران» مدعومة بازدهار «الزاوية» إلى تقوية نفوذ هذه القبيلة التي بدأت تبحث لنفسها عن مدخل إلى العمليات التجارية، في نفس الوقت الذي بدأت فيه زاويتهم تخرج عن طاعة الشرفاء السعديين. بالمقابل كان على الشرفاء مهمة بسط نفوذهم في طول دولتهم وعرضها، وبالتالي إحباط محاولات التدخل «المسيحية» وتطويق النفوذ التجاري للقبائل الصحراوية بمشروع المركز.

بعد أن تحتل قبائل ماكيل مدينة تواط عام 1581، باسم السلطان، وجودر يكلل حملته بنجاح واصلا إلى غاو وتومبوكتو عام 1590، تجري عملية تطويق لنفوذ الزوايا الصحراوية، وأقواها في ذلك الحين زاوية الرقيبات، الذين كانوا قد تدعموا بفروعهم القادمة من بن غرير (72 كلم إلى الشرق من مراكش) وبعض حلفائهم في منطقة بشار، الذين دخلوا في حركة التجارة السودانية.

ساهمت سياسة المخزن بشكل غير مباشر في تزايد قوة الرقيبات وخاصة بعدما دفع تافيلاليت العلويين، في محاولة تأسيس وتوسيع نفوذهم، قبائل ماكيل باتجاه السنغال وذلك بهدف السيطرة على عموم الجنوب الصحراوي.(7).

مقابل ماكيل درعا، فاتحو موريتانيا، وتكنة الشمال، الذين يتحكمون بالخط التجاري الذي يربط تاغوست، اودان، تيسيت وبني صاحب، تاودني تومبوكتو، في وقت ازدهرت فيه تجارة الذهب والعاج مع السودان، كان الرقيبات قد أصبحوا أمام فرصة سانحة للتوسع جنوبا ضمن منطقة تحدها شمالا درعا، جنوبا ادرار، غربا المحيط الأطلسي وشرقا تواط. كما ساعد ولاء الساقية الحمراء للسلطان العلوي مولاي احمد (1728) على فتح طريق الساحل أمام نفوذ الرقيبات، الذين سارعوا ليدخلوا من تناقضات قبائل الساحل داعمين تحالف التكنة ضد الولاد الدلايم.(8).

بديهي أن يؤدي هذا النفوذ إلى بلورة سلطة سياسية توحدها العصبية الرقيبة وتمثلها فعليا «الجماعة»، سلطة سوف تتحرك وسط تناقضات الصحراء المحلية ووسط التنافس الأوروبي، فتتحالف تارة التكنة ضد أولاد بوسباع والكنتة، كما تعلن الطاعة للسلطان العلوي أحيانا وتتجاوز سلطته أحيانا أخرى لتعقد معاهدات مع الفرنسيين (30 تشرين الثاني/أكتوبر 1907) ومع الاسبان (28 أيلول 1911). غير أن الخط العام لتاريخ الرقيبات السياسي يؤكد بداهة الانتماء إلى الداخل المغربي وعناد الدفاع عن الصحراء ضد الغزو الفرنسي في الجنوب (ادرار) والغزو الاسباني من ناحية الغرب (وهذا ما يفسر الاتفاقات التي عقدها زعماء الرقيبات مع الفرنسيين والاسبانيين والتي يعلنون فيها، مقابل سلامتهم، وقف القتال ضد القوات الأجنبية).(9).

يبلغ عدد أفراد هذه القبيلة مجتمعة حوالي خمسين ألف نسمة (مقيمين ومهاجرين) ويطلقون على أنفسهم لقب «أبناء الغيوم». تتمركز القبيلة ضمن دائرة صالحة للزراعة وتتوافر فيها المياه تمتد على مسافة ألف كلم من الشرق إلى الغرب (من ايرغ شيش إلى الأطلسي) ومن الشمال إلى الجنوب (من الساقية الحمراء إلى اوكر تاغانت). تاريخيا، عرفت هذه القبيلة تفرعين كبيرين يقود كل منهما احد أبناء سيد أحمد الرقيبي:

رقيبات القواسم وعددهم يتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين ألف نسمة ويرتحلون بين درعا وايغودي لغاية ايرغ شيش، ويتمركزون في محطات «بشرية» شبه ثابتة في كل من العيون، السمارة، تندوف، طانطان وغوليمين.

وبسبب من تمركزهم الشرقي، يطلق عليهم اسم رقيبات الشرق الذي يضم كل من أهل سيدي علال، سلاكه، بلقاسم إبراهيم، الحسن أو حمد وفوغرا...

-  رقيبات الساحل وعددهم يتراوح بين 25 و30 ألف نسمة. يرتحلون بين زمور، جنوبي الساقية الحمراء، وأوكرتاغانت، في وسط موريتانيا. محطاتهم البشرية (نقاط التمركز) متواجدة في بير موغرين، زويرات، شنغيطي وآطار –يعتبرون الآن مواطنين موريتانيين، ويضمون كلاّ من أولاد موس، أولاد الشيخ، طحالت، السواعد، أولاد داود، أولاد الحسن وأولاد الحسين.

لهذه القبيلة امتدادات (أو بالأحرى أصول) في داخل المغرب الحالي وخاصة في نواحي الرحامنة وبن غرير قرب مراكش، وفي سيدي يحي وبوذنيب وحاوز والسوس الشرقي... (10).

-  التكنة: في بداية القرن السادس عشر تقريبا وفي منطقة تدعى تاراجيجت، الواقعة قرب أغادير، تشكّل تحالف يضم حوالي 12 قبيلة من القبائل المحاربة لمواجهة تحالف آخر يضم قبائل السماليل. الحلف العسكري-القبلي المناوئ للسماليل أطلق عليه اسم التكنة ويضم كل من الارزقيين-اولاد تيدرارين، العروسيين، آية الحسن، آية موسى وعلي، آية الخمس، ازوافيط، آية أوس، آية حماد، أولاد بوعشرة وآية مسعود...

أسفرت حرب التكنة-السماليل عن تصفية السماليل والتحاق ما بقي بالقبائل الأخرى، وعن انقسام في صفوف التحالف المنتصر: آية الجمال وآية بللا.

آية الجمال، يشكلون التكتل العربي في تحالف التكنة. يعرف هذا التكتل أيضا باسم آية أوسا ويرتبط مباشرة بالقبائل العربية (ماكيل) وخاصة بعد وصول الفاتح سيدي يازا احدا، ويتكلم باللهجة الحسّانية، أما آية بللا (آية اطمان) فينسبون أنفسهم إلى المرابط بن ياسين (القرن الحادي عشر) وهم من أصل بربري صحراوي، بالتمايز عن الأصل البربري الريفي. وهم يتحدثون باللهجة البربرية المتداولة في منطقة السوس.

إذن، ارتبط التحالف لحظة اشتداد التنافس مع السماليل، وعاد لينقسم إلى عرب التكنة وبربر التكنة دون أن يولّد هذا الانقسام تناقضات ومنازعات. غير أن سياسة التكنة كوحدة (كعصبية) صعبة التحديد بسبب فوارق الأصل القبلي لفروعها. علامة فارقة أساسية تميزهم عن غيرهم من قبائل الصحراوي وهي اختصاصهم بالتجارة. تغادر قوافلهم مغرب ما بين سوس والصحراء محمّلة بالسكر، والشاي، والسجاد، والأسلحة البيضاء والملح... وتتجه نحو السودان والسنغال وتحديدا إلى سوق أدرار حيث تلتقي بضائعهم مع البضائع القادمة من هذين البلدين. وصل نفوذهم التجاري إلى ذروته مع الشيخ بيروك الذي استفاد من علاقته مع السلطان المغربي لتعزيز قوته التجارية، حيث ظل لسنوات طويلة يخضع طريق كوملين لسيطرته ومراقبته، مما كان يساعده على إقامة علاقات خاصة ومباشرة مع التجار الأوروبيين الذين يفضلون عقد صفقات لا تخضع لضريبة السلطان العلوي.(11).

حاول بيروك، من جهته، عقد صفقة مع الانكليزي دافيدسون (الذي اغتيل في تومبوكتو عام 1836) ونسج علاقات حميمة مع الفرنسيين بعد خلافات مستمرة مع نائب القنصل الانكليزي في موقادور.

أوصلته علاقاته التجارية مع الغرب إلى حد تجاوز فيه سلطة المخزن وعقد صفقة انفرادية عام 1844 بواسطة أحد شركائه بو عزّا، الذي اعتقله السلطان في تموز 1845 بعد عودته على السفينة التي كانت تحمل البضائع من مارسيليا إلى الشيخ بيروك.(12).

هذا الفرع من قبائل التكنة كان أول من دشّن القوافل البحرية بين الصحراء والسنغال، التي كانت تتعرض دائما لعمليات قرصنة من قبائل الترارزة، فنعرض للخطر السفن التجارية الفرنسية والاسبانية ومصالح بيروك، الأمر الذي استلزم عقد اتفاقيات مع السلطان المغربي لحماية السفن التجارية (معاهدة 26 آب 1869 في تطوان) وبين السلطان والاسبانيين وزعماء القبائل (21 كانون الثاني 1878). غير أن حاجة المخزن لضبط التوسع التجاري المحلي وتطويق محاولات خروجه من فلك العلاقات التجارية المركزية أسفرت عن زيارة مولاي الحسن إلى الجنوب (السوس وتيزنيت) حيث أعاد تنظيم العلاقات بين زعماء التكنة والبدو الصحراويين...

بلغ عدد أفراد قبائل التكنة قبل استقلال المغرب حوالي 44500 نسمة، وكانوا يتجولون في مناطق الجنوب الساحلية والشرقية (بين تاغونيت وايفني والداخلة من ناحية الساحل، ومنطقة الصويرة الممتدة بين تندوف غربتا وتيفوشي وايغويدي). أما تمركزهم الأساسي فيمتد على محطات بين الطارفيا ووادي درعا.

وحسب الإحصاء الاسباني فإن التكتة يتواجدون في العيون (2490 نسمة)، الداخلة (301 نسمة)، بوقراع (620 نسمة) السمارة (107 أفراد) الحقونية (334) الدورة (323).

أهم قبائل هذا التحالف ثلاث:

أ-أزرقيون، وهي متحدرة من أصل عربي (يقال أنهم جاءوا من اليمن مع القرامطة، غير أن هذه القول غير مثبت تاريخيا)، جاءت إلى النواحي الغربية من الغرب نحو الجنوب. تتوزع هذه القبيلة في محطات متباعدة نسبيا (الساقية الحمراء، طرفايا، ايفين) ويقال بوجود فرع لها في مدينة فاس.

ب-أولاد تيدرارين، الذين يرجعون إلى الأنصار وينسون أنفسهم إلى سيدي أحمد بن غنبور الذي هاجر من وزان في شمال المغرب إلى الجنوب، حيث ترك فروعا من بعده، تقيم حاليا في الطرفايا، مراكش، الرحامنة، بن غرير، الصويرة وأغادير، بالإضافة إلى الذين يقيمون داخل الصحراء الغربية.

ج-العروسيون ينسبون إلى الأشراف الأدارسة ويرجعون أصل قيامهم إلى قبيلة بني عروس التي غادرت جبل العلام بالقرب من تطوان إلى الجنوب، ولا يزال هناك فروع لهذه القبيلة ضواحي تطوان الساحلية.

ويعتبر هؤلاء آخر من نزح إلى الصحراء من القبائل المغربية.

3-الحسانيون: يطلق اسم قبائل حسان ماكيل على كافة القبائل العربية في الصحراء، سواء من جاء مباشرة من المشرق مع حسان بن نعمان أو من كان في حملة بن حسان إلى السنغال أو الذين نزحوا من شمال المغرب باتجاه الجنوب، وذلك تمييزا لهم عن قبائل الصحراء البربرية من أصل صنهاجي أو وزناتي والقبائل السود.

أما القبيلة المتحدرة مباشرة من حسان فقد عرفت باسم أولاد الدلايم، وهي أكثر القبائل وضوحا في نسبها: عرب حميريون جاؤوا مع الفتح العربي وشاركوا في الحملة إلى السودان والسنغال في القرن الثالث الهجري. زواج أحد أولاد حسان «أويدي» واستقراره في أقصى الجنوب الصحراوي كان في أساس نشأة القبائل المتحدرة من أويدي بن حسان، أصل معظم قبائل في موريتانيا (ترارزة، براكنة، أولاد ياحا، بن أو طمار، أولاد ناصر...). أحد أولاده (دليم) اتجه نحو شمال موريتانيا واستقر بقرب مدينة الداخلة الحالية وإليه يرجع نسب أولاد الدلايم المقيمين في الصحراء الغربية (شونيك ورميث....).

إذن يرتبط أولاد الدلايم رحميا بكافة القبائل الحسّانية، وانتشارهم في الصحراء يعود لسبب طبيعتهم البدوية المعتمدة على الترحال والصيد: أولاد باعمار والسراحنة يتجولون في وادي الذهب، لودايكات، أولاد خليفة وأولاد تغويدي يتجولون في موريتانيا. وكلهم يرجعون إلى رميث بن دليم.

يعتبر أولاد الدلايم من أكثر قبائل الصحراء فقرا وأكثرهم قوة حربية وشجاعة، نقلوا معهم تقاليد الصحراء العربية في الغزو والصيد كشرط لإنتاج المعاش، رافضين أيا من الأعمال اليدوية أو المهنية (التجارية). وبسبب قوتهم الحربية، استطاعوا طيلة القرن الثامن عشر فرض نفوذهم على قبائل متعددة (أولاد تيدارين، لميار...) وفي أواخر القرن التاسع عشر شكلوا أخطر قوة محلية ضد التدخل الاسباني في وادي الذهب حيث كانوا يسيطرون فعليا على كل وادي الذهب وصولا إلى موريتانيا (بين نوديبو وايجبيل).

أدى ازدهار مدينة الداخلة، بعد الاختلال الاسباني لها، إلى إدخال أولاد الدلايم في بعض العمليات التجارية داخل المدينة مع احتفاظهم بمهنة البحث عن المرعى والماء لمواشيهم. يبلغ عدد المقيمين منهم في الصحراء الغربية حوالي 2000 (كانوا في القرن السادس عشر حسب ما ذكر ليون الإفريقي، عشرة آلاف)، وتذكر وثائق وزارة الخارجية المغربية أن لهم فروعا في سيدي قاسم، الواقعة بين الرباط ومكناس باتجاه شمال المغرب، وفي مناطق واقعة بين مراكش والصويرة باتجاه جنوب المغرب. وبسبب من قيمتهم القتالية، كان أولاد الدلايم لا يدفعون أية ضريبة للسلطان المغربي ويكتفون بتحمل مسؤولية الدفاع في حالات الغزو الأجنبي، القبائل الأخرى أيضا لا تدفع ضرائب للسلطان، باستثناء الرسوم الجمركية على العمليات التجارية.

خارج هذه التجمعات الكبيرة، توجد قبائل أخرى تتميز عن الباقين إما بطابعها غير العربي أو بطابعها الديني.

الزوايا مثلا، وهم القبائل المتفرغة لنشر الرسالة الإسلامية، وهم بفضل حرمتهم «الدينية» يحاربون ولا يُحاربون ولا يدفعون أي شيء مقابل حمايتهم. قبيلة ولد داده مثلا، في موريتانيا، تشتهر بالعلوم الدينية من فقه وأصول وتشريع. أما أهل ماء العينين الذين يرجعون إلى الشيخ ماء العينين، مؤسس مدينة السمارة وزاويتها الدينية، فقد اشتهروا بتسييسهم للإسلام حيث تحولت زاوية السمارة الدينية إلى قاعدة الانطلاق في العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الفرنسي والاسباني منذ مطلع هذا القرن.

الزناقة، وهو الاسم المحرّف عن قبائل زناتة البربرية الذين اسلموا في بادئ الأمر ثم عادوا إلى تقاليد ما قبل الإسلام، وعندما أسلموا ثانية، جرى استعباد قسم منهم ألزم بدفع جزيات سنوية بدلا للحماية. وهم عمليا لا يحاربون ويعيشون من احتراف الرعي، كما يطلق عليهم أحيانا اسم الزناغط وأحيانا غزولة غير أن أصلهم الأكثر وضوحا هو زناتة وهي قبيلة بربرية مشهورة تعيش حاليا في الأطلس الأوسط.

إجمالا، يمكن تحديد البنية القبلية للصحراء الغربية بثلاث مجموعات، كل واحد منها تختص بمهمة معينة (حرب، دعوة إسلامية...):

1-أولاد الدلايم، أولاد بوسباع، رقيبات الساحل، رقيبات القواسم، تكنة العروسيين، سرابيش، سماكا. (قبائل مقاتلة).

2-أولاد عبد الواحد، أولاد تيدرارين، ميارا، ايمرغوين، فويكات ومناصر.

3-أهل الشيخ ماء العينين، بارك الله، أهل عبد الحي، فيلالا، توبالت، تجالانت وطرقا. (قبائل مرابطية او أصحاب زوايا دينية).

من بين هذه القبائل الـ 21 تمتاز قبائل التكنة ورقيبات الساحل والقواسم وأولاد الدلايم وأولاد بوسباع وبارك الله والعروسيين وماء العينين بأهمية سياسية وتاريخية وثقافية بالقياس مع وضعية القبائل الأخرى. كما يتحدرون من أصول عربية-مغربية واضحة (الرقيبات والعروسيين وأهل ماء العينين ينتسبون إلى الأشراف الأدارسة، (وأولاد الدلايم والازرقيون –فرع من التكنة- ينتسبون إلى العرب. أولاد تيدرارين –فرع من التكنة- من الأنصار، أما باقي التكنة فهم من العرب والبربر والصنهاجيين).

أبان العهد الاستعماري كانت هذه القبائل قد أُخضعت لعملية تمركز سمح لاحقا بتمديد أماكن تواجدها الثابت أو دائرة ترحالها. ففي الساقية الحمراء كانت تعيش قبائل التكنة (ازرقيين) وماكيل (حسان) على الشاطئ، وفي الوسط أو الساحل الشرقي توجد قبائل أولاد الدلايم (أهل العروسيين أولاد تدرارين) أولاد بوسباع، أما في الداخل فكانت تتعايش قبائل الرقيبات القواسم، رقيبات أهل إبراهيم، أولاد داود، أهل سيدي بلال، أهل بلقاسم، أولاد إبراهيم، سلاله، أهل الحسن، أولاد حمادي، جنحه. وفي وادي الذهب يتعايش حسب الترتيب الجغرافي السابق كل من ايمراغوين (متحدرين من بافور البربري) وأولاد الدلايم وأولاد بو عماره (ماكيل حسان) على الشاطئ، أولاد الدلايم، أولاد تيدرارين، أهل العروسيين، أولاد بوسباع على الجانب الشمالي من الساحل. أولاد الدلايم بوسباع، رقيبات القواسم، البويهات، رفع أولاد عمر بن أحمد الرقيبي، أولاد طالب، أولاد الشيخ، طاحالت، على الجانب الجنوبي من الساحل. أما في الداخل فقد كانت تتعايش رقيبات الساحل بفروعها التالية: أولاد علي بن أحمد الرقيبي، سواعد، أولاد داود، أولاد موسى. يضاف إليها أولاد بوسباع (ماكيل) والكنتة (في شمالي مملحة ايجبيل).(13).

وأخيرا، فإن ما ثبت لنا من خلال مراجعة تاريخ هذه القبائل (كتاب الأنساب) فإن ولادة محلية من قلب الصحراء كانت معدمة بوضوح، والتاريخ يثبت حركة انتقال من الخارج إلى داخل الصحراء. إن التمايزات الاجتماعية والثقافية التي تحيط بحياة قبائل الصحراء كانت تمايزات وراثية لا تتناقض في شيء مع التمايزات الحاصلة داخل موريتانيا بين عرب وسود أو داخل المغرب بين عرب وبربر وبين بربر الجنوب وبربر الشمال ولا داخل الجزائر بين عرب وقبائليين.

إن التمايز المنتج حاليا يعود بشكل خاص إلى التمايز المهني (زويا، تجارة، حروب، صيد، رعي الخ...). الذي انتهى بدوره إلى توزيع هذه القبائل داخل الصحراء توزيعا فوضويا أحيانا ومصلحيا طوعيا أحيانا أخرى.

النقطة الأكثر غموضا في هذا الرحيل الصحراوي تمكن في طبيعة العلاقات التي تربط القبائل المقيمة في الصحراء مع فروعها المقيمة داخل المغرب، ان لوضوح هذه الروابط أهمية سياسية، خاصة وأنها تدخل في صلب المناقشات الدائرة حاليا حول استقلالية ثقافية-سياسية وجغرافية تتمظهر بإنتاج تناقضات الانتماء الوطني للصحراويين.

فقد شهدت مرحلة ما قبل التدخل الاستعماري حركة دائمة بدون حدود جغرافية، الأمر الذي يسمح بقبول سيادة نوع من العلاقات المتبادلة بين القبائل وفروعها.

أما مرحلة التقسيم التي أوقفت حركة الانتقال فقد أسفرت عن انكفاء داخلي وشبه انقطاع عن الشمال (المغرب) وعن الجنوب (موريتانيا) وعن الشرق (الجزائر).

وبناء عليه، فإن التكون السياسي-الثقافي-الاقتصادي الذاتي والمستقل عن هذه الدول العربية الثلاث سوف ينحصر فقط في مرحلة ما بعد التجزئة الفرنسية-الاسبانية للمغرب الأقصى. كما أن التاريخ السياسي للصحراء بوصفها منطقة ذات حدود جغرافية، سينمو ذاتيا داخل الحقبة الاستعمارية لا خارجها. أي ذات أنتجت هذه الحقبة، وعلى أية قاعدة سياسية-جغرافية يرتكز هذا الإنتاج التاريخي؟ (14).

الخصوصية الاقتصادية وعلاقات السلطة

«الفوضى» السياسية المتمثلة بالانتشار والمرتبطة بالوضع الاقتصادي كانت تضبط محليا على مستوى سلطة القبيلة، أي الضبط الذاتي المندرج في تراتب أبوي يبدأ بشيخ القبيلة ويمر بالعائلة ليصل إلى الفرد. ولا يتعدى الإطار السياسي للسلطة نطاق أفراد القبيلة، يترافق في حالات استثنائية بإخضاع بعض القبائل الصغيرة من قبل الأقوى فتدخل معها في تحالف تبعية قوامه المشاركة في المعاش والحماية. كافة القضايا الثانوية أو المصيرية كانت تناقش داخل دائرة القبيلة، وبهذا المعنى يكون «الاستقلال تلبية رغبة ثقافية» أساسها رفض القبيلة لسلطة قبيلة أخرى عليها.

إن وجود التجمعات القبلية «وسلطتها» في منطقة جغرافية محددة عمليا بحركة انتقال وتواجد التجمعات نفسها، استلزم وجود صيغة ما بمقدورها تطويق وتنظيم الخلافات والعلاقات التي قد تنشب بين القبائل.

شكل وجود صيغة بدائية للمركزة انعكاسا لوضعية قبلية-بدوية أكثر من كونه اتجاها نحو توحيد سياسي قائم على الغلبة القبلية، كما هي الحالة بالنسبة للصراع السياسي على مستوى المغرب مثلا.

لذلك فإن الشكل المركزي للعلاقات قائم على توازن إرادي يجمع زعماء القبائل في هيئة عليا (الجماعة أو آية الأربعين) تعتمد على العرف القبلي والشريعة الإسلامية لمعاجلة مشاكلها دون الحاجة لتدخل مركزي. خاصة إذا كانت الخلافات موضعية. في الحالات الأخرى، كتعرض الصحراء لهجوم خارجي، فإن دخول جيوش المخزن إلى جانب قوات القبائل يغدو مسألة طبيعية تدخل ضمن إطار سلطة تحتوي سلطات صغيرة مشابهة للجماعة الصحراوية، دون إقرار الضبط الحاسم والنهائي المركزي. شكل الضبط الوحيد يتم بين رؤوس السلطات، الصغيرة والكبيرة، ويأخذ شكل العلاقات المباشرة التي تربط زعماء القبائل وشيوخ الزوايا ورجال الدين –وهم السلطة التقريرية في الصحراء- بالسلطان.

هذا الأخير كان باستطاعته التدخل في ميزان القوى المحلي لتنفيذ سياسته، أو لتقوية نفوذه في مرحلة تعرض المخزن لخطر داخلي أو لغزو خارجي. (دعم أمير الترارزة مثلا، أو التساهل مع أهل بيروك، يدخل ضمن هذا السياق).

هذه الصيغة التراتبية تؤكد وجود استقلالية قاعدية عن المركز، وحرية رفض بعض الاتجاهات السلطوية –إيديولوجيا أو اقتصاديا- التي تهدف إلى إلحاق الصحراويين بمذهب السلطان وبحاجته التجارية (حماية الممرات والموانئ). غير أن هذه الحرية كانت تنتهي دائما إما باتجاه صراع سياسي مركزي (المرابطون) وإما بانكفاء داخلي غير منظم (تفرد بعض القبائل بتحالفات تجارية وسياسية تلبية لحاجاتها الخاصة). وهي أيضا –أي الحرية- كانت عبارة عن «حريات» قبلية متعددة الأهواء ومختلفة التعابير، مما لا يشجع على اعتبارها شكل سلطة محلية متماسكة وموحدة منفصلة عن السلطات المحيطة بها أو المجاورة لها أو حتى التابعة لها. بمعنى أن تمايزات القبائل كانت قائمة على عدة مستويات. وحده المستوى السياسي كان مرفوضا: أما الخضوع للسلطان عن طريق شيخ القبيلة، وإما الخضوع لشيخ القبيلة، ولا خضوع آخر إطلاقا (قبائل الحقبة الاستعمارية طبعا).

إن الاشتراك في نمط حياتي حربي واقتصادي-رعوي يضعه التمايزات في مستوى آخر: «إنا ما يميز قبيلة عن أخرى هو أن كلاّ منها مختصة في مهمة اجتماعية تشاطرها فيها قبيلة أخرى، وهو ما يمنحها، بالنسبة لقبيلة أو لقبائل أخرى، حقوقا وواجبات، وبالنسبة لكافة القبائل، مرتبة ومقاما لا يضاهيان. فقد تكون القبيلة حربية أو مرابطة (زاوية) أو تابعة لواحدة منهما: فهناك من يقاتل، ومن يدرس، ومن يؤدي الطقوس الدينية، ومن يعمل، كما ورد في التقاليد المحلية»(15). أما السلطة السياسية الواحدة القائمة فوق المجتمع الصحراوي، بوصفها مركز تقرير ومجال التعبير عن استقلال وخصوصية سياسيين، فقد كانت منعدمة كليا.

وكما أن خصوصية الصحراء أنتجت علاقات سياسية من هذا النوع، فإنه بدورها ستقوم على علاقات اقتصادية مشابهة. فالقاعدة الاقتصادية للقبيلة وللعائلة هي التي تحدد علاقات القبيلة وتراتبها الداخلي، وتعين مكانتها بالنسبة للقبائل الأخرى. الثراء والملكية الكبرى للمواشي وعدد أفراد القبيلة وقوتها الحربية ومكانتها الدينية تشكل مجتمعة العوامل الحاسمة لغلبة معنوية، تتوحد من أجلها فروع القبيلة من عائلات وبطون منتجين بذلك عصبيتهم.

تمتاز البنية الاقتصادية للساقية الحمراء ووادي الذهب بمفارقات تجعلها في حالة تعارض مع العلاقات الاقتصادية، التي كانت سائدة في مراكز التجارة والمدن والمناطق الزراعية والأسواق. فقد كانت تقوم على أساس فلاحي-تبادلي، أو رعوي-تجاري، يعتمد بالدرجة الأولى على تربية المواشي والبحث الدائم عن المراعي وتجمعات المياه واشتراكية الأرض، ويرتكز على حركة تجارية قائمة على تبادل المنتجات الزراعية-الحيوانية بالسلع الضرورية وعلى الانخراط في العمليات التجارية (الحماية أو الصفقات).

كون الصحراء تحتوي على كميات هائلة من التربة الحمراء جعل منها، أرضا صالحة للزراعة (حوالي 40% من إجمالي المساحة العامة). غير أن عدم توفر المياه الضرورية لذلك، إضافة إلى وجود كميات الماء اللازمة فقط لشرب الرحل والمواشي، أسفر عن إماتة الأرض الصالحة. رغم ذلك فإن مناطق مثل العقدة، ايمريكي، ايزيك، الساقية الحمراء، وادي اتيقي، واديلا تغزيرت، خانك سكوم، والخط الواقع ما بين وادي بوقراع وبوجدور إضافة إلى ضواحي بوجدور، تعتبر كلها أرضا صالحة للزراعة، وتنتج عمليا كميات متوسطة من القمح والشعير والذرة.

بدأت الملكية الخاصة للأراضي المزروعة تظهر في مرحلة متأخرة وصلت إلى حالة واضحة لحظة بدء إيقاف حركة النقل لحاجات ضبط الوضع الداخلي من قبل قوات الاحتلال الاسباني. لذلك كانت وضعية الملكية غير ثابتة، تتمثل باشتراكية-قبلية يضبطها وينتجها توازن دقيق ورغبة في عدم الاقتتال مع ما يرافقها من رفض للثبات وعشق للارتحال. أما توزيع الأرض الخصبة فإنه يجري بالمساواة بين أفراد القبيلة الواحدة وفق مقياس خاص يعرف باسم الزوز، باللهجة الحسانية، ويعني أن الوحدة تتألف من جمل ورجل ومحراث. حصاد الأرض ينهي نسبيا ملكية القبيلة الحارثة التي تخزن المنتوج في المرسى –وهو مكان تحت الأرض تخزن فيه الحبوب أثناء رحيل القبيلة- أي أن القبيلة تحرث وتزرع ثم تحصد وتخزن وترحل، فلا تثبت على الأرض المزروعة ولا تملكها. بديهي أن تؤدي علاقة من هذا النوع إلى خلافات بين القبائل: من يزرع نفس الأرض ويتقاسمها في العام التالي ولمن الحق الأول في ذلك؟ في حالة توازن الأقوى، توافق القبيلة البادئة بمشاركة القبيلة القادمة وفق قاعدة الزوز في التوزيع والحراثة (الحصص والعمل). في حالة قدوم قبيلة أضعف من القبيلة البادئة يجري إما طردها وإما إشراكها بدون تكافؤ...

غير أن الصفة الغالبة تظهر في العلاقات الرعوية، أي في تربية المواشي والاحتفاظ بالأراضي الصالحة للرعي والشرب. إذ أن المواشي (ملكيتها وتربيتها) شكلت الدخل الأساسي للقبائل وحددت الفوارق الاجتماعية بينها: الثروة هي نتاج حيواني، ولا مصدر آخر لها –الثروة التجارية لاحقة، فالصفقات الانفرادية كانت نادرة ومتأخرة، بينما العمليات الأساسية كانت تتم عن طريق المخزن.

على قاعدة تربية المواشي من ابل وغنم وماعز، ومع بعض البقر والخيول والحمير، كانت تقوم علاقات إنتاجية أساسها استخراج اللحم واللبن والصوف والوبر وصناعة الجلد والخيام والعلك (16)، معتمدة في تسويقها على التبادل السلعي –دون تدخل النقد- داخل الصحراء. أما في الأسواق فقد كان التبادل السلعي قائما والشراء بالنقد المغربي (المثقال، الزبيل، الريال الحسني والدرهم) الذي بقي سائدا لغاية عام 1933 حيث حل محله البسيطة الاسبانية والفرنك الفرنسي. عملية التبادل هذه كانت تأخذ شكل رحلات سنوية، واحدة في الخريف وواحدة في أواخر فصل الربيع تنتقل من الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى الأسواق الموسمية التي كانت تقام في اكلميم وتندوف وموريتانيا ومراكش وغولمين كانت القوافل تعبر طريقين رئيسيين إحداهما يربط الصحراء الغربية بالجزائر عن طريق تندوف والثاني يربط بمراكش عن طريق غولمين. ففي سوق غولمين مثلا كان الصحراويون يحصلون، مقابل المواشي ومنتجاتها والجلود والخيام، على حاجاتهم من الملابس والأحذية والكتان والمنسوجات الصوفية والزيت والسكر والشاي والقمح والقطن والحرير الخ، القادمة من مراكش والدار البيضاء.

كانت بعض القبائل تقوم بعمليات تجارية داخل الصحراء، حيث تنقل على الجمال منتجات الداخل المغربي وتبادلها في داخل الصحراء مع منتجات المواشي. وهذا الشكل البسيط من التجارة هو الذي كان سائدا ولفترة طويلة داخل الصحراء الغربية.

العمليات التجارية الصحراوية-الأوروبية بدأت بشكل جنيني ونادر منذ القرن التاسع عشر، غير أن عمليات القرصنة ضد الأوروبيين هي التي طبعت المرحلة، وخاصة حركة التجارة البحرية الاسبانية التي كانت تواجه دائما عمليات تخريب وقرصنة من قبل أولاد الدلايم، الذين كانوا يرون في التوسع التجاري بداية احتلال مسيحي. عمليات القرصنة هذه كانت تضع دائما المخزن المراكشي في مشكلة مع الأوروبيين في الشمال والجنوب على حد سواء. كما أن معظم الاتفاقيات، سواء تلك التي أبرمت بين الحكومات الأوروبية والسلطان المغربي أم التي عقدها الأوروبيون مع زعماء بعض القبائل مباشرة، كانت تهدف إلى تطويق تأثيرات العمليات المسلحة على الحركة التجارية الجديدة.

يرافق كل ذلك الأهمية الجغرافية للصحراء التي جعلت منها ممرا تجاريا حيويا ينقل البضائع والثقافات في آن واحد ويتيح تطورا ماديا وحضاريا لسكان الصحراء أنفسهم. لقد كانت الصحراء الغربية، ولعصور طويلة، إحدى أهم الطرق الثلاثة التي تمر فيها ثروات السودان (ذهب، توابل، عاج، دقيق...) وثروات المغرب (التمور، الملح، الخيول، الكتب، المنتجات الصناعية...) وتربطهما معا بالإنتاج الفكري لحضارة العربية-الإسلامية التي حملتها قوافل الجنود والتجار من المغرب إلى السنغال والسودان... «لقد بقيت هذه الطريق على ما كانت عليه تقريبا، من «طريق المصفحات» التي تدل عليها نقوش صخرية ترجع إلى ألف وألفي سنة قبل الميلاد، إلى «الدرب الإمبراطوري رقم 1» حتى أفضل عصور «الإمبراطورية الفرنسية» حيث كانت توجد طرق ودروب مختلفة تربط السنغال والسودان بواحات تاغانت وادرار، ثم من هذه الأماكن، مرورا بتافيلالت، وجنوب وهران نحو سوس والسهول الأطلسية للمغرب الأقصى.(17).

استتبعت هذه الأهمية قيام علاقات متبادلة جعلت الارتباط بين الصحراء والدول المتاجرة المغربية والسودانية يبدو مصيريا فالقبائل كانت، من جهتها، ترى في إقامتها على الطريق التجاري فرصة لتحصيل المعاش وتبعا لذلك كانت تمارس عملية الحراسة للقوافل وأحيانا دور ناقل السلع الوسيط بين أسواق المغرب والسنغال والسودان ومن هنا تنشأ الحاجة لاقتناء الجمال بكثرة والدول المحيطة شمالا وجنوبا كانت تعتمد، بشكل جوهري، لإنجاح عملية العبور التجاري على طواعية السكان، مما كان يلزم بإقامة علاقات سياسية-سلطوية يغلب عليها التساهل والإغراء، إذ كانت يصعب على السلطان المراكشي مرافقة القوافل المتجهة إلى الجنوب الافريقي بألوف الجنود لما يتطلب ذلك من مصاريف باهظة يكفي أن تكون الطريق آمنة لكي تكون الصفقة رابحة الميزة الإستراتيجية للموقع الجغرافي أنتجت علاقات خاصة بين الصحراويين وأرباب التجارة، والسلاطين غالبا، ووضع كل منهما في دائرة علاقات لم تشهد اختراقا يذكر إلى لحظة دخول الشريك الثالث: أوروبا الاستعمارية.

هذه البنية الاقتصادية الرعوية-التجارية، وإن حكمها ثابت تاريخي، عرفت اهتزازا بنيويا بعد الاحتلال الاسباني أسفر عن تدهور الإنتاج الذاتي الفلاحي وعن تصفية الدور التجاري الوسيط. كما أن ظاهرة الارتحال الدائم كانت بدورها تعبيرا عن حالة تغير مستمر في الوضع الاقتصادي لكل قبيلة، أدت بدورها إلى إضعاف الإنتاج الزراعي على حساب اللجوء إلى الصيد (النعام والغزال والمهر واللوريس والاروي –نوع من البقر الوحشي- إضافة إلى الصيد البحري، خاصة السمك والحوت...) وإدخال الصحراويين في حركة استيراد متطورة (وخاصة الخضار والطحين والمواد الغذائية) من جزر الكناري (18).

والانعكاس السلبي كان واضحا في كافة المجالات. فمن ناحية أولى شهدت البنية الاقتصادية حالة عدم الثبات في علاقات الإنتاج، خاصة وأن البحث الدائم عن الأراضي الخصبة والمراعي وتجمعات المياه أسفر عن وجود حالة تنقل دائم لدى القبائل، مما كان يؤثر بدوره على علاقات الإنتاج التي أصبح التنقل جزءا منها.

وقد عملت ظاهرة التنقل هذه على إحداث تغييرات هامة في بنية العلاقات الاجتماعية للقبائل. فمن جهة كانت ظاهرة التنقل تؤدي إلى التسابق والمزاحمة على الأراضي القابلة للزراعة وعلى مراكز المياه ومنابعها، وخاصة حركة الانتقال والتسابق المتبادل التي كانت تتم بين القبائل التي تقطن في شمال الصحراء، وخاصة في وادي درعا، والقبائل التي كانت تقطن في الجنوب، وخاصة في الوادي الكبير، أي وادي الذهب، وذلك حسب المواسم والأمطار.

ومن جهة ثانية كانت هذه الظاهرة تؤدي إلى تطورات سياسية واجتماعية لدى القبائل نفسها (المصاهرة، الغلبة العائلية، القبلية، التزاحم والخلافات حول الأراضي ومنابع المياه) كما أن اكتشاف الأراضي الصالحة للزراعة كان يؤدي إلى إثبات بعض القبائل في مواقعها، سواء كانت قادمة من الجنوب باتجاه وادي درعا، أو من الشمال باتجاه وادي الذهب، هذا الثبات كان يؤدي بدوره إلى تغيير في علاقات الإنتاج عبّر عن نفسه في الملكية الفردية للأرض ضمن صيغة ملكية الجماعة العائلة-القبلية لقطعة الأرض.

لم تتوقف حركة التنقل هذه بشكل فعلي إلا بعد تمركز بعض القبائل في الأرضي التي زرعتها وتملكتها، أي عندما بدأت العلاقات الفلاحية-الزراعية تدخل في بنية الصحراء الاقتصادية. وبعد سيطرة الاستعمار الاسباني الكاملة –خاصة بعد عام 1935- بدأت حركة التنقل تتعدى حدود الساقية الحمراء ووادي الذهب لتصل إلى الوسط والشمال وإلى موريتانيا، الأمر الذي كان يفقد الاسبان القدرة على ضبط البنية الاجتماعية-البشرية للصحراء، فعملت على إيقاف حركة التنقل بالقوة.

أما العلاقات التجارية-الرأسمالية-النقدية فلنم تدخل إلى صلب علاقات الإنتاج القبلية في الصحراء إلا بعد دخول نمط الإنتاج الرأسمالي-التجاري إلى المدن المغربية الكبرى، حيث أدت علاقات الإنتاج الجديدة إلى ضرب الأسواق التبادلية القديمة، وإلى تصفية الإنتاج القبلي والحاقة بنمط الإنتاج الجديد –خاصة في حركة التجارة التي ازدهرت بسرعة في العيون والداخلة مثلا- الأمر الذي أدى إلى إحداث تدهور خطير في معيشة القبائل ودفعها إلى مغادرة الصحراء بحثا عن مورد للعيش، وخاصة تحول معظمهم إلى عمال وحرفيين في المدن الكبرى، أو الالتحاق بجيش الاحتلال الاسباني أو جيش النظام المغربي.

أدت هذه العلاقات الاقتصادية الجديدة إلى تغيير البنية السكانية في معظم مدن الساقية الحمراء ووادي الذهب. مثلا، مدن العيون والداخلة والسمارة والكويرة شهدت ارتفاعا في عدد سكانها تجاوز العشرة آلاف خلال ثلاث سنوات فقط. وحسب الإحصاء الذي ذكره عبده عبد الغني في كتابه المذكور صفحة 65، فإن عدد سكان هذه المدن الأربع كان عام 1961 يقدر بـ 23428 نسمة، وبلغ عام 1964 حوالي 33673 نسمة.

كما أدت أيضا إلى تدهور كبير في تربية المواشي، ففي هذا الجدول، الذي نشره عبده عبد الغني صفحة 66، إثبات على مدى هذا التدهور:

أنواع المواشي 1960 1961 1962 1963 1964

الجمال 49848 24130 10150 24300 24625

الماعز 48908 35443 6850 35200 24100

الاغنام 26287 6880 2920 5800 5630

الحمير 877 867 241 790 517

أنواع مختلفة 150 123 24 139 546

المجموع 126061 67443 20185 66229 55418

ترافق كل ذلك مع انخفاض المنتوجات الزراعية وخاصة الحبوب، الشعير والذرة بشكل أساسي والتي بلغت عام 1963، 5471 قنطارا، وتراجعت عام 1964 إلى 2750 قنطارا، أي ما يقارب النصف.

وأخيرا، عملت هذه العلاقات الإنتاجية، وخاصة بعد اكتشاف الفوسفات في بوكراع إلى تكون طبقة عاملة تخدم في مناجم الفوسفات وفي قطاع الخدمات والتجارة والمصانع الصغيرة الحرفية في المدن الرئيسية. وحسب إحصاءات جبهة البوليزاريو، فإن عدد العمال بلغ عشرة آلاف عام 1973، من بينهم ثلاثة آلاف عامل يعملون في مناجم بوكراع. وهذه النسبة غير ثابتة، إذ أن الطرد الكيفي للعمال من قبل الاسبان كان يؤثر على حياة العمال ويدفعهم إلى تغيير نمط معيشتهم هربا من البطالة...

حول الانتماء السياسي

المحاولة الجدية، المستهدفة إعطاء تحديد سياسي للانتماء التاريخي للصحراء الغربية، تبدو كمسألة معقدة وعسيرة الحل. إن استخلاصات ونتائج هذه المحاولة، رغم علميتها، تبقى احتمالية، وتخضع في كثير من الأحيان لمواجهات نقدية ونقيضة، تكاد تنسق الجهود الحثيثة التي يكون قد بذلها الباحث في هذا المجال. كون المحاولة صعبة لا ينفي إمكانية «المغامرة» ولا ضيع البحث المتفائل في خدمة منهج متشائم. كما أن كون الاستنتاجات احتمالية لا ينفي إعطاء صفة الغلبة العلمية على الاحتمال الأكثر ثباتا في تطور بنية ما، والأكثر غنى في معطيات المنهج والأمانة التاريخية.

الدراسة النظرية والميدانية التي حاولنا إكمالها طيلة الفترة الماضية لا تمنحنا الجرأة الكافية لتعميم استنتاجاتنا. إن إصرارنا على الطابع اليقيني والأمين لعلمية بحثنا ومنهجه لا يسمح لنا بإرهاق القارئ بسيل من النظريات المستخرجة بعد قراءة معينة للتاريخ أساسها عاطفي مشحون بغضب ودفاع سياسي لدى فئة، أو تبرير وإيديولوجية لدى فئة أخرى. ولما كانت مواد البحث مستندة إلى تراث من هذا النوع، تتوافق فيه الأحداث التاريخية بواقعية حدوثها وتناقض نتائجها، وكون البحث لا يشكل تجميعا لأحداث صالحة للاستعمال التوجيهي كنصائح لكوادر في دولة ما أو كتحصين لمناضلين في تنظيم ما، فإن ما سوف نعرضه لا يدعي شمولية تاريخية ولا عملية غير خاضعة للنقد والدحض. نحاول، تحديدا، المساهمة في تركيز القراءة التاريخية لمشكلة تتجاوز تفصيلاتها الراهنة تاريخها الماضي. إنها مساهمة لأن الأطراف المتناقضة لم تر من هذا التاريخ إلا ما يخدم التفصيل الراهن. ولكي لا يدفن الايجابي في ولا ترتفع راية السلبي في المستقبل، ولكي لا نعطي لعملنا صفة فروسية تجندل كل الأبحاث القائمة والممكن قيامها –كما يفعل العديد من المؤرخين المعاصرين- فإننا نقول ببساطة أن المسألة صعبة ومعقدة، وإن عملنا مدخل يطمح لأن يكون مساهمة في تذليل صعوبات البحث الذي لا يستهدف إطلاقا غير تبيان الطريق المؤدية إلى المستقبل الجماعي.

الذي يدفعنا إلى تقديم هذه الملاحظة ليس فقط تناقضات التراث المكتوب، بل أيضا عدم ثبات وقائع التراث المعاش. الصحراء كبيرة وواسعة، تكررت في تاريخها ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية، ولكن لم يدع أحد انتماءها إليه. من رحل إليها فهي منه ومن ابتعد عنها فهي قابلة لأن تبقى في المستقبل حلمه وملجأه. لا يملكها أحد وتحتضن كل قادم. البشر ينتقلون إليها من الشمال والشرق، يُستوطنوها ويهجرونها، وفي بعض الأحيان يتركون أثرا حضريا أو بدويا، أو ذرية قبيلة.

الثابت فيها هو الدائم الانتقال، وبديمومة هذه الحركة وتكرارها الدوري يمكن فقط القول بثبات موضعي الماضي كله مجال برهان على الثبات، بينما الحاضر –الاستعماري وما بعد الاستعماري- مجال تمظهر أعوام حركة التنقل وإحداث ثبات قائم على الحدود والعنف. بمعنى آخر، التاريخ الماضي معقد لأنه لم يعرف الثبات، والظواهر المتكررة وغير المستقرة موضعيا لا تسهل استخراج النتائج. والتاريخ الحاضر معقد لأن كاتبيه يقيسونه وفق أهوائهم، ولكنه سهل، بالمقارنة مع الماضي، لأنه عمل، بفضل الاستعمار، على منع حركة التنقل، وحصر «الظاهرة» بين حدود تسهل له السيطرة وتسهل علينا الدراسة الميدانية.

الانتماء السياسي الأول للصحراء كان دفاعيا، بالمعنى الحربي والثقافي. المنطقة التي يجهل منحنياتها وطرقها الغرب القديم والجديد، شكلت وعلى مدار قرون طويلة، قبل السلام بشكل خاص، العمق الأمني لسكان المغرب البربر.

إن الوضعية الجغرافية للمغرب التي تساعد على القول بوجود تمايزات جهوية بين مدن وأرياف وصحراء، وتساعد، تبعا لذلك، على تحديد أنماط الإنتاج بتربية المواشي –الحياة البدوية-التجارية-الحياة المدينية، تنتج خصوصية سياسية.

فالأرياف والمدن الآهلة بالسكان وذات الأهمية الإستراتيجية كانت تتلقى الهجمات الدائمة القادمة من وراء البحر، بينما الصحراء تقدم الحصن الدفاعي للقبائل الهاربة أو المتراجعة بعد هزيمة أو معركة ما. وسط هجومي وصحراء دفاعية يصنع تاريخها نفس البشر. فالبدوي هو التاجر وقد التجأ إلى الصحراء مؤقتا، والتاجر هو البدوي الذي انتقل مع قبيلته إلى المدينة-الممر. طبعا مع ثبات الواقع. فالمدينة تبقى بعضا من تجارها ولكن بالتحاق سياسي إلى الغرب الغازي، والصحراء تبقي بعض بداوتها ولكن بحرية سياسية كاملة.

يتم الانتقال على قاعدة سياسية وينتهي على قاعدة علاقات سياسية-اقتصادية. وكون التجارة نقل وحماية البضائع والقوافل وليس إنتاجها، فإن «السياسي» هو المقاتل القادر على القيام بهذه المهمة.

لذلك، لا يكون صعبا على قبيلة تشتهر بالبداوة تمارس هذا الدور، أي أن تقيم سلطتها.

إذن، العمق الأمني-الدفاعي للمغربي كان الصحراء، طبعته بطابعها، وصنع بانتقاله من مهاجم إلى مدافع ومن تاجر إلى بدوي، تاريخها المميز. تجاوز هذه الحركة يضع القانون التاريخي في طاحونة هوائية، وعدم استيعاب جوهر الانتماء المعبّر عنه بحركة انتقال يجعل من الخلاصة العلمية خواء سياسيا.

«... في النطاق الاقتصادي، يسير التدرج من تربية الماشية المتنقلة في البداية إلى التجارة في المدينة، وعلى العكس ذلك يجري الأمر في النطاق السياسي، فإن التطور يرافقه تراجع. فالظاهرة التي ينبغي علينا إدراكها ليست ظاهرة البداوة (مشكلة مؤرخي ما قبل الكتابة) بقدر ما هي ظاهرة العودة إلى حياة البداوة، (مسألة تاريخية بحتة)، إن التأخير ليس بالأمر الذي يصعب على التفسير، وإنما الانكفاء، الذي يكون أحيانا رمزيا. فالإنسان الذي يعود إلى حياة البدواة في الصحراء، لا يفكر إلا بالعودة وعينه على منطقة التخوم الرومانية، الليمس، وهو يعلم أن الصحراء تبقى، ضد عدو لم يقهر، الملجأ الوحيد...» (19) هذا هو الانتماء الأول، الانتماء الثاني تجاري-هجومي.

من الشروط الداخلية، التي سمحت بارتقاء البنية القبلية لمجتمع الجزيرة العربية إلى مستوى سياسي-دولي (من دولة)، شرط خصوصية موقعها الخرافي الذي جعل منها عقدة طرق المواصلات التجارية العالمية. ومن العوامل التي كانت في أساس وعي القبائل العربية لأهمية دورها في هذا الارتقاء يمكن تحديد اثنين: الأول امتلاكها لأهم وسيلة نقل في العالم القديم، الجمل، والثاني، قدرتها الدائمة على تأمين مقاتلين لمرافقة القوافل وحراستها. في عالم الصحراء، لا يمكن عملية عبور تجارية إن تحقق مراميها بدون الجمل الناقل والقبيلة الحامية. وفي صحراء المغرب الظاهرة تتكرر.

موقع الصحراء الرابط بين أجزاء منطقة متباعدة الأطراف عاشت لفترة طويلة قبل الإسلام وبعده بفضل حركة التجارة التي تعبر الصحراء قادمة من السودان ومصر والحبشة باتجاه الأطلسي، أو قادمة من أوروبا باتجاه افريقيا الوسطى والجنوبية، كان يدفع الصحراويين للانخراط في هذه العملية. وللانخراط شروط لا بدّ من إتمامها: الوسيلة والبشر، يضاف إليها القوة الناظمة.

مصدر الجمل، وسيلة النقل الوحيدة والأساسية لقوافل الصحراء، كان مدار خلاف بين مؤرخي الغرب. بينما يعتبر غوتيه أن «الروماني أهّل المغرب بالناس والحيوانات وبينها للأسف الجمل الذي خلق البدوي المخرب»، يعتبر كورتوا العكس رافضا «أن يكون الجمل قد غاب أبدا عن الصحراء طيلة العصر التاريخي». دون أن ندخل في المهمة التي على ما يبدو قد أتعبت عبد الله العروي وأوصلته إلى سؤاله المعقّد:

من الذي ابتكر الآخر الجمل أم البدوي؟ (20) (وذلك في عملية تعرية للتشويه الذي يكيله التأريخ الغربي لماضي الصحراء) نوافق على أن توفر الجمل يرتبط بصورة مؤكدة وفاعلة في مرحلة الانتقال التي عاشتها الصحراء: من البداوة إلى التجارة.

أعطى الجمل للموقع الجغرافي أهميته الاقتصادية، بينما سيلعب امتلاكه والقدرة على حماية القوافل دورا كبيرا في تحويل القبيلة إلى قوة سياسية. القبيلة القادرة على تأمين مواصلات التجارة بالوسيلة والحرس، وتجد في نفسها قوة فرض الشروط على عملية المرور، لا ينقصها، لكي تتحول إلى سلطة، سوى السيطرة على المدن-الممرات. هنا تنقلب العملية. البدوي الملتجئ إلى الصحراء يعود «سياسيا» إلى المدن. يتغير بذلك دور الصحراء من عمق أمني إلى عمق سياسي، تتجمع فيه ركائز الهجوم الجديد: احتلال سجلماسا كان يسدّ طريق القوافل الذاهبة إلى الجنوب بوجه القوى الحاكمة في الشمال، ويعيد فتحها بعد أن تصبح القوة المحتلة الجديدة قوة حاكمة. بمعنى آخر، كان للصحراء، بفضل هذين العاملين، انتماء تقرير يجري بموجبه إجراء نقض عام لميزان القوى السياسي السائد، ليس في الصحراء فحسب بل في عموم المغرب العربي. هذه المعادلة تنتج وضعا تاريخيا-جغرافيا يمكن تسميته المغرب الصحراوي المرتبط بالمغرب الريفي والساحلي...

إذا أضفنا حركة التجارة الداخلية ودور الصحراويين في إنجاح عملية التبادل البضائعي بين مناطق المغرب العربي شرقا وشمالا وجنوبا، ولاحظنا مراكز الأسواق التجارية والممرات، يمكن أن نؤكد أن حياة الصحراء قد انعقدت شرايينها بتوافر هذه الشروط وبالتالي أصبح مصيرها مرتبطا بمصير المغرب كله ارتباطا تبادليا وجدليا. الارتباط المقصود لا يقف عند حدود العيش وشكل إنتاج القوت اليومي. إنه يطال مباشرة صيرورة القبيلة، قوتها وضعها، وبالتالي تحولها إلى قوة سياسية. بهذا المعنى تحديدا يمكن قبول الانتماء المشترك للصحراء بالمغرب.

الارتباط الاقتصادي-التجاري بين المغرب والسودان مثلا لم يأخذ صيغة تحول المغرب سودانيا أو السودان مغربيا، كما هو الحال بين الصحراء المغربية والمغرب الصحراوي.

يتدعم كل ذلك بحقيقة كون الصحراويين أنفسهم مغاربة من الشرق والشمال استوطنوا الصحراء وجنّسوها.

«وأخيرا فإن المغرب الصحراوي امتد هو كذلك امتدادا هائلا حتى قلب الصحراء الحالية. فقد أصبح أساسا مغرب التجارة، خاضعا في نقطتي الوصول والانطلاق لجماعات الزناتية والصنهاجية الملثمة. إن الانفتاح الحقيقي للصحراء يرجع تاريخه إلى ذلك العصر (العصر الروماني). فقد أصبح سكان هذا الجزء حراس تجارة في قوافل الإبل. وثمة بنية اجتماعية (ليست بنية متعلقة بالدولة إذا شئنا) خاصة تنتج عن ذلك. لكن الظاهرة الأساسية والقاطعة تبقى هي التجارة وليست تلك البنية المحددة. وهكذا يرى المرء جيدا كيف يمكن بسهولة تغيير اتجاه جميع التطورات والسيرورات اللاحقة باستبدال التحديد الاقتصادي بتحديد البنية الاجتماعية أو بنية العرق، بمعارض زناتة (المغرب الأوسط) بصنهاجة (جبليين في بلاد القبائل وموغلين في البداوة والترحال في الصحراء في آن واحد) وبالمصموديين (من قبيلة مصمودة) سكان سهول الأطلنطي...»(21).

على قاعدة هذين الانتماءين ترتسم علامة فاصلة في حالة الانتماء السياسي:

الصحراء جزء ارتبط مصيره بمصير المغرب العربي، وبنيته البشرية والاقتصادية أصبحت تقاس ببنية المغرب كلها، والعكس بالعكس.

التحول السياسي الدائم يمحو الغموض الذي يكتنف هذا الاستنتاج، ويربط في نفس الوقت الانتماءين المذكورين بوحدة ترابية-سياسية قوامهما احتواء الصحراء لمشروع استقلال ذاتي عن قوة الداخل الأجنبية (غير بربرية) وتحول الصحراء من «عزلة» إلى انفتاح ظل يتبلور وبصعوبة طوال القرون المسيحية كلها، ولم يأخذ شكلا ثابتا وتاريخيا إلا بعد السلام والفتح العربي.

بالانطلاق من هذا الشكل الأخير يصبح تحديد الانتماء مسالة منهج أكثر من معرفة الطريق التي أتى منها الجمل، من روما أم الشرق؟

مرة أخرى نستعيد النموذج المشرقي القائم على مركزة سياسية أساسها إلحاق القبائل العربية بسلطة سياسية واحدة عامل توحيدها إيديولوجي. صيغة اللامركزية السياسية السابقة على الإسلام، والمندرجة في سياق التطور التاريخي للمنطقة برمتها تجاريا واجتماعيا وثقافيا، لم تشهد طيلة كل الحقبة الجاهلية سلطة ذات صفة تقريرية. الانعدام على المستوى يعني أن إنتاج سلطة من هذا النوع يستدعي النمو الكامل لمجمل الشروط الدافعة والمؤسسة لتكوّنها داخليا وخارجيا. كما أنه لا يعني إلغاء صفة العروبة عن مجموعة القبائل المتنافسة والمتحالفة والتي جمعها تاريخ مشترك ومنطقة مشتركة.

تسمح مجموعة العوامل المشتركة، قبليا وتجاريا، بتشبيه مماثل: القبائل القاطنة في الصحراء، سواء خضعت لدولة مركزية أم لا، كانت في مرحلة ما قبل الفتح العربي جزءا من المغرب الكبير الذي رسمنا موقعه الجغرافي في مطلع الفصل الأول.

يبدأ الانتماء السياسي بأخذ منحى مؤسسي ومركزي من لحظة انتشار الصيغة العربية-الإسلامية للسلطة. الانتماء إلى السلطة (الخلافة) يتم، قانونيا، بالبيعة، وسياسيا، بإلحاق مجموع القبائل بالمشروع الإسلامي العام، على المستوى المركز وعلى مستوى الفتوحات.

صيغة البيعة تعني ببساطة عملية أدلجة لفرز في ميزان القوى القبلي يضع عصبية قوية في مركز السلطة تفرض خضوع الآخرين لها. بديهي أن يلعب الإسلام الدافع الحاسم في أدلجة الإلحاق، إلاّ أنه في نهاية التحليل، تأخذ البيعة صفة قانونية توحيدية تجعل من كافة السكان الذين يطالهم نفوذ المراكز السياسي والإيديولوجي والعسكري جزءا من الأمة. لا يلغي ذلك، ولا في أية لحظة، استمرارية تناقضات سابقة على المركزة، بل يوجهها وجهة أخرى: الصراع على السلطة المركزية الواحدة.

إن وجود ممثل للخلفية الأموي في العراق بعد عام 640 م، مع استمرارية البنى المحلية المميزة والمتناقضة لغويا وحضاريا وتاريخيا مع البنى التي أنتجت الخليفة القرشي، لم يكن يعني أن الارتباط محدّد إداريا. إنه سياسي –ديني دون اشتراط كون الملحق أو التابع قرشي الانتماء. إن السلطة المركزية أخذت منحى الأمة، والبيعة أخذت منحى الارتباط-الموافقة على وجود رأس للسلطة: الشكل الحقوقي للغلبة والوحدة.

إذن، على قاعدة النموذج العربي-الإسلامي للسلطة تأسس مفهوم البيعة في المغرب العربي. طبعاـ يترافق هذا المفهوم مع صراع العصبيات القبلية التي أصبح دورها الحفاظ على وحدة الأمة في نفس اللحظة التي يجري فيها البحث عن تشريع غلبة قبلية.

سلطة واحدة وصراع مستمر من أجلها حدّدا منذ الفتح العربي-الإسلامي لشمال افريقيا صيغة العلاقات السياسية التي تربط السكان المحليين بالسلطة المركزية. وعندما نقول أن الأندلس كانت عربية-إسلامية نقصد تماما هذه الصيغة وليس الباسا قرشيا، أمويا أو عباسيا، لأطراف الخلافة (السلطة) لقاطينها في إطار يتجاوز حدود الصحراء ولا يسمح بإعطاء خصوصية سياسية-وطنية خارج خصوصية المركز. إن عدم مقدرة المركز في فرض سلطاته على أطرف الدولة لا يلغي التبعية ولا يلغي مشروعية صراع التابع لصبح متبوعا.

إن التبعية شكل حقوقي-إيديولوجي للمركزة. أما وحدة الانتماء فإنها تطال أسس المشروع كله: علاقات السلطة-الفرد (القبيلة)، علاقات وقوى الإنتاج (بالمعنى الاقتصادي)، علاقات المركز بالأطراف، الصراع على السلطة بين العصابات الخ، ورفض البيعة، أي الخروج عن طاعة المركز، كان يعني تحديدا الطلقة الأولى لصراع سياسي حول نفس المركز بحثا عن طاعة جديدة، وليس خروجا عن المركز بوصفه ملتقى الوحدات الاجتماعية المتمايزة جغرافيا واقتصاديا.

يمكن الفرق فيما بين مرحلة ما قبل الإسلام وما بعده في صيرورة إنتاج الدولة-المركز. أما الانتماء فلا يشوبه ناقص. القبائل التي سكنت الصحراء، مؤقتا أو بشكل دائم، قبلا الإسلام، لم تكن تعرف حدودا جغرافية لانتمائها. الانتقال من الصحراء إلى الريف ومن الريف إلى الوسط لا يعني تغييرا في الهوية القومية. البربري الذي سكن ايغلي والبربري الذي سكن الجزائر أو تطوان، رغم الفوارق الشاسعة بينهما، كان ينتقل من هنا إلى هناك بوعي تام وقناعة بأنه إنما يتجول في دائرة انتمائه. لا داعي لتكرار ما سبق ذكره حول تغييرات قوى السلطة السياسية في المغرب العربي، وكيفية انهيار الواحدة وانتصار الأخرى ضمن السياق القبلي. ما نريد ذكره فقط، مع أخذنا كمثل ساطع تجربة المرابطين، هو انخراط الصحراء الغربية في صلب التطور السياسي الناشئ: فهي تتبع لسلطة الأدارسة حينا (فاس) ويتبعها الموحدون حينا آخر (الأطلس). مصيرها داخل الدائرة، ضعفاء الهامش قد يصبحون في مرحلة أخرى أقوياء الدائرة وهكذا...

عند هذه الحدود تكون عملية الانتماء السياسي للصحراء الغربية واضحة، يتفق عليها جميع من يختلفون على تاريخها اللاحق. التناقض يبدأ في القرن التاسع عشر، ولكن تاريخه يبدأ لحظة انهيار إمبراطورية الموحدين.

إن تاريخا جديدا سوف يبدأ حاملا بشرى في رحمها تناقض مشوّه: هل الصحراء الغربية مغربية؟ كيف ولماذا؟

بدايات التاريخ المحلي

الخلاف المغربي-الاسباني حول الهوية القومية للصحراء الغربية لم يصمد كثيرا. لم يكن بإمكان وجهة النظر الاسبانية سوى تشويه المرحلة الأخيرة، أما التاريخ الماضي بكل تعقيداته فقد كال لنظرية التغريب ضربة قاضية. ولم يعد الإشكال قائما على هذا المستوى.

الخلاف المحلي حول الهوية الإقليمية للصحراء هو ما يمكن اعتباره البؤرة الفعلية للتناقضات: هل الصحراء المغربية مغربية أم جزائرية أم موريتانية أم أخيرا صحراوية؟؟

تعددية الانتماء فعل راهن، وهو تحديدا نتاج تقسيم راهن واستعماري للمغرب العربي. خلال التاريخ الماضي كله لم يجر خلاف واحد من هذا النوع، ولم تصل التناقضات المحلية إلى هذا المستوى. كيف يمكن حصر الإشكالية؟ إذا دخلنا في عملية الإجابة على المشكلة وفق سياق الأسئلة تكون قد بدأنا نقاتل بسلاح الغرب!!.

وإن أجبنا بوحدة سياسية نكون قد تجاوزنا، تجاوزا واهيا، التناقض الحاد لأهم مشكلة معاصرة في المغرب العربي.

في محاولة تخط للإشكالية المطروحة وتعقيداتها وجدنا أن الإجابة أو المعالجة الممكنة والوحيدة تكمن في استحضار الماضي. أي إعادة قراءة للتاريخ الخاص للصحراء الغربية كما عاشه وصنعه سكانها، دون الادعاء بشمولية مراجعتنا لهذا التاريخ. النواقص ممكنة، أما القناعة فثابتة حول نقطتين: رفض القراءة الغربية لتاريخ الصحراء، وإصرار على أن حل الإشكالية يتجاوز السؤال عن الهوية. التناقض إقليمي بينما المسببات اعقد وأهم. الإقليمية نتاج سبب آت من خارجها ونحن لا نريد أن نلعب لا في قراءة التاريخ ولا في تحليل منظوماته وأحداثه.

علميا، يمكن أن نبدأ من مرحلة ما بعد سقوط إمبراطورية الموحدين. كل ما جاء قبلها ووصل إلى ذروته في عهدها يثبت أن اتجاه الوحدة هو الغالب في سيرورة التاريخ السياسي للمغرب العربي. المرحلة قيد البحث والتي تبدأ عمليا من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كانت بداية تحويل الإرث التوحيدي التومرتي إلى إمارات مستقلة عن بعضها: بنو حفص في تونس، بنو زيان في الجزائر وبنو مرين في المغرب الأقصى. تفتيت تراث الموحدين كان جغرافيا-اجتماعيا، أما سياسيا-تاريخيا فالاتجاه التوحيدي ظل راسخ الأقدام. وحدة المغرب الأقصى مع الجزائر في ظل بني مرين أو وحدة تونس مع ليبيا في ظل بني حفص شواهد دامغة.

وحده الخارج امتلك مقوّيات الضربة الأخيرة للمحاولة التوحيدية الأخيرة:

كان تراجع بني مرين عن الجزائر انعكاسا لضعف القوة المحلية داخل ميزان قوى عثماني-اسباني في قمة عنفوانه. وتراجع بني حفص عن ليبيا نتاج نفس المعادلة.

الإطار الحدثي والمرحلي لهذا التطور حاولنا رسم خطوطه العريضة في الفصل الأول، أما هنا، فإن الوضع الذي تحوّل حاليا إلى مشكلة يجد جذوره الأولى: عندما كان في المغرب العربي ثلاث إمارات «سياسية» ماذا كانت وضعية الصحراء الغربية؟ هل كانت إمارة؟ هل كانت مستقلة؟ هل كانت تابعة، بشكل من الأشكال، لسلطة المغرب الأقصى؟

بالنسبة للسؤال الأول، التاريخ المكتوب ينفي نفيا قطاعا وجود إمارة في الصحراء الغربية على غرار الأمارات الثلاث الأخرى.

بالنسبة للسؤال الثاني، التاريخ يميل باتجاه استقلالية محلية دون أن يصل على مستوى سلطة-بيعة. لكن الاستقلالية المعنية تدخل في صلب بنية قبلية وليس في إطار وطني، ومن الفرق بين الحالتين يبرز التناقض الحاد بين وجهة نظر تقول باستقلالية عصبية كمقدمة لتشكّل الوطن، ووجهة نظر تقول بتعددية العصبيات وحرية تحركها ولكن داخل إطار «الوطن». ومن تجربة الرسول الإسلامي (تطور تاريخ القبائل بقيادة من خارجها) والتاريخ المحلي يجسد هذه القضية موحِّدا تناقض العصبيات على المستوى السياسي-الإيديولوجي. أي أن القبائل المتمتعة باستقلال ذاتي عن المركز لا تتناقض باستقلالها عن وضعية القبائل القريبة من المركز. فالسلطة المركزية موحدة ولكنها فوق المجتمع، أي لا تضبط شؤونه الداخلية إلا من خلال ضبط شروط المركزة تجاريا وحربيا. أما العلاقات الداخلية فتبقى محافظة على ركائزها: الدور الرئيسي لشيخ القبيلة أو لمجموعة زعماء القبائل، معالجة القبائل لمشاكلها اليومية: رعي، ثأر، زواج، مصالحات الخ.. أما الوحدة الفعلية بين هذه القبائل أو بينها وبين المركز فإنها تتمثل بالشرع وبالانتماء إلى الجماعة الإسلامية الواحدة. وكلما كانت السلطة-المركز نقطة جذب ودفاع عن هذين العاملين (الشرع والجماعة) كانت شرعيتها (الخضوع عن طريق البيعة) مقبولة. لا يغيّر من ذلك استمرار الصراع العصبي المتحصن مذهبيا والباحث عن المركز-الوحدة.

فالعصبية شرط الوجود وشرط استمراره عند قبيلة ما، سواء كانت في الصحراء الغربية أم في السوس وسهول الأطلسي أم في الريف. لحظة تحولها إلى عصبية سياسية يعني أنها دخلت في مشروع السلطة، معها أو ضدها، وبالتالي تكون عصبيتها مدخلا إلى السلطة، وطريقا نحو تكريس غلبة الوحدة عكس التمايز والتناقض:

عصبية قبائل لمتونة أنتجت سلطة المرابطين في كل المغرب، عصبية قبائل مصمودة أنتجت سلطة الموحدين أيضا في عموم المغرب، عصبية قبائل الفيلاليين أوصلت العلويين إلى السلطة المركزية الواحدة...

الثغرة الوحيدة تكمن في الاعتبار التالي: صعوبة خضوع قبيلة لسلطة قبيلة أخرى. من هذا الاعتبار تنشأ ظاهرة تاريخية، لا تزال سائدة لغاية الآن عند قبائل السوس في المغرب، وهي إلحاح القبيلة على استقلالها الداخلي (22).

هذه الثغرة تعني أن حالة قوية من التضامن تسود العلاقات بين القبائل أو بين أفراد قبيلة واحدة، يزيد فعاليتها الرغبة الدفينة في رفض الخضوع للمركز. وفي نفس الوقت يعايشها شعور عميق بالانتماء إلى شيء آخر أكبر من القبيلة: الأمة. الرغبة لم تتجاوز الشعور، وبدونهما يصعب تفسير التبعية السياسية الواضحة أحيانا والغامضة أحيانا أخرى والتي كانت قائمة بين القبائل الخاضعة والقبيلة المخضعة.

إذن الاستقلالية موجودة ومازالت ولكن ضمن هذا الإطار (القبيلة).

الحديث عن استقلالية أخرى، بمعنى تحول القبيلة إلى إمارة مثلا أو خروجها عن البيعة، تجد منحى منهجيا آخر، صعب الملاحظة، رغم مساعدة التاريخ.

مراجعتنا التاريخية للتطور السياسي للصحراء لا تساعدنا على القول بوجود حالة من هذا النوع. أي بوجود استقلالية ذات صفة سلطوية-مركزية.

إن التاريخ يقدّم ظاهرة لا يعتريها شك: إن تحول منطقة ما إلى إمارة يتطلب تحقيق مسألتين: الأولى، وجود قبيلة قادرة على توحيد باقي القبائل وإخضاعها لسلطتها الوحيدة. الثانية، وجود خط فاصل بين نفوذ هذه السلطة المحلية ونفوذ السلطة المجاورة (ليس جغرافيا فقط، بل سياسيا أيضا).

تاريخ الصحراء الغربية لا يتحدث عن توفير أي من المسألتين. وبهذا الصدد نقدم ثلاث ملاحظات:

1-يبرز أولا اختلاف الشكل السياسي للوضع القبلي بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب. في أقصى الجنوب الصحراوي (موريتانيا حاليا) تضافرت عدة عوامل محلية وخارجية عززت اتجاه المركزة السياسية والحاجة لوجود قوة-سلطة ما، ذات قدرات محلية يمكن بواسطتها الحفاظ على «الإسلام» وإنجاح العمليات التجارية. أهم العوامل الخارجية يتأتى من محاذاة الجنوب الصحراوي لافريقيا مسيحية كان الإسلام قد اخفق في تحقيق انتشاره الكامل فيها، وأسفر بالتالي عن قيام حالات دفاع متبادل. في مقابل سنغال نصفه مسيحي ونصفه الآخر إسلامي متردد، اعتنق الإسلام مرة وتركه مرة أخرى ثم عاد ليؤمن به من جديد (بعد تدخل من الشمال)، كانت الحاجة لوجود قوة صمود، لدى سكان هذا الجزء من الصحراء الجنوبية، الدافع الذي ذلّل عقبات مركزة أولية. أهم العوامل الداخلية كان استرجاع طريق ادرار موريتانيا لأهميته الإستراتيجية على طرق المواصلات التجارية بين الشمال والجنوب الافريقي. إن انتقال قبائل زناتة نحو الشمال، وتدمير مدينتي سجلماسا وتامرت اثر حروب القرن العاشر عزّز وضعية القبائل المحلية (اللانتونا والقودالا) ودفعها باتجاه تأمين قدرة ذاتية سياسية وعسكرية للاستفادة من الوضع الجديد. أما نسيج العلاقات الذي بدأ مع مدن الوسط المراكشي، (تامادالت، نفيس، تامدلا، سالة، الخ) فإنه سوف سنتهي بمركزة جنينية بعد وصول العثمانيين إلى شرق المغرب العربي. «في وسط وجنوب موريتانيا الحالية، في ادارار، وتاغانت، في ترارزة وبراكنة، تشكلت، بداية من القرن السابع عشر، امارات كانت بمثابة النوى الأولى لسلطة تعلو سلطة كل قبيلة معزولة، وكانت تلك السلطة ممركزة، وفردية، بتوارثها في غالب الأحيان أفراد عائلة واحدة» (23).

لم يسفر هذا التحول، رغم أهميته، عن قيام إمارة بالمعنى الزياني أو الحفصي، ولا يساعدنا بالتالي على القول باستقلالية سياسية كاملة ونهائية عن المحيط المراكشي. لغاية مطلع القرن العشرين تبقى الاستنتاجات احتمالية. الوضوح اللاحق سوف يساعد على كشف القشرة التي تفصل حاجة ذاتية عن حنين إلى الأمة.

2-في مقابل اتجاه من هذا النوع، كانت الصحراء الغربية (الساقية الحمراء ووادي الذهب) خارج أي نوع من المركزة. لا يغير من ذلك في شيء تأثر قبائل وادي الذهب بتطورات الوضع في الجنوب الموريتاني. إن وجود بني قبلية متناقضة الأصل، ذات أصل عربي (أولاد الدلايم) أو متعربة (تكنة، برابيش..) أو من أصل بربري-مرابطي (أهل بارك الله، أهل عبد الله، تركز، توبالت..) أو القبائل الزناتية (أبو عيطة، لمنار، امراغن..) كان يحول دون حسم مركزي على المستوى المحلي. القبائل العربية الأكثر عددا وقوة لم تستطع (مع احتمال غياب الفكرة) فرض غلبة قبلية من نوع سلطوي. العصبيات كانت قوية وحب الاستقلال والتحرر البدويين كان أشد العلامات الفارقة في تاريخ الصحراء السياسي.

كما أن التمايز المذكور، بين قبائل الجنوب وقبائل الغرب، لم يكن نتاج رغبات ذاتية. إن للتمركز السياسي شروطا تتعدى الرغبة وتمليها الحاجة لضبط أوضاع تتطور بشكل تعدو معه تعددية مراكز التقرير عائقا مزعجا.

لقد كانت ادرار، والجنوب والجنوب الشرقي بقاعا تنزل فيها الأمطار أكثر من غيرها (من 150 إلى 300 ملم سنويا) وقد تتعرض حتى إلى الفيضانات. لذلك كانت تكثر فيها المراعي الخضراء، ومنابع المياه، والقطعان (وخاصة قطعان البقر)، فهي مناطق أغنى من بقية الجهات. ونجد في كل من ادارار وتاغانت واحات النخيل، والأسواق ومحطات لقوافل الإبل، مراكز للمثقفين، أي الكثير من الأماكن الإستراتيجية الهامة.

وأخيرا، بداية من القرن السادس عشر، بدأ يتكون نشاط تجاري منتظم (الدقيق، وخاصة الصموغ مقابل البنادق، منسوجات ومنتجات «البذخ والتباهي» أي للزينة) وكانت توجد محطات لتلك التجارة في نهر السنغال، وأحيانا في بعض المناطق الساحلية التي كانت مصدر قوة ومناعة بالنسبة للجنود المحاربين، وثروة لحماتهم ومموليهم. هناك إذن نزعات فطرية نحو بروز هياكل سيطرة واستغلال مركزيين تتجاوز القبائل منعزلة بعضها عن بعض (24).

هذه الخاصية المناخية-السياسية كانت شبه معدومة في الصحراء الغربية، والشرقية كذلك. على طول المساحة الممتدة في شمال موريتانيا الحالية وصولا إلى وادي درعا نشهد تراجعا ملحوظا في المظاهر الحضرية (واحات، تجمعات ثابتة) باستثناء بعض مناطق الساقية الحمراء. إن حركة الانتقال والترحال الدائميين كانت في أساس عدم الانتظام في العمليات التجارية، وفي أساس تقوية الانغلاق القبلي المتضامن داخل وحدة دائمة التنقل، لا تعتريها حاجة لمركزة، مصيرها مرتبط بحركة سيرها المتواصل.

نخلص من ذلك بنتيجة أساسية تعتمد على فوراق محلية لتصيغ تاريخا يمازجه غياب وحدته السياسية الداخلية، بالمعنى السلطوي، لينسج حالة ليست استقلالا، بالمعنى الحرفي، وليست خضوعا بالمعنى السياسي.

3-يبدو للوهلة الأولى أن هاتين الملاحظتين تعكسان بعدا جغرافيا-سياسيا خارج حدود وطنية: غلبة عصبية في الصحراء الجنوبية، ولا مركزية قبلية في الصحراء الغربية والشرقية. غلبة ولا مركزية خارج إطار قومي، تشكلان موضعا ليس فقط غير مثبت تاريخا بل، أيضا، لا تشجعنا معطيات البحث على إقراره ولا على نفيه قاطعا. وحده الإسلام بشكل مدخلا الاستيعاب لهذه الظاهرة، التي ستزداد وضوحا بعد قيام ثلاثية السلطة في المغرب العربي.

وصل الفتح العربي في أواخر القرن الثاني للهجرة إلى مداخل الصحراء، ولم يدخلها. ولكن بعض القبائل العربية التي قدمت مع الهلاليين واستقرت في المغرب الأقصى، عاودت تقدمها مع حسان بن نعمان موصلة الإسلام المغربي إلى حدود السنغال. وفي طريق العودة بقيت أعداد من قبائل حملة الفتح الأخيرة في الصحراء الغربية وارتحلت منتشرة في أرجائها الواسعة. الاستقرار المحلي إذن ناتج عن حركة تقوم من الداخل، فالداخل هو الأصل ومرتحلو الصحراء هم الفروع. ينعقد هنا الارتباط العرقي-القبلي والسياسي الإيديولوجي بين مجموعات ترتبط بمشروع عام إسلامي يقوده قوميا الخليفة العباسي ومحليا الوالي. لم يحدد هذا الارتباط إطلاقا مساحة حركة الانتقال داخل الصحراء أو إلى خارجها، كما لم يعين حدود العلاقات الداخلية للقبيلة.

سيتدعم الارتباط الإيديولوجي بامتداد الحركة التجارية نحو الجنوب، الأمر الذي ساهم في تحويل بعض القبائل المرتحلة إلى تجار وبالتالي تسييس عصبيتهم. المد الأول بدأ مع بناء مدينة سجلماسا (757م، 140هـ) التي تتوسط، في أهم تقاطع بري لطرق المواصلات التجارية، بين الصحراء كلها (الشرقية والغربية والجنوبية) والمغرب الأقصى من ناحية الساحل الأطلسي إلى شمال اغادير ومن ناحية السهول إلى شرق فاس ومكناس. قيام مدينة (حلقة وصل) تجارية استتبع تحولا في الوضع الصحراوي: «كان يسكن هذا الجزء من الصحراء بدو موغلون بالترحال من أهل الإبل يدعون بالصنهاجيين وكانوا قد اتصلوا بالسود فدفعوهم إلى الجنوب شيئا فشيئا، وبعد أن فازوا بالسيادة على مناجم الملح بادلوا هذا المحصول الأساسي بالتبر. ولا ندري بالطبع في أي تاريخ على وجه الدقة وفي أية ظروف أقيمت هذه التجارة. وقد تألف على أساس هذه التجارة اتحاد صنهاجي متسلط على مملكة غانا السوداء وبنى لنفسه عاصمة هي اوداغوست» (25).

رغم ندرة المعلومات، فإن مدينة سجلماسا لعبت دورا مزدوجا. فهي عملت من ناحية على تقوية الصحراويين المقيمين على مشارفها ومتنت روابطهم بالداخل المغربي، كما عملت على فتح أبواب الصحراء لحركة انتقال وتجارة أدخلت بواسطتها العلاقات المتبادلة بين سكان شمال سجلماسا وسكان جنوبها في إطار مشروع حياتي ومصيري بالغ الأهمية، سوف يتطور بقوة وبسرعة لينتج عصبية سياسية صحراوية متفوقة (قبيلة لمتونة)، سوف تنتهي بدورها إلى سلطة مركزية (إمبراطورية المرابطين) التي لم تكن ولا للحظة واحدة إمارة صحراوية. وإذا كان التحالف القبلي قد أخذ شكلا مركزيا في عملية تحضيره الذاتي لاستلام السلطة، فإن هذا التحالف، وإن كان مستقلا نوعيا عن سلطة المخزن، لم يحتمل إطلاقا حلما استقلاليا عن المخزن نفسه.

تكمن أهمية المشروع المرابطي في تأسيسه لحركة انتقال معاكسة للحركة التي قادها حسان بن نعمان: المغرب الذي يدخل إلى الصحراء في القرن التاسع والصحراء التي تدخل إلى المغرب في القرن الحادي عشر. الانتقال والانتقال المعاكس، مع ما يرافقها من عمليات تنقل صغيرة وثبات موضعي صعب التحديد ومن تطور تجاري-سياسي، نسج عرى رابط تاريخي عميق الفعالية. من اوداغوست إلى سجلماسا، ومن سجلماسا إلى مراكش، كانت الصحراء تصنع تاريخا موحدا سيصل إلى الجزائر في مرحلة أولى، وسيستكمل توحيد المغرب العربي على يد المصموديين (الموحدين) في مرحلة لاحقة.

إن تحول الصحراويين إلى سلطة سياسية كان نتاج فعل إيديولوجي وحسّي إسلامي متأصل الجذور جعل من الصحراء الغربية، وخاصة الساقية الحمراء، «أرضا للأولياء». كل أولئك العظام الذين رأوا انحرافا عن الدين وتهديدا للإسلام، كانوا يرتحلون بعيدا عن المركز المنحرف ليجدوا في الصحراء مكان تأمل ونقطة انطلاق لعملية تبشير جديدة.

منذ انهيار إمبراطورية الموحدين، والساقية الحمراء تحتضن العلماء والمتصوفين، دعاة الوحدة والدفاع عن الإسلام، ابتداء من غدالة الصنهاجية في القرن الحادي عشر، مرورا باحمد الكنتا واحمد بكاي وسيد احمد الرقيبي وسيد احمد العروسي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وصولا إلى الشيخ ماء العينين في القرن التاسع عشر، والصحراء الغربية تعيش ألما وحلما: الم انهيار المشروع التوحيدي وحلم تجديده... الأقدام كانت في الصحراء بينما العيون كانت على الأمة.

هذه الملاحظات الثلاث تقول حالة تاريخية معينة: الصحراء لم تكن إمارة مستقلة سياسيا واقتصاديا مثل الإمارات المغربية الأخرى. كانت تتبع إحداها بنسيج من العلاقات الإيديولوجية والتجارية تميل الأحداث التاريخية إلى ربطها بإمارة المرينيين ومن بعدهم العلويين في المغرب الأقصى أكثر من ربطهم بإمارة بني زيان التي أصبحت تركية «الرأس» أو بمملكة غانا...

إن وضع تاريخ الصحراء الغربية في سياق التطور العام للمغرب العربي يجعل عملية تحديد الانتماء السياسي مسالة عملية لا يمكن تجاوزها. فالارتباط التوحيدي الذي عبر مراحل تأسيس متعددة، من الفتح العربي ورحلة حسان بن نعمان ومجيء المرابطين والموحدين، انتهى إلى عقدة: أين نضع الصحراء الغربية بعد انهيار الوحدة؟ إذا كان الحدث التاريخي لا يثبت وجود سلطة مستقلة في الصحراء الغربية على غرار غيرها في الشرق والشمال، ولا يربطها بالسلطنة العثمانية، فإن الاحتمال الوحيد الباقي هو وجود نوع الوحدة السياسية مع إمارة المغرب الأقصى التي كانت خارج النفوذ العثماني والتي تربطها بنفس الوقت بالصحراء عوامل قبلية وتاريخية حاولنا في الصفحات السابقة إبراز معالمها وركائزها. الاحتمال وحيد لأن التاريخ المكتوب، الحقيقي أو المشوه، المغربي أو الصحراوي، لا يقدم احتمالا آخر.

لكن الاحتمال المقصود لا يعرض نفسه بنقاوة تاريخية. فالارتباط (الانتماء) عكس امتزاجا بين مركزية واستقلالية، إذا حاولنا معالجته بمنظار غربي ندخل في إشكالية أكثر تعقيدا وأسوأ نتيجة. وإذا حاولنا بمنظار شرقي (خلدوني) وجب علينا تحديد كيفية تمظهر الارتباط وطبيعة البيعة. وبذلك نكون قد دخلنا في عقدة السؤال الثالث.

الارتباط يتم بادئ الأمر بالبيعة ثم يأخذ صيغا مختلفة تتبدل بتبدل السلطة:

تغير التابع والمتبوع: البيعة تعبير عن السلطة وعن شكل الخضوع لها وفق التجربة الإسلامية. والبيعة تمر بثلاث مراحل: الأولى تسبق الانتصار السياسي، وتأخذ صيغة تأييد عدد من القبائل لدعاة المشروع الجديد (القبيلة والمذهب) والتي بموجبها يتعرف قادة المشروع الجديد على مدى قوتهم وتعاظم نفوذهم. الثانية تعقب الحسم السياسي وتأخذ صيغة قدوم مشايخ وزعماء القبائل إلى حضرة السلطان الجديد ليعلنوا أمامه بيعتهم له وولاءهم لحكمه. الثالثة تتم بالقوة وتأخذ شكل حملات عسكرية إلى أطراف السلطة، فيتم بذلك إقرار البيعة للسلطان وتحديد العلاقات المتبادلة: على القبيلة الضريبة وعلى السلطان الحماية.

البيعة شكل إيديولوجي للانتماء السياسي، إراديا أو قسريا، يتدعم بإجماع الفقهاء والعلماء. إما الارتباط فهو محاولة توسيع صلاحيات البيعة.

من ناحية أولى، تتحدد العلاقة السياسية بالانتماء إلى دولة مركزية واحدة فيها حاكم ومحكومون، ومن ناحية ثانية، تتحدد الواجبات والحقوق (على الناس البيعة والخراج وعلى السلطة تأمين الفيء والحماية). يستتبع كل ذلك ضرورة قيام عمل مؤسسي يشرف على تأمين استمرار هذه العلاقات كتعيين الوالي أو ارتباط شيخ قبيلة ما بالسلطان مباشرة، واجبها ضبط العلاقات الضريبية-السياسية وإبقاؤها في إطار سلطة المركز.

هذا النمط من الارتباط سهل التحديد في حالة وجود تمركز ثابت للسلطة والشعب. في حالة وجود حركة انتقالا دائم (البداوة مثلا) فإن الارتباط والبيعة لا يأخذان شكلا ثابتا، كما أن الضريبة صعبة الحصر لغياب منتوج ثابت. قد تتحقق الناحية الأولى من الارتباط السياسي بالصدفة أحيانا، أو بالولاء الطوعي أحيانا أخرى، أما الناحية الثانية ففيها من الصعوبة ما يجعل تبسيطها وتعميمها ضربا في المجهول. في الحالة الأولى يمكن لقائد حملة عسكرية أن يصادف قبيلة متجولة فيبلغها أن نظاما جديدا قد استتب، وبما أنها داخل إطاره فعليها الطاعة والولاء. الإجابة تكون غالبا بالإيجاب وتنتهي المهمة وتعود الحملة إلى نقطة انطلاقها والقبيلة تواصل ترحالها، أما الانتماء فيبقى سياسيا إيديولوجيا.

في الحالة الثانية تعلم إحدى القبائل بوصول سلطان جديد، فترسل شيخها ليعلن له البيعة. السلطان يستمع إلى خطبة الولاء والشيخ يستمع إلى نصائح السلطان وكلاهما يعود أدراجه، يجمعهما الاتفاق الجديد.

الناحية الثانية من تحديد العلاقات واضحة في حالة المدن صعبة في حالة الأطراف. التناقض القائم بين الحالتين لا يضع المركز والأطراف في إطارين قوميين مختلفين بل العكس يبقيهم في إطار واحد مدعوم إيديولوجيا-إسلاميا وجغرافيا. عندما تتحول البيعة إلى قهر والارتباط إلى إخضاع سياسي تكون العملية محاولة مركزة وتوحيد بالقوة، ولكن البشر ينتمون إلى نفس المنطقة ونفس التاريخ ونفس الثقافة. وهذا هو الجانب الغالب في قيام السلطة عند العرب، منذ الفتوحات إلى بداية التدخل العثماني. نفس الشيء جرى تكراره في المغرب العربي: السلطة الجديدة تطيح بالسلطة القديمة التي لا تتنازل بسهولة فيتم الارتباط بالعنف وتتم البيعة بالخضوع والموافقة، وتتابع السياسة سيرتها.

في حالة المغرب، الظاهرة أكثر وضوحا: في المخزن (مركز سلطة) والمدن تتحدد الحقوق والواجبات بشكل دقيق تراقبها وتحميها الإدارة وقوة السلطة العسكرية. إما بلاد السيبا (قبائل الجبال من الريف إلى الأطلسي) فإن عملية ارتباطها تختلف وتسلك منحى مختلفا. الانفصال القائم بين تبعية صارمة في الحالة الأولى، وتبعية اخف في الحالة الثانية يجد تفسيره في طبيعة شروط التبعية.

في الحالة الأولى، الولاء مرتبط بالممتلكات والأشخاص (بالأرض) فتحدد تبعا لذلك الواجبات والحقوق. في الحالة الثانية يرتبط الولاء بالأشخاص وليس بالأرض.

فالسيادة قوامها موافقة أو خضوعها مجموعات القبائل لسلطة مركزية. يعتبر السلطان نفوذه ساري المفعول لحظة إعلامه بموافقة زعماء القبائل المقيمين أو المتجولين. حدود البيعة هي حدود النفوذ السياسي والعسكري، الذي يكون سياسيا وعسكريا معا في حالة مدن المخزن، وقد يكون سياسيا-إيديولوجيا في حالة بلاد السيبا وقد يكون عسكريا في حالة الحملات العسكرية إلى الأطراف.

المهم من كل ذلك أن السلطة تبحث عن البيعة لبسط نفوذها وتشريعها ومد سلطتها إلى أقاصي البلاد والسيطرة على الطرق التجارية، والناس تبحث عن البيعة، أما لحاجة الحماية من مخاطر خارجية ودائمة فتلجأ إلى القوة الجديدة، وإما كرها وخوفا من التصفية وموافقة إيديولوجية وقبول واع بالولاء. ضمن أي من الأطر يمكن وضع الارتباط السياسي بين الصحراء الغربية والمخزن المراكشي بعد تحول الجزائر وتونس إلى ولايات عثمانية.

إن مراجعة دقيقة لصيرورة الدولة في المغرب الأقصى تثبت وجود نقطة ضعف قاتلة في المجال الجغرافي-السياسي: الأطراف. معظم الحركات التي انتهت إلى سلطة جاءت من الأطراف. في عصور الازدهار الإمبراطوري ترددت معنا باستمرار أسماء المدن الجنوبية (سجلماسا، تاهرت، تافيلالت، درعاـ ادرار...) ومداخلها نحو الشمال والشرق (السوس، مراكش). كما لعبت التجارة دورا محوريا وهاما في انتقال السلطة. وبناء عليه، فإن قبائل حسان الذين توزعوا منذ القرن الثاني عشر في طول الصحراء الغربية-الجنوبية وعرضها بين تافيلالت ودرعا، لم يكن بإمكانهم، مع احتمال نزوعهم الاستقلالي، أن يكونوا خارج حركة التطور. وفي حالة العكس، فإن سلطة المخزن لم تكن قادرة على إهمال ذلك الممر الحيوي والاستراتيجي.

صحيح تماما أن خارطة المغرب الأقصى الكبير قد ارتسمت ضمن دائرة الإمبراطورية المرابطية، وصحيح أيضا أنها وضعت انتماء واضحا متبادلا ومصيريا بين سكان المغرب من زاوية الأطلس الشمالية إلى نهر السنغال، وصحيح كذلك أن الظاهرة تكررت مع الموحدين. ولكن مرحلة انقطاع ممكنة الحدوث وقد حدثت فعلا، تبريرها الوحيد لم يكن ناتجا عن محض نزعة استقلالية عن مخزن قوي ومتسلط، وإنما، تحديدا، ضعف عام في بنية مخزن أصبح عاجزا عن إيصال نفوذه إلى الأطراف، وتدخل أجنبي، عثماني أحيانا، وبرتغالي اسباني أحيانا أخرى، كان يزيد في تعميق مرحلة الانقطاع. الانكفاء نحو الداخل في حركة بطيئة وصلت إلى ذروتها في القرن الثامن عشر، بعكس مرحلة دفاع ذاتي في مواجهة غزو حثيث ومستمر من الخارج، قد يكون الانكفاء ثمنا لاستقلال مخزني عن الغرب والعثمانيين، ولكنه لا يمكن أن يكون شيئا آخر.

أشراف درعا السعديون وأشراف تافيلالت العلويون انطلقوا من الجنوب نحو الشمال. استقرارهم في المخزن (مراكش وفاس) لم يلغ عودتهم، وقد أصبحوا في السلطة، لبسط نفوذهم في الأطراف التي قدموا منها. كل السلطة في مرحلة شبابها تقوم بتوسيع نفوذها. وفي مخزن أصبح اعتماده على الجيش والتجارة أساس استمراره، يكون البحث الدائم عن ضرائب ومركز الممرات شرط بقائه.

أرسل السلطان السعدي جيوشه نحو الصحراء، في بداية عهد السعديين (عام 1566)، في حملة وقائية يبدو أن هدفها بسط النفوذ ومد السلطة الجديدة بولاء مترامي الأطراف. إلا أن الاستنزاف الداخلي، في الشمال والشرق، كان يدفع السعديين، ومن بعدهم العلويين، دائما باتجاه مراقبة أشد صرامة على المداخل وطرق المواصلات وأبواب مرور التجارة المخزنية إلى الصحراء وسلع الصحراء العابرة إلى الداخل (املاح البوادي-اجيل، تغازة، ذهب، دقيق، وريش نعام والصموغ...) في كل مرة تكون حياة المخزن متوقفة على ازدهار حركة التجارة، تتجه جيوش المخزن نحو الصحراء: حملة السلطان السعدي أحمد المنصور (1678-1703) سارت إلى الصحراء وهدفها الاستراتيجي الوصول إلى حدود السنغال، بينما هدفها المباشر كان السيطرة على تقاطع الطريق التجاري الصحراوي (تاورت، تغازة، تومبوكتو).

إن ارتباط قبائل الصحراء الغربية بالسلطة السعدية لا يمكنه بحال من الأحوال تجاوز هذه الحاجة التجارية، بينما نراه مع العلويين يأخذ صبغة سياسية أكثر وضوحا: تمركز جيوش المخزن في أعماق الصحراء (ادرار موريتانيا)، تعيين ولاة محليين وقادة جيوش موضعية (كما كان الحال مع تعيين أمير الترارزة على شندورة)، وتجوال ابن أخ السلطان مولاي إسماعيل الدائم بين شنقيط والسنغال... أما مولاي إسماعيل نفسه (1672-1727) ثاني الشرفاء العلويين وأهمهم فقد «قضى طفولته في التخوم الصحراوية تافيلالت، وكان حليفا لقبائل حسان ماكيل بسبب القرابة السلفية من جهة الأم. ومن الملاحظ، أن هذه القرابة تلعب دورا هاما ومكتوما وفي نفس الحين، في السلطة الفردية للسلاطين الشريفيين الذين لم يخرجوا من دائرة –التحالف والمنافسة- وسط المجموعة التي ينتمون إليها بالقرابة. وقد تمت في عهده، حسب مختلف الرواة، ثلاث بعثات نحو تاغت وادرار، ثم نحو ترارزة. عدا ذلك فإن الهجومات كانت موجهة لمقاومة الأوروبيين والأتراك، والقبائل الداخلية. وبواسطة تلك الإرساليات، يسند من وقت لآخر بعض القبائل المحاربة الحسانية الموجودة في وضع صعب ضد أخرى، وضد القبائل المرابطة أو ضد فرنسيي سان-لوي...»(26).

إن علاقة من هذا النوع، لا يدخلها شكوك متعلقة بالانتماء أو البيعة، كان مقدرا لها أن تشهد انقطاعا سوف يعزل الصحراء الغربية وقبائلها عن مخزن شريفي يعيش اظلم مراحله ويعد نفسه لمرحلة احتضار، نجاته الوحيدة منها كانت الارتماء في أحضان غرب كان تجاره ينتظرون على الموانئ فرصة سانحة للدخول. هل كانت مرحلة العزلة انقطاعا كاملا أم استمرت روابط البيعة كولاء سياسي بحت، لا علاقة له بضريبة ولا بإرسال محاربين؟ أغلب الظن أن الانقطاع كان قائما، أو لعله كان في الغالب قائما حتى ما قبل القرن الثامن عشر، ولكنه محدود بالقيمة الميدانية له. لقد ظلت الصحراء عمقا استراتيجيا للمخزن، وظلت قبائلها تشعر بحنين العودة إلى عهد الموحدين والمرابطين. الشعور بالولاء إلى مخزن متردد ومتسلط أحيانا أو فاتح وقوي أحيانا أخرى، واقتناص لحظات استقلال عن مخزن محتضر وعاجز، لم يخرج الصحراويين من فلك الانتماء إلى مشروع يتجاوز أحلامهم المتواضعة.

يعود هذا الاتجاه ليؤكد نفسه مع مطلع القرن التاسع عشر. أدى احتلال الجزائر عام 1830 إلى انفتاح طريق التجارة الصحراوية. ومنذ عام 1840 أصبحت الطريق الغربية الأكثر ازدهارا وزادها أهمية غزو الفرنسيين لأسواق تندوف ومن بعدها كولمين. وضمن هذا السياق يمكن استيعاب أهمية الحملتين الباهظتي التكاليف اللتين قام بهما مولاي الحسن الأول (1878-1894) إلى منطقة السوس كولمين، حيث أنشأ في الأولى تزنيت وأعاد ربط قبائل بيروك بسلطته، في الثانية (27).

إن ارتباط الصحراء الغربية بالمغرب الأقصى قد يكون بديهة «استراتيجيا»، إلا أن تأكيده علميا مسألة تخالطها مغامرة. الانقطاع لم ينتج حرية تامة عن سلطة المخزن، ولكنه أيضا لم يبق ارتباطا واضحا بها. إن غموض الأحداث والوقائع والغياب النسبي لقبائل الصحراء عن الصراع السياسي لا يساعدان على إثبات أي من الاستنتاجين. كشف التاريخ السياسي للصحراء الغربية كل أوراقه الدفينة والراهنة لحظة مواجهته للغرب الاستعماري. وفي ثنايا هذا التاريخ يمكن التوصل إلى إجابة علمية قدر الإمكان، على الإشكالية المطروحة.

الشيخ ماء العينين أو التجربة الوحدوية

الطريق إلى السلطة في المغرب تبدأ في الدين وتنتهي في السياسة، أو تبدأ في السياسة «دينيا». انتقال الصراعات المحلية إلى مستوى سياسي-إيديولوجي يشترط مقومات مذهبية عقائدية تتعارض مع الركائز السائدة، فتأتي إصلاحا لها أو نقيضا. والاشتراط بهذا المعنى ليس رغبة إيمائية بل، تحديدا، ضرورة وحدوية، يصعب بدونها تكتيل قوة سياسية قادرة على فرض الغلبة «المذهبية»-القبلية.

تكرار الظاهرة يسمح بإدراجها ضمن قانونية علمية يتحدد بموجبها مشروع السلطة: صراع العصبيات المحلية من اجل الغلبة أو صراع الداخل مع الخارج من أجل الدفاع عن الأمة يستمدان جذورهما من التراث السياسي-الاجتماعي للإسلام، يخضعان له ويتكيف مع اتجاه المشروع الغالب.

دائرة الانتماء الوطني تتحدّد سلفا ضمن إطار الدائرة الدينية، وما يتشكل خارج الدائرة يحتمل ثلاثة تفسيرات: تفسير يعتبر الخروج عن دائرة الوطن (الإسلامي) شواذا عن القاعدة، أي استثناء، وتفسير يكشف مشروعا إقليميا له حسابات ذاتية ويتعارض مع المجموع الموحد داخل الدائرة، وأخيرا، التفسير الذي يعكس نتاجا قسريا لحالة معينة في ميزان القوى المحلي والعالمي، والذي يدفع التناقضات القائمة داخل الدائرة إلى التشكل ضمن دوائر صغيرة. لا ينفي ذلك تحييد الدين عن حركة الخروج عن الدائرة، بل يبقى ضلعا هاما يجري تطويعه مع النتيجة واستخدامه مع المسببات.

ضمن هذه المعادلة يمكن استيعاب الدور السياسي «للزوايا» في المغرب الأقصى. فالزاوية التي بدأت بتصحيح النظرة إلى الله –وفق خلفيات المبشرين- انتهت بتغيير النظرة إلى الإنسان. البداية كانت تعني تمتين الإطار الإيديولوجي للمشروع السياسي وتنقيته مذهبيا، والنهاية تعكس صورة الزاوية لحظة تحولها إلى سلطة. وبين البداية تحتفظ الزاوية بصفة جوهرية تكمن في كونها، أساس وقبل كل شيء، نواة «السياسية»: المعبد الذي سيتحول إلى قصر.

الزاوية هي الرباط أو الصومعة، يعيش فيها مبشر-زاهد لا يلبث أن يتحول إلى تيار له أتباع، يدعو إلى المعروف وينهي المنكر. المؤسس ينطلق من السلام ثم يتمذهب دينيا، أي ينحاز لمذهب قائم في المشرق فيحارب المذهب الغالب ليقيم مكانه مذهبه. ولما كان تأسيس المذهب في المشرق يقوم على قاعدة إعلان بديل سياسي للخليفة أي ليس استقلال عنه، بالمعنى القوي، فكيف يتم تسييس الزاوية ذات الشكل المذهبي في المغرب.

إذا اتبعنا التأريخ الغربي لا نستطيع التوصل على قواعد موضوعية تضبط التحليل. شارل اندريه جوليان يتحدث عن مرابط تابع للغرب، ثم يتجاوزه بتعريف للزوايا يبعدها عن السياسة ويحيطها بأكاديمية لا تحتاج إلى تعليق: «لقد أنتج المغرب الأقصى كثيرا من المرابطين الذين بلغوا درجة الصالحين إما لعلمهم وتقاهم وإما لبركتهم وإما لتفانيهم في التصوف. ويوجد بينهم سلم رتب يبتدئ بسلطان المدينة وينتهي بالوالي الصالح المجهول... ويكون كل حرم هام في توابعه زاوية ينفق عليها من عطايا الحجيج.

وللزوايا التي يشرف عليها شريف حظوة خاصة، لذلك يبذل كثير من المرابطين المغاربة جهدهم للحصول على نسب شريف. والزوايا التي هي مراكز لعبادة الأولياء ومجامع للأشراف هي أيضا مقر للطرق. ففي المغرب الأقصى يكون للطرق أكبر نسبة من الأتباع (10%)...» أما لماذا تبتدئ الرتبة بالسلطان، وكيف يكون الحصول على لقب الشريف هدف المرابطين، والطرق، أو طقوس الزاوية، صاحبة أكبر نسبة من الأتباع؟ فإن ش.أ. جوليان لا يتطوع للإيضاح (28).

الزاوية هي الشكل الجنيني للسياسة، وتطورها من زاوية إلى حركة ومن حركة إلى سلطة ليس إلا النمو الطبيعي والتدريجي لهذا الشكل. إدريس الأول أراد «تأسيس عاصمة والتبشير بدعوة» -العروي- وإدريس الثاني جعل من جامع فاس نواة دولة الأدارسة. أبو عبد الله الشيعي بدأ مثلما يتحدث بالدين وانتهى بتأسيس إمبراطورية الفاطميين. يحي بن إبراهيم عاد من الحج إلى بلاده «يصحبه مصلحه، عبد الله: (إن ما حدث فيما بعد: فشل أعمال التبشير الأول، الهجرة إلى جزيرة وبناء رباط (صومعة)، انضمام جماعة قليلة من الرجال الأكفاء ببطء حول عبد الله والزعيم الجديد يحي بن عمر، سوف يشكلون نواة الدولة المقبلة...) (29) هكذا بدأت الدولة المرابطية.

عبد المؤمن بن تومرت انتقل من قرطبة إلى العراق ومن العراق إلى الأطلس، عاد وجعبته مليئة دينا وأسس حركة مليئة سياسة أخذت شكلها الأكثر تجليا بقيام إمبراطورية الموحدين... نصل إلى زاوية الشيخ ماء العينين. هل كانت دينا أم سياسية؟ كل الذين سبقوه اتبعوا آلية معينة في عملية الحسم السياسي: زاوية، قيام اتحاد أو تحالف قبائل، تأسيس نواة السلطة من الدعاة، الاتجاه نحو مراكز التجارة، تعاظم قوة الحركة، الهجوم والانتصار.

الأهداف التي تبدأ بهدوء عند تأسيس الزاوية وتأخذ شكل عنف عند قيام السلطة لسياسية بقيت داخل الدائرة: استلام السلطة الواحدة والمركزية، الدفاع عن وحدة الأمة ضد الغرب المسيحي، السلام، ونقطة انطلاقة الزاوية، أساس البداية وركيزة الاستمرار –إطار تشريع وتركيز الوحدة السياسية ومجال إخضاعها للمركز- المخزن.

هل كانت زاوية الشيخ ماء العينين استمرار لنفس التاريخ، والرد الوحدوي على غرب استعماري في لحظة عنفوانه؟ أم أنها شكل تمظهر وتحصين لمشروع إقليمي-موضعي، أي صحراوي؟

التاريخ الرسمي في المغرب يعرض الشيخ ماء العينين بدون تفاصيل، يضعه أحيانا على الهامش وأحيانا أخرى يقدمه بوصفه العامل الصحرواي الأكثر ولاء للسلطان والأكثر حرصا على وحدة المملكة. والجهد الأكثر تفصيلا لم يتجاوز الأسطر العشرين، تحتوي أهم تجربة سياسية في المغرب الأقصى لحظة التدخل الاستعماري!! (30).

أما محاولة التأريخ الصحراوية شبه الوحيدة والتي سعى جاهدا، لتقديمها «كعلم»، أحمد باب مسكي فإنها الأكثر استفزازا. احد مؤسسي البوليزاريو، الذي يرى في الشيخ ماء العينين أصلا موريتانيا «استقر، شابا، في الساقية الحمراء»، ويعمل بكل «قوته» على دحض الاستعمال المغربي للانتماء الصحراوي لهذا الشيخ، لم يتكرم علينا إلاّ بأربع صفحات. ولغاية الآن، يظل الشيخ ماء العينين –منبع الوطنية الصحراوية- مهملا من قبل الوطنيين الجدد!! (31)

لا نريد الدخول في تحليل أسباب الإهمال وأسباب الاستعمال المتأخر لتراث الشيخ ماء العينين. كل طرف من الأطراف يستعمل هذا التراث وفق سياسته:

القائلون بمغربية الصحراء يقدمونه مغربيا أصيلا، والقائلون بصحراوية الصحراء يقدمونه مناضلا وطنيا من أجل الاستقلال الصحراوي. كل طرف يضعه في إطار تاريخي يختاره هو، ويقدم مشروعه السياسي ضمن المشروع الرسمي العام (مغربيا كان أم صحراويا)، يليه بتحديد الانتماء الوطني، وكل واحد يسعى للقيام بكل هذه العملية ببخل وثائقي وحدثي وتأريخي.

سنحاول قدر الإمكان استخلاص ما استطعنا معرفته عن تجربة هذا الشيخ من خلال بعض المقابلات والمعاينات الميدانية، وبالاستناد إلى بعض المراجع المتفقة على الحدث ولكن المختلفة على تفسيره، والتي هي قليلة ونادرة، وذلك في محاولة جدية للمساهمة في إحياء هذا التراث، بدون تحليل ولا تعليق، فالإهمال المذكور واضح ومدان. نكتفي هنا بعرض حدثي-معلوماتي هدفه الأساسي الإلمام بجوانب التاريخ السياسي للشيخ ماء العينين.

ينتمي الشيخ ماء العينين إلى قبيلة خميس التي انتقلت مع طالب ضيا المختار إلى أدرار (موريتانيا) في القرن الثاني عشر، وهي قبيلة مغربية صنهاجية تنسب نفسها إلى إدريس الثاني، أي ترتبط بأصل عربي-قرشي-هاشمي-علوي (الحسين بن علي)، وبأصل مغربي سياسي-مذهبي (الأشراف الأدارسة). والده، المرابط محمد فاضل بن مامينا، كان في أساس التنشئة الدينية للشيخ ماء العينين، إذ منذ ولادته عام 1838 وهو ينمو في جو إسلامي تقوي سوف يحدّد لاحقا اهتمامات الشيخ: الانكباب على علوم الدين، التعليم في شنغيطا، مدينة العلوم الدينية-الثقافية في موريتانيا، تنتهي المرحلة الأولى بزيارة مبكرة إلى المشرق لأداء فريضة الحج (في سن السادسة عشرة)، يعقبها عودة متواضعة، حيث يبدأ الحاج الشاب بالارتحال بدويا، مع مواشيه القليلة، بين وادي درعا وأدرار بحثا عن المرعى والمياه. غير أن تجواله الدائم بين شمال الصحراء وجنوبها كان يساعده على الاحتكاك بالقبائل، وكان يعزّز عنده الميل نحو تمركز ما بإمكانه المساعدة على تخفيف صعوبة الارتحال في صحراء واسعة الأرجاء: رغبة بدائية للانتقال إلى حياة حضرية تغطي مشروعا دفينا من الصعب تحديده في تلك المرحلة، ولكن من الممكن حصره بإقامة زاوية ونشر الثقافة والتعليم الإسلامي عند قبائل الصحراء.

بدأت صيغة الزاوية تظهر إلى الوجود في أعقاب انتقاله من أدرار إلى الساقية الحمراء، وخاصة بعد زواجه من امرأة عربية عام 1965، شروعه في بناء منزل من حجارة بالقرب من دا حمرا. قلة المياه وصعوبة إنجاح التمركز الحضري في تلك المنطقة، إضافة إلى وجود أماكن أكثر خصوبة وأمطار أكثر غزارة في نواحي التمركز الحضري في تلك المنطقة، إضافة على وجود أماكن أكثر خصوبة وأمطار أكثر غزارة في نواحي غلتا زمور، عوامل أسفرت عن انتقال جديد وأدت إلى تبلور فكره السياسي-التبشيري: في المنطقة التي يتعايش فيها الزرع مع التراب، ويعبرها القادم من الشمال إلى الجنوب والعائد من الجنوب إلى الشمال، يمكن أن يتحول المنزل الحجري إلى نواة مدينة-ممر، والزاوية الدينية إلى واحة سياسية ونقطة جذب وتوحيد للسياسات البدوية المنتشرة.

ارتباط الزاوية بحلم تأسيس مدينة على تقاطع طرق المغرب بموريتانيا، ويتضمن إمكانية إقامة سوق -مركز تجاري وسيط في قلب الصحراء- يساعد على القول بوجود مشروع مركزة موضعي من الصعب تحديد خصوصيته السياسية ومبرراته، وإن كان بالإمكان وضعه في إطار الأحداث التي سبقت فكرة قيام المدينة وترافقت معها فيما بعد. ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الصحراء الغربية تعيش حالة قلقة مصيرية، وكل شيء كان ينذر بانهيار ما: فرنسا تعبر قواتها نهر السنغال وتندس في جنوب الصحراء، اسبانيا تنتظر من جزر الكناري وترسل تجراها ومبعوثيها ليعاينوا «الضحية» عن كثب وبواخر الجيوش في حالة تأهب، انكلترا تتمتع بامتيازات علاقتها مع السلطان وتطل بأطماعها الصحراوية من كاب جوبي (الطرفايا)، أما الشمال، الذي أدخلته أزمته إلى «المخزن» وحصرته فيه، فكان يعيش انقطاعا مع أطرافه في الريف والصحراء، ويشهد صراعا دوليا لاقتسامه، بينما سلطانه لا يملك ورقة ضغط فاعلة. المغرب المحارب يعيش حالة إعياء، السلطان ينتظر لحظة احتضاره، الصحراء تراقب حركة المحاصرة وتتلمس دفاعاته الأولية، والغرب اتخذ قراره التاريخي باحتلال المغرب الأقصى بدءا من أطرافه. ضمن هذا الإطار كان يتبلور الوعي السياسي للشيخ ماء العينين: قلبه على الأرض (الإسلام) وعينه على بواخر الغرب.

في نفس الفترة، كانت القبائل تعيش حالة تفتت داخلي تضع كلاّ منها في مواجهة انفرادية ضد محاولات التغلغل الأولى للاستعمار، مواجهة كانت تنتهي غالبا بتراجع القبائل وإبرامها لاتفاقيات «هدنة» مع الغزاة:

تراجع أولاد الدلايم عام 1884 ساعد اسبانيا في السيطرة على الساحل الافريقي وإرسال جيوشها نحو الرأس الأبيض ورأس بوجدور محتلة الخط الساحلي للصحراء الغربية، وإعلانها الرسمي في 26 كانون الأول من نفس العام عن حمايتها لهذه المنطقة.

المواجهة الانفرادية التي عاودها أولاد الدلايم بتاريخ 9 آذار/مارس 1885 كانت تضع هذه القبيلة في حرب ضد مستعمر قوي، لا يميل ميزان القوى بشكل يساعد على إحباط مخططه، وبديهي أن تنتهي باتفاقية لوقف العمليات المسلحة، وبالتالي إدخال بعض زعماء أولاد الدلايم في المشروع الاسباني، الذي أخذ شكله الأولي ببناء مدينة الداخلة (فيلا سيسنيروس).

أما الجنوب فقد عايش تنافسا صامت وحادا بين اسبانيا وفرنسا. ففي الوقت الذي أرسلت فيه اسبانيا جنرالها سيرارفار إلى ايجيل (عام 1886) ليعقد معهاهدة مع بعض زعماء قبائل ادرار –ومن بينهم أمير أدرار نفسه- ويعلن خضوع القسم الجنوبي للسيطرة الاسبانية، كانت فرنسا ترى في هذه الخطوة تهديدا خطيرا لكامل مشروعها في افريقيا «الفرنسية». «وبعد مرور 15 عاما من المفوضات الصعبة، وأحيانا على مستوى «القمة» للتوصل على تحديد أولي لعملية الاقتسام والتوزيع، ترتسم المعاهدة الفرنسية-الاسبانية المبرمة عام 1900 حول الصحراء وغينيا الحدود التي بقيت هي نفسها من لافيرا وبورت ايتاين (نواذيبو) على خط الغرب الجغرافي 14، 20 درجة بالنسبة لباريس. فالمعاهدة تمنح فرنسا منطقة المساحة الإستراتيجية لايجيل، بملاحتها وجبلها الحديدي...» (32) وتطلق يد اسبانيا في الشمال من مدينة الداخلة إلى ايفني.

انعكس الاتفاق الفرنسي-الاسباني على وضعية المقاومة الداخلية. فالقبائل التي كانت تمارس عمليات حربية ضد «المسيحيين»، وكانت تستفيد من تنافسهم، وجدت نفسها فجأة في مواجهة تحالف قوي، لم تكن نتائجه متجانسة: أولاد الدلايم يتفاوضون ويقاتلون، أهل بيروك يبحثون عن مدخل تجاري داخل الوضع الجديد، الرقيبات يتجمعون على الساحل وقرارهم الوحيد دفاعي، أمير ادرار وبعض زعماء الترارزة ينحنون أمام ثقل التحالف الجديد... بالمقابل، كان المخزن، الأمل الوحيد لقبائل الصحراء، قد كشف كل أوراقه. ضعفه العام يحول دون تنفيذه لشروط البيعة (حماية الرعايا)، وتغلغل الغرب في البلاط الملكي كان يدفع الأمور باتجاه المساومة والانحناء. فالاحتجاج الذي وجهه السلطان حسن الأول، بتاريخ 16 أيار/مايو 1886، إلى الدول الكبرى معترضا فيه على التدخل الاسباني المتجه شمالا، لم يكن تعبيرا عن مشروع مواجهة مع الغرب. لقد كان، تطويقا لمحاولة تقسيم المملكة، والخطوة الأخيرة لضبط انفلات الرعايا وتغريدهم خارج «السرب» المخزني: «أما الحكومة الفرنسية فلم تكن لها لحد الآن مع أسلافنا الكرام إلاّ علاقات المودة، وقد أظهرت إخلاصها لاتفاقية السلام واحترامها لحقوق الجوار وأسلوب عملها منصف والتزاماتنا المتبادلة تتأكد وتقوى، ونريد أن يبقى بين حكومتنا وبين الحكومة الفرنسية سلام دائم وعلاقات ودية، وهذا قد تم بناء على نصوص مكتوبة تحتوي على كل من الحجج والنصوص إلى حد أنه حتى إذا لم يعترف لهم بحق في قضية ما فإن الفرنسيين يمسكون عن طلبهم، ويواصلون معاملة هادئة اعتبارا لموضوع محبتهم انهم لا يعلمون ضد احد دون أن يبنى عملهم على سبب عادل، ولا يحدثون ضررا بجيرانهم إذا لم يجبرهم هذا عليه، فإذا بقيتم إذن في حدود حقوقكم مقتدين في ذلك بأسلافكم لن يصلكم منهم ضرر ولا خراب ولن يلحقكم منهم ظلم طول العمر بإذن الله...» (33) أما وفود القبائل التي كانت في حركة ذهاب وإياب من الصحراء إلى فاس، للمطالبة بدعم صمودهم، كانت تكتشف، عدا اتجاه المساومة، ضعفا بنيويا عاما يجعل المخزن عاجزا عن التحرك خارج دائرة نفوذه، جغرافيا وسياسيا. ولم يبق بالتالي إلاّ البحث عن حل أساسه ذاتي، وعن مشروع يبدأ بالدفاع ضد الاستعمار ويأخذ مسار تصحيح الوضع في المخزن.

على قاعدة هذه التطورات ينبغي وضع تجربة الشيخ ماء العينين. إن محاولة توحيد القبائل الصحراوية، وحماية التراب الوطني والإسلام من الاستعمار، وخلف نقطة جذب محلية قادرة على الاستقطاب وتطويق الانهيار المعنوي العام، كلها عوامل أساسية ومباشرة لعملية بناء مدينة السمارة وتشكل الزاوية السياسية الصحراوية التي ستقود المعركة وتخرق الحصار. ولكن رغم «ذاتيته»، فإن المشروع كان غير قادر على الاكتمال بدون مساعدة (موافقة) المخزن. فالشيخ، رغم قناعته بضعف المخزن وبضرورة أخذ زمام المبادرة، كان يدرك تمام الإدراك أن إمكانات الصحراء المتواضعة لا تتوافق وحاجات بناء المدينة، وبالتالي فإن البحث عن مساعدة السلطان عبد العزيز ضرورة يتوقف عليها المضمون الوطني للمشروع. ففي مقابل المدن التي يبنيها الاستعمار ينبغي تشييد المدن التي بينها الوطن. أما السلطان فقد رأى في مبادرة الشيخ وسيلة التحام جديد ودفعة مقوية للنفوذ المخزني الذي كان قد بدأ يعيش حالة الانحسار. فالمبادرة الصحراوية سوف تعيد سلطة مراكش إلى الصحراء بعد أن أخرجتها منها حالات التفكك العام للمملكة.

كيف كانت العلاقات السياسية بين الشيخ ماء العينين والسلطان المغربي لحظة بزوغ المستقبل السياسي لمدينة السمارة؟ وما هي الروابط التي كانت قائمة بينهما: تبعية أم استقلال؟

تثبت الوقائع التاريخية قيام التبعية بالمعنى الوطني أي انتماء إلى سلطة سياسية مخزنية وملامح مشروع سياسي محلي المنطلق شمولي الهدف. فالشيخ ماء العينين كان يتمتع بشخصية مميزة، استطاعت بفضل الثقافة الإسلامية الواسعة والإيمان الشديد، فرض نفسها في منطقة تتعايش فيها «زعامات» قبلية. لكن هذه الشخصية لم تتحول إلى قيادة سياسية إلا بحيازتها لشروط الزعامة نفسها:

علاقات واضحة مع السلطان العلوي، نفوذ محلي قوامه الزاوية (المربط) والدعوة لمحاربة المسيحيين. العلاقات مع السلطان لم تكن «صدفة» بقدر ما كانت وسيلة حصول على شرعية الزعامة المحلية. فالبيعة التي أعلنها الشيخ ماء العينين للسلطان عبد العزيز عام 1894 يجب أن توضع في سياقها التاريخي: رحلات الذهاب إلى فاس ومراكش والإياب إلى الصحراء طيلة الفترة الممتدة من 1890 إلى 1900، وتشجيع لعمليات التخريب ضد مصالح قوات الاحتلال، وخاصة المصالح الاسبانية في وادي الذهب والانكليزية في كاب جوبي، كانت مبادرة من الصحراء نحو المخزن في محاولة لتوحيد القوى لحظة اشتداد التغلغل المسيحي. ولكي تتحقق شروط الزعامة وجب تطويق العراقيل، أي تحديدا إقناع القبائل وإقناع السلطان. أهل بيروك كانوا يرون في بناء المدينة حظوة تجارية ستؤدي بازدهارها إلى إضعاف غوليمين وبالتالي تدهور نفوذهم الاقتصادي الذي بدأ ينمو على قاعدة الصفقات التجارية مع الغرب. والرقيبات كانوا يرون في الانتعاش الحضري «طعما» يجذب المسيحي، بينما الصحراء «البدوية» لا ترغب الغرب وتبقيه بعيدا عن وطن القبائل. أولاد الدلايم كانوا يبحثون عن فرصة لانتشال أنفسهم من البؤرة التجارية التي أقامها الاسبان في الداخلة، ولكن رغم ذلك كانوا منقسمين: فئة وافقت على السلم وفئة تابعت «القرصنة»... المهمة صعبة لكن تحقيقها احتاج لكل ثروة ماء العينين الفكرية والشخصية والدينية. السلطان عبد العزيز، من ناحيته، لم يكن بحاجة على إقناع طالما أن المبادرة لا تكشف سياستها.

فهي طلب من الخليفة إلى سلطانه لبناء مدينة-زاوية، وسوق تجاري-ممر، يعني فيما يعينه تقوية نفوذ مراكش إلى ما وراء وادي نون وصولا إلى أدرار. أما المضمون السياسي للطلب فسوف يحتاج لعدة سنوات بعد استكمال بناء المدينة، ويأخذ شكلا مترددا سوف ينتهي بدوره بقطيعة سياسية. اتفاق محلي وشرعية مراكشية أعقبها تنفيذ الحلم. المهندسون يتجهون من فاس وتطوان وطنجة لوضع تصاميم المدينة الجديدة، مسافة الـ 250 كلم التي تفصل ميناء الطرفايا عن مدينة السمارة كانت طريق عبور قوافل آلاف البغال والجمال حاملة مواد البناء التي تبرع بها السلطان. أربع سنوات، من 1898 إلى 1902، وتقوم مدينة السمارة في قلب الساقية الحمراء، قرية متواضعة من 16 منزلا وجامع، تفصل بينها طرق صغيرة، منعطفاتها الواسعة «تجارية» وساحتها أسواق سوف تنافس لاحقا أسواق تندوف وتمبوكتو.

بدأت السمارة كمدينة (زاوية-سوق تجاري) قبل أن تتحول إلى عاصمة للنضال السياسي: دار الشيخ ماء العينين كانت مدرسة لطلاب العلوم القرآنية، واللغة الفصحى كانت لغة العلم الصحراوي، والإقامة مجانية للمريدين القادمين من وادي درعا شمالا وأدرار جنوبا. وهو، لحظة مماته، ترك في زاويته تراثا ملفتا للنظر بغناه وبإهمال الأسلاف له (بتعددية هوياتهم)، 450 مخطوطة و413 كتابا في الدين والفقه والأخلاق والسياسة احتوتها مكتبة ذلك الشيخ المتواضع. (34)

غير أن الزاوية التي بدأت بالدين سوف تنتهي بالسياسية، كما هي حال معظم الزوايا المغربية. ولحظة الانتقال هي لحظة الصراع مع الآخر: الغرب المسيحي.

كان قائد المقاومة المحلية مؤسس زاوية وخليفة للسلطان عبد العزيز، يمثل السكان أمامه وينقل إليهم أوامره. العلاقة الدقيقة التي كانت تربط «الخليفة» بـ«السلطان» لم تخرج عن دائرة «الانتماء الوطني» حتى في لحظة انهيارها التام.

وكونها كذلك، فإنها شهدت تطورا دراماتيكيا طبعته عوامل متعددة أهمها اندفاع الشيخ-الخليفة، وتردد السلطان وهجوم الاستعمار. والتاريخ الذي بدأ يتبرعم مع قيام المدينة (السمارة) وصل إلى نقطة انطلاقه المحورية عام 1904. ففي هذا العام عقد الشيخ محادثات مطولة مع السلطان موضوعها الوحيد دار حول كيفية التعاون لإيقاف العدوان الذي بدأ يتوسع انطلاقا من جنوب الصحراء. انتهت المفاوضات بعودة ظافرة إلى السمارة: فقد رجع مدعوما بشرعية مخزنية واضحة ومعززا بإمكانات حربية، لا ينقصها سوى تقوية الوضع السياسي المحلي، وذلك بتشكيل تحالف قبلي شعاره الأساسي طرد المسيحيين من الصحراء، وتحصين المواجهة الوطنية بإجماع سياسي. كان اتجاه المخزن يتوافق مع التفاف قبلي حول ماء العينين، طالما أن مشروعه لا يزال داخل دائرة المخزن، ولم يخفف السلطان ذلك، ففي رسالة وجهها إلى إحدى قبائل المور، مؤرخة في أول عام 1905، يعرض السلطان مضمون محادثاه مع الشيخ ماء العينين، ويلمح إلى شرعية قيادته (أي قيادة ماء العينين) ويركز على ضرورة اتفاق القبائل. فهو يقول أن الشيخ نقل إليه تخوف السكان من محاولات الاسم الأجنبية المستهدفة غزو بلادكم» وان القبائل متفقة على محاربة الأجانب ولا ينقصها إلا إذن خاص وزعيم مطاع وأسلحة حديثة. «... وقد وجدنا أن نحذركم من هؤلاء الذين عندهم مشاريع سيئة في بلادكم، وان اتفاقكم بين القبائل للدفاع عنه، هي براهين من حكومتنا الشريفية التي تعترفون بها منذ زمن طويل، وحجة تدعم مطالبكم وتثبت صدق مودتكم تجاهنا. بهذا الاعتراف تدافعون عن دينكم وتبقون دائما على مكانتكم المحفوظة».

لم يتأخر الشيخ بقطف ثمار الوئام مع المخزن، ولم ينتظر اتساع التدخل الأوروبي، فسارع في إخراج مخططه إلى النور: إجماع جبهوي-قبلي في مدينة السمارة لوضع اللمسات الأخيرة لمقاومة الاحتلال. الرسائل التي كان أولاد الشيخ ينقلونها إلى زعماء القبائل الصحراوية، تضمنت الجوانب الهامة لفكره السياسي. ففي إحدى الرسائل التي سلمها ابنه البكر الشيخ حساني إلى سيديا بابا في بوتلميت بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1905 جاء ما يلي: «هدف هذه الرسالة هو إعلامك بأن بعض المسلحين من أمثال ولد عايدة، أمير أدرار، وقبيلة مشدوف، أيدا وأيش تاجانت، وجهوا إلى الشيخ ماء العينين شكاوى ضد المسيحيين وطلبوا منه التدخل لدى السلطان. وقد ابلغ السلطان المسيحيين، بعد أن أطلعه الشيخ على الأمر، بأن تراب-البيدان كانت له، وأنه لا يجب أن يتملكوها. اليوم، أرسل السلطان بعثة بقيادة ابن عمه، مرفقة بميثاقه وسكرتيره وذلك لتقبل طاعة المسلمين ونجدة الذين يرغبون بالقوات والعتاد. إذا لم يترك المسيحيون هذا البلد، ستعلن الجهاد. الذين سيدافعون عن قضية الإسلام سيصبحون محميين، والذين سيتحالفون مع المسيحيين سوف يعتبرون كأعداء...» (36).

في أواخر خريف عام 1905، التقى في السمارة كل القبائل، وبحضور بعثة رسمية قدمت من فاس إلى الصحراء. الجميع التقوا وتحالفوا: قبائل التكنة (ازرقيون، آية الحسن، ازوافيل، آية يوشي وياقوت)، قبائل الداخلة ووادي الذهب (أولاد الدلايم، العروسيون، أولاد تيدرارين، الرقيبات، أولاد بوسباع، آية يعقوب، أهل الحج، الغور، أولاد لاب، سكارنا)، قبائل الجنوب من ادرار تمار (أولاد أمّوني، أولاد أكثر، أولاد شيلان، الطرشان، ايديشلي، سماسيد)، قبائل شمانة (الترارزة، أولب، أولاد بيري، أهل بارك الله، تاغّات، ايدا بولحسن)، قبائل تاتاجانت (ايدا وايش، ايدا والحج...) في هذا الاجتماع عولجت مشكلة التمثيل الشرعي: القيادة المحلية للشيخ ماء العينين، والبيعة للسلطان، خطبة موفد السلطان كانت انعكاسا لشرعية زعامته وما ورد فيها انعكاس انتمائه: «يجب أن تدفعوا لخليفة السلطان الزكاة الشرعية... سوف أعطي لكل عامل ظهير تعيينه. من بين العمال الواردة أسماؤهم، أذكر بشكل خاص وعلى سبيل المثال: سيدي عايدة، زعيم ادرار، سيدي أحمد بن ديد، زعيم الترارزة، أحمد بن سيدي علي، زعيم البراكنة، سيدي عثمان بن بكر، زعيم ايدا وأيش...» (37).

انتهى اللقاء بإقرار سياسة مواجهة اجتماعية يقودها كل زعيم من موقعه، ويتم التنسيق من خلال الشيخ ماء العينين، ومن خلاله بالسلطان، أما مركز القيادة فقد تحدّد بشكل نهائي: السمارة، الزاوية التي أصبحت مدينة، والمدينة التي تحولت إلى مركزة قيادة العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال.

كانت أواخر عام 1905 تعني بداية تحويل الاتفاق السري الفرنسي-الاسباني إلى ممارسة احتلالية على أرض الواقع. فرنسا دخلت إلى موريتانيا فاحتلت بعض المناطق القريبة من السنغال، واسبانيا عزّزت وجودها في مدينة الداخلة وبدأت تحضر لعملية عبور نحو الشمال والدخل. ترافق ذلك مع إخراج انكلترا من حلقة التنافس الأوروبي حول المغرب، ولم يبق إلاّ الألمان الذين سوف يبرزون على السطح في مؤتمر الجزيرة الخضراء.

لكن قبل هذا المؤتمر كان الشيخ ماء العينين قد أرسل مبعوثيه إلى مناطق الصحراء التي وقعت تحت النفوذ الغربي ليحثوا السكان على الثورة، وتبدأ المجموعات عملياتها المسلحة (اغتيال كوبولوني في 12 أيار/مايو 1905 على يد المقاتلين الصحراويين الذين كانوا بقيادة أمير أدرار ولد عايدة).

وأرسل المخزن مولاي إدريس إلى الجنوب الذي احتلته فرنسا ليشرف على تطور الوضع ويقود المواجهة في موريتانيا طيلة العام 1906.

كان التنسيق بين المركز-السمارة والفروع. نقاط المواجهة يتم من خلال اتصالات بشرية يقوم بها أفراد سريعو الجري يقطعون المسافة من السمارة إلى أدرار ركضا، فينقلون رسائل الشيخ ماء العينين للزعماء المحليين. أما التنسيق مع المخزن فإنه يبدا من موغادور باتجاه السمارة، ومنها إلى زمور وتيريس وأدرار، والعكس بالعكس.

عام 1906 كان عمليا نقطة تحول في الوضع العام، وبداية انهيار التحالف القائم بين السمارة وفاس. ففي مؤتمر الجزيرة الخضراء كان ممثل المغرب حاضرا، يستمع إلى مقررات التقسيم والاحتلال، بينما سكان الصحراء يقاتلون ويتابعون بقلق رافضين أن يتقرر مصيرهم على يد الأوروبيين وبحضور ممثل السلطان. انتهى المؤتمر ونفذت الذخيرة من مقاتلي الجنوب مما وضع الصحراويين في مأزق حاد ومعادلة معقدة: الاستمرار في مواجهة منفردة في وقت تتجه فيه رياح المحزن نحو المساومة وتشتد الحاجة إلى السلاح والذخيرة، التي مصدرها المخزن.

الحل الوحيد كان اصطحاب أهم الزعماء والمستشارون إلى فاس لمقابلة السلطان عبد العزيز وبحث جميع الأمور، من المساعدات العسكرية إلى تدهور الوضع السياسي في الجنوب والشمال. المهمة كانت شاقة واستلزمت من الشيخ إقامة سنة (طيلة عام 1907) في شمال المغرب، وكل ذلك لكي لا يعود بأيد فارغة إلى مدينته. العودة، التي أعطتها المساعدة المادية أملا وتفاؤلا، حملت معها أجواء الشمال المنهارة أمام الزحف الفرنسي. المدن الكبرى تسقط في أيدي قوات الاحتلال والسلطان يسير نحو هزيمة سريعة الخطوات، سوف تعمل في حال تحققها إلى إحكام الحصار على الصحراء وبالتالي تطويق الانتصارات التي من الممكن إحرازها في الجنوب.

لمواجهة تطورات من هذا النوع، اتّبع الشيخ تكتيك الهجوم الوقائي. التصعيد العسكري الشامل والمتواصل في الصحراء لإضعاف قوة الاستعمار في الداخل وإحداث تغيير في ميزان القوى العام لصالح المغرب. وهكذا كان. ففي عام 1908 خاضت قبائل الصحراء معارك باسلة وأثبتت سياسة ماء العينين عن جدارة وإصرار، خاصة لحظة تحديد الأهداف: مهاجمة مراكز الأوربيين وقوافل المؤونة، قطع خطوط الاتصالات الهاتفية... عزّز الشيخ قواته باتجاهين كانا يبدوان له خطيرين، خاصة موقع أكجوت، الذي كان تركيزه يمثل المرحلة الأولى من التقدم الفرنسي نحو الشمال، والقوات المتمركزة في تاجانت بقيادة الكابتن مانغان. ولد عايدة، أمير أدرار، هو الذي كان يقود العمليات المسلحة ضد اكجوت. ففي المعركة الأولى قتل الكابتن ربو (16 آذار/مارس 1908).

في 17 نيسان/ابريل، قتلت قوات المور مساعدي ضابط وعشرين جنديا بالقرب من آبار دامان. وفي 22 أيار/مايو، هاجمت قوات ولد عايدة بعنف قوة فرنسية على بعد 15 كلم من اكجوت. وفي 10 أيلول تمكنت القوات الصحراوية من السيطرة على كل المنطقة تاركة الفرنسيين ينسحبون إلى السنغال. في الجهات الشمالية من الصحراء، كان أولاد الشيخ ماء العينين يقودون العمليات المسلحة مع مقاتلين من الرقيبات وأولاد الدلايم، ويلاحقون القوات الفرنسية إلى وسط وغرب الصحراء: يهاجمون ويدمرون المواقع العسكرية، يعاقبون بشدة القبائل التي وقّعت اتفاقيات مع العدو، يفاجئون الكابتن مانغان وقوته في منطقة الموينان ويبيدونهم. أعقب ذلك مقتل 12 جنديا فرنسيا قرب آبار تالمنست، وهرب باقي القوة. وبينما كانت علامات التشاؤم تظهر على وجوه قيادة الأركان الفرنسية في سان لويس، كانت قوات الشيخ ماء العينين قد حررت معظم الصحراء الجنوبية ووحّدت حولها معظم القبائل، وحوّلت مدينة السمارة الصغيرة إلى عاصمة الانتصار السياسي. (38).

الارتباط المصيري الذي يربط الصحراء بالمخزن، أو الجنوب بالشمال، عاد ليثبت غلبته من جديد، فالصحراء المتحررة بقيادة الشيخ ماء العينين كانت مهددة وطموحة في آن الخطر واحد. مهددة، لأن بقية البلاد تعيش حركة تراجع والمدن تسقط الواحدة بعد الأخرى بيد القوات الفرنسية (وجدة، الدار البيضاء)، مما يعني أن زحفا فرنسيا قادما من الشمال لا يمكنه أن ينتج سوى خطرا. ففي أضعف الاحتمالات يجري تطويق الصحراء وقطع الإمدادات عنها كخطوة أولى. انتصار في الجنوب وهزيمة في الشمال يعنيان خللا كبيرا في إستراتيجية ماء العينين، فالتقوقع جنوبا يعنيان الإجهاض البطيء وانتظار الخطر القادم من الشمال. وطموحة، لأن استكمال الانتصار قد بات موضع بحت، وتدهور الوضع في المخزن وضع مصير البلاد كلها موضع بحت. كان الشيخ ماء العينين ينظر بقلق نحو فاس وراقب خطوات التراجع التي يقوم بها السلطان، من سكوت على مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء إلى صمت مطبق حول احتلال المدن وتطويق مدن أخرى وعدم استنكار للعنف الذي يرافق الاحتلال الفرنسي، وكل ذلك مترافق مع قطع الاتصالات بالشعب، لا لمساعدته ولا لحثه على التصدي وعدم التراجع. كان الشيخ يرى المغرب يسقط في يد «المسيحيين» بينما السلطان لا حول له ولا قوة، يحضّر نفسه لتوقيع معاهدة ما، وخاصة بعد أن وصلت قدرة الفرنسيين إلى حد تغيير السلاطين (عبد الحفيظ يستلم الحكم بعد تنحية أخيه عبد العزيز). الطموح لا يعني مشروع هيمنة وبسط النفوذ، فهو تحديدا رغبة قوية لاستكمال عملية التحرير وطرد الغرب وعزل السلاطين العلويين. وفي المغرب يتواكب دائما هدف محاربة الغرب بضرورة استلام السلطة، وتحرير الصحراء عملية ينبغي أن تصل إلى نهايتها المنطقية. فالأشراف العلويون الغيلاليون الذين قدموا من جنوب المغرب الصحراوي واتجهوا شمالا في القرن السابع عشر، كانوا يحملون مشروعا كاملا: تحرير البلاد من النفوذ البرتغالي المتزايد وتنحية الأشراف السعديين الذين ارتموا في أحضانه. لم تكن قوتهم المحلية واستقلالهم الفعلي عن نفوذ المخزن إلاّ الخطوة الأولى.

والظاهرة التي تكررت سابقا مع المرابطين والموحدين تتكرر في مطلع القرن العشرين ولكن بشروط أخرى. لقد كان المشروع قائما والحلم واحدا لكن ميزان القوى كان مختلفا.

قبل أن يبدأ الشيخ بالاتجاه شمالا كان الفرنسيون قد بدأوا الاتجاه جنوبا في حركة هجوم مضاد استطاعوا بواسطته دفع الصحراويين نحو الداخل والسيطرة على ترايزه وادرار (موريتانيا) عام 1909 بعد مواجهة بطولية وتصد عنيد من قبل المقاتلين الذين كانوا بقيادة ولد عايدة. وفي الوقت الذي كان فيه الجنرال غورو يحكم قبضته على جنوب الصحراء ويتقدم نحو الداخل ليصل عام 1910 إلى حدود كديا وسبكه ايجيل، كانت القوات الفرنسية المتمركزة في الجزائر تتقدم باتجاه الغرب من ناحية الصورية محتلة بودنيب وواضعة الساقية الحمراء (السمارة) داخل أكثر المعادلات الحربية تعقيدا: من الشمال تتقدم القوات الفرنسية نحو مراكش، من الجنوب تتعزز القوات الفرنسية بوحدات قادمة من السنغال وتقطع الاتصال والمعونات القادمة من الشيخ إلى ادرار، ومن الشرق يقيم الفرنسيون جسرا بريا ونقطة اتصال تمتد جنوب وهران إلى مراكش ومن مشارف تندوف إلى نهر السنغال. ومن ناحية الغرب كانت البواخر الاسبانية تنتظر الفرصة السانحة.

وسط هذه المعادلة، كانت قوات الشيخ ماء العينين تحكم السيطرة على الساقية الحمراء ووادي الذهب، ولكن كل شيء قابل للانهيار. لا إمدادات ولا قدرة على التنسيق مع المخزن أو مع ادرار ورغم كل ذلك، كان الشيخ قد اتخذ قراره النهائي: عدم الرضوخ لميزان القوى وللحصار الفرنسي وتحويل الانتصار الموضعي-الصحراء كله باتجاه الشمال وربط الصحراء بتخوم الأطلسي وتجميع القوى والقبائل في ما وراء وادي النون ومناطق السوس والزحف إلى فاس لتحرير البلاد من فرنسا وعزل السلطان العلوي.

قبل بدء الزحف نحو الشمال كان الشيخ يحاول للمرة الأخيرة إقناع السلطان عبد الحفيظ بضرورة القتال وعدم التراجع. ورغم قناعته التامة بوجود تعارض حاد وقاطع بين سياسته المتصدية وسياسة السلطان المساومة، فإن الشيخ ظلّ منتبها إلى أهمية عدم قطع الرابط مع السلطان الشرعي قبل إحراز انتصار في المخزن، لما في ذلك من أهمية، ولو رمزية، للاستقلال الوطني.

التعارض بين الشيخ والسلطان كشفته الأحداث، وكشفته أيضا رسالة من احد أبناء الشيخ ماء العينين أحمد الهيبة زعيم الحركة المقبل، إلى محمد ولد خليل، مؤرخة في 12 كانوا الأول عام 1909، والتي يتحدث فيها عن نتائج زيارته لفاس ومضمون المحادثات مع السلطان.

يقول الهيبة في رسالته:

«سأبقى وفيا لوحدتنا القديمة ولصداقتنا الكبيرة. ولقد وصلنا لتونا من عند السلطان، وتركناه في ذروة الانتصار والقوة لأنه اعتقل الـ«روغي» وقتله وخنق نار تمرده. ولم يعد هناك أية صعوبات بفضل الله.

في كل هذه المناطق يسود الهدوء التام. من القاعدة (بين درعا والساقية الحمراء) إلى فاس، لا ترى إلاّ السلام. إنه اتفاق بالإجماع بين المسلمين... طلب منا السلطان التخلي عن مقاومتنا والقدوم إلى تزنيت لنكون على مقربة منه، وقد عبّر لنا مرارا عن هذه الرغبة... لقد أعطانا السلطان الأمر بإيقاف الحرب ضد الفرنسيين في الوقت الحاضر، وذلك لينظر ويعالج معهم المشاكل الملحة، وأيضا لكي يتمكن من مقابلة شيخنا ماء العينين.

الوضع جيد عند قبائل التكنة، في الوقت الحاضر... وختاما، اعلموا جيدا أننا في أي مكان نلتقي سنكون جاهزين دائما لتقديم العون لأصدقائنا ومعاقبة أعدائنا أينما وجدوا...» (39).

لقاء الشيخ مع السلطان انتهى بإعلان القطيعة بين خطين سياسيين متعارضين، أعقبه اتخاذ الموقف التاريخي: مغادرة السمارة، عاصمة الانتصار الصحراوي، والتوجه نحو الشمال. وعند وصوله إلى تيزنيت (في أيار/مايو 1910) انضمت إليه معظم القبائل وانضمت تحت قيادته لمحاربة الفرنسيين: الرقيبات وأولاد الدلايم وأولاد بن أيبا والتكنة وبربر الأطلس التفوا حول الشيخ وشكلوا قوة عسكرية وسياسية ضد فرنسا وخارج نفوذ سلطان فاس. غير ان ميزان القوى كان يميل لصالح الفرنسيين ومعركة تادلا ستكون الحاسمة.

طيلة شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو من عام 1910 والصحراويون يواجهون قوات الجنرال موانييه في اكبر وأطول معركة واجهت الغرب لحظة دخوله. المعلومات النادرة عن هذه المعركة لا تسمح بتقديم تفاصيل واقية. الإهمال الرسمي المغربي مقصود في هذه المسألة لأنها تكشف ضعف المخزن، والإهمال الصحراوي مقصود أيضا لأنه يفتح ثغرة كبيرة في المشروع السياسي الاستقلالي. ولا يبقى إلا القول بأن ميزان القوى لم يكن يسمح أبدا بانتصار قوى الذات، فالآخر كان مدججا حتى الأسنان بأحدث الأسلحة وأقواها. وتنتهي معركة تادلا بهزيمة لقوات الشيخ ماء العينين الذي يعود إلى تزنيت حاملا بقايا حلم كاد أن يتحقق. وفي تشرين الأول/أكتوبر من عام 1910 يموت ماء العينين حرا ويترك لولده أحمد الهيبة مهمة تحقيق الحلم (40).

هل كان الانسحاب إلى تزنيت خطوة تكتيكية لمراجعة حسابات الجولة الأولى، أم أنها كانت بالفعل هزيمة للاتجاه التحريري؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، وإن كانت التطورات اللاحقة تظهر إصرار على استمرارية الاتجاه نفسه. ولا يمكننا ونحن أمام ندرة المعلومات إلاّ الوقوف أمام واقعتين لا يدخلها شك:

1- إن الشيخ ماء العينين مثّل مرحلة تاريخية هامة في تطور الصحراء الغربية السياسي. فقد أكد الارتباط المصيري بين أطراف المغرب والمخزن وفضح في نفس الوقت سياسة المخزن تجاه الأطراف. لقد كان اتجاها يستحضر، في كل لحظة من لحظات نموه، تراث الموحدين والمرابطين والفاطميين والأدارسة... إن تصنيفه الراهن من قبل أطراف الصراع يعمل تشويها للتراث وطمسا لأهم جوانبه الايجابية: وحدوي رافض للخضوع، لا تقيده البيعة إلاّ بمدى التزام السلطان ووفائه لمضمونها. إن استقلالية الشيخ عن السلطان أنتجت سلطانا آخر، ولم تنتج حدودا، وعلى قاعدة هذه المفارقة يكمن في رأينا جوهر الانتماء الوطني وأساسه القائم على مواجهة الغرب والتخلي عن البيعة والتبعية للسلطان عندما تصبح ضلعا في إستراتيجية الغرب نفسه.

2-إن المخزن، مهما كانت هوية السلالة المتربعة في بلاطه، لا يمكنه أن ينزوي بعيدا عن عمقه الاستراتيجي الصحراوي. ومهما كانت سياسته، مساومة أو مقاتلة، فإنه لا يسمح بتعددية النفوذ السياسي. فالمشاركة في بناء مدينة السمارة قد يكون لها حسابات خاصة في المخزن وحسابات خاصة أيضا في السمارة نفسها، والحسابات المتناقضة تتجمع في وحدة تحتوي بدورها التناقضات وتعمل على تغييرها وفق الاتجاه الغالب: السلطان يستعمل نفوذه المادي والشرعي لإيقاف التيار الصحراوي-الشعبي المواجه للغرب، والشيخ يستعمل نفوذه السياسي والعسكري والمعنوي لتطويق تردد المخزن وانعكاسات تأثيره الانهزامي، ليس فقط على انتصار «السمارة» بل أيضا على المواجهة الوطنية العامة.

حقيقتان يجري تجاوزهما بارتجال مدروس: التناقض داخل الوحدة. في المغرب يتحدثون عن الوحدة ويخفون التناقض، وعند البوليزاريو يتحدثون عن التناقض ويخفون الوحدة. الرد يصدم، والنقد يهدف إلى إيقاف التراث على قدميه. ليس المهم كيف نعرض التاريخ بل أيضا كيف نحترمه.

لم ينته اتجاه الشيخ ماء العينين مع انتهاء مؤسسه، فالزعيم الجديد سوف يتابع نفس المشروع رغم صعوبات واستحالة الحسم السياسي: الشيخ أحمد الهيبة ماء العينين يستلم قيادة الحركة ويتابع طريقه على مراكش. عام 1912 كانت سنة الانتصار المؤقت: الشيخ الجديد يقطع جبال الأطلس الكبير ويقف على مداخل مراكش محاصرا ثم لا يلبث أن يدخلها منتصرا ويعلن نفسه سلطانا على عموم المغرب الأقصى معتبرا معاهدة الحماية خيانة والسلطان عبد الحفيظ غير شرعي. وفي لحظة إعلانه ذلك يتحدث بوصفه اتجاها جديدا يترافق فيه خط المواجهة مع الغرب مع خط الإصلاح الداخلي: سيادة العدالة، تنحية القيادات التقليدية والمخزن وطرد المسيحيين (41). لم يكتف الهيبة بالاستيلاء على مراكش بل أن شرعيته الجديدة استلزمت منه تحرير كل المغرب. وهذا ما يفسر نقل مركز الحركة إلى بن غرير وانضمامها إلى قبائل الشاوية في معركة طاحنة مع الفرنسيين، انتهت بانكفاء الحركة نحو الجنوب ومحاصرتها.

لكن الانكفاء لم يلغ الخطر الذي تمظهر بشكل إلغاء للحماية الفرنسية. واستمرار المقاومة في الشمال والجنوب كان قد وضع إستراتيجية فرنسا الافريقية أمام خيارات صعبة. لقد استلزمت هذه الإستراتيجية ضبطا لحدود سيطرتها، وبالتالي فإن ربط الوحدات الجغرافية ببعضها بات أمرا ملحا. انفجار الصحراء المستمر كان يعني عمليا تهديد الخطوطى الجغرافية-السياسية التي تربط شمال افريقيا بافريقيا الغربية الفرنسية وافريقيا الاستوائية، والتي تطلبت من فرنسا أكثر من ثمانين عاما بدءا من لحظة احتلالها للأجزاء الشرقية من الصحراء عام 1852 إلى مرحلة ما بعد خمود الصحراويين عام 1934.

ان التسلل الفرنسي إلى الجنوب، الذي بدأ مع كابولاني وانتهى باحتلال ادرار عام 1909 على يد غورو، كان يدفع القبائل للتجمع شمالا –في الصحراء الغربية- وبالتالي إدخال اسبانيا في المواجهة. القوات الاسبانية، المعزولة نسبيا في المدن الساحلية (وخاصة في العيون، الداخلة، ورأس جوبي) باتت ملزمة بتطويق حصتها وضمان سيطرتها ونفوذها عليها، وذلك قبل أن يتوسع سلطان مراكش المؤقت. لذلك، وبينما القوات الفرنسية تتقدم من ناحيتي الشمال والجنوب لتصفية جيوب المقاومة التي يقودها الهيبة، بدأت اسبانيا سياسة تدخل تكتيكي ونسج علاقات ثنائية مع القبائل، ساعد على قيامها، أساس، استمرار الاستنزاف في ميزان قوى سلبي. غير أن استمرار توجه العنف الصحراوي نحو الفرنسيين مع تحييد عام للاسبانيين، يضاف إليهما الخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الفرنسية، كان قد وضع فرنسا أمام خيار واحد: التقدم نحو العمق الصحرواي وتدمير المركز-السمارة، وحدهما كفيلين بحصر الشيخ الهيبة عن حدود درعا العمليات المسلحة في الجنوب. «وفي يوم 5 شباط/فبراير 1913 انطلق طابور عسكري مؤلف من 400 بندقية، يقوده المقدم موراي، في اتجاه الصحراء. وكانت مهمته تتمثل في القضاء على ما أصبح، في إطار المنطقة، مركز مقاومة الاحتلال الفرنسي. بعد القيام بغارة امتدت مئات الكيلومترات عبر الصحراء الغربية، وكان آنذاك إقليما تجهله الجيوش الفرنسية، وصل الطابور حتى السمارة، الخالية من سكانها، وحطم قسما منها. وفي يوم 9 آذار/مارس، يوم عودة الطابور، جرت بينه وبين المقاومين الصحراويين أهم المعارك التي عاشتها إذ ذاك افريقيا الغربية الفرنسية. «انتصر» الطابور الذي يقوده عسكريون فرنسيون والحق بالصحراويين خسائر فادحة تقدر بألف قتيل» (42) بالمقابل، ولتطويق حالة التفتت التي أعقبت المعركة وتكتيل الاسبان، كان على الشيخ أن يعيد تلاحم القبائل (الرقيبات، التكنة، أولاد الدلايم...) على قاعدة استمرار الحركة، لكن الأمور كانت قد بدأت تسير في وجهة أخرى، مختلفة تماما عن رغبات الشيخ. فقد تعاقبت الهزائم: معركة بوعثمان كانت الضربة القاضية لمشروع الزحف نحو الداخل (43)، وتدمير مدينة السمارة كان استئصالا لمشروع تحرير الصحراء الغربية. ورغم ذلك لم يلق الشيخ بكل أسلحته، فالرقيبات وأولاد الدلايم وأولاد ايبا خاضوا معارك مستمرة داخل الصحراء ضد القوات الاسبانية والفرنسية، وقاموا بغزوات ضد مراكز التجمع وقوافل المؤونة وفي 18 أيلول/سبتمبر من نفس العام خاضوا معركة قاسية بالقرب من بوتيليس، وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر، بالقرب من اوت فوت، قاموا بمعركة مماثلة على بعد 150 كلم غربي اولاتا. وضمن هذا السياق، تندرج مجموعة كبيرة من المعارك التي خاضها الصحراويون منفردين ضد القوات الفرنسية: دمان، لبيرت، شريريك، تريفيا، الحفرة، توجونين، ام اغوابا... احتلال تيزنيت والراس الأبيض عام 1916 والكويرة 1920 والتنسيق العسكري الاسباني-الفرنسي واسترداد مراكش، كل هذه العوامل كانت تعاكس المشروع، أضيف إليها وفاة الهيبة نفسه في 23 أيار/مايو 1919 فاتحا الطريق لمحاولة ولكنها الأخيرة في النصف الأول من القرن العشرين: الشيخ محمد الأخضف بن ماء العينين، شقيق احمد الهيبة.

المحاولة الثالثة كانت تستهدف توجيه ضربات متفرقة والتقاط النفس، ولم يكن بمقدورها أن تستعيد تحالف السمارة الأول. فالفرنسيون، بتقسيم للمنطقة، كانوا يحولون دون إعادة تشكيل الجبهة القبلية، كما استطاعوا عمليا استيعاب التناقضات المحلية لمصلحتهم ودفع القبائل في عمليات وغزوات متبادلة: سبعون رجلا من قبيلة يوفري، وبإشراف فرنسي، ينطلقون من ادرار بالقرب من ملحات ليهاجموا تجمع الرقيبات، و150 رجلا من رقيبات الساحل يخوضون معركة ضارية لمدة ثلاثة أيام في تارافيلات (1925) ضد مخيم اطات... ومنذ ذلك الحين والعداوة نشتد بين قبائل ادرار (الترارزة) حلفاء، الرقيبات الرافضين للاستسلام أمام الزحف الاسباني.

كان الشيخ محمد الأخضف يحاول تجاوز هذه الخلافات والانقسامات على قاعدة توحيدها ضد المحتل المسيحي. لقد سعى إلى تجديد الدور السياسي-الديني لمدينة السمارة والانطلاق منها في عمليات ضد الاسبان والفرنسيين، مستفيدا إلى أقصى درجة من ثقافته الواسعة ومكانته الدينية. وقد استطاع الشيخ الأخضف تجميع قوة صحراوية مقدارها 1400 مقاتل، هاجم بواسطتها مركز فرنسي للتفتيش بالقرب من ديريت وجاسيبي. انتهت المعركة بتعادل وتراجع الطرفين. وفي حين كان الفرنسيون قادرين على إمداد قواتهم، كان وضع الشيخ في حالة ميؤوس منها. فالضعف الشعبي وصمت المخزن وتحالف الغرب اجتمعت كلها ضد حركة ولدت قبل أوانها بنصف قرن. وينتهي الدور القتالي للأخضف مع حلول عام 1935 ليصبح منذ ذلك الوقت ممثلا للخليفة المغربي في تطوان وصلة الوصل الشرعية بين الصحراء والسلطان محمد الخامس.

أما قوات الاحتلال، فإنها تمكنت بعد جهد كبير من بسط نفوذها في كل الصحراء الغربية وموريتانيا. منذ الإعلان الأول للشيخ ماء العينين إلى آخر محاولة للشيخ محمد الأخضف، والغرب الاسباني والفرنسي يتقدم في صحراء مليئة بالألغام. معركة أم التونسي عام 1932 كانت نقطة الفصل ولحظة الحسم بين قوتين، واحدة مصممة ومتحالفة على الموت من أجل حريتها وواحدة استنفرت كل «حضارة» الغرب لاستعمار الصحراء. إن الطابع العام الصدامي الذي ميز الدخول الاستعماري إلى الصحراء، وأظهر أهمية الترابط المتين بين الصحراء ومدن المخزن وموريتانيا، الذي ساعد، بانحلاله، التغلغل الأوروبي في المناطق المذكورة كلها من طنجة إلى الزويرات. الجنوب الصحراوي (موريتانيا) تحت النفوذ الفرنسي التابع لقيادة السنغال (سان لويس) أما الشمال فقد قسمته اسبانيا إلى ثلاث مناطق:

«طرفاية، منطقة حماية تحت إدارة جهوية مراقبة، وتابعة لإدارة تطوان، وهي تمتد من امكريوا جنوبا إلى وادي درعا شمالا، وألحقت بها ايفني.

منطقة الساقية الحمراء مستعمرة تحت إدارة مندوب الحاكم العام وتمتد من امكريوا شمالا إلى رأس بوجدور جنوبا والمحبس شرقا.

منطقة وادي الذهب تحت إدارة الحاكم العام، وهي تمتد من بوجدور إلى الكويرة». (33). غير أن «عملية التخوم» هي التي وضعت اللمسات الأخيرة وأخمدت لسنوات «نار» الصحراء. بينما كان الاسبان يتقدمون لاحتلال ايفني وتعزيز قواتهم في «ساريو»، كان الفرنسيون، بقيادة ثلاثة جنرالات، يتقدمون باتجاه الصحراء الغربية من السواحل المغربية وجنوب وهران، ومن ادرار وجنوب-شرق الصحراء ليتمركزوا في تندوف وبير موغرين. كان ذلك عام 1943، وهو العام الذي عرفت فيه إستراتيجية الغرب الصحراوية بعض الراحة... البحر وفرنسا واسبانيا، والصحراء في الوسط تنتظر شروقا ما.

الصحراويون وجيش التحرير الوطني

أدخلت معاهدة الحماية المغرب الأقصى في تعارضات جغرافية وسياسية سوف تطبع التطور السياسي المغربي لسنوات طويلة. فالمخزن الذي شرّع سلطانه للدخول الفرنسي كان يلحظ انكماشا نحو الوسط وتراجعا عاما طال الحياة السياسية برمتها. ففي السنوات القليلة التي أعقبت التوقيع على معاهدة فاس (30 آذار/مارس 1912) استطاعت القوات الفرنسية إحكام سيطرتها على عموم المغرب الأقصى باستثناء الجنوب، من مراكش إلى نهر السنغال ومنطقة الريف بكاملها. بمعنى آخر، بينما كان المخزن «يتنعم» بهدوء مشبوه، كانت الأطراف تخوض حربا ضارية ضد «الرومي»: ثورة الريف قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي وهدد بواسطتها أهم المناطق الإستراتيجية على البحر الأبيض المتوسط طيلة سنوات ما بعد الحماية (1919-1925)، وثورة ماء العينين وأولاده هددت الإستراتيجية الفرنسية في أدق مناطقها واعقدها (الأطلسي والطريق البري إلى افريقيا الفرنسية) وأحدثت شرخا كبيرا (بالمعنى السياسي) في حدود السيطرة وفي مشروع التقسيم الاستعماري. عن طريق تحييد المخزن وتفتيت الجبهات تمكن الغرب من إخماد تمرد «الذات». وقد احتاج المغرب الأقصى سنوات عشرين ليعيد تلاحمه ووحدته على قاعدة نضالية وحول هدف التحرير والاستقلال. إلا أن انحناء المخزن وإحباط ثورتي الريف والجنوب قد أعقبتها مفارقات هامة لا تزال نتائجها سارية المفعول، وتجاوزها، بتبسيطها، ينتج خللا منهجيا.

فالريف «الاسباني» ابتعد، بالعنف والإكراه، عن الشمال «الفرنسي». وحدود اتفاقية 1912 أسفرت عن نمو مغاير في منطقتين يجمعهما تاريخ مشترك. لقد ارتسمت حدود جغرافية واجتماعية كادت أن تتحول إلى «وطنية بربرية» بعد إعلان المشروع التقسيمي (الظهير البربري في 1930) لولا متانة هذه المشاركة في «التاريخ».

أحبطت عروبة فاس وإسلامية الريف البربري مشروع التقسيم، وعلى أساس مواجهة واحدة، عربية-بربرية (أي مغربية) بدأت الحدود تزول تدريجيا، والوحدة السياسية تتعمق وتصل إلى ذروتها مع مطلع الخمسينات في معركة الاستقلال.

أما الجنوب –بعد احتلال مراكش وتقسيم الصحراويين بين حدود فرنسية شمال وادي درعا وحدود اسبانية في جنوبها، وأيضا حدود فرنسية في أقصى الجنوب والشرق (موريتانيا)- فقد عايش هو الآخر تطورا مغايرا لتطور المخزن والريف. كما أن منطقة النفوذ الفرنسي (موريتانيا) والاسباني (الصحراء الغربية) شهدتا بدورهما تطورا مغايرا سيؤثر مستقبلا على العلاقات السياسية بين صحراويي الجنوب وصحراويي الشمال. صحيح تماما أن إيقاف حركة انتقال الرجل باتجاه الشمال أو باتجاه ادرار قد أسفر عن حصر جغرافي، إلا انه من المغالطة القول بأن الحصر الجغرافي، استطاع قطع العلاقات التاريخية التي تربط الصحراويين بالشمال (المغرب) والجنوب (موريتانيا).

رغم كافة المحولات التي بذلها الضباط الفرنسيون والاسبان لحسم مظاهر الارتباط هذه، فإن السكان المحليين (الرحل منهم والذين تمركزوا في المدن) حافظوا على علاقة ما، ضعيفة، لكنها هامة: «... من ثم تفرغ كل من المسيرين ومن الضباط للإشراف على السكان عن كثب. وسيتنازعونهم بواسطة الامتيازات الجبائية، مع المعلوم أن الضريبة المدفوعة بقيت إشارة الانتماء إلى إقليم معين. لم يستجب الرحل لهذا المنطق المضبوط بحدود، فهم إما يسخرون بهذه الحدود أو يعتمدونها لخدمة مصلحتهم. وبقي لبعض منهم مرتبطين إداريا بالإقليم الموريتاني التابع لغرب افريقيا الفرنسية، وبالمحمية المغربية، وهم: فرق من أولاد الدلايم، وأهل بارك الله، والرقيبات وتكنة. ومن المعروف أن تلك الأقاليم التي لم تعرف تخوفا ولا حدودا حسب المنطق التقليدي، تعرضت إلى مصائر مختلفة من جراء تصرفات وردود فعل الاستعمار. وليس في إمكاننا أن نثيرها هنا إلا باختصار: تدعيم الوحدة الإقليمية والسلطة «الزمنية» والسلطة «الروحية» لسلطان المغرب، تكون برجوازية تجارية وبيروقراطية قومية، ثم تكون بروليتاريا حضرية، خلق كيان إداري، ثم سياسي موريتاني تابع لغرب افريقيا الفرنسية، وموجه نحوها، وقد كان مرفوقا بانبعاث بطيء لفئة قائدة تكونت انطلاقا من الرؤساء... لا نجد شيئا من ذلك في الصحراء الاسبانية سوى أن اسبانيا، التي كانت مضطرة لتعبئة كل إمكانياتها في خدمة قضاياها الداخلية، جندت بعض المجاهدين خلال الحرب الأهلية...»(45).

إذن في الوقت الذي كان يتوحد فيه شمال المغرب على قاعدة مواجهة أخطار الظهير البربري، كانت الصحراء الغربية تعيش وسط تناقض سياسي" روابط مع موريتانيا، استمرارية الحضور السياسي-الإيديولوجي لسلطان المخزن، حرب مع فرانكو ضد الجمهوريين، انكفاء اقتصادي، وإدخال قسري في الرأسمال التجاري الاسباني، خاصة في المدن الساحلية، إفقار وهجرة وتعاطٍ متدهور مع أسواق غولمين وادرار...

غير أن الدوافع التي أقنعت ولد عايدة الموريتاني بقبول زعامة العينين، والتي أوصلت أحمد الهيبة إلى مراكش، سوف تعود لتظهر مجددا، وتدخل الجميع في إطار سياسي واحد ضد الغرب: جيش التحرير الوطني (46).

سنوات الهدوء أعادت لسلطة المخزن قدرات سيطرة كانت قد فقدتها طيلة العشرين سنة التي أعقبت معاهدة الحماية. عملت في نفس الوقت على تخفيف التعاطي السياسي بين مناطق المغرب الأقصى، باستثناء التعاطي الإيديولوجي (البيعة) والسياسي (الانتماء). في حالات المواجهة احتكرت الأطراف «الحدث التاريخي» وحالات الهدوء منحت المخزن فرصة التحضير لحدث تاريخي آخر سوف يعود، بعد اندلاع النيران، ليصبح احتكار الأطراف.

إذ أنه في فترة الانتظار، ومراقبة نتائج الحرب العالمية الثانية، تتوزع وتتغاير ردود الفعل: مثقفو المخزن وبرجوازيوه الناشئون يتطلعون إلى وعود غرب ما بعد الدمار العالمي الثاني، متأملين استقلالا «ديمقراطيا» وصحراويو الجنوب يرسلون وفودا إلى الملك مطالبين بعدم الانتظار وبضرورة استئناف الحرب ضد المسيحيين، وذلك في عمليات ضغط متواصلة. ضغط من الصحراء وإصرار على الحرية وازدياد الوعي والحماس الوطنيين في مدن المخزن أوصلا المخزن إلى مفترق طرق: أما التعاون بين الجميع لتحقيق الاستقلال، أو أن الصمت يولد سلطانا جديدا. اختار المخزن الخيار الأول وانحاز، فكشف حليف الأمس الفرنسي عن وجهه الرسمي ونفى الملك محمد الخامس إلى مدغشقر عام 1953.

كان نفي الملك يغني إعطاء الشرعية لقوات الحماية وبالتالي تحويل المغرب إلى مستعمرة كالجزائر. وكان يعني أيضا تذويب الشخصية الوطنية، وإحباط يقظتها بعنف طال مباشرة رمز شرعيتها في فترة كان الملك فيها نقطة الجذب ومحور اهتمامات الجميع، فقط لأنه آخر ما تبقى من مميزات «سياسية». الشرعية التي تفصل، ولو بخط واه، بين الآخر والذات، وتحدد ولو دينيا، استقلالية متينة في العمق هامشية في الظاهر، سوف تتحول إلى مطلب شعبي: عودة الملك من المنفى وتحقيق الاستقلال الوطني. هذان المطلبان يتكرران طيلة السنوات الأولى للخمسينات من لحظة نفي الملك إلى لحظة عودته مرورا ببدء العمليات المسلحة وقيام جيش التحرير الوطني.

طيلة المرحلة الممتدة من 1952 إلى 1956، عاش المغرب الأقصى حالة تعبئة سياسية بشعارات موحدة، زاد في تدعيمها التنسيق المتبادل والتعاون بين الملك وقادة جيش التحرير وحزب الاستقلال. كما عملت العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال على إعطاء هذه الشعارات حيزا فعليا: فهي انعكاس للتعاون السياسي والمادي لجميع الأطراف وتأثيره على ميزان القوى، وهي أيضا فتح طريق آخر للاستقلال، يتمنى المستعمر بقاءه موصدا (حرب التحرير).

ترافق التعاون الداخلي مع تكتيك عسكري أساسه تحييد الاستعمار الأقل خطرا (اسبانيا)، وتوجيه كل الضربات نحو الاستعمار الأكثر قوة والأكبر خطرا، أي فرنسا. والفائدة مزدوجة. من ناحية تتحرك قوات التحرير في ميزان قوى استعماري يسمح بالفصل المؤقت بين أطرافه، ومن ناحية ثانية تساعد على خلق المناخ والإمكانات الضرورية لمواجهة حتمية مع طرفي الاستعمار. وفق هذا التكتيك تمكّن جيش التحرير من المرور عبر الساقية الحمراء، ووادي الذهب إلى موريتانيا ليشنّ من هناك عملياته الحربية ضد القوات الفرنسية. بالمقابل كان التساهل الاسباني وصمت المسؤولين يساعد على تأمين ونقل الإمكانات المادية، الطبية والحربية، وبناء قواعد ثابتة لقوات التحرير في الصحراء، إضافة إلى أهمية التنسيق العسكري بين جيش التحرير المغربي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية انطلاقا من مدريد، عاصمة اجتماع القيادات المحلية.

عمليات عسكرية في مدن المخزن وموريتانيا، اندلاع حرب التحرير الجزائرية، صعود نجم جمال عبد الناصر في المشرق المغربي، وفاق داخلي بين المخزن والأطراف، تكتيك التراجع عن الجزء والاحتفاظ بالأجزاء، كلها عوامل تضافرت وفي فترة زمنية واحدة مجبرة فرنسا على التراجع. وهكذا كان: عودة الملك محمد الخامس من مدغشقر، التوقيع على اتفاقية الاستقلال على جزء من المغرب الأقصى محصور بالمناطق الفرنسية في الشمال فقط.

كان ثمن الاستقلال، تكتيكيا، إيقاف الحرب التحريرية وتطويق خطورتها كقاعدة وطنية تتجاوز حدود المغرب، وكان، استراتيجيا، إعادة النظر في السياسة المتبعة في القارة الإفريقية ورسم إستراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الداخلية الناشئة ووضعية استعمار ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بديهي أن تستقر النتيجة الأولية لهذه الخطوة الاستقلالية إلى تأجيج التناقضات الداخلية، وعلى كافة المستويات. فمن ناحية أولى، كان الملك محمد الخامس يسعى إلى إيقاف الحرب والبحث عن تحرير بواسطة الدبلوماسية. وهو على ما يبدو ثمن الاستقلال الأول. وهذا يعني بداية الخلافات السياسية بين القصر من جهة وقيادة جيش التحرير وسكان الصحراء وموريتانيا من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، وهي ناتجة عن الأولى، اختلاف قيادات جيش التحرير وانقسامها على بعضها: فئة تتعاطف مع سياسة الملك وتطالب بإستراتيجية سلمية مع الاستعمار، وفئة تطالب باستمرار القتال لانتزاع المناطق المستعمرة في الجنوب وتوحيدها مع الشمال. الخلاف القائم بين نضال سياسي ونضال مسلح لم يطل إطلاقا الأهداف السياسية النهائية:

تحرير كامل التراب الوطني ووحدة المغرب الأقصى.

«ان جيش التحرير لن يتخلى عن السلاح حتى تحقيق الوحدة الترابية والاستقلال المطلق للمغرب، وحتى يتم القضاء على كل خطر يهدّد هذا الاستقلال وهذه الوحدة»، بهذه العبارات كان سعيد عثمان، أحد قادة جيش التحرير، يحاول إبراز الخط القتالي في مواجهة الخط المسالم الذي عبّر عنه علال الفاسي مستبدلا كلمة القتال بالنضال:

«إذا كان المغرب مستقلا فإنه ليس موحدا بالكامل. ان المغاربة سيتابعون النضال حتى تصبح طنجة والصحراء الواقعة تحت النفوذ الاسباني والفرنسي من تندوف حتى كولمب بشار وتوات وكنادزا وموريتانيا محررة وموحدة. يجب استكمال استقلال المغرب. استقلالنا لن يصبح كاملا إلاّ مع الصحراء، وكل الأراضي الأخرى التي جاء ممثلوها إلى الرباط مطالبين بالوحدة. يجب النضال من أجل الوحدة الكاملة- يجب استرجاع المناطق الواقعة تحت السيطرة الاسبانية والفرنسية....» (47).

وجهتا نظر متفقتان على المبدأ ومختلفتان على التكتيك ستواجهان في نفس الوقت اتجاها ثالثا كان يسعى لإدخال جميع التناقضات إلى القصر الملكي واحتوائها، وذلك لكي تصبح الشرعية الملكية هي وحدها صاحبة القرار السياسي. دون أن يعني ذلك ان مواجهة مباشرة ستبدأ بين هذه الأطراف. بل بالعكس، مواجهة مستترة يغلب عليها التعاون حينا والتواطؤ حينا آخر، ويتحكم في سيرورة أحداثها عامل فرض السيطرة السياسية للمخزن وعدم السماح بولادة «أحمد الهيبة» جديد.

وسط هذه التناقضات واصل الطرف المتصلب في جيش التحرير عملياته المسلحة، وصار يعرف منذ ذلك الوقت باسم جيش تحرير الجنوب: قيادته شمالية ومعظم مقاتليه جنوبيين، أما ساحة العمليات الرئيسية فقد انحصرت بادئ الأمر في موريتانيا، أي بمواجهة القوات الفرنسية.

في الساقية الحمراء ووادي الذهب كانت الأمور تتطور بخط منعرج، تارة يشهد انقطاعا عن المخزن وطورا إعادة اللحمة. الانقطاع نتاج سلام واللحمة بداية حرب. أما الاتفاقيات التي عقدها الاسبان مع بعض زعماء القبائل (ومنهم والد الجماني الحالي) في أعوام 1932-1934 فقد تميزت بطابع المرونة: الاسبان يتعاطون التجارة فقط ويعملون على إنهاء حالة الفوضى ولا يتدخلون في شؤون الصحراويين، بالمقابل على الصحراويين التزام الهدوء والسكينة احتذاء بإخوانهم تحت الحماية الفرنسية. ومنذ تلك الفترة والعلاقات مع المخزن، وخاصة الملك، تتجه نحو انقطاع دام أكثر من عشر سنين (لغاية 1946).

العلاقات الوحيدة التي استمرت طيلة هذه الفترة كانت حركة انتقال الطلاب إلى المدارس في تطوان، شمال المغرب، وذلك عن طريق البحر بسبب الحدود المانعة بريّا، بين فرنسا واسبانيا.

الاتجاه الاستقلالي، الذي عمّ مدن المخزن في أواخر الأربعينات، تسرّب ببطء إلى الصحراء الغربية، ولكنه لقي تجاوبا: التبرع بالإبل والأغنام لحزب الاستقلال، فتح فروع الحزب في العيون والكويرة والداخلة، القيام بنشاط توعية ومحو الأمية وجمع التبرعات وخلق الروح الوطنية في نفوس السكان، وخاصة بعد نفي الملك محمد الخامس، حيث رفض السكان دفع الضرائب.

عودة الملك من المنفى، واستقلال الشمال، وضع النهوض الوطني الصحراوي أمام معضلة جديدة شبيهة بسابقتها (معاهدة الحماية)، غير أن القرار بمواصلة الحرب كان على ما يبدو قد اتخذ غير عابئ بتناقضات حزب الاستقلال وبخلافات قيادة جيش التحرير وبموقف الملك المسالم مؤتمر أم الشكاك كان البداية: إعلان تجمع عام في أم الشكاك (بين العيون والسمارة) في آذار/مارس 1956، رفعت فيه الرايات الوطنية على كل خيمة ونحرت فيه الجمال. الجانب السياسي من المؤتمر كان الأكثر أهمية، فقد تحدّدت بوضوح مسألة الموقف الواجب اتخاذه لمواجهة مرحلة ما بعد استقلال الشمال.

دعا إلى عقد هذا المؤتمر الشيخ محمد الأغضف ابن الشيخ ماء العينين وحضره معظم قبائل الصحراء، حوالي خمسة آلاف شخص من قبائل الرقيبات القواسم والساحل، ازرقيون، أولاد الدلايم، آية الحسن، أهل العينين، العروسيون، أولاد تيدرارين، فيلالا، توبالت، الفويكات، لميار، المناصر وياقوت. اتخذ المؤتمر أربعين قرارا أهمها:

1-يجب أن يرفرف العلم المغربي فوق الصحراء الغربية كلها.

2-يجب أن لا تدفع الضرائب للسلطات الاستعمارية إلاّ بأمر من السلطان.

3-يجب محاربة السياسية الاستعمارية التي تستهدف تقسيم المغرب.

4-تصميم الصحراويين على النضال ضد الاسبان إذا حالوا دون تحقيق الاستقلال.

5-إرسال بعثة إلى الرباط للاعتراف بالملك محمد الخامس، بوصفه السلطة الوحيدة المعترف بها من قبل سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب... (48).

سبق المؤتمر بقليل (شهر سباط/فبراير) دخول طلائع جيش التحرير إلى الصحراء الغربية قادمة من غوليمين وتزنيت وأغادير: تكتيك تحييد اسبانيا ظل قائما وفلول جيش التحرير تنفّذ عملياتها الأولى في تغلّ بالقرب من الزويرات وتخوض معركة استمرت يومين انتهت بمقتل 300 فرنسي من أصل 400 وسقوط 20 مقاتلا وجرح 16 من أصل 100 مقاتل كان نصفهم يحمل السلاح (الرشاشات، الثلاثية، التسعية) والنصف الآخر تسلّح أثناء المعركة.

الانتصار الأول حوّل مقررات المؤتمر المذكور إلى برنامج سياسي لحرب التحرير الصحراوية وعجّل ببعث الروح في المقاومة المحلية التي خمدت نارها منذ 1935.

وبالفعل، فلم تمض أسابيع قليلة إلاّ والمشاركة الجنوبية تتجدّد، ففي حزيران 1956، يتحرك مائة رجل من قبيلة الرقيبات ويهاجمون الموقع الفرنسي في أم الهشار على مسافة 1935 كيلومتر غرب تندوف، معلنين دخول القبائل في المواجهة.

بإمكانات متواضعة، ركائزها الجمل والعنصر البشري والإسلام، بدأت معركة التحرير تتصاعد في مواجهة قوى متفوقة بالعتاد والسلاح والجنود، نقطة ضعفها الوحيدة والقاتلة هي أنها تقاتل في صحراء. من طان طان إلى نهر السنغال، تضيع الجبال النادرة والواحات الصغيرة والوديان الجافة في بحر من الرمال. القادر على إصابة الهدف وتحمّل التجوال عطشا وحرّا والمباغتة ليلا في منطقة لا تعرف الشوارع والطرق الثابتة، يستطيع وحده تغيير معادلات الصراع وموازين القوى.

السكان يتحركون في دائرة متواضعة: يقدمون عددا من الجمال والأغنام شهريا لاستهلاك اللحم، ويصنعون ويتبرعون بالقِرَب لسد حاجات عطش المقاتلين ووضع الجمال ووسائل النقل الأخرى بتصرف جيش التحرير. في المجال السياسي والعسكري الدائرة تتسع.

ففي مدينة ايفني يبني السكان المخابئ للفدائيين، ويقومون بنشاط مكثف لتهريب الأسلحة على متن مراكب الصيد والجمال إلى الداخل (الأمر الذي يدفع الاسبانيين إلى قتل الحمير والخيول والجمال ونقل آلاف السكان من ايفني إلى الداخلة في أقصى الحدود الاسبانية للصحراء.) وفي مدن ايفني والطان طان والعيون وآيت باعمران، كان الصحراويون يقيمون القواعد العسكرية السرية وينشئون المكاتب السياسية لحزب الاستقلال وجيش التحرير، كما كانوا يشاركون في إقامة المؤتمرات والندوات ويشكلون وفودا شعبية لتمارس الضغط على الملك محمد الخامس وتدفعه إلى دعم جيش التحرير بالإمكانات اللازمة. أما الاتصال ونقل المعلومات بين الوحدات المنتشرة فكانت مهمة «الأولاد» الذين يتجولون «ببراءة» حاملين الأنباء السارة حينا والمؤلمة حينا آخر.

ينطبق التواضع أيضا على التنظيم العسكري وتكتيك الحزب. فالتراب قبلي تتوزع فيه الدرجات حسب شجاعة الفرد وتفوقه الذهني وخبرته القتالية.

قائد الرحى يعتبر الرتبة الأولى في الميدان، فهو يقود 500 مقاتل (الرحى عبارة عن كتيبة مؤلفة من 500 عنصر تقريبا)، يتم تعيينه بالاتفاق بين المقاتلين، يليه نائب الرحى الذي يعينه القائد. ثم تتفرع المهام بادئة من «قائد الميّة» (أي قائد لمائة رجل) وقايد الثلاثين ورئيس الطليعة (مجموعة من 12 رجلا) وأخيرا نائب الطليعة. من أصل الـ 500 مقال يتفرغ عشرون لمهمات الاستقصاء والرصد وجمع المعلومات في المناطق الهادئة (من الطرفايا إلى رأس بوجدور) وذلك لتحديد خطوط سير المجموعات.

(في الفترات اللاحقة سيستعمل هؤلاء أجهزة اللاسلكي التي غنموها من الاسبان لإرشاد نفس المجموعات إلى القواعد العسكرية التي تكون قد تحدّدت بواسطة الرصد).

أما القيادات المحلية فقد تنوعت وشارك فيها أبناء جميع القبائل جنبا إلى جنب مع الكوادر الأساسية القادمة من الشمال. من قياديي الصحراء استطعنا معرفة البعض: بن حمّو، ادريس بو بكر، الهاشمي، صالح الجزائري، سي الملاّلي، سي بن عاشر، الشريف الدليمي (الذي سيصبح عاملا على إقليم بوجدور بعد دخول المغرب)، محمد ولد زيّو (الذي سيصبح وزيرا للعدل بعد إعلان الجمهورية الصحراوية)، على بويا ولد ميّارة، خرّ محمد، الحبيب حبّوها (الذي سيصبح عاملا على السمارة بعد دخول المغرب)...

يبدأ الرصد نهرا والحرب ليلا: بدوي يركب الجمل بدون سلاح، ويراقب ويرصد ويعيّن مكان تواجد القوة، ويرجع. في الليل تتقدم القوة الصحراوية، نصفها مسلح والنصف الآخر يغتنم (لأن الإصابات الأولى كانت دائما قاتلة، خاصة وان المقاتلين محترفو صيد الحيوانات البرية السريعة الجري) فتخوض معركتها وتعود أدراجها لتختبئ نهارا في الجبال والوديان. الجبال نادرة يقف على رأس كل منها مقاتل حاملا راية لإعطاء الإشارة عند مرور أي قوة أجنبية.

وأهم الجبال استعملت في الحرب كانت في موريتانيا (الغيلات، تغل...) في الصحراء الغربية (الصماميط الواقع قرب بيرموغرين باتجاه العيون، الفكاح بالقرب من الصماميط، ارزومالت بالقرب من الغلته والمحبس، الرقيوة قرب بيرموغرين)- أما الوديان فكانت تستعمل للتدريب وخاصة وادي تافودارت، الذي يبعد 55 كلم عن مدينة العيون باتجاه الشرق وتحيط به الأشجار ويمتاز بوفرة المياه وبوقوعه في وسط الساقية الحمراء...

على مستوى القيادة كانت حالات القلق السياسية قد أرخت كل أثقالها على المشروع الجديد. فقد عملت التناقضات السياسية المذكورة على وضع حواجز بين الشمال والجنوب وعلى إيقاف المدّ الداخلي المؤيد لاستمرار الحرب، مما كان يعني حصرا للحرب في دائرة معينة (الجنوب) وتحويل الشمال المحاذي للجنوب مقرا للقيادة والإشراف واستقبال المهاجرين والهاربين، وموقعا خلفيا. أما الشمال «الآخر» فقد عاش حالة تردد، وقف متفرجا: المواطنون ينظرون إلى النتيجة بوصفها تحديدا لاتجاهات ما بعد الاستقلال، والرسميون يعتبرونها مشروعا يسقط شرعيتهم، ويهدّد بولادة قيادة جديدة مرتكزة على استقلال من نوع آخر.

وسط هذا الحق من التناقضات، كان على جيش التحرير في الجنوب إتباع سياسة مرنة، تساعده من ناحية على تحقيق انتصارات قد تغيّر مواقف «الشمال الرسمي»، ومن ناحية ثانية، تبعده عن خطر مواجهة متعددة الأطراف: القصر وقيادات حزب الاستقلال المتعاطفة معه في الشمال، اسبانيا في الصحراء الغربية، وفرنسا في موريتانيا. وهذا ما يفسر تكتيك جيش التحرير السياسي والعسكري في المرحلة الأولى (مرحلة 1956). فقد استمر نهج تحرير موريتانيا من الاحتلال الفرنسي وتأجيل الصدام مع اسبانيا، وذلك قد يكون إما لاعتبار فرنسا العدو الأقوى والأكثر خطورة، وإما لاعتبار تكتيكي، أي محاصرة اسبانيا من الشمال والجنوب. كما استمرت العلاقات الحذرة مع القصر الملكي وذلك إما لتحييده والتخفيف من نتائج التناقضات معه وإما لإقناعه بضرورة استمرار الدعم وتغيير الموقف المتفرج.

ترافق ذلك مع تكتيك العمل السري في مدن الشمال المجاورة للصحراء، وذلك ضمن خط البدء بتنفيذ عمليات الاغتيال السياسي للعملاء والمندسين في صفوف الجيش، وتحديدا في مدينتي ايفني وآيت باعمران، اللتين، لأهميتهما الإستراتيجية، كانتا مركز اهتمام القصر الملكي ومجال الرصد لقوات التحرير من قبل عملاء فرنسا واسبانيا. يضاف إلى كل ذلك أن تحييد اسبانيا ساعد على إنجاح عمليات العبور المسلحة من خلال الصحراء الغربية إلى موريتانيا، كما أفاد جيش التحرير في تجنيد وتدريب وتعبئة السكان في الطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب، فتح المراكز السياسية والعسكرية في معظم المدن وإشراك الصحراوين في العمليات الحربية وفي تحضير المخابئ السرية وإرشاد المقاتلين...

في مطلع شهر تشرين الأول من عام 1956 بدأ الهجوم الشامل على القوات الفرنسية المتواجدة في موريتانيا. انتهت المواجهات الأولى بانتصارات عسكرية هامة تمثلت سياسيا باتساع نفوذ جيش التحرير وبإسقاط مشروع الحكومة الموريتانية الذي أعلنته فرنسا.

انتشار جيش التحرير في طول الصحراء وعرضها، والانتصارات التي تحققت ميدانيا ضد القوات الفرنسية، بدأت تتثير مخاوف القيادة الاسبانية معتبرة ما يجري خطوة أولى لتحويل القتال إلى الداخل. دون أي تردّد، ومستفيدة من علاقاتها الطيبة مع الشمال، بدأت اسبانيا مراجعة حساباتها: اتفاق دفاعي اسباني-فرنسي عام 1957، تطويق جيش التحرير والالتفاف عليه في سياسية تضييق شامل، اعتقال المقاتلين ومصادرة شحنات التموين، محاولات استمالة زعماء القبائل بالإغراء والتهديد... كل ذلك كان يعني أن ساعة المواجهة الحاسمة باتت وشيكة، ولا مجال لأي تأجيل آخر.

في كانون الثاني 1957 حرّرت قوات جيش التحرير السمارة، بير انزارن اوسير، ووصلت إلى ادرار موريتانيا. في نفس الوقت تحركت المجموعات المتمركزة في آيت باعمران وطوّقت مدينة ايفني، أهم موقع اسباني. قبائل التكنة والرقيبات وأولاد الدلايم يجوبون الصحراء على جمالهم ويخوضون معارك ضارية في الساقية الحمراء وغلتا زمور والداخلة ورأس بوجدور.

قبل أن تلتقط القوات الاسبانية أنفاسها من دهشة المتغيرات العسكرية، كان جيش التحرير قد حقّق ثلاثة أمور هامة:

1-تحصين مواقع جيش التحرير في الطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب، وتطويق القوات الاسبانية المتواجدة في مدينة العيون، وذلك من خلال السيطرة شبه التامة على السمارة وتافودارت.

2-تعبئة جميع القبائل تحت شعارات تحرير الأرض وتوحيدها وطرد المحتل المسيحي. وقد لعبت قبيلة أولا الدلايم دورا هاما في هذا المجال إذ جندت كل رجالها وجمعت كل ما تملك من بنادق الصيد والذخيرة والتحقت في صفوف المقاومة. نفس الشيء قامت به الرقيبات وبعض قبائل التكنة.

3-تأمين اتصالات مباشرة مع الجنود المغاربة العاملين في صفوف القوات الاسبانية، ودفعهم للالتحاق بقوات جيش التحرير الوطني بكامل أسلحتهم وخبراتهم العسكرية والقتالية.

كل مرة كان يصرخ فيها الدليل قائلا «معاكم يا قوم العدو»، كان المقاتلون يسجلون معركة تاريخية: في الدشيرة، بين قوات تافودارت والعيون على الضفة الشمالية لوادي الساقية الحمراء المليئة بالمخابئ والمغارات، ومن السادسة صباحا إلى السادسة مساء، كان الصحراويون يخوضون أول وأهم معركة ضد اسبانيا. (49) في العرقوب، الواقعة قرب الداخلة وسط التلال القريبة من البحر وعلى مسافة 90 كلم برا و15 كلم بحرا عن أهم موقع اسباني بحري (الداخلة)، واجه 40 مقاتل صحراوي 400 جندي اسباني في معركة انتهت بموت 20 صحراوي و120 جندي اسباني. أما الرقيوة فكانت معركة ضد الفرنسيين على الجبل الكبير المطل على الوادي الذي يربط بيرموغرين بالرقيوة، بدأت معركة طاحنة بين 200 مقاتل من جيش التحرير و700 جندي فرنسي قدموا من بيرموغرين، لحق بهم 600 آخرون من تندوف بعد 3 أيام من بدء المعركة. النتيجة: 50 شهيدا من جيش التحرير، 500 جندي من قوات بيرموغرين و450 من تندوف قتلوا، وتراجعت فرنسا إلى الشرق لتعيد تقييم تدخلها العسكري.

وتوالت المعارك التي يذكرها بحماس صحراويو ما بعد اتفاقية مدريد: معركة السمارة، الصدرة (جنبو الساقية الحمراء ما بين العيون والدورة)، الدراع (بين العيون والميناء)، بوجدور، الروضة (سيدي احمد العروسي)، وداي الصفا (بين السمارة والرقيوة، وقد شارك فيها طيرا فرنسا واسبانيا والحلفاء بـ 25 طائرة)، الحقونية، الغريبي (بين الدورة والطان طان)، الطوارف، اشياف، لكلات...

وهكذا.. لم يطل شهر شباط/فبراير 1958 حتى كانت قوات جيش التحرير قد حررت الطان طان والسمارة وأحكمت سيطرتها على الطرق المؤيدة إلى رأس بوجدور وحاصرت مدينة الداخلة. بالمقابل، كانت القوات الاسبانية تعاني هزيمة سياسية وعسكرية فادحة.

فالجنود المغاربة انسحبوا بأعداد كبيرة وبشكل جماعي من الجيش الاسباني وانضموا لقوات جيش التحرير، والهزائم العسكرية والخسائر البشرية أسفرت عن تفكيك تماسك القوات الاسبانية وانهيار معنوياتها، مما اضطرها إلى التراجع نحو الشمال والانكفاء داخل مدينة ايفني بانتظار ما سيتقرر في اجتماعات قيادات الأركان الفرنسية والاسبانية.

في مطلع عام 1958 كان الوجود الاستعماري في شمال افريقيا قد دخل في أعقد أزمة: فشل حرب السويس وبادر اتجاه ناصري نحو بلاد الشام، تصاعد العمليات الحربية ضد القوات الفرنسية في الجزائر، سيطرة جيش التحرير على الصحراء الغربية وإفشال مشروع التقسيم الجديد (موريتانيا، الصحراء الغربية، المغرب، الجزائر)، سقوط الحكومة الفرنسية الأولى في نواكشوط، وتهديد المصالح الفرنسية في افريقيا الغربية... الحلول كانت بدورها قليلة وصعبة: إما التراجع والقبول بقيام مغرب كبير تتعاطف قيادته مع الغرب ولكن رياحه يمكن أن تطال المستعمرات المجاورة، وإما تطويق الانتصارات العسكرية والتحاقها بحل سياسي يحول دون تجديد الانفجار. وفق هذا السياق يغدو التحييد بين استعمار صديق (اسبانيا) واستعمار قوي (فرنسا) لعبا سياسيا ثماره مرّة. إذ منذ أواسط 1957 والقيادات المشتركة الاسبانية-الفرنسية تعدّ الخطط لمواجهة التطورات: اجتماعات متكررة وشبه دائمة في داكار، الداخلة، لاس بالماس بين قائد القوات الاسبانية الجنرال غورمز زامولوا وقائد القوات الفرنسية الجنرال بورغوند. انتهت الاجتماعات بقرار هجوم مشترك والسيطرة على الوضع وتصفية جيش التحير. أطلق على العملية اسم «المكنسة» وبدأت في النصف الثاني من شهر شباط/فبراير 1958.

تسعة آلاف جندي اسباني وخمسة آلاف جندي فرنسي مزوّدين بكامل أسلحتهم الخفيفة والثقيلة، و630 آلية وأكثر من 70 طائرة، يقودهم الجنرال بورغوند، بدأوا حرب التصفية: بين 10 و19 شباط/فبراير كانت هذه القوات تهاجم الساقية الحمراء وتحطم التواجد المسلح والبشري والحيواني في آن واحد، دافعة السكان والمقاتلين نحو الشمال. وبين 20-24 من نفس الشهر، كانت نفس القوات تتفرغ لوادي الذهب وتحاصر القبائل وترغمهم إما على الموت وإما على الدعم (قبائل الرقيبات انحازت ووقفت إلى جانب اسبانيا). ومنذ تلك الفترة لغاية أواسط آذار/مارس كانت معركة صامتة تدور في ذلك القسم من افريقيا الشمالية: قصف البيوت والمراعي والمواطنين، وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الفرنسية تنطلق بحرية من بيرموغرين إلى الداخل، وتتقدم القوات من تافودارت، الروضة، الرقيوة ووادي الصفا، كان جيش التحرير ينسحب إلى الشمال. ورغم ذلك كانت الخسائر فادحة: 600 مقاتل، أكثر من 600 جمل في حملة الطيران وأكثر من مائة مدني...

استتبع هذه العملية تحويل جيش التحرير إلى قوة مفاوضة سوف تستعمل كورقة ضغط باتجاه مساومة مربحة للاحتلال الاسباني. فاسبانيا كانت تعلم تماما أن الانتصار الحالي قد لا يدوم في منطقة يصعب فيها إطالة عمر الانتصار، وعليه، فإن التوصل إلى وفاق سياسي يكون مدخلا مناسبا لتطويق هذه «الصعوبة». خيوط المفاوضات امتدت من جيش التحرير إلى القبائل وصولا على الملك محمد الخامس.

حاولت اسبانيا حصر المفاوضات مع جيش التحرير بموضوع المعتقلين لدى الجانبين، إصرار قيادة جيش التحرير على تسييس المفاوضات أنتج اقتراحا اسبانيا بالتخلي عن الساقية الحمراء ووادي الذهب والطرفايا مقابل الضم النهائي لمناطق الاحتلال الاسباني في الشمال المغربي.

وافق جيش التحرير على إيقاف القتال في الشمال كتنازل، متعهدا باعتماد سياسية المفاوضات لتقرير مصير تلك المناطق. فشل المحاولة الأولى استتبع عملية تطويق القبائل، منها من ركن للسكينة وعاد ليعيش «بدون سياسة»، ومنها من تعاون مباشرة مع الاسبان في الصحراء الغربية ومع فرنسا في موريتانيا، والباقي ظل يتعاطف مع السلطان المغربي. وبالتالي فإن مفوضات مثمرة لا يمكن أن تتم إلا مع طرف سياسي، صديق للغرب ومسالم، ويمتاز بشرعية سياسية دولية. المفاوضات مع الملك محمد الخامس انتهت وفق إرادة الغرب: السكوت عن ايفني والصحراء الغربية وسبتة ومليلية مقابل التخلي عن الطرفايا.

على الجانب الآخر، كانت فرنسا قد انهت مشروع تقسيم جديد للمنطقة: دولة مستقلة في موريتانيا، دولة مستقلة في الصحراء الغربية والشرقية عاصمتها تندوف، تشرف عليها المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية، والمغرب. تشابك المصالح، وموافقة الملك على العرض الاسباني، يضاف إليهما رفض قوات التحرير الجزائرية والمغربية للمقترحات الفرنسية، أسفرت مجتمعة عن نجاح المشروع الفرنسي في موريتانيا وإعلان الساقية الحمراء ووادي الذهب الإقليم الـ 51 التابع لإمبراطورية فرانكو. أما الصحراويون فقد ادخلوا في معادلة جديدة أكثر صعوبة تاركين «الشماليين» يقيّمون حساباتهم وتناقضاتهم التي حولوا تجاوزها مرة أخيرة في مؤتمر صحراوي جديد، لكن كل شيء كان قد بدأ يأخذ مسارا صحراويا:

المؤتمر الأخير ذكر «الانتماء» ووحّد الاتجاه.

انعقد مؤتمر «بوخشيبية» في منطقة تقع بين إقليم الطرفايا وإقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب، على مدار يومي 11 و12 آذار/مارس عام 1958. وقد شارك في هذا المؤتمر معظم قبائل الصحراء الغربية والجنوبية: ازرقيون، آية الحسن، ياقوت، أولاد تيدرارين، الرقيبات، أهل الشيخ ماء العينين وأولاد الدلايم من الساقية الحمراء ووادي الذهب، تشمشة، أولاد غيلات، تجكانت، الرقيبات، الترارزة والبراكنة من موريتانيا، كما شارك فيه بعض قيادات ومقاتلي جيش التحرير، ومثّل السلطان محمد الخامس ولده وولي العهد آنذاك الحسن الثاني.

عكست مقررات المؤتمر ميزان القوى بين شرعية مؤيدة للملك وإصرار على رفض الأمر الواقع ومتابعة الحرب ضد الوجود الفرنسي والاسباني. الناحية الأولى برزت من خلال المقطع التالي:

«إن تأييد الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك في قرية المحاميد بتاريخ 26 شباط/فبراير 1958 الذي وعد فيه حفظه الله بمواصلة كفاحه المعهود لاسترجاع امتدادات المغرب الطبيعية والتاريخية والبشرية. ويرى ممثلو قبائل الصحراء المغربية أن ذلك الخطاب المولوي كان فاتحة لعهد جديد في تاريخ نضال الصحراء المغربية من أجل عودتها إلى حظيرة الوطن العزيز. لقد أزال جلالة الملك بخطابه التاريخي القيّم كل التباس في موضوع هذه النواحي المغربية الصميمية، ولم يبق هناك شك في أن المغرب المستقل سيسعى في استخلاص المغرب المستعبد من ربقة الاستعمارين الفرنسي والاسباني...».

الناحية الثانية عبّرت عنها المطالب التالية:

1-التنديد بالأعمال الوحشية الفرنسية-الاسبانية، وتحميل الاستعمار مسؤولية إهدار الأرواح والأرزاق.

2-رفض الاعتراف بالمشروع الفرنسي في موريتانيا، ورفض الحكومة الموريتانية التي شكلها المندوب الفرنسي، والمطالبة بإبقاء موريتانيا ضمن المغرب.

3- التمسك بوحدة التراب الوطني والدعوة لمواصلة الجهاد والكفاح المسلح لتحرير الأراضي المحتلة وتوحيد البلاد.

4-الدعوة لتشكيل جبهة وطنية لتحري الصحراء وموريتانيا.

كان مؤتمر بوخشيبية يعني عمليا نهاية الدور السياسي لجيش التحرير في قيادة سكان الصحراء. أما ميزان القوى الفعلي فقد كان يميل بقوة ضد مقررات هذا المؤتمر، مما يعني أن خيار الصحراء الوحيد كان الشروع بمسيرة سياسية وعسكرية مستقلة عن الملك وعن جيش التحرير في آن واحد. ورغم إعلان بعض القبائل، وبمبادرة ذاتية عن قيام «جبهة موريتانيا والصحراء المحتلة» في شهر آذار/مارس 1959، وإرسال وفود إلى القصر الملكي لطلب المساعدة المالية والعسكرية لمواصلة حرب التحرير وتنفيذ مقررات المؤتمر الأخير، فإن المشروع كان محكوما عليه بالموت قبل الولادة: القصر لا ينسى أجزاءه المحتلة ولكن طريق استرجاعها لا تنسجم مع الرغبات الدفينة (القتالية) لقبائل الصحراء، وجيش التحرير يدخل مرحلة انقسامه العسكري (أي بداية المواجهة بين وبينه القصر) والسياسي (انشقاقات حزب الاستقلال) ترافق كل ذلك بانطواء الشمال على نفسه باحثا عن قضية أخرى. الإصلاح الداخلي، في مواجهة مخزن حيّد نفسه إراديا، وغرب استقرت له الأمور في الصحراء الغربية وموريتانيا. لم يكن في مقدور القبائل سوى الانتظار بحرارة والتطلع الدائم نحو «شمال» لا يربطه بالجنوب سوى وقوف على أطلال وحدة تكاد تكون منسية، من الصعب استذكارها لحظة انكباب المخزن على هموم الاستقلال الناقص...

الانتظار كان مريرا، قطعه مشروع الحزب المسلم، وعزّز قطيعته ولادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. وقبلهما حدث أمران: استقلال الجزائر، واكتشاف الفوسفات، وما سيعقبهما سوف يعمل على إيقاظ المخزن...

 

هوامش الفصل الثاني

(1) أحمد بابا مسكي: جبهة البوليزاريو، روح الشعب. منشورات روتبور، باريس 1978، ص 12-13، نفس الملاحظة تنطبق على المساحة. يحدد المؤلف المساحة كما يلي: «لغاية 1958، كانت مساحة الصحراء الغربية، ضمن الحدود الاستعمارية المحدودة في أعوام 1900، 1904، و1912 بين فرنسا واسبانيا، تبلغ تقريبا 310 آلاف كلم2. بعد تخلي اسبانيا عن منطقة طرفايا الصحراوية، أصبحت المساحة تعد تقريبا 284 ألف كلم2» ص 12.

(2) عبده عبد الغني: الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية. منشورات ماسبيرو، باريس، 1975، صفحة 63

(3) أنفاس، العدد المزدوج 7 و8، كانون الأول 1971.

(4) غوديو اتيلو: ملف الصحراء الغربية المنشورات الجديدة لاتين، باريس، 1978، صفحة 184. أمّا م.كورنفين في كتباه «تاريخ افريقيا المعاصر» فيقول (صفحة 358) ان عدد الصحراويين «يتراوح حسب المصادر بين 75 ألفا وخمسمائة ألف شخص».

(5) في مقابلاتنا مع بعض زعماء هؤلاء القبائل، وجدنا أن بعض الأرقام غير صحيحة تماما. إما لأن الزعيم يريد تضخيم عدد أفراد قبيلته وإما لأن بعض جوانب الإحصاء المذكور غير دقيقة.

(6) لهجة سكان الصحراء معروفة باسم «اللهجة الحسانية» وهي أقرب اللهجات المحلية إلى اللغة العربية الفصحى، كما أنها اللهجة الغالبة والشائعة في المنطقة.

(7) وقد تم ذلك: احتلال اوادان عام 1665، ادرار عام 1678، ترارزة عام 1672، تافانت وتيشيت عام 1680.

(8) منذ ذلك الحين والمنازعات بين القبائل تأخذ في الاتساع، وكل قبيلة تبحث عن دعم خارجي (السلطان أو التجار). ولم تهدأ هذه المنازعات إلا نسبيا وبفضل نفوذ الشيخ ماء العينين (مصالحة 25 تشرين أول/أكتوبر 1906).

(9) ذكر غوديو اتيليو، المرجع السابق، نص المعاهدتين، الفرنسية ص 61 والاسبانية ص 63.

(10) اعتمدنا في هذه السطور المعلومات التي حصلنا عليها من المقابلات المباشرة ومن وثائق وزارة الخارجية المغربية المقدمة إلى الأمم المتحدة بتاريخ 15 حزيران/يونيو 1977، ومناقشات جلسات محكمة العدل الدولية. كما اعتمدنا، بالنسبة للتوزيع الجغرافي وعدد السكان، على ما ذكره غوديو اتيليو، المرجع السابق، ص ص 45-64.

(11) يقول فرانسيس شاسي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة نانسي، أنه «كان يجب أن تمر حوالي مائة وخمسين سنة حتى نسمع من جديد عن علاقات سياسية واضحة تربط بين المغرب الأقصى والصحراء، أي بين أهل بيروك، رؤساء فئة من أصل موسى من تكنة، وبين سلطان المغرب. وابتداء من عام 1840، أصبحت الطريق التجارية الغربية عبر الصحراء، لمدة، مزدهرة بسبب غزو الجزائر (وهي طريقة تقضي على الطرق الأخرى) وكذلك غزو القصور-أسواق تندوف (التي أسسها حينذاك تاجاقند) ثم كوليمين التي يراقبها أهل بيروك. وذلك من شأنه أن يخدم مصلحة هؤلاء الأخيرين ومصلحة الأوروبيين المتمثلة في التبادل المباشر، وبدون المرور بالطريق الطويلة لموقادور ولا تحمل الرسوم الشرفية، ولا يخدم مصلحة السلاطين». ورد في فصل بعنوان «معطيات تاريخية واجتماعية حول تكون الشعب الصحراوي»، في «الصحراء الغربية شعب وحقوق»، ص 180.

(12) غوديو اتليو يعرض تفاصيل هامة عن نفوذ ومشاريع بيروك التجارية. المرجع السابق، ص 49-51.

(13) ذكرها هذا التوزيع الجغرافي غوديو اتيليو، المرجع السابق، ص ص 41-42.

(14) البروفسور شاسي، الذي أعياه البحث التاريخي عن ذات صحراوية (سياسيا) والذي يبدو أنه واسع الاطلاع حول تاريخ المغرب العربي وتاريخ القبائل الصحراوية، لم يستطع أن يوجز بحثه الميداني إلا بخلاصة علمية تتعارض مع عاطفته السياسية ولكنها تحترم، رغم ذلك ورغم انحيازها الطفيف، النتيجة العلمية للبحث. فهو يقول «ان تلك الهياكل الموجودة بين القبائل، وكذلك التطابق اللغوي والثقافي، كانت تميز كل القبائل الرحل التي تجوب المنطقة التي تحدثنا في البداية عن جغرافيتها واقتصادها باقتضاب، والتي تتجاوز قليلا (شمالا، وشرقا، وجنوب شرق) الأراضي الحالية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ولموريتانيا، وهي خصائص تميزهم عن التجمعات الاجتماعية المجاورة، سواء كانت عربية أو بربرية، مستقرة أم متنقلة. فبإمكاننا إذن أن نقول أنهم شعب أو مجموعة شعب، شريطة أن نوضح بأننا نعني من ذلك وحدة «اجتماعية-ثقافية»، ولا وحدة عضوية فيزيائية، ولا جنسا، ولا أمة بالمعنى العصري للكلمة. فبالنسبة للنقطة الأولى، من الواضح أنه يوجد في الواقع الملموس تنوع واختلاط بين أجناس (وأغلبهم بلا شك بربر وسود) كما توجد في نفس الوقت مطالبة قوية (على الأقل رمزيا عن طريق الأنساب) بالانتماء للعرب. وحول النقطة الثانية فإنه من الوضوح بحيث لم توجد لا وحدة سياسية على المستوى الإجمالي لهذا الشعب، ولا تطلع جماعي إلى اكتساب وحدة ما، وذلك راجع إلى ظروف عهد ما قبل الرأسمالية والاستعمار، لحياة البادية». المرجع المذكور، ص ص 12-13.

(15) المرجع السابق، ص 12.

(16) العلك هو ما تفرزه نبتة شوكية تدعى الطلح، التي تؤدي ضغط الحرارة عليها إلى إخراج العلك من أسفلها.

(17) المرجع السابق، ص 12.

(18) هذه الوضعية عكست نفسها على اختصاصات القبيلة المهنية. فالرقيبات الساحل مثلا امتلكوا آلاف الجمال، والبويهات (إحدى فروع الرقيبات) احتفظوا بالزراعة. أما الرقيبات الساحل فقد غنموا ثروة كبيرة من جراء الكسب. وازرقيون تخصصوا باقتناء الظأن والإبل والتجارة والثقافة ويملكون حاليا 80% من متاجر العيون. أولاد تيدرارين اهتموا بالكسب، أولاد الدلايم بالكسب والصيد البري والتجارة، وخاصة مدينة الداخلة، أما العروسيون فقد اشتهروا بالكسب، إضافة إلى الكسب والصيد البري بالرماية والفروسية والشعر...

(19) عبد الله العروي، المرجع المذكور، ص 66.

(20) المرجع السابق، ص ص. 72-73.

(21) المرجع السابق، ص 129.

(22) وجود السلطة المغربية إيديولوجي-سياسي وقومي في عموم المغرب الحالي ولكنه على مستوى العلاقات الداخلية. ان القبائل المقيمة حاليا في مناطق السوس، والتي يتم الوصول إليها بواسطة وسائل النقل الأولية، لا يربطها بالسلطة المركزية سوى حضور موظف وشرطي، يوم الجمعة إلى السوق، يحملون الأختام وأوراق المعاملات الوطنية. يختمون، يصدقون على ورقة طلاق أو وفاة أو زواج ويذهبون. القانون بيد شيخ القبيلة الذي يصل إلى حد معالجة الخلافات المعقدة دون اللجوء إلى السلطة المركزية.

(23) الصحراء الغربية شعب وحقوق، إعداد الملتقى الدراسي بماسي الذي انعقد بتاريخ 1، 2 نسيان/ابريل 1978 وأصدرته دار نشر لارماتان الفرنسية بإشراف الرابطة الفرنسية لحقوق وتحرير الشعوب، ص 13.

حول تطورات القرن العاشر وتأثيرها على صنهاجة الجنوب المغربي، راجع عبد الله العروي، المرجع السابق، ص ص. 160-161.

(24) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 14.

(25) عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 160. ويعلق العروي على الهامش قائلا: «الذين يعتقدون مثل أ. ف. غوتيه بمدلول موضوعي لكلمتي صنهاجة وزناتة يفترضون حدوث اجتياح زناتي قادم من منطقة طرابلس قسم الكتلة الصنهاجية إلى فرعين، لاذ أحدهما بجبال القبائل، هم المستقرون، ولاذ الآخر بالصحراء واخلد إلى البداوة».

(26) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 17.

(27) حول سياسة العلويين، راجع العروي، ص ص. 272-287.

(28) شارل اندريه جوليان: افريقيا الشمالية تسير، القوميات الإسلامية والسيادة الفرنسية، ص ص 127-128.

(29) عبد الله العروي المرجع المذكور، ص 162.

(30) يبدو أن غوديو اتيليو اهتم بموضوع ماء العينين أكثر من وزارة الإعلام، وأكثر من مثقفي الحركة الوطنية المغربية بدءا من حزب الاستقلال وانتهاء بمنفيي باريس. لذلك اضطررنا إلى الرجوع إلى صفحاته القليلة، ولكن الغنية، لنلتمس بعضا من تاريخ عظيم. فقط لكي لا نقتل التراث عن وعي.

(31) من أصل 383 صفحة لم يتحدث بابا مسكي في كتابه المذكور آنفا عن تاريخ الشيخ ماء العينين الديني والسياسي إلا في أربع صفحات فقط.

(32) فرنسيس شاسي، المرجع المذكور، ص 21.

(33) من رسالة وجهها السلطان إلى رعاياه الصحراويين بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 1887.

(34) ذكر غوديو اتيليو أهم مؤلفاته في كتابه المذكور، ص ص. 90-95. كما تمكنا من الاطلاع على بعض المخطوطات الأصلية التي عرضها علينا أحد أحفاد الشيخ ماء العينين أثناء زيارتنا لمدينة العيون في كانون الثاني/نوفمبر 1979.

(35) ذكر اتيليو بعض ما جاء في هذه الرسالة، ص 75، وذلك نقلا عن بول مارتي.

(36) وردت في كتاب «الماضي المغربي لموريتانيا» لاوديت دي بويغدور نقلا عن أرشيف دائرة تاجانت. ذكرها غوديو اتيليو، المرجع السابق، صفحة 75.

(37) المرجع السابق، ص 77.

(38) حول الأحداث والتواريخ، المرجع السابق، ص 79 وما بعدها.

(39) نقلا عن اتيليو، المرجع السابق، ص ص 62-63.

(40) حول تاريخ الشيخ ماء العينين، راجع اتيليو ص ص 65-82، بابا مسكي، ص ص 95-98، عبد الغني، ص ص 24-27...

(41) حول سياسة أحمد الهيبة، راجع اتيليو، ص ص 82-83، عبد الغنى ص ص 27-29.

(42) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 71. عامل السمارة الحبيب حبوها روى لنا أن القبائل أخلت المدينة عند دخول الفرنسيين إليها. وبعد 40 يوما على احتلال المدينة ونهبها وسرقة محتويات مكتبة الشيخ ماء العينين، استطاعت القبائل بعد أن أعادت تجميع صفوفها من تحرير المدينة من القوات الفرنسية واغتنام أسلحتهم. وقد استبسلت قبائل الرقيبات في هذه المعركة خاصة وأن 95% منهم من سكان السمارة.

(43) وقعت معركة بوعثمان بتاريخ 18 آب/أغسطس 1932 على بعد عدة كيلومترات عن نواكشوط. حول هذه المعركة، راجع بابا مسكي، نفس المرجع، ص 101.

(44) عبده عبد الغني، الرمج)ع المذكور ص 29.

(45) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 24.

(46) تجربة ابن الأمير ولد عايدة (الموريتاني) أثبتت مرة أخرى أهمية المواجهة الواحدة لمستعمرين مختلفي الهوية الجغرافية: سيد احمد ولد عاديه، أمير ادرار، انتقل من ادرار إلى السجن في سان لويس، ومن الإقامة الجبرية انتقل الساقية الحمراء، ومن هناك تابع مسيرة والده ومسيرة الشيخ ماء العينين. فقد انعقد حوله تحالف قبلي الذي بدأ عمليات مسلحة بقيادته. أما هو فقد استشهد وهو يقوم بحماية تسلل إحدى المجموعات. حول هذا الموضوع، راجع باب مسكي، ص ص. 102-105.

(47) حول التصريح الأول، اتيليو، ص 158، التصريح الثاني، ص 156.

(48) حول هذا المؤتمر، اعتمدنا على المقابلات الميدانية بشكل أساسي، وقد ذكر اتيليو المؤتمر ص ص 87-88، وعبد الغني ص ص 38-39، أما بابا مسكي فلم يتحدث عنه أبدا.

(49) أحد الذين شاركوا في المعركة والمقيم حاليا في مدينة العيون، قال لنا أن عدد مقاتلي جيش التحرير كان خمسين فقط، منهم 25 يحملون السلاح، فقدوا 13 مقالتا أثناء المعركة. أما الاسبان فكانوا 1200 لم ينج منهم إلا مائة جندي بينما حصل الصحراويون على 1100 بندقية. أما عبده عبد الغني فيقول، ص 39: ان الاسبان خسروا حوالي عشرة آلاف قتيل في معركة الدشيرة.

المناضل-ة عدد 41

علي الشامي

  الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل الخامـس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  فصل السابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل السادس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل الثالث من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها