جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

  الفصل الثالث من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

البوليزاريو: الشعب الصحراوي أو جمهورية المنفى
الاحد 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

علي الشامي

البوليزاريو: الشعب الصحراوي أو جمهورية المنفى

الفصل الثالث من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

في أسباب الانكفاء الداخلي المعاصر

في تتابع «الحدث» اليومي لقضية الصحراء الغربية، يبرز التاريخ كتراث متعدد «الأصول» قابل دائما للاستعمال كاستهلاك سياسي، فالتداول الإعلامي-التحريضي، باختلاف هوية محترفيه، ارتكز على هذا التراث بوصفه «أصلا» لما هو حاصل. غير أن الارتكاز اعتراه خلل ناتج عنى قياس إرادي للأصل غير عابئ بضرورة مطابقته «العلمية»، وليس التعبوية، للوضع الناشئ. وضع عام 1958 حدا للخلل واشترط تداولا أكثر صحة ودقّة في صياغة واستيعاب الحدث اليومي. فمنذ ذلك العام والمسألة تتوضح جغرافيا وسياسيا، وتتراكم فيها مجموعة من العوامل المستجدة التي ستكون لاحقا أساس الإشكالات الراهنة، والتي يمكن اعتبارها نواة محاولات صحراوية وسط تناقضات محلية أشد فاعلية وتأثيرا.

العوامل كثيرة ومختلفة، يفهمها كل طرف وفق خلفياته، غير أنها موضوعيا ثابتة:

1- اسبانيا الضعيفة افريقيا وأوروبيا، وجدت نفسها في نهاية عام 1957 في مأزق حاد وانحسار في أهم مستعمراتها. مصالحها التاريخية في المغرب لا تسمح لها بتدهور دراماتيكي، ومواجهة القضايا العالقة بعنف سوف تؤدي إلى طرح الوجود الاسباني بومته. القوات الاسبانية محاصرة في العيون والداخلة وايفني بينما القوات الفرنسية استطاعت تعزيز قواتها في تندوف وإحكام سيطرتها على موريتانيا وضبط علاقتها مع الملك الخامس ايجابيا.

التقت حاجة فرنسا الإستراتيجية، القائمة على منع انتشار العدوى السياسية إلى باقي افريقيا انطلاقا من الجزائر والصحراء الغربية، مع حاجة اسبانيا التكتيكية لفك الحصار عنها وإعادة ضبط الأمور بشكل لا يهدد مجمل المصالح الاسبانية سواء في الساقية الحمراء ووادي الذهب أو في باقي الجنوب والشمال. فجاءت عملية المكنسة (شباط/فبراير 1958) مدخلا عسكريا لحل سياسي: الانسحاب من إقليم الطرفايا المحتل وعدوة السلطة المغربية إليه بعد التوقيع على اتفاقية سنترا (Cintra) بتاريخ أول نيسان/ابريل 1958، وذلك مقابل سكوت مغربي رسمي عن الإقليمين الباقين في الجنوب وعن مناطق الشمال، مع ترك باب المفاوضات حولهما مفتوحا.

سبق ذلك إعلان الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعة اسبانية بإدارة حاكم عام تابع لرئاسة الحكومة في مدريد وحاكم عسكري تابع لقيادة جزر الكناري العسكرية، وذلك وفق المرسوم الصادر في 10 كانون الثاني/يناير 1958. استتبع ذلك تحديد دقيق للحدود من ناحية الشمال بين منطقة النفوذ المغربي جنوب إقليم الطرفايا ومنطقة النفوذ الاسباني جنوب وادي درعا، ومن ناحية الجنوب بين منطقة النفوذ الاسباني شمال رأس كانسادور في أقصى جنوب تيريس الغربية ومنطقة النفوذ الفرنسي الواقعة جنوب هذه المنطقة، أي موريتانيا الحالية، التي عملت فرنسا على منحها نوعا من الحكم الذاتي بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1958 كمقدمة لتحويلها إلى دولة مستقلة وتشكيل أول حكومة موريتانية (1960).

إلى هذه الفترة تحديدا يرجع تعيين الإطار الجغرافي للصحراء الغربية المتنازع عليها حاليا. وعام 1958 هو ، بنتائجه وتطوراته السياسية، أساس الحدود القائمة والتي لم تكن محددة ولا للحظة من اللحظات في كل التاريخ القديم، على الأقل من المنطقة الممتدة جنوبي أغادير وصولا إلى اكبر المدن الموريتانية وتندوف. فالتراث «الجغرافي» سيصبح ثانويا ما قبل 1958، وأساسيا «علميا» من بعده، وذلك بفضل حاجة اسبانيا، الضعيفة، للحفاظ على حصتها المتواضعة من الإرث الاستعماري.

2- يدخل رسم الحدود المذكور في صلب المشروع الفرنسي ويلتقي مع رسم حدود من نوعه آخر: تحويل القسم الجنوبي من الصحراء إلى دولة مستقلة وتعيين حدودها المحاذية لمنطقة النفوذ الاسباني وذلك بعد فشل مشروع خلق جمهورية صحراوية بسبب رفض الشيوخ «على أساس تأكيد الانتماء للمغرب» (1).

فبقيت المناطق الشرقية (تندوف) بدون حدود بينما ابتعد خطر الامتزاج الموريتاني-الصحراوي عن المشروع الفرنسي. أسفر كل ذلك عن اطمئنان فرنسي وقيام دولة جديدة، وعن ارتياح اسباني وإعلان مقاطعة جديدة، سيطالب بعض سكانها فيما بعد بأن يصبحوا دولة..

ولا يقف الاطمئنان الفرنسي عن التعيين الجغرافي لمنطقة النفوذ الاسباني، ولا يكتفي بإعلان جمهورية موريتانيا، بل يتعدى ذلك ليدخل في إستراتيجية فرنسية أكثر شمولية تبدأ بتطويق هزيمتها في المشرق (حرب السويس) وإطفاء نار التحرير الجزائرية التي، في حالة استمرارها، ستتحول إلى نموذج يُحتذى به في عموم القارة الافريقية. إذ ان «قتل» السياسة في الصحراء يعني قتلا للسياسية في الجزائر، وبالتالي فان مساعدة اسبانيا في هذا المجال تلبي حاجة موضوعية لفرنسا بشكل خاص: إبعاد خطر الثورات المحلية في افريقيا الغربية، تنفيذ مشروع «ميفيرما» الذي يشمل موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد، توطيد علاقتها مع الملك المغربي لإضعاف تعطفه مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية توطيد العلاقات مع تونس لتطويق الباب المشرقي للثورة الجزائرية.

3- المغرب، الذي يراقب عملية تقطيع أطرافه، يتحرك في ميزان قوى جعله الانسجام الفرنسي-الاسباني وعملية المكنسة يميل بقوة معاكسا رغبات السلطان القومية. إذا أضفنا إلى هذه الوضعية الدونية غلبة الدفاع عن مصالح السلطة القائمة على ضرورة استكمال عملية التحرير الكامل، يصبح السلطان أمام معضلة مصيرية: الاحتفاظ باستقلال ناقص أم الاستمرار في حرب طويلة الأمد. اختيار الحل الأول لم يلغ أهداف الحل الثاني ولكنه اشترط تصفية قواه الفعلية (جيش التحرير) وإلحاقها بمشروع القصر، كما استتبع سلسلة تنازلات إرادية (اتفاقية سنترا) وقسرية (السكوت عن قيام موريتانيا). لأن فرنسا واسبانيا أقوى، ولأن لكل منهما مصالحها الخاصة في المغرب، فإن الملك محمد الخامس، والقوى السياسية المتحالفة معه، وجد نفسه في حالة ضعف: «لأسباب سياسية لم يكن باستطاعته الاعتماد على فرنسا ضد اسبانيا، ولأسباب اقتصادية لم يكن باستطاعته التحالف مع هذه ضد تلك ولاعتبارات تاريخية وعاطفية لم يكن بإمكانه التخلي عن موريتانيا لاسترجاع تندوف، ولا التخلي عن سبتة ومليلية للحصول على وادي الذهب»(2).

أنتج تشابك المصالح معادلة سياسية ستكون نتائجها، صحراويا، سلبية: إلغاء العلاقة الشرعية التي كانت تربط المغرب بالصحراء عن طريق خليفة تطوان، ضرب بقايا العلاقة السياسية التي كانت تربط سكان الصحراء بالملك أو بحزب الاستقلال وجيش التحرير. أي نسف الصفة الشرعية والروابط السياسية، واستتباعا إدخال الصحراء في إطار آخر غير «مغربي»، لا يغير من هويته اللاحقة إلا إلغاء شروط إنتاجه نفسها، العلاقة الوحيدة الباقية كانت «عائلية»، ووحدها الزيارات «الاجتماعية» كان مسموحا بها. أما موسم الطان طان الذي كان فرصة لتبادل السلع ورؤية الصحراويين لبعضهم (الذين ظلوا مغاربة والذين أصبحوا رسميا اسبان) فقد اخذ يتدهور مع ازدهار الحركة التجارية في مدن الصحراء نفسها (العيون، السمارة، الداخلة...).

4- أسفرت العوامل الثلاثة عن خصوصية تاريخية: تكوين سياسي داخل منطقة النفوذ الاسباني قائم داخل حدود مسيّجة وعزلة قسرية عن الشمال والجنوب مع إلحاق تدريجي بسلطة مدريد. ترافق كل ذلك بعلاقات واهية مع المغرب، دلالتها هامة لكن فاعليتها معدومة طيلة الستينات. بهذا المعنى تظهر الخصوصية التاريخية التي أصبحت فيما بعد خصوصية سياسية، وكأنها نتاج تضافر هذه العوامل مجتمعة وليس بوصفها استمرار لتاريخ لم يشهد انقطاعا (الأطراف المتنازعة حاليا لا تنفي هذا الانقطاع فالخصوصية متفق عليها بوصفها نتاج الفعل الاستعماري القائم على عزل المناطق عن بعضها وعلى كافة المستويات). ان محاولات إسناد هذه الخصوصية بثوابت تاريخية سابقة على عام 1958 تبدو لنا فارغة من أي جهد إقناعي موضوعيا وعلميا. الخصوصية، هي نتاج انقطاع حدودي-جغرافي وسياسي-وطني. عملت على تدعيمها المواجهة الأخيرة واستئصال الوجود السياسي العسكري لجيش التحرير من الصحراء الغربية ودحره نحو الشمال. وبالتالي فإن بدايات استقلال سياسي كتمظهر لهذه الخصوصية يستمد تبريراته من مجموعة العوامل التي آلت إليها وضعية الصحراء منذ 1958، بتحديد صارم.

شكل مؤتمر بوخشيبية علامة فارقة: بداية المسيرة عن المغرب وموريتانيا، وانفراد في مواجهة المحتل، مع الاحتفاظ بعلاقة «إيديولوجية» بالمغرب قوامها وتبريرها الإصرار على عدم إعطاء أية صيغة شرعية للاحتلال الاسباني. داخل المنطقة التي ارتسمت حدودها وبشكل واضح منذ عام 1958، بدأت الخصوصية الصحراوية تنمو على قاعدة العلاقة الثنائية (اسبانيا-الصحراء) وتنمو معها سمات سياسية جديدة: عام 1960 جرى تشكيل مجلس الأربعين أو آية الأربعين، كهيئة تمثيلية للسكان، تضم زعماء القبائل وتتمتع بسلطة ونفوذ على مجموع السكان وتناقش أمورهم مع سلطات الاحتلال، في 19 نيسان/ابريل 1961 تصدر الحكومة الاسبانية وثيقة تعتبر الصحراء جزءا من اسبانيا (الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعتان اسبانيتان والعيون عاصمة للصحراء).

ورغم خنق جبهة موريتانيا والصحراء في المهد، وسيادة الهدوء العام الذي دعّم المشروع الاسباني، فإن النمو البطيء لهذه الخصوصية انتقل إلى وتيرة أكثر حركة ودينامكية في محاولة تسريع الإلحاق السياسي، وذلك بسبب عدة عوامل خارجية تتجاوز إرادة السكان ورغبات الإدارة الاسبانية من أهمها: إصدار الكتاب الأبيض من قبل الحكومة المغربية بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1960 الذي يعلن مطالبة المغرب بالساقية الحمراء ووادي الذهب وايفني وموريتانيا، إصرار الملك محمد الخامس على إجراء مفاوضات مع اسبانيا حول هذا الموضوع، صدور قرار الأمم المتحدة المتعلق بتصفية الاستعمار (قرار رقم 1514 بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر 1960) وتأثيراته على مشاريع القوى الاستعمارية التي اتبعت اثر هذا القرار سياسة التحول إلى استعمار جديد وإلى تحويل المستعمرات إلى دول تابعة وملحقة بها، استقلال الجزائر عام 1962 وآثاره الايجابية على مجمل المستعمرات مما كان يعجل بتغير السياسات المحلية بشكل يسمح بتطويق انعكاسات الانتصار الجزائري، ليس فقط على المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة، بل أيضا على الدول التي أنتجها التقسيم الاستعماري وظل يرعاها بعد قيامها (المغرب، موريتانيا، تونس...)

كان يخفف من حدة العامل الأول انشغال المغرب بأوضاعه الداخلية (بناء الدولة الحديثة). وينضبط العامل الثاني داخل ميزان قوى عالمي يميل لمصلحة الغرب ولا يشكل فيه تيار باندونغ (عدم الانحياز) إلا نسبة ضئيلة وضعيفة. أما العامل الثالث فقد كان الأهم والأكثر تأثيرا على المدى الاستراتيجي، رغم أن انكفاء نحو الداخل لبناء دولة ما بعد الاستعمار الطويل كان يضعف انتشار المد الثوري. لذلك لم تتأثر وضعية السكان في الصحراء الغربية بشكل فاعل ومباشر، وإنما تأثرت وضعية الإدارة الاسبانية التي كانت ترى في هذه الأحداث، رغم غياب خطرها المباشر، مؤشرات وبوادر ذات تأثير بطيء ولكنه خطير على المدى الطويل، مما كان يستدعي بداية علاقات سياسية من نمط جديد: الإلحاق عن طريق الوسيط المحلي. بمعنى آخر، أن تعطي اسبانيا لنفسها شرعية استمرار احتلاها من خلال «المحتلين» أنفسهم وذلك كتكتيك ناجح لمواجهة انعكاسات العوامل الخارجية المذكورة على الوضع السياسي للصحراء.

ترافق هذا التطور مع مسألة ذات أهمية قصوى في تحديد اتجاهات الإدارة الاسبانية وهي اكتشاف الفوسفات في أيار/مايو 1963، الأمر الذي زاد فوائد استمرار السيطرة، كما أسس لتدخل أوروبي غربي وأمريكي في الصحراء الغربية. والفوسفات ليس مجرد اكتشاف بل حاجة ضرورية اقتصاديا، أي «سياسيا» أيضا، وبالتالي فإن الثروات الطبيعية القديمة والحديثة بدأت مع بداية الستينات تلعب دورا محوريا وحاسما في إستراتيجية اسبانيا الصحراوية.

أبرزت سنوات الستينات الأولى ثلاثة أمور:

أولا، بداية صراع صامت مغربي-اسباني حول الصحراء يدور في أروقة الأمم المتحدة حينا وفي عواصم البلدين حينا آخر.

ثانيا، بداية سياسة محلية قوامها تركيز قوة ذاتية طيعة في يد الحاكم العسكري وتستخدم كتغطية لاستمرار السيطرة.

ثالثا، جمود النضال السياسي الصحراوي وذلك كنتيجة مباشرة لتصفية جيش التحرير ولقطع العلاقات مع القوى السياسية المغربية ولغياب الطليعة المحلية القادرة على قيادة مواجهة داخلية وثنائية بدون تدخل من الحدود.

بمعنى آخر استتب الوضع الداخلي لاسبانيا، والسياسية المغربية المناوئة لم تشكل إلا إزعاجا دبلوماسيا. وبناء عليه، فإن مدريد سوف ترسم معالم تطور سياسي يرتكز على علاقات ودية مع زعماء القبائل مع إعطائهم صلاحيات تمثيلية للسكان مدعومة بقوات الاحتلال. اخذ هذا التطور شكله الأول في تأسيس الجماعة الصحراوية عام 1967، وهي نوع من السلطة المنبثقة عن القبائل والمنفصلة عنها نسبيا، وخاصة كإطار لتقرير المواقف: إعلان مواقف السكان المحليين، تمثيلهم في العلاقات مع الإدارة الاسبانية، الإشراف على المسائل الداخلية وضبط العلاقات القبلية...

فالجماعة هيئة أكثر اتساعا من آية الأربعين: إضافة لزعماء جميع القبائل الصحراوية المتواجدة داخل منطقة النفوذ الاسباني (باستثناء ايفني)، تضم الجماعة مخاتير المدن الكبرى (العيون، الداخلة) وزعماء البطون والفروع الكبرى لكل قبيلة بحيث يصل عدد أعضاء الجماعة إلى 102 يضاف إليهم الكاتب العام وهو اسباني. تعود أهمية هذا التوسع الأفقي إلى ضرورة إشراك جميع القبائل والبطون والعائلات في تأمين التغطية اللازمة لاستمرارية الاحتلال، أي تقديم إطار يستوعب الجميع ولا يسمح لأي كان بالحديث من خارجه...

التأسيس الاسباني قائم على القهر، أما التراتب الداخلي فقائم على الديمقراطية. ينتخب السكان بحرية تامة ممثليهم في الجماعة التي تنتخب بدورها الرئيس ونائب الرئيس. وجميع المنتخبين ملزمين بإعلان الوفاء لاسبانيا طيلة مدة تمثيلهم، والقسم الذي يلي الانتخاب يخطه قلم الحاكم الاسباني.

«أقسم أمام الله القادر واعد بتصميم من أمثلهم بالسهر على الفائدة المشتركة المادية والروحية للصحراء.

أتخلى علنا عن مصالحي الشخصية لأجل الخير المشترك. اعد بالوفاء لاسبانيا في إتمام واجباتي واحترام القوانين التي تنظم حياة جماعتنا...» أما قانون «الجماعة» نفسه فلم يكن نتاج جهود الزعماء أنفسهم، لقد كان صياغة اسبانية من أوله إلى آخره. وذلك أن نصّ المرسوم رقم 1024-1967 المتعلق بإنشاء الجماعة تضمن عدة بنود أهم ما ورد فيها: أن يكون السكرتير العام للجماعة من أصل أوروبي (المادة 165)، تمثيل القبائل أو الفروع يتم بواسطة الشيوخ أو الزعماء المنتخبين وتعيينهم يخضع لموافقة الحاكم العام (المادة 168)، وظيفة الجماعة محصورة بمناقشة غير تقريرية لأمور الميزانية، العلاقات العامة، والتعليم، الزراعة والرعي، الكهرباء، المياه، وبشكل عام كل ما يتعلق بالنمو الاجتماعي والاقتصادي (المادة 174)... لا يعطي أي بند من بنود الدستور صلاحيات سياسية للجماعة، فالسياسية ممنوعة ومحظورة إلا بأوامر الحاكم العام. تنتخب الجماعة مرة كل أربع سنوات وتعقد اجتماعاتها مرتين في السنة (نيسان/أبريل وتشرين الثاني/نوفمبر) وبناء على طلب الحاكم العام تنعقد جلسة طارئة في الوقت الذي يراه مناسبا. إذا رجعنا بعض فقرات خطبة التدشين التي ألقاها رئيس الجماعة أصيلة ولد عبيدة بحضور الحاكم العام للصحراء فرناندو دي سانتياغو اي ديازدي ماندفيل، يمكننا إدراك البعد السياسي لقيامها: «تمنينا إيصال إلى الكوديلو والحكومة التعبير عن تفاني الشعب الصحراوي وأمنيتنا بالبقاء مرتبطين مع اسبانيا الأم في داخل هذه الوحدة وذلك إلى اليوم الذي نعتبر اننا، بإرادتنا، وصلنا إلى الهدف المرغوب، لأننا حاليا سعداء جدا بمتابعة القافلة الاسبانية-الصحراوية والتي نرغب متابعتها أيضا ولوقت طويل...» (3).

ما بين سنوات 1967-1971 كانت تحضيرات استخراج واستغلال الفوسفات قد دخلت مرحلتها الأخيرة، وبالتالي فإن تطويق المطالب الخارجية (المغربية والموريتانية) وإجهاض التحركات الداخلية (أحداث الزملة خاصة) استلزمت تطوير دور الجماعة وإدخال بعض أعضائها في البرلمان الاسباني (الكورتيس). هذا الإدخال سوف يعني لاحقا (أسبنة) الصحراء أي تصفية شخصيتها المستقلة. ففي انتخابات الجماعة التي جرت 1971 انتخب خطري ولد سعيد ولد الجماني رئيسا وباب ولد احمد بابا نائبا للرئيس، كما انتخب ستة نواب لعضوية الكورتيس: اصيلة ولد عبيدة وخطري ولد سعيد الجماني وجولي ولد النن من قبيلة الرقيبات، احمد ولد إبراهيم ولد البشير من قبيلة ازرقيين، والسويلم ولد احمد الابراهيم وباب ولد حسنّا من قبيلة أولاد الدلايم. وقد استمرت عضوية هؤلاء النواب الستة لغاية عام 1975 حيث التحقوا بالمغرب ومنهم أصبح عضوا في البرلمان المغربي (4).

إذا وضعنا جانبا رغبات بعض أعضاء الجماعة المعارضة للسياسية الاسبانية، فإن صيغة أخرى من التحرك الصحراوي ترافقت مع بدء ممارسة الجماعة لدورها. فالمشروع المذكور يستهدف فيما يستهدفه تطويق أية معارضة صحراوية خارج الإطار الذي يستمد شرعيته من الحاكم العام. وبالتالي فإن الحل الصحراوي البديل سوف يكون مناقضا للشرعية المشوهة ومحاولة للخروج عن القافلة الاسبانية. رغم فشل المحاولة، فإن مراجعتها ضرورية بسبب تأثيرها اللاحق على ولادة البوليزاريو: محاولة صحراوي قادم من المغرب، البصيري، أو ما يمكن تسميته بتجربة حزب المسلم...

الحزب المسلم وهزيمة المحاولة الأولى

ولد محمد سيد إبراهيم البصير (البصيري) عام 1944. تلقى علومه الابتدائية والثانوية في الرباط وسافر بعدها إلى سوريا ومصر للتخصص في ميدان الصحافة. رجع إلى المغرب مشبعا بتجربتي البعث والناصرية، حاملا رغبة قوية في تحرير الصحراء وحلما دفينا بوحدة عربية. بدأت محاولته بتجربة صحفية متواضعة حيث أسس مجلة الشموع (الشهاب) عام 1967 وأخذ يعرض أفكاره السياسية بحذر. كانت قناعته قائمة حول طريق التحرير: الكفاح المسلح وليس الدبلوماسية، وحول استحالة الانتصار الصحراوي بدون تشكيل جبهة وطنية مغربية. غير أن تجربة الرباط كانت مريرة، دفعته سلبياتها إلى اختيار الحل الصحراوي المنفرد. فالمغرب الرسمي أسس عام 1967 جبهة تحرير الصحراء بواسطة بعض الموظفين المغاربة الصحراويين برئاسة حمدي ولد السالك وذلك في سياق الحملة الدبلوماسية التي بدأتها الحكومة المغربية داخل الأمم المتحدة. وقد وجد البصيري في هذه الجبهة مشروعا يتناقض مع طموحاته وقناعته، فهي من ناحية تضم أشخاصا لا يثق بهم، ومن ناحية ثانية، تسلك طريقا سلميا يتعارض مع منطق التحرير الذي كرّسته تجربة جيش التحرير. لهذه الأسباب بدأ إعلان موقفه المعارض في مجلته، الأمر الذي ساق إليه سلسلة متواصلة من المضايقات والملاحقات من قبل أجهزة الشرطة. أما المغرب غير الرسمي، فإنه رغم موقفه مع البصيري مبدئيا، كان غير مستعد لبدء مرحلة تحرير من الاستعمار في وقت غلبت فيه الاهتمامات الداخلية القضية الوطنية. ولم تؤد المناقشات التي أجراها البصيري مع حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى صياغة برنامج عمل مشترك، وبالتالي دفعت البصيري نحو الصحراء متشائما وناقما.

دخل الصحراء خلسة في كانون الأول عام 1967 وظل مختبئا طيلة الفترة التي استلزمتها وساطة أقربائه للحصول على إقامة دائمة. وطيلة هذه الفترة كانت تتبلور أفكاره وتزداد وضوحا: المغرب الذي عاش فيه طفلا مهاجرا وعاد ليلتقيه صحافيا متحمسا كان يبتعد عنه أكثر فأكثر. فالمرارة كانت مضاعفة: مهاجر في وطنه، ووطني يدفعه همه اليومي المتطلع دائما إلى الصحراء للانزواء على هامش المخزن. دائرة الرباط الرسمية والحزبية كانت تتسع لكل شيء إلا لصوته المنادي بالحرية. هذا المغرب كان بالنسبة إليه وطنا يصلح لكل شيء ما عدا تحرير الصحراء. ولما كانت هذه الأخيرة حلمه وأمله، فإنه سيتخلى عن المغرب ليبحث عن حل آخر صحراوي أو موريتاني. ردة الفعل تحولت إلى موقف سياسي مغاير، نواة اتجاه إقليمي خجول وغير واضح التفاصيل.

الصحراء وحدها حنونة وصغيرة رغم اتساعها، ولكنه وجدها أيضا تتألم. عززت سياسة القهر والاعتداء على الأعراض والتجهيل والتهجير واستئصال الشخصية الوطنية وتغريب الأهالي قناعاته، وأصبح السكوت عنده خيانة والنضال الصامت والمدروس بات أمرا ملحا، وبالتالي يجب العمل وتأسيس حركة صحراوية مستقلة عن الجماعة ومناهضة للوجود الاسباني.

بدأ البصري نشاطه الدعائي في جامع مدينة السمارة، وأخذ يتحول فيما بعد إلى الاتصالات السرية المباشرة بأقربائه وأصدقائه المخلصين، والذين شكلوا بتضامنهم نواة الحزب:

اجتماعات سرية لمناقشة الوضع السياسي، تشكيل صندوق مالي قائم على تبرعات الأعضاء (يدفع العضو في البداية 2000 ريال اسباني ثم يدفع بانتظام 5% من أجرته)، الانفتاح على كل الفئات الشعبية من عمال وجنود وأصحاب المهن الحرة... الخطوط العريضة لهذا الحزب (الذي يعرف باسم حركة تحرير الصحراء ويطلق عليه الاسبان اسم المنظمة الإسلامية) غير واضحة ولا يمكن الركون للمعلومات الضئيلة التي تعرض بعضا من هذه الخطوط. وبسبب غياب أي معلومات أخرى، تبدو الخطوط كبرنامج سياسي للحركة قائم على ثلاثة أهداف:

1- تحرير الصحراء من الوجود الاسباني.

2- الانضمام إلى المملكة المغربية مع الاحتفاظ بحقوق السكان كاملة.

3- طريق التحرير هي الحرب المسلحة المعتمدة على جيش وطني من السكان.

انتهت المحاولة قبل ولادتها، وتضافرت عليها ثلاثة عوامل: العنف الاستعماري، الحماس الوطني، والقناعة بإمكانية دحر الاستعمار بواسطة قوة محلية متمركزة داخل حدود ما بعد 1958. قبل أحداث الزملة بعدة أسابيع، بعث البصيري برسائل للجزائر والمغرب وموريتانيا مؤرخة في 5 أيار/مايو 1970 يطالب فيها بما يلي:

1- إرسال الأسلحة والمساعدات المادية من أجل حرب تحرير .

2- تدريب الوطنيين الصحراويين على السلاح.

3- اطلاع العالم على وضع هذا الشعب المضطهد والجرائم الاستعمارية الموجهة ضده، وذلك بهدف كسر جدار الصمت المحيط بهذه المستعمرة المجهولة.

4- إرغام اسبانيا على احترام حقوق الشعوب وتطبيق مبدأ تقرير المصير.

5- إعطاء الطلاب الصحراويين منحا للدراسة.

6- الاعتراف بالحركة بوصفها الممثل الشرعي للشعب الصحراوي (5).

قبل أن تنتهي السلطات المجاورة من قراءتها لهذه الرسائل، كانت الأمور تتطور داخل الصحراء بشكل سلبي، ومحاولة توسيع إطار المواجهة كان محكوما عليها بالفشل سلفا، وخاصة إذا كان المقصود بهذه الخطوة حكومات تبحث عن حل دبلوماسي.

وبالفعل في 17 حزيران/يونيو 1970 قررت اسبانيا إجراء تجمع للبرهنة على الوحدة الصحراوية-الاسبانية. لكن ذلك اليوم شهد انقساما في الرأي: ارتأت الجماعة وزعماء القبائل التوجه إلى مقر التجمع قرب مركز الحاكم وسط العاصمة (العيون) وفضل تيار الشباب الاجتماع في حي الزملة الواقع على تلة تشرف على العيون والذي يسكن فيه الصحراويون (لا يحق لهم السكن في المدينة).

كانت المبادرة عفوية وغير مدروسة غاب عنها البصيري نفسه وإن كان من الداعين لها، فقد تحول تجمع الزملة إلى لقاء شعبي حافل، تطل السياسة منه من باب التمييز عن الاسبان والذين ارتموا في أحضانهم. بينما كان جمهور الزملة يطالب بالحكم الذاتي الداخلي المباشر وباتفاق بين حركة التحرير والحكومة الاسبانية وتحديد موعد لانسحاب القوات الاسبانية من الصحراء ومنع استغلال الثروات الطبيعية بدون موافقة الوطنيين، كان الحاكم العسكري يعطي مهلة لإلغاء التجمع أقصاها الساعة الرابعة بعد الظهر (6).

أدى الإصرار على الموقف مع طابعه العفوي إلى قرار سياسي بلغة اسبانية: إطلاق النار على التجمع، قتل 37 شخصا وجرح 38 آخرين، اعتقالات بالمئات، إعلان حالة الطوارئ في مدينة العيون، استنفار عام في صفوف قوات الاحتلال، وإغلاق الحدود ومنع دخول الصحافيين الأجانب... انتهت المواجهة بمجزرة وامتلأت سجون الداخلة، بير نزارن، غلتا، اوسيرد، تغاريتي وجزر الكناري بالمناضلين الصحراوين وبزعماء بعض القبائل. أما البصيري، الذي كان غائبا عن المواجهة المباشرة والذي كان بإمكانه الفرار إلى موريتانيا، فقد فضل أن ينتهي شهيدا. لقد اعتقد أن المستعمر سيبقيه سجينا وان فراره سيترك آثارا سلبية على مسيرة التحرر. أنهاه المستعمر تعذيبا وشهادته سوف تخلف أثرا هاما: أحداث العيون في مطلع 1971 التي انتهت بسقوط عشرات القتلى والجرحى، معركة أولاد الدلايم مع القوات الاسبانية في الداخلة في آذار/مارس 1971 انتهت أيضا بـ 30 قتيلا. في 17 أيار/مايو 1972 أسفر الاشتباك الذي وقع بين مجموعة من حركة الصحراء وقوات الاحتلال عن وقوع عدة قتلى في صفوف الجنود الاسبان، بعدها بأيام قليلة (26 أيار/مايو) تحول موسم الطان طان السنوي إلى مظاهرة معادية لاسبانيا... منذ أحداث الزملة والأمور تسير باتجاه مبادرة صحراوية مستقلة. فقد أسفرت المواجهة غير المتكافئة عن نهوض وحماس وطنيين وصلابة تجاوزت حالات التردد التي فرضها القمع. لكن من أين تأتي المبادرة؟ من الداخل وقد تمت تصفية الطليعة أم من الخارج والمطلوب وجود طليعة بديلة؟

ترافقت السبعينات الأولى وأحداثها السلبية مع صمت فعلي واحتجاجات رسمية من قبل الحكومة المغربية وأحزاب الحركة الوطنية. حتى أن المشروع الذي بدأ منذ عام 1969 وظهر إلى الوجود عام 1972 تحت اسم (الحركة الثورية للرجال الزرق Morehob برئاسة ادوارد وموها، كان عملي ا مشروعا رسميا وخارج المواجهة المباشرة في الصحراء. بمعنى آخر، ساعدت الأحداث وردود الفعل الرسمية عليها على اختمار فكرة الاعتماد على الذات والتجمع في إطار صحراوي لبدء عملية التحرير بواسطة السلاح. ولكن هل نجحت الفكرة أم أنها انتهت بتحالف أوسع من الإطار البحت صحراوي؟ المسألة تحتاج إلى دراسة مفصّلة، خاصة وان نتائجها لا تزال سارية المفعول.

كانت البداية من خارج الصحراء والنهاية لا تزال خارجها (باستثناء العمليات العسكرية) لكن الخط السياسي صحراوي. كيف ولماذا؟

ولادة البوليزاريو وسياسة التأسيس

اختمرت فكرة الحل المسلح بمبادرة صحراوية بعد أن دفعت الأحداث المحيطة وجهة سير التحرك الصحراوي نحو عزلة «إقليمية» سوف تشكل مستقبلا الأساس الفعلي لتحول الصحراويين إلى شعب خاص. أي ان الأساس التاريخي لاستقلال الصحراويين كشعب يستمد جذوره من لامبالاة الأنظمة المجاورة، بأحزابها وشعوبها، تجاه تحرير الصحراء الغربية، على الأقل وفق الطريقة التي يراها شباب الصحراء مناسبة: الكفاح المسلح. بهذا المعنى يبدأ الحل الصحراوي يعرف إرهاصات أولى على قاعدة ردة فعل مزدوجة: ردة فعل على اللامبالاة من أنظمة المغرب العربي، وبشكل خاص المغرب، وردة فعل على الوسائل الدبلوماسية لتحرير الصحراء المتفق عليها بين هذه الأنظمة والاتجاه «الرسمي» الممثل للصحراويين أي الجماعة.

دفعت ردة الفعل الأولى البصيري عن مشروعه «المغربي» لتحرير الصحراء، والتحق بالساقية الحمراء ليبدأ نضالا مستقلا، وأنتجت ردة الفعل الثانية تناقضا بين اتجاه «ثوري» عفوي مثله البصيري واتجاه «مسالم» مثلته الجماعة، وأنتهت محاولات البصيري لإقناع خطري ولد الجماني بضرورة مواجهة الاسبان بالسلاح إلى وضعية سلبية دفعت تيار الشباب إلى مواجهة غير متكافئة مع القوات المحتلة انتهت بدورها بتصفية التيار في أحداث الزملة (حزيران/يونيو 1970).

عمليا، أيقظت هذه التجربة المتواضعة الحسّ الوطني لدى الصحراويين، وانتشلت الصحراء من حالة الركود التي عاشتها منذ تصفية جيش التحرير المغربي في الجنوب في أواخر الخمسينات.

كما ساعدت على تبلور فكرة تنظيم مواجهة جديدة تستوعب سلبيات وايجابيات حزب المسلم وتتجاوزها في نفس الوقت، وخاصة في أوساط الشباب الصحراوي المقيم في الخارج.

أدت هذه التجربة أيضا إلى تحركات متفاوتة الحجم وعلى عدة مستويات. ففي الصحراء، تعددت المجموعات الصغيرة المنعزلة عن بعضها والمجتمعة حول قاسم مشترك تجلى في ممارسة بعض العمليات العسكرية ضد القوات الاسبانية.

وفي موريتانيا، كانت تتشكل مجموعة من المناضلين، المقيمين في موريتانيا منذ سنوات والذين هربوا إليها بعد أحداث الزملة، مدعومة بحزب النهضة بحزب النهضة الموريتاني، والتي سوف تعرف باسم مجموعة الزويرات، والتي ستشكل فيما بعد أول قاعدة لآمنة لانطلاقة البوليزاريو. أما في المغرب، فقد كانت المحاولة أكثر جدية حاولت من خلال نشاط «مجموعة الرباط» أن تقدم طريقا مغربيا إلى الصحراء والتي يمكن وضعها في إطار متعارض مع «مجموعات الزويرات» وخاصة فيما يتعلق بالهوية الوطنية لحرب التحرير. ففي الوقت الذي كان فيه «صحراويو» موريتانيا يستلهمون تكون الشعب الموريتاني ويبدون إعجابهم بالتشكيل التاريخي للكيان وأحزابه المعارضة خاصة، ولكن الإقليمية تحديدا، فلا يترددون بالبحث عن تكون خاص وهوية خاصة تجد نموذجها في موريتانيا، ولا يجدون في سلبيات «الشعب الصحراوي» خطرا على مستقبل المنطقة الوحدوي، كان صحراويو المغرب أكثر استيعابا لخطورة «الانفصال» بالمعنى الخرافي-القومي، والأحزاب المعارضة المغربية، رغم تهميشها لموضوع الصحراء، لم تدع دورا خارجيا مساعدا، كحزب النهضة الموريتاني مثلا، ولم تر مجموعة الرباط في موقف المغاربة إلا تناقضا داخل هوية وطنية واحدة، مما لجم المجاهرة، باستقلالية الصحراء بمعنى «الشعب» وساعد على بدء مسيرة صحراوية مستقلة بمعنى «التحرير».

لذلك، فإن اتفاق مجموعة الرباط مع مجموعة الزويرات على برنامج سياسي يعود بالدرجة الأولى إلى فشل مجموعة الرباط في تحركها «المغربي» لتحرير الصحراء عن طريق الكفاح المسلح بقيادة جبهة وطنية عريضة. كما ساهمت عدة عوامل في التقاء المجموعتين على أرضية الاستقلال:

1- عكست نتائج مجزرة الزملة وتجربة حزب المسلم نفسها على عدد من الصحراويين المقيمين في المغرب وخاصة وسط الطلاب الذين يعقدون لقاءات، كان يدير دفتها بشكل فاعل الوالي مصطفى ولد السيّد، الطالب في كلية الآداب في الرباط الذي بدأت تتشكل حوله مجموعة الرباط أو ما يمكن تسميته بالنواة المثقفة لجبهة البوليزاريو. بدأت المجموعة عملها السياسي في خط من المبادرات متعددة الاتجاهات لعب الوالي في تحديدها دورا رئيسيا، كما بدأ نجمه يبرز انطلاقا منها.

ففي اتجاه أول، سارت مبادرة الوالي نحو الصحراء لتتعرف على الوضع عن كثب فكانت الزيارات المتكررة للوالي وبعض رفاقه إلى مدينة طان طان في جنوب المغرب بحثا عن معلومات دقيقة يحصلون عليها من الصحراويين الذين يأمّون الشمال بحثا عن بعض حاجاتهم أو للقاء أفراد من قبائلهم وعائلاتهم المقيمة في المغرب وفي نفس الوقت لتأسيس نواة موضعية تستكمل عملية تحصيل المعلومات وتربط المقيمين في الداخل بنواة «التنظيم» في الخارج.

قفي اتجاه ثان سارت مبادرة الوالي نحو الخارج بحثا عن كوادر صحراوية مهاجرة في أوروبا (في فرنسا وهولندا خاصة) فكانت رحلة صيف 1971 والمناقشات الحارة مع المهاجرين في أوروبا الغربية ومحاولات خلق نواة للثورة وتأمين بعض الإمكانات المادية لانطلاقتها.

وفي اتجاه ثالث، دفعت ضآلة نتائج الاتجاهين المذكورين مبادرة الوالي نحو الدول العربية المجاورة (ليبيا، الجزائر، موريتانيا) وذلك بحثا عن الدعم السياسي لمشروع التحرير. لم تسفر جولات الوالي في عواصم هذه الدول عام 1972 عن نتائج ملموسة، باستثناء وعد ليبي جدي يدرس الموضوع.

2- دفعت نتائج مناقشات الوالي مع الأحزاب الوطنية في المغرب مجموعة الرباط نحو قناعات جديدة، قوامها أن الاعتماد على مبادرة «مغربية» لن يؤدي إلا إلى مزيد من التأجيل وإلى وضع القضية أكثر فأكثر في حسابات الأنظمة. ففي محيط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان الوالي عضوا فاعلا فيه، كانت الاهتمامات بعيدة جدا عن آلام «الصحراويين» وعن المسألة الوطنية بشكل خاص. ففي مواجهة الوالي، الذي كان قد استوعب تماما أزمة النظام ومخاطر المشروع الصحراوي، فنادى بضرورة إعطاء الأولوية لحل مشكلات الوطن الأساسية والمتمثلة بتحرير الصحراء الغربية وباقي الأراضي المغربية المحتلة في الشمال وذلك ضمن قناعة بأن هذه الطريق سوف تكون مدخلا لقيام وحدة شعبية مناهضة للاستعمار ودفع النظام إلى مأزق لا يمكن الخروج منه إلا بانكشاف موقعه المنحاز للغرب أو بتبني شعارات الشعب التحررية، كان «ثوريو» الاتحاد الوطني يرون المسائل بشكل معاكس. ففي سلم أولوياتهم تأتي ضرورة تطويق التيارات «التحريفية» لأحزاب اليسار وتعميق أزمة النظام انطلاقا من الجامعة. وبينما كان الوالي ينادي بتحرير الصحراء أولا كان قياديو الاتحاد (الماركسيون-اللينينيون آنذاك) ينادون بتحرير «الجامعة» مما دفع للبحث عن حلفاء خارج الإطار الطلابي.

كانت المحطة الأولى نقاشا حاميا بين الوالي وعلال الفاسي دار حول تقدير كل منهما للموقف. ففي حين كان الوالي يرى الوقت مناسبا للتحرك السياسي والمسلح لمواجهة مشروع فرانكو (إقامة دولة صحراوية)، كان علال الفاسي يرى أن تحركا من هذا النوع لا يعطي النتائج المطلوبة، وبالتالي انتظار نتيجة المساعي «الرسمية» التي ستحمل عاجلا أم آجلا بشرى عودة الصحراء إلى حظيرة الوطن. في حوار الوالي وعلال الفاسي كان الوطن واحدا بينما الهموم مختلفة: من يأكل الضربات ليس كمن يعدها، فاصطحب الوالي همه وألمه وخرج «صحراويا» تاركا علال الفاسي في حالة انتظاره وترقبه.

حاول، في محطته الثانية إقناع قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فعقد اجتماعا حاسما مع عبد الرحيم بوعبيد، ولكن بدون نتيجة أيضا. فخرج الوالي من عند «الاتحاديين» كما خرج من عند الاستقلاليين والماركسيين فارغ اليدين، وحيدا في مسيرته وقراره. وقبل أن يفقد كل آماله كان الاتحاد المغربي للشغل قد استجاب لرغباته وساعد على تنظيم عدة مهرجانات شعبية ابتداء من شهر آذار/مارس 1972 في مراكش ووجدة وتطوان ومكناس والدار البيضاء. كما وجد اهتماما لدى بعض كوادر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فسارع إلى كتابة وجهة نظر متكاملة، أخذت صيغة مذكرة سياسية يمكن اعتبارها مخاض التجربة السياسية الشخصية والنظرية للوالي المؤسس الفعلي للبوليزاريو.

جسدت هذه المذكرة قناعات الوالي وانتماءه الوطني وجهده المتواصل لاستيعاب وضعية القضية التي آمن بها صادقا حتى العظم.

\ ففي هذه المذكرة، التي قدمها الوالي للاتحاديين في كانون الثاني/يناير عام 1973، يحدد مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب الهوية الوطنية للصحراء الغربية وبنيتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والبشرية والصحية الخ... كما يستعرض تجربة حزب المسلم ومواقف أنظمة المغرب العربي ومخاطر السياسة الاسبانية مقدما بذلك أهم وثيقة «صحراوية» عن الصحراء شكلت المصدر الرئيسي لكافة المنشورات والمطبوعات التي أصدرتها المنظمات الوطنية في المغرب منذ مطلع 1975، وذلك لاحتوائها على أكبر قدر من المعلومات التي لم تجاهد أي من هذه المنظمات في البحث عنها قبل ذلك العام.

ونظرا لتعارض ما جاء في هذه المذكرة مع بعض تحاليل القيادة المستقبلية للبوليزاريو (7) التي لا تخفي استياءها من نشر هذه المذكرة –ولولا كتابتها بخط يد الولي نفسه لكانت نفت صحة وجودها- فإننا سوف نعرض لأهم نقاطها التي تفصل بدقة متناهية بين خط «مغربي» دُفع قسرا لأن يكون «صحراويا» وخط «صحراوي» رغب إراديا في أن يكون «مغربيا».

حددت المذكرة الهوية الوطنية للصحراء الغربية استنادا إلى عدة حقائق تاريخية، سعى الوالي إلى تقديمها بوصفها مسلمات علمية (8).

أولا، يعتبر الوالي أن الصحراء الغربية كانت تاريخيا مرتبطة عضويا بالمغرب الأقصى وأنها تشكل عمليا جزءا منه. فهو يقول حرفيا «ان تعاقب الدول والتنازع على السلطات وتناحر القبائل أدت إلى زيادة الهجرة لهذه المنطقة المحايدة الآمنة واللجوء إليها من كل مغلوب. بل وفي كثير من الأحيان الاعتصام بها من طرف الثائرين الذين يحضرون للانقضاض على أعدائهم ونتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب فقد كانت المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا في غالب الأحيان بالسلطة القائمة في المغرب. وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة، وخصوصا في حالات الحروب، فكانت كثير منها تجند سكان المنطقة لنصرتها ويمكن القول أن المنطقة كانت إقليما مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى».

ثانيا، يربط الوالي بين الهجرات المتبادلة فيتحدث عن بنية اجتماعية واحدة خاضعة لنظام قبلي مشترك تطل منه الصحراء يوصفها جزءا من بنية مغربية هاجرت إلى الصحراء «بشريا».. بهذا الصدد يستنتج الوالي قائلا أنه «لما كان النظام القبلي هو النظام السائد في شمال افريقيا عموما، وفي المغرب على الخصوص منذ القديم والى عهد غير بعيد، فقد انتقل هذا النظام إلى الصحراء عن طريق سكانها الذين جاءوا من الشمال، وقد غذته طبيعة الصحراء القاسية وألحت على التشبث به، وهكذا كانت المنطقة تحتوي على عدة قبائل متميزة عن بعضها، وان كان هذا التميز لم يكن حتما نتيجة وضعية اقتصادية معينة. كما أنه لم يفرض دائما تخصصا قبليا من ناحية الوضعية الإنتاجية...» ويدعم موقفه معتبرا أن العلاقات السائدة بين القبائل كانت موحدة في إطار مركزي صحراوي. وكل قبيلة تخضع لشيخ اجتمعت حوله كلمة أكابره، وان صيغة السلطة الواحدة كانت تشريعية ومحصورة بخلاف القبائل فيما بينها وليست هيئة تمثيلية بالمعنى الموازي لتمثيلية السلطان المغربي: «وقد كونت القبائل فيما بينها مجلسا لحل النزاعات المستعصية فيما بينها عرف بسام «آية أربعين» وكان هذا المجلس يشكل سلطة تشريعية عليا، ويرجع التنفيذ إلى أفراد كل قبيلة التي من عادتها الخضوع الطوعي لشيخها...»

ثانيا، اثبت الوالي في مذكرته الترابط التاريخي المصيري بين الصحراء الغربية والمغرب من خلال اعتباره أن الصحراء كانت نقطة إستراتيجية في صراع القوى الاستعمارية المتنافسة على المغرب، حيث تدخلت ألمانيا التي أسفرت مزاحمتها للدول الاستعمارية السابقة لها عن حدوث الأزمة المغربية سنة 1899، فحاولت ألمانيا السيطرة على المغرب بواسطة سيطرتها على الصحراء مهما كان الثمن ولو بالشراء». بالمقابل واجه سكان الصحراء التنافس الاستعماري بـ«تنسيق العمليات بينهم وبين الحركة في المغرب أي الطرف الذي تسيطر عليه فرنسا». بحيث يعتبر الوالي أن الارتباط التاريخي إنما يقوم على قاعدة وحدة نضالية مشتركة لم يتخللها مشاعر متبادلة بالانتماء الإقليمي. ففي مواجهة إستراتيجية فرنسية-اسبانية مشتركة ظل سكان هذه المنطقة يحاربون في كل المناطق الثلاث ومرتبطين بنضالات إخوانهم في المغرب. ولما ظهرت الحركة التحررية ارفدوها تحت شعار الجهاد في سبيل الله أو على الأقل تأثروا بتأثيرها. وقد استقطب جيش التحرير في المغرب عددا هائلا من المناضلين المنتمين إلى المنطقة، والذين قاموا بعمليات بطولية كادت تحطم الاستعمار في المنطقة لولا القضاء على جيش التحرير. وهكذا طلبت الحكومة المغربية في السنوات الأولى من الاستقلال من جيش التحرير الصحراوي الانخراط في الجيش النظامي، ولكن المقاومين الصحراويين في جيش التحرير رفضوا لأنه في نظرهم لا يزال باب الجهاد لم يقفل لان العدو لا زال يحتل أراضيهم، وهكذا على كل حال جيش التحرير ودخل عدد قليل منه في الجيش النظامي ورجع الآخر وهو الأكثر إلى الأرض المستعمرة...»

وأكثر من ذلك يرى الوالي في حرب التحرير مواجهة وحدوية ضد الاستعمار لا يعتريها نزعات صحراوية إقليمية ولم يقدمها سكان الصحراء بوصفها نمطا وطنيا على غرار الجزائر والمغرب، فينخرطون في الحرب وعيونهم تبحث عن حرية تضمن لهم وحدتهم التاريخية. لذلك يؤكد الوالي «أن جماهيرنا ساهمت بصورة فعالة في جيش التحرير المغربي، وحتى استقل المغرب، وحلّ جيش التحرير ودمج في الجيش النظامي. ثم شارك السكان بصورة أقل في جبهة تحرير الجزائر، الشيء الذي أجهض حركة النضال في داخل المنطقة المعنية، ولم ينلها ما نال المناطق المجاورة. وعلى كل حال بقيت في عزلة دون أي بعد سياسي واضح... مع العلم أن الامبريالية كانت تخطط لها كمنطقة المستقبل الاقتصادية والإستراتيجية الحساسة.

ولعل السبب في ذلك، أي في عدم طرحها كقضية خاصة في وقت حروب التحرير المغربي –الكبير- هو عدم اكتساب الحركات آنذاك صبغة إقليمية. ثم ان شعارها العالمي آنذاك «الجهاد في سبيل الله» لا يترك مجالا للتجزئة...

رابعا، يتحدث الوالي عن الصحراء بوصفها منطقة لا يتعرف فيها الرحل على حدود جغرافية-سياسية، فتتجاوز جغرافيا الساقية الحمراء ووادي وتلتقي سياسيا مع نضال كافة القبائل المقيمة في الصحراء الكبرى كلها ضد الغزوات الاستعمارية: «ومن سمات السكان أيضا أنهم يجوبون الصحراء، لا المستعمرة فقط، بل الكبرى كلها تقريبا بحثا عن المرعى لدوابهم، وكثيرا ما كان الماء والمرعى سببا في الخلافات بين القبائل غير أن هذه القبائل كانت تتحد وتتكاثف باسم الجهاد لطرد الغزاة المستعمرين، وقد ظهر ذلك في كثير من النضالات التي خاضها سواء ضد فرنسا في الشرق والشمال، أو ضد اسبانيا في الجنوب والغرب».

خامسا، يتناقض موقف الوالي مع تاريخ أحمد بابا مسكي لسياسة حزب المسلم. فبينما يعتبر بابا مسكي البصيري مناضلا صحراويا استقلاليا، يراه الوالي مغربيا دفعته الظروف إلى خوض نضال صحراوي وحدوي رغم عفوية الحركة. وبهذا المعنى يعرض الوالي تاريخ حزب المسلم وكيفية نشأته وعملية تمويله الذاتي وبنيته القاعدية، مقيّما تجربته قائلا: «... وبقي الحزب يكتسح الساحة الوطنية على جميع المستويات، وداخل سائر الفئات الاجتماعية الصحراوية من جنود وعمال وعاطلين وبدو....

وكانت مبادئ الحزب: التحرير بالسلاح –الارتباط بالمغرب. ولم يستطع الحصول على الأسلحة رغم محاولاته مع بعض الجيران. كما أن طريقة تكوينه والمبادئ التي انطلق منها، ولأساليب كوت بها الجماهير لم تستطع تلافي العجز ولا تجاوزه انطلاقا من الإمكانيات الذاتية، واكبر خطأ ارتكبه هو جمع الجماهير تحت لواء مبادئ غامضة وبدون أساليب لتطبيقها...»

سادسا، يرجع الوالي في تحليله لموقف أنظمة المغرب إلى قناعتين الأولى، مفادها أن هذه الدول تتعامل مع الصحراء من منظار حساباتها الخاصة، وليست أبدا قضية «شعب» يبحث عن حريته واستقلاله.

فيتحدث عن لقاءات القمة المغربية –الجزائرية-الموريتانية، وخاصة مؤتمر قمة نواذيبو «الذي أشيع أنه يهدف إلى تقسيم المنطقة، وتشكيل جبهة ثلاثية موحدة على هذا الأساس ضد الاحتلال الاسباني. وكانت خطة التقسيم التي أشيعت عن المؤتمر تعطي الساقية الحمراء، وهي منطقة الفوسفات، للمغرب لكي يطمئن على مستقبل اقتصاده باعتباره يعتمد على الفوسفات، ثم إعطاء وادي الذهب لموريتانيا، لأنه منطقة للجديد (كويرة، اغرشة) وإعطاء ممر للجزائر للتنفس على المحيط الأطلسي...».

والثانية مفادها سعي حكومات الأنظمة المذكورة إلى عقد اتفاقيات ثنائية مع اسبانيا لتحسين وضع كل منها في التنافس المذكور.

فجرى نتيجة ذلك توقيع اتفاقيات مغربية-اسبانية حول عدة قضايا منها «المساعدة التقنية والمساهمة في التصاميم الخماسية ثم المحافظة على أمن البحر المتوسط، ثم اتفاقية تسليم المجرمين!...

ثم أخيرا اتفاقية نتجت عنها شركة للصيد مشتركة، كحل لمشاكل شركات صيد السردين المغربية...» والتوقيع على اتفاقيات جزائرية-اسبانية حيث «اسبانيا الفاشية تحاول إبرام اتفاقيات اقتصادية مع الجزائر. وفعلا توصلت إلى ذلك ابتداء من سنة 1966 نظريا. والتي ابتدئ في تطبيقها ابتداء من سنة 1969 وكانت هذه الاتفاقيات تدور في جلّها حول تسويق الغاز إلى اسبانيا واتفاقية أنابيب الغاز الطبيعي لتسويقه إلى أوروبا وأمريكا، ثم شراء البترول الجزائري. كذلك كانت اسبانيا اللعينة أيضا تبرم اتفاقيات مع موريتانيا انتهت سنة 1970 بتكوين أسطول بحري للصيد المشترك مموّل بأموال اسبانية زيادة على المساعدات المادية، خصوصا في مجال تكوين البوليس الموريتاني» ولذلك فإن «دول المحور تتخذ من وضعية الصحراء أساسا لكل المشاكل الثانوية».

بديهي أن يؤدي كل ذلك إلى قيام معادلة «الأطراف المعنية» وبداية طرح موضوع تقرير المصير. وبهذا الخصوص، يحلل الوالي أنظمة المغرب تحت شعار تقرير المصير معتبرا أن الإشكال ليس ناجما عن هوية الذين سيقررون مصيرهم، وإنما في شكلية هذا التقرير نفسه وفي خلفيات الداعين إلى تطبيقه. لهذا يعتبر الوالي أن علاقات الأنظمة المذكورة فيما بينها وتطورات علاقتها مع اسبانيا بلورت «فكرة تقرير المصير كطريق وحيد لتحرير الصحراء من براثن الاستعمار وأطماع الامبريالية ولكنها في محتوى ساذج أيضا. ونتيجة لتنبؤ موريتانيا بنتائج تقرير المصير والتي تريدها في صالح التبعية، كانت تسير في منطق هذا الاتجاه وكانت الجزائر لا تمانع كثيرا في هذه الفكرة» ومن اعتراضه على هذين الموقفين ينتقل الوالي إلى موقف المغرب فينحاز إليه من الناحية الإستراتيجية ويختلف معه من الناحية التكتيكية: «كما أرسل المغرب (إلى الأمم المتحدة) بعض الصحراويين في وفد يسمى بجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وطالب بتقرير المصير. وانضم رئيس الوفد الموريتاني إلى الجبهة لأن خطها في نظره صحيح. وهكذا استطاع تشويه مفهوم تقرير المصير أن يعطي لاسبانيا إمكانية الدخول كمنافس في نفس الطريق. وعلى كل حال، بعد رجوع الجبهة إلى المغرب، لم تقم بأي دور مناهض للاستعمار في المجال العملي، أي في مجال تسليح الجماهير الشعبية، ووضعها في الإطار الكفيل بتمكينها من تقرير مصيرها تقريرا حقيقيا...»

ودون أن يذكر ولا لمرة واحدة صفة «الشعب» بالمعنى الوطني، ودون أن يحدد أن أهداف قناعته تدور حول الاستقلال بالمعنى السياسي-الجغرافي عن اسبانيا والمغرب وموريتانيا والجزائر، ينهي الوالي وجهة نظره بموقف هام قوامه أهمية عدم المراهنة على قدرة «صحراوية» في الاستقلال، حيث يرد على مشروع اسبانيا المنادي بقيام دولة مستقلة في الصحراء الغربية قائلا:

«كما أن الشعار الاستعماري المغالط المستنزف لطاقتنا وهو توجيهنا إلى صديقنا بعد أن فرض علينا انه عدونا. وذلك كي يستدرج هو منا وهو عدونا الأساسي والأصلي والرئيسي الأبدي، شعار أن يحمينا من الدول المجاورة. فإنه كما قلنا شعار استعماري ليس إلا. أما في أصل الحقيقة فإن الشعوب المجاورة لنا هي شعوب عربية افريقية إسلامية أصيلة، ومصيرنا هو مصيرها وهي صديق دائم لنا، بل أنها جزء منا، وهذه حقيقة خالدة خلود السماء فوق الأرض فنحن عرب وأفارقة ومسلمون فضروري أن نرتبط بالعرب والمسلمين والأفارقة وإلا ضعنا، كما أن الذي يحرر نفسه لن يستطيع أحد استعماره...» ثم يختم مذكرته بمطالب عامة لا يطل منها المشروع الصحراوي الاستقلالي إلا من خلال تغييب الطرف الرسمي-المركزي: «ويشاع أن اسبانيا ستقيم استفتاء لتقرير المصير في السنة القادمة، وإننا لنطلب من الرأي العام العربي والافريقي والإنساني أن يقف ضد تزوير إرادة الصحراويين والتي لا يمكن سد الباب أمام تزويدها إلا:

1-بالاعتراف بتشكيلة شعبية لتسيير المنطقة خلال مدة الاستفتاء.

2- إنشاء حرس أهلي يكون خاضعا للقيادة الشعبية.

3- خروج الإدارة الاسبانية والعساكر الاسبانية الفاشية من المنطقة.

4- الاعتراف بعضوية الصحراويين داخل اللجنة الأممية التي ستتشرف من المنطقة.

إن أهمية مذكرة الوالي هذه لا تقف عند حدود مضمونها بل ترد مباشرة على إشكاليات الوعي الصحراوي لنفسه في فترة كانت القضية برمتها قد دخلت منعطفا تاريخيا وضع الصحراويين أمام مفترق طرق خيارته محدودة. ففي مواجهة البداية الفعلية لتطبيق المشروع الاسباني وعدم اتفاق حكومات المغرب العربي على موقف واضح من قضية الصحراء، عدا تحويلها الإرادي إلى قضية تخدم قضايا أخرى، ولامبالاة الأحزاب الوطنية المغربية تجاه عملية التحرير، وعدم بروز بوادر دعم جدية من الأنظمة «الصديقة»... كان على مجموعة الرباط، وعلى الوالي تحديدا أن يختار موقعا حاسما يتجاوز بواسطته سلبيات المحولات الأولى. لذلك، فإن التناقض الظاهر بين مضامين المذكرة إنما يعكس ردة الفعل الصحراوية من جهة ووعي الوالي لقضيته من جهة ثانية. وإذا كان العرض المذكور يخالجه انحياز لشعور «مغربي» عند الوالي فذلك ليس نتاج رغبة خاصة في تسييس الوالي، إنما تحديدا في محاولة لوضع «الكلام السياسي» في سياقه التاريخي ووسط الشروط التي أنتجته. لم يتحدث الوالي عن الشعب الصحراوي، ولم يرتكز على كونه مغربيا، وفي هذا الغموض محاولة لتجاوز ردة الفعل مع اكبر قدر ممكن من الصحة التاريخية، إلا أنه كان يجسد ميلا تكتيكيا أساسه الاعتماد على الذات واستراتيجيا البقاء ضمن التاريخ الوطني الذي سعى الوالي لتحديده في مذكرته.

قد تنقلب أطراف المعادلة لاحقا فيتحول التكتيك إلى إستراتيجية وهو ما حصل فعلا، لكن ذلك لا يشوّه علمية الموقف السابق لحالة التحول ولا يقبل بأن تحدد المواقف السابقة بناء على ما آلت إليه الأشياء في فترة لاحقة. وهذا تحديدا ما يتعارض مع كل التاريخ الذي كتبه أحمد بابا مسكي عن تجربة حزب المسلم والفترة الأولى من نضال الوالي، وخاصة مرحلة تأسيس الجبهة. ففي حين ينظّر بابا مسكي معتبرا البصيري والوالي مناضلين صحراويين استراتيجيا ومغربيين تكتيكيا، تكشف مذكرة الوالي، أنه والبصيري ينتميان إلى مشروع مغربي وحدوي استراتيجيا، أرغمتهما الظروف على سلوك سياسي «صحراوي» تكتيكيا.

إن الانتقال بين حدّي التعارض المذكور يتأتى أساسا من تحول ردة الفعل إلى وجهة نظر (دون الادعاء بأن هذا التحول كان سهلا ومزاجيا، وإنما عاش حالة مخاض (أكثر من تألم فيها الوالي نفسه) كانت تدفع الأمور بقوة نحو بلورة اتفاق صحراوي بحت سوف ينتهي بدوره إلى قيام «الشعب الصحراوي» الذي كانت مجموعة الزويرات تعكس إشعاعاته الأولى.

ضاعفت عمليات القمع التي شهدها المغرب في بداية عام 1973 من استحالة مباشرة حرب «صحر اوية» انطلاقا من المغرب، كما عززت نتائج اتصالات الوالي وجهة نظر صحراوي موريتانيا الذين كانوا يتمتعون بحرية نفسية تفوق حرية المقيمين في مدن المغرب وفي مخيمات تندوف الجزائرية. وبالتالي فالاتجاه نحو موريتانيا بات الحل الوحيد أمام الوالي ورفاقه الخمسة، وإمكانية الاتفاق مع مجموعة الزويرات كانت في تلك الفترة الإمكانية الوحيدة التي يمكن بواسطتها مباشرة بداية سياسية.

لم تتأخر مجموعة الزويرات عن جذب الوالي، فقامت باتصالات مع مسؤولين موريتانيين للحصول على إذن بدخول مجموعة الرباط، التي وصلت إلى الزويرات في الفصل الأول من ذلك العام وبدأت المحاولات الأولى لصياغة برنامج سياسي. لم يكن بإمكان النواة الأولى للتنظيم أن تخرج بوجهة نظر متكاملة تحدد طبيعة المهام المطروحة لارتباطها بضرورة تأمين الشروط المادية لها (أسلحة، أموال، إعلام) وبالتالي فإن الخروج بممارسة كان على الأقل بالنسبة للوالي، المخرج الوحيد من مأزق «النظرية» ففي وسط تناقضات يحملها الوالي ومحمد الأمين والغالي وعليبيبة بن سيدي يوسف، (9) القادمون من المغرب، واحمد بابا مسكي وإبراهيم الحكيم القادمان من موريتانيا، ومحمد ولد السالك القادم من فرنسا (10)، كان من الصعب على المؤتمر التأسيسي الأول أن ينتهي إلى نقاط محددة وواضحة، فيصدر بيان تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية ووادي الذهب بعمومية «عربية، إسلامية، افريقية» مؤمنة بالكفاح المسلح وحرب التحرير المعتمدة على الجماهير المسحوقة... وذلك في 10 أيار/مايو 1973 يعقبه فورا العمليات الحربية في 20 أيار/مايو وبقيادة الوالي نفسه، ليعكس قناعته بأن في الممارسة وحدها تكمن القدرة على إنضاج القناعات الإستراتيجية وتحويل آراء الأطراف المجاورة إلى دعم متسارع وفعّال.

ما يهمنا الإشارة إليه هو الطبيعة «الانفعالية» لولادة الجبهة، التي عكست نفسها على عمومية المشروع السياسي وعلى ارتجالية العمل المسلح الذي بدأ بقيادة الوالي نفسه في عملية «الخنقة» التي كادت أن تحبط المشروع نفسه، حيث اعتقل جنود الاحتلال الوالي قبل أن ينفذ عمليته الأولى ولم ينقذه سوى صدفة رؤيته وسط قافلة الاعتقال من قبل رفاقه القلائل وصدفة غياب القيادة الاسبانية عن الموقع المعزز بجنود صحراويين وقعوا كلهم في الأسر ثم أطلق سراحهم لأسباب تكتيكية.

ففي مخاطر هذه البداية، التي يسميها بابا مسكي بـ«الملحمة» كان المناضلون الصحراوين يخوضون مغامرة سوف تتضافر عوامل عديدة على عدم إجهاضها، منها دخول الجبهة في تحالفات جهوية (ليبيا والجزائر خاصة) وإخلاص الصحراويين أنفسهم لقضيتهم. بيد أن نمو البداية وتعاظمها كانا يشترطان في الوضعية الخاصة بالصحراء نفسها (بشريا واقتصاديا وجغرافيا) انخراطا في إستراتيجية سياسية من احد مظاهرها فقدان القرار «الصحراوي» لاستقلاليته. وسواء كان هذا الفقدان قسريا أم إراديا، فأن وضعية موازين القوى المحيطة بصراع «الصحراء» لم تكن تسمح إطلاقا بإنتاج «ثورة» خارج قفص «الأطراف المعنية»، وتحول القدرة الذاتية «الصحراوية» دون تأمين قاعدة «محررة» ثابتة وآمنة لحرب التحرير دون اللجوء إلى حماية حليف مادي (ليبيا) وحليف جغرافي (موريتانيا أولا ومن بعدها الجزائر) حيث تنتقل من الزويرات بعد انتهاء شهر العسل الصحراوي-الموريتاني لتستقر في تيندوف بعد انفجار الوئام المغربي-الجزائري.

إننا نؤكد بشدة، من خلال كل ما توفّر لدينا من معلومات، أن نمو الوعي السياسي الوطني الصحراوي وارتكازه على مشروع «قومي» يعرض نفسه تكتيكيا بتشكيل دولة مستقلة للشعب الصحراوي واستراتيجيا بالانخراط في مشروع الوحدة العربية، إنما يخرج من معادلات الوضع المعقد وليس من التاريخ الصحراوي نفسه. ففي وسط الصراعات المذكورة اختارت الجبهة الشعبية وجهة نظرها وبدأت عملية بحث «علمية» عن تاريخ للشعب الصحراوي تعتبر الجبهة نفسها استمرارا له. وفي ذلك ما يفسر عدم اعتبار المغرب صحراويا ضمن تكتيك الرد على اعتبار الصحراء مغربية، وما يفسر التحديد القاطع جغرافيا للصحراء الغربية بشكل يفصلها عن امتداداتها الشرقية والجنوبية والشمالية، بحيث تنسلخ الجغرافيا عن الثقافة والمجتمع لتشيّد حاضرا جديدا لم يستطع حتى الآن مفكرو الشعب الصحراوي تقديم أساس علمي لماضيه التاريخي.

إذن، بدأت الجبهة ولادتها العسيرة وسط تناقضات كان يلجم انفجارها استعداد مؤسسيها للتضحية بكل شيء، والقبول ولو بوحدة متوترة على حساب برنامج صلب. وبناء عليه، فإن وضوح الأفكار سوف يأتي لاحقا بوصفه نهاية لصراع تكتيكي حول هوية الحليف وهوية العدو، تستند «إيديولوجيته» على نسف تدريجي لاستقلالية القرار، وعلى تعميق القناعة «الإقليمية» الصحراوية، التي فتحت ملف الكيانات في المغرب العربي، والتي يتحمل جميع الأطراف عواقب منحاها السلبي الذي يضع الصحراويين المعاصرين والتقدميين في خط متناقض مع الصحراويين القدماء الوحدويين من المرابطين إلى ماء العينين.

ترافقت البداية أيضا بعملية اختراق اسباني كان يلتقي «استراتيجيا» مع فكرة الاستقلال وقيام دولة صحراوية بغض النظر عن هويتها السياسية (تقدمية أو رجعية). ففي أعقاب أحداث الزملة برزت تناقضات في صفوف القيادة الاسبانية بين وجهة نظر ترى ضرورة الاعتماد على «الجماعة» لتحقيق الاستقلال (وجهة نظر الحكم العسكري) وجهة نظر نظر ترى ضرورة دعم تيار الشباب المعتدل والتقدمي للوصول إلى نفس النتيجة (وجهة نظر قائد المخابرات العسكرية)، عمل عدم الحسم على تنفيذ الخطتين. ففي حين زاد الحاكم العسكري دعمه للجماعة وممثليها في الكورتيس حاول الطرف الآخر جذب الشباب وإغراءهم بالتسهيلات. كانت المحاولة الثانية تساهلا سياسيا وماديا، حيث أطلقت السلطات الاسبانية سراح ثلاثة صحراويين فقط من المجموعة التي اعتقلت اثر أحداث الزملة وعيّنت اثنين منهم في إذاعة العيون (الحريطاني وحسنّا علي أحمد) وسمحت للثالث (علي محمود) بالدراسة والعمل في مدريد. كما دفعت بعض العناصر للانخراط في صفوف الجبهة والعمل في داخلها في إطار التعبئة السياسية ضد الدول المجاورة للصحراء والمتنافسة مع اسبانيا على أساس كونها العدو الرئيسي للشعب الصحراوي. وقد كشفت الجبهة نفسها هذه المحاولات في مؤتمرها حيث أشارت في البيان السياسي قائلة: «فقد استطاع الاستعمار وأعوانه دس بعض الفئات الإقطاعية في صفوف الجبهة الشعبية والتنسيق مع المستعمر وأعوانه لنسف التنظيم من الداخل خصوصا في الجناح العسكري، وكان ذلك في الواقع هزّة وتجربة للتنظيم مما زاد في تمتينه أكثر، وقد ساعدت هذه الظاهرة في تجاوز القبلية وتجلى ذلك في عدم انجراف الجماهير مع الحركة القبلية الموازية وتفشيل محاول الاستعمار لإيقاع الصحراويين في حرب أهلية. وقد كان للعمليات العسكرية التي استشهد فيها أبطالنا دور بارز في رفع مستوى التنظيم وزيادة الثقة الجماهيرية في جناحها العسكري».

باختصار، كان الولادة عسيرة ومليئة بالمخاطر، يجلس كل رأي فيها على لغم قابل للانفجار استطاع الصحراويون نزع فتيله مؤقتا بتصليب وحدتهم النضالية، كما عمل تغيّر وجهة الصراع إلى نزع الفتيل نهائيا، ولكن عمل أيضا على وضوح الخط السياسي للجبهة، وعلى حدود قدرتها في نفس الوقت على تحقيق برنامجها بشكل مستقل. وذلك في إطار الملامح الأولى التي برزت من خلال مقررات المؤتمر الثاني الذي عقدته الجبهة في 25-31 آب/أغسطس 1974.

انعقد المؤتمر الثاني للجبهة في ظروف مصيرية جعلت منه مؤثرا استثنائيا وتأسيسيا. فقد حاول المؤتمر طرح وجهة نظر متكاملة حول تجربة الجبهة وعلاقتها الداخلية وتأثيرها وسط التطورات المحيطة وصياغة برنامج سياسي مرحلي استراتيجي يتضمن عموميات الجبهة الإيديولوجية والوطنية. كما انعكست على أجواء المؤتمر سرعة الأحداث وخاصة إصرار اسبانيا على موقفها (تقرير المصير والاستقلال على المغرب وموريتانيا) وتصعيد المغرب لموقفه بعد خطاب العرش، وبروز الاتفاق السري المغربي-الموريتاني وبداية التحرك الجزائري الناشط لتطويق نتائجه السلبية على موقع الجزائر في توازنات المنطقة. ترافق كل ذلك مع ضعف الدور الخاص للجبهة إعلاميا وعسكريا بشكل لا يساعد على القول بتعاظم قوة الجبهة وتأثيرها الحاسم وسط الظروف المذكورة، دون أن يلغي ذلك ما لوجودها المحدود من تأثير على اتجاهات المشاريع الرسمية باختلاف هوياتها.

يحدّد البيان السياسي الصادر عن المؤتمر مجموعة السلبيات التي انطلقت من رحمها ثورة الجبهة الشعبية، حيث كان «الوضع السياسي آنذاك تعمه المؤتمرات السياسية الاستعمارية والرجعية، هذه المؤتمرات التي كانت تتجلى في محاولة ربط شعبنا بوثيقة 20 شباط/فبراير الاستعمارية أو بالتسابق الرجعي...». وكان الوضع الاقتصادي يدفع بعد «سنوات الجفاف المتتالية»، الأمور نحو تدهور متزايد حوّل المجتمع الصحراوي إلى «مجتمع استهلاكي تسيطر عليه الاحتكارات الامبريالية الجشعة وقد ربطته هذه الوضعية بالاستعمار أكثر، ومساعدة ذلك بحروب تجويع وارتفاع الأسعار ومحاصرة بعض المناطق وإغلاق ميادين الشغل أمام الطبقة العاملة مما زاد جيوش العاطلين».

أما الوضع الاجتماعي «فقد كانت تطبعه النعرات القبلية والطائفية وعدم الثقة والأفكار البالية الغيبية ورسوخ الدعايات الاستعمارية في عقول الجماهير...»

وسط هذه السلبيات، انطلقت الجبهة الشعبية بتنظيم «يعاني من قلة الأطر والتجربة التنظيمية بالنسبة لشعبنا وطليعته وصعوبة ظروف الانطلاقة وانعدام الظروف الذاتية في أوساط الجماهير.. » ولضمان هذه المسيرة كان لا بد من إمكانيات اقتصادية لدى هذه الجماهير، ومادامت هذه الإمكانيات معدومة أصبح من الحتمي التلاحم مع هذه الجماهير وإلا وقعت في أيدي المستعمر، إذ أن ثوار الجبهة كانت حالتهم الاقتصادية منبثقة من واقع جماهيرنا، زيادة على أن الأرضية لا تسمح بكثرة تنقلهم والحصار الإعلامي والاقتصادي المضروبين على المنطقة...»

رغم وضعية الضعف هذه كانت بداية الجبهة محاولة لإعادة الثقة بالنفس «بحيث أن الجماهير أصبحت تؤمن بأن شعبنا عظيم، شعب خلاق» وللخروج بها «وحدة وطنية متراصة كي ترجع ثقتها بنفسها وتحولها إلى الإيمان بالحرب الشعبية الطويلة الأمد وتفضح كل المخططات والمؤامرات الاستعمارية...» وكل ذلك في فترة لا تتجاوز العام الواحد، وفي تحركات محدودة نحو الداخل وصراعات مصيرية حول البرنامج السياسي. ولكن بالرغم من كل ذلك «اعترف الاستعمار نفسه بفاعلية الجبهة الشعبية وحرقها لمراحله، وتحولت الجماهير تحولا نوعيا حتى أصبحت في مستوى إحباط كل المؤامرات سواء المحاكة من طرف الاستعمار أو حليفته الرجعية، كما تصاعد إيمان شعبنا بوطنه الحقيقي وفي نفس الوقت تصدى لكل ما يخدم مصلحة هذا الوطن. وزاد ذلك من الوحدة الفكرية بين الطبقات المسحوقة من مثقفين وجنود وعمال وعاطلين ووحدة الصف بين البدو والحضر فتغير بذلك شعبنا من الشعب الصحراوي الجاهل إلى الشعب العربي بالساقية الحمراء ووادي الذهب الثائر. وتمسكت جماهيرنا أكثر بمبادئ الجبهة الشعبية وأهدافها، والإيمان التام بالوطن دفع شعبنا إلى أنه لا يمكن إلا وحدة الصف في إطار تنظيم جماهيري وطني يحميها فتجسّد ذلك عمليا في الجبهة الشعبية، وهكذا أصبحت الساحة الوطنية تعتبر بابا مفتوحا للنقاش الحر حول قضية مصير شعبنا التاريخية، كما استطاعت من خلال الجبهة الشعبية انتزاع تمثيلها الحقيقي لشعبنا المتطلع إلى سيادته وكرامته المتجسدة فيها...» ويتابع «القلم» الصحراوي كتابة البيان بتفاؤل وثقة عظيمة بالنفس، وكل ذلك دون عناء تقديم كيفية وماهية الممارسات التي استطاعت تحقيق هذه الانجازات والايجابيات خلال هذه الفترة القصيرة.

وبعد أن يتحدث البيان عن «القضاء على الفكر الإقطاعي نسبيا» وظهور «ثقافة شعبية ثورية كالأغاني مثلا» وبروز «مخطط امبريالي لابتلاع ثورة شعبنا من طرف الاستعمار وحلفائه التوسعيين» وخروج الجناح العسكري الديمقراطي الجماهيرية ومن المؤامرة التي كانت تستهدف القضاء عليه «كطليعة صدامية للجبهة الشعبية وذلك في خريف 1973، يعرض البيان آفاقا المرحلة القادمة: انطلاقا من أهمية بلادنا الإستراتيجية بالنسبة للامبريالية وأهميتها الاقتصادية أمام الهجمة الامبريالية الاستعمارية الرجعية، وانطلاقا من ظروفنا التنظيمية ومشاكل التنظيم المتداخلة نرى أن الظروف المؤاتية للتنظيم لتأدية مهامه بصورة واضحة ومحافظة للخط الصحيح والثوري ومعالجة كل القضايا الأساسية:

1-التعميق في التعبئة وإعطاء كل الحقيقة للجماهير.

2-تنظيم الجماهير الواسعة في إطار الجبهة الشعبية والتنظيمات الجماهيرية التابعة لها:

3- تقوية الجناح العسكري وتزويده بالفكر الثوري كي يضمن سير الثورة بشكل بناء كما ضمنها في المرحلة الماضية.

4-أما فيما يتعلق بمؤامرة مشروع الاستقلال الداخلي فإنه:

إيمانا من الجماهير الصحراوية بالحرب الشعبية الطويلة المدى، أصبحت ترى أن الاستقلال الداخلي مؤامرة استعمارية يتبناها المستعمر أبان فشله وقوة الثورة هادفا من وراء ذلك إلى نيل مكسب مخادع جديد وهو استمرار السيطرة على الخيرات الوطنية ولذلك فإننا نرى بأن الاستقلال الداخلي ترفضه الجماهير الشعبية فلا يمكن أمام هذه المؤامرة إلا مواصلة الكفاح إلى غاية الاستقلال التام أي بالاستيلاء على خيرات شعبنا الوطنية وبناء سيادتنا التامة في هذا الوطن.

5- أما فيما يتعلق بمؤامرة الاستفتاء فإننا نرى أن هذه المؤامرة كانت نتيجة فشل الاستقلال الداخلي، نعتبره مرفوض من ناحية الجوهر، انطلاقا من واقع شعبنا الذي قرر مصيره كمكسب دولي بواسطة الكفاح المسلح في حرب شعبية طويلة الأمد ومع ذلك فنرى في الاستفتاء إذا كان هدفه هدف العمل المسلح فلا بدّ من وضع الشروط التالية:

1- لا وجود في النزاع إلا بين طرفين: صاحب الحق الشرعي الشعب العربي بالساقية الحمراء ووادي الذهب من جهة ومن جهة أخرى العدو الاسباني الفاشي.

2- انسحاب القوات الاسبانية بجميع فصائلها وإحلال محلها ثوارا الجبهة الشعبية للمحافظة على الأمن.

3- انسحاب الإدارة الاسبانية من المنطقة وإحلال سلطة وطنية محلها. وما ذلك إلا تجسيدا للمبادئ والأهداف التي وضعتها الجبهة الشعبية.

4- عدم تدخل أي جهة أجنبية.

5- عودة اللاجئين الصحراويين من السكان الأصليين بمراقبة من الجبهة الشعبية.

6- الخروج النهائي للمستوطنين الأجانب.

7- انسحاب القوات الأجنبية المرابطة على الحدود.

8- أن يؤدي الاستفتاء إلى الاستقلال التام.

9- إشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية عليه وضمان نتائجه.

10- توقيف نهب الخيرات الوطنية..

أما برنامج العمل الوطني الذي أقرته الجبهة في «ظروف دولية حاسمة وخطيرة» وفي مواجهة عمليات «تمييع الصراع الحقيقي أي صراع شعبنا والاستعمار وزرع الشوفينية بين شعبنا والشعب المغربي الشقيق». وفي محاولة صحراوية للرد على احتمال «انسحاب مزيف للاستعمار يضمن مصالحه ويثبته أكثر بأرضنا أو إحلال الرجعية محل الاستعمار نتيجة عجز هذا الأخير»، فقد جاء بوصفة «برنامج وطني كامل» على أساسه يجري العمل من اجل «توحيد كل فئات الشعب في جبهة» وذلك من خلال تحقيق مهام مرحلية وافق عليها المؤتمر وهي:

1-العمل على تسييس الجماهير وتنظيمها وتأطيرها في إطار الجبهة الشعبية.

2- التعبئة المستمرة للجماهير لجعلها في مستوى كل التطورات.

3- تقوية ربط الثورة الشعبية في الساقية الحمراء بحلفائها على الصعيد القومي والافريقي والعالمي.

4- تقوية أجهزة الجبهة الشعبية وفي أسرع وقت، على الخصوص الأجهزة الحساسة منها.

5- العمل على توطيد الجبهة الداخلية وجعلها قادرة على مواجهة الاحتمالات.

6- خلق موازنة على الساحة الوطنية.

7- جعل القوى الوطنية والديمقراطية لاسيما في الدول المجاورة أمام مسؤولياتها التاريخية في الدفاع عن الثورة الشعبية في الساقية الحمراء وضمان استمرارها.

ونص الجانب الطويل المدى لهذا البرنامج على الأهداف التالية:

1- تحرير الوطن من كل أشكال الاستعمار وتحقيق استقلال كامل.

2- بناء نظام جمهوري وطني يكون للجماهير المشاركة الفعالة فيه ذا برنامج وحدوي مفتوح.

3- خلق الوحدة الوطنية.

4- ضمان الحريات الأساسية للمواطنين.

5-بناء اقتصاد وطني متكامل:

-تأميم الثروة المعدنية.

-نهج سياسية التصنيع.

-الاهتمام بتطوير الميدان الفلاحي.

-الاهتمام بالثروة الحيوانية.

-ضرورة حماية الثروة البحرية.

6- تعبئة الجماهير وتحرير مبادرتها لتلعب الدور الحساس في البناء الاقتصادي.

7- توزيع الثروات توزيعا عادلا ومحو الفوارق بين المدن والريف.

8-القضاء على كل أشكال الاستغلال.

9- ضمان العيش الكريم لكل أفراد الشعب.

10- توفير السكن لكل أفراد الشعب.

11- العناية بالعائلة والعمل على رفع مستواها في كل المجالات.

12- تحقيق حقوق المرأة السياسية والاجتماعية وفتح المجال أمامها.

13- القضاء على أسباب الانحلال الخلقي والاجتماعي.

14- المحافظة على الحضارة والتراث الديني.

15- نهج سياسة تعميم وإلزامية ومجانية التعليم في كل المراحل بالنسبة لكل فئات الشعب واعتماد ثقافة وطنية قومية وتعريب التعليم في كل المراحل.

16- محاربة الأمراض وبناء المستشفيات ومجانية المستشفيات ومجانية التطبيب.

أما العلاقات الخارجية فقد تضمنت أربع نقاط فقط:

1- التعامل مع الجميع على أساس النقاط الخمس للتعايش السلمي.

2- جزء من الثورة العربية ومن حركة التحرر الوطني الديمقراطي العالمية.

3- يعتبر التعاون مع الثورة الجزائرية في مرحلة انتقالية عنصرا أساسيا لضرب المؤامرات على العالم الثالث.

4- مساندة كل الشعوب المكافحة ضد الاستعمار بشكليه القديم والحديث والامبريالية والتمييز العنصري والصهيونية.

يظهر التناقض البارز في مضامين مقررات المؤتمر الطبيعية المعقدة لنقاشاته الداخلية التي تعكس صراعا حادا بين وجهات النظر «الصحراوية». وتعبّر عن صعوبة الاستمرار بدون حليف محلي قوي قادر على إنقاذ الجبهة من حالة الحصار وعلى دفعها إلى واجهة الأحداث. فالحديث عن رفض سياسة اسبانيا وترديد مشروعها بوصفه مطلبا جماهيريا، أو رفض الاستفتاء (من ناحية الجوهر) والقبول به من ناحية الهدف، أو الإشادة بجماهيرية الجبهة مع تكرار ملاحظ لأزمة علاقتها بالجماهير ولعزلة جناحها العسكري عنها أو الحديث عن تمثيل أحادي للشعب مع التحذير من الممثلين الآخرين الموجودين بالفعل الخ... كل هذه التعارضات وما يرافقها من أهداف، سابقة لأوانها بكثير، تجسّد ميلا نحو الخروج من مأزق البداية العسيرة وأزمة اختراق ميزان القوى الجهوي بشكل ايجابي. وقد تجلى هذا الميل من خلال نقاط محددة. فالمؤتمر كان يبحث عن الحليف الجزائري أكثر من تمسكه بالحليف الليبي وخاصة فيما يتعلق بالتصاق الجزائر السياسي-الجغرافي بالقضية. عبّر هذا الميل عن نفسه أولا بالنظرة التي وجهها المؤتمر «باعتزاز إلى الدور الايجابي الذي تلعبه الجزائر الذي تلعبه الجزائر في قضية شعبنا، شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب» (طبعا مع توجيه شكر للدور الليبي الذي «دفع قضيتنا إلى الأمام» وذلك كتخصيص مميّز عن الجزائر).

وثانيا بتحديد اسم الجزائر في نقاط العلاقات الخارجية بوصفها «قيادة» العالم الثالث والمتصدية للمخططات الامبريالية، وبالتالي فمن الضروري أن تأخذ هذه الجزائر نضال «الشعب الصحراوي» بعين الاعتبار.

كما تعمّد المؤتمر تغييب موريتانيا بشكل ملفت للنظر، ولم ترد «رجعيتها» إطلاقا لا سلبا ولا إيجابا لحظة الحديث عن المغرب مما يربط الملاحظتين ببعضهما بشكل يعكس وجود تيار يميل للاعتماد على موريتانيا التي لم تكن قد قررت بعد طرد مجموعة الزويرات من دائرة اهتماماتها، تيار يسعى للتحالف مع الجزائر المعارضة لسياسة موريتانيا والمغرب في آن واحد.

قد تكون القرارات عاكسة لتسوية ما، غير أن القرار النهائي ورجحان كفة التيارين كان قد ارتهن بسيرورة الأحداث أكثر من ارتهانه بعلمية التحالفات التكتيكية والإستراتيجية. لذلك، فإن مقررات المؤتمر، إذ توضح طبيعة المشروع الصحراوي، ولو بشكل عام ومتناقض، فإنها (أي المقررات) تشكل بالفعل نقلة نوعية في خطوات الجبهة الشعبية وتؤكد ما سبق ذكره حول استحالة التعاطي مع «صحراوية» المشكلة بإستراتيجية مستقلة، كما تبيّن غلبة الاتجاه الاستقلالي بشكل ملحوظ، لا يقلل من أهميته غياب الموقف من تقرير المصير وتحديد الجبهة الشعبية لطبيعته الوحدوية الجبهوية (عدم توجيه نداء للقوى الصحراوية الأخرى من أجل الوحدة الوطنية...) ويزيد في تعميقه وإبرازه تعمّد إهمال القوى المغربية ولو معاتبة أو لفت نظر (11).

التركيز على الجزائر «ايجابيا» وعلى المغرب «سلبا» كان يكشف استيعابا صحراويا لطبيعة التناقضات المحيطة ولنوعية أطرافها الرئيسية، وبذلك تكون الجبهة الشعبية قد حدّدت دائرة حركتها: الجزائر كحليف استراتيجي، المغرب كعدو استراتيجي، موريتانيا كحليف وكعدو تكتيكي في نفس الوقت.

أما العلاقة بليبيا فإنها غير خاضعة لحسابات الدائرة المذكورة وإن كانت تتعامل معها بشكل خاص جدا، يحول دون معارضة البوليزاريو لسياستها من ناحية وتعتريه تناقضات مبدئية لم تتجرأ الجبهة على ذكرها ولو مرة واحدة. مما يؤكد قوة طرف الدعم الخارجي في إستراتيجية ثورة «حالتها الاقتصادية منبثقة من واقع جماهيرها».

أزمة المغرب العربي والمشروع الصحراوي

تجد الملاحظات المذكورة آنفا تبريراتها في الأحداث اللاحقة التي تراكمت منذ أوائل عام 1975 ووصلت إلى ذروتها في خريف ذلك العام. ففي حين كانت الأمور تسير نحو اتفاقية ثلاثية بين اسبانيا والمغرب وموريتانيا، في حين كانت اسبانيا تمارس أقصى أنواع الضغوط والمناورات بخط منفتح على الجزائر الصحراويين لإضعاف موقع المغرب، وفي حين كانت الجزائر تبحث عن شرعية «شعبية» وصحراوية لتطويق المشروع المغربي، والقوى الخارجية (فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة) جادّة في بحثها عن عقدة محلية تتربع وسط الصراع بشكل يغدو معه التوصل إلى حل قريب مستحيلا، كانت آمال التيار الصحراوي الوحدوي تتحول إلى حقائق موضوعية على حساب ما تبقى من رغبات مكبوتة لإيجاد حليف مغربي.

لذلك أسقطت قيادة الجبهة الشعبية كل أوراق الجذب المغربي من حساباتها، شعبيا ورسميا، رغم أنه كان بإمكانها أن تضع المشروع المغربي «الرسمي» في مأزق تاريخي من خلال استيعابها للحل الوحدوي وقدرته الهائلة على تجاوز أزمة القوميات المغربية. لكن السياسة «الثورية» الباحثة عن إستراتيجية «رسمية» ينبغي أن يخرج من رحمها «جمهورية عربية صحراوية ديمقراطية»، كانت تبتعد عمدا عن مخرج الأزمة الفعلي وتدخل «مبتسمة» في أزمة أخرى تتجاوزها وتضعها في وسط معادلة التجزئة بشكل يصعب عليها أن تتحرك خارجها. فسجنت نفسها في دائرة اختيارها «الصحراوي»، وفي مساحة تحركها الجهوي، وفقدت حليفا لا يمكن تعويضه بأي حليف آخر: الشعب المغربي.

وفق هذا السياق وفي مواجهة المغرب «المستعمِر» يصبح كل سلوك مبررا: التنسيق مع اسبانيا والانتشار في الصحراء بمساعدتها، الارتماء كليا في مشروع التطويق الجزائري، القبول بتهجير الصحراويين إلى تندوف، الانخراط في معركة متعددة الأطراف ومتنوعة الأهداف بقوى متواضعة وتنظيم جنيني وإمكانيات معدومة، خسارة الوجود الجماهيري المتبقي لربح الوجود الجماهيري المهاجر الخ.

تزداد دائرة التحرك ضيقا بازدياد أزمة المواجهة مع «التوسع» المغربي وشروط إجهاضه، فتخرج الجبهة بحل تكتيكي فكرت به في ليبيا وأعلنته من الجزائر: الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، الذي كان تبريرها الوحيد أن اسبانيا ستغادر الصحراء وأن المعني بالأمر يجب أن يقرر مصيره فورا. وسواء كانت الجمهورية تحتاج لأرض محررة أو لوجود سياسي داخلي مؤيد وقوي، فإن الجبهة الشعبية وجدت في قرارها إنقاذا وحيدا لا بديل عنه، وذلك بعد أن جرّدت نفسها من كافة الأوراق. هذا إذا افترضنا مع حسن نية أن فقدان الأوراق الأخرى كان خطأ في الحسابات وليس قناعة ويقينا «ثوريين».

وفي أواخر شهر شباط/فبراير 1976 تحوّلت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء إلى إطار رسمي يضم الثورة والجمهورية والحكومة والمجلس الوطني والهيئات الشعبية، وفتحت أمامها أبوبا العمل الدبلوماسي والحرب المسلحة في وقت واحد ومن منطقة واحدة وببنية تنظيمية وطني واحدة. وبدأت مرحلة أخرى من التكتيك والإستراتيجية الصحراويين يشترط نجاحها تحقيق أمرين:

بقاء الإستراتيجية الجزائرية في خط متعارض جذريا مع المغرب في قضية الصحراء، وضمان قدرة النضال الصعب والمعقد لكوادر الجبهة في مرحلة استنزاف طويلة الأمد وباهضة التكاليف. وقبل أن يتحقق هذان الأمران في الواقع، دون أن يعني ذلك استحالة تحقيقها، أعلنت الجبهة الشعبية عن سياستها المتصدية للمغرب.

أعلنت أولا قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بتاريخ 27/2/1976 ببيان نصّ حرفيا على ما يلي:

«إن الشعب العربي الصحراوي وهو يذكر شعوب العالم انها قد أعلنت في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي قرار الجمعية العامة رقم 1514 في دورتها الخامسة عشرة الذي جاء به ما يلي:

«ان شعوب العالم قد عقدت العزم على أن تؤكد من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الشخص الإنساني وقيمته وبتساوي حقوق الرجال والنساء وحقوق الأمم كبيرها وصغيرها وأن تعزز الرقي الاجتماعي وترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح».

وإدراكا منه للمنازعات المتزايدة الناجمة عن إنكار الحرية على تلك الشعوب أو إقامة العقبات في طريقها مما يشكل تهديدا خطيرا للسلم العالمي.

واقتناعا منه بأن لجميع الشعوب حقا غير قابل للتصرف في الحرية التامة وممارسة سيادتها وفي سلامة وحدة ترابها.

وعملا بوضع حد بسرعة وبدون قيد أو شرط للاستعمار بجميع صوره ومظاهره وذلك لتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعوب المناضلة.

يعلن للعالم اجمع على أساس الإرادة الشعبية الحرة القائمة على دعائم الاختيار الديمقراطية عن قيام دولة حرة مستقلة ذات سيادة وحكم وطني ديمقراطي عربي وحدوي الاتجاه، إسلامي العقيدة تقدمي المنهج تسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

وانسجاما مع عقيدتها واتجاهها ومنهجها تعلن هذه الدولة العربية الافريقية غير المنحازة احتراما للمواثيق والمعاهدات الدولية وتمسكها بميثاق الأمم المتحدة وارتباطها بميثاق جامعة الدول العربية وتقيدها بميثاق منظمة الوحدة الافريقية مؤكدة التزامها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن الشعب العربي في الجمهورية الصحراوية الديمقراطية وقد عقد العزم على حماية استقلاله ووحدة ترابه والسيطرة على موارده وثرواته الطبيعية يجاهد مع كل الشعوب المحبة للسلام للعمل على تدعيم السلم وترسيخ الأمن في العالم أجمع ومناصرته لجميع حركات تحرير الشعوب للتخلص من السيطرة الاستعمارية.

وفي هذه اللحظات التاريخية التي تعلن فيها قيام هذه الدولة الجديدة تناشد أشقاءها ودول العالم قاطبة الاعتراف بها كما تعرب عن رغبتها في تبادل العلاقات معها، المبنية على أسس من الصداقة والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تناشد المجتمع الدولي الذي يهدف إلى إقامة الحق والعدل ويسعى لتوطيد دعائم السلام والأمن أن يساهم في بناء وتنمية الدولة الجديدة من أجل كرامة ورفاهية وطموحات الإنسان (12).

صدر في بير الحلو المجلس الوطني المؤقت ممثلا لإرادة الشعب.

27 صفر 1396 هـ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

الموافق 27 شباط/فبراير 1976

وأعلنت في اليوم التالي عن دستور هذه الجمهورية بوثيقة نصت على ما يلي:

«باسم الشعب العربي في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية واستجابة لرغبة هذا الشعب المتمثل في جماهيره المجاهدة منذ سنوات لتحرير أراضيها.

وباسم الإرادة الشعبية التي أعلنت عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لتحقيق العدالة والرفاهية لمجتمع تتكافأ فيه الفرص بين جميع فئاته.

يعلن المجلس الوطني الصحراوي المؤقت بصفته ممثلا لإرادة الشعب هذه الوثيقة الدستورية المؤقتة بكونها ركيزة النظام السياسي الاجتماعي للدولة، ومصدرا لتحديد قواعد الحكم وتنظيم علاقة الدولة بالفرد والمجتمع، على أن يعمل بهذه الوثيقة إلى أن يقرر مؤتمر الشعب العام الذي يلتقي فيه ممثلو المؤتمرات الشعبية في الأراضي المحررة وفي المخيمات، وممثلو الخلايا البشرية في الأراضي المحتلة وممثلو المجاهدين في وحدات الجيش الشعبي الوطني وممثلو النقابات والاتحادات المهنية والمنظمات الشعبية الأخرى والذي سيكون السلطة السياسية العليا التي تقر النظام السياسي العام للمجتمع في شكل دستور دائم

الباب الأول: الدولة مادة (1): الساقية الحمراء ووادي الذهب جمهورية عربية ديمقراطية واشتراكية.

مادة (2): الشعب الصحراوي جزء من الأمة العربية وعضو من الأسرة الافريقية ومنتم للعالم الثالث.

مادة (3): الإسلام دين هذا الشعب واللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية.

مادة (4): العمل على وحدة شعوب المغرب خطوة نحو الوحدة العربية، والدفاع عن الوطن والذود عن الحرية واجب مقدس، وتحقيق الاشتراكية وتطبيق العدالة الاجتماعية هدف من أهداف الدولة.

مادة (5): الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق.

مادة (6): المواطنون جميعا سواء أمام القانون ومتساوون في الحقوق والواجبات.

مادة (7): حرية الرأي مكفولة في حدود القانون ومصلحة الشعب. والتعليم والعلاج والرعاية الاجتماعية حق لجميع المواطنين وستعمل الدولة على تأمينه لهم.

مادة (8): الملكية العامة للشعب، والملكية الخاصة غير المستغلة مصونة لا تنزع إلا وفقا للقانون.

مادة (9): أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب ينظمه القانون.

مادة (10): حق اللجوء السياسي مضمون.

مادة (11): العلم الوطني وشعار الدولة يحددها قانون.

الباب الثاني: نظام الحكم مادة (12): مجلس الثورة هو أعلى سلطة تنفيذية في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ويباشر شؤون لسيادة ووضع السياسة العامة للدولة.

مادة (13): يعين مجلس الثورة مجلسا للوزراء من رئيس للوزراء بعد استشارة المجلس الوطني الصحراوي المؤقت.

مادة (14): يقوم مجلس الوزراء بكافة الأمور التنفيذية تحت إشراف مجلس الثورة.

مادة (15): تصدر الميزانية العامة بقانون.

مادة (16): مجلس الثورة يعلن الحرب ويعقد المعاهدات ويصادق عليها، ويعين الممثلين السياسيين، ويعتمد لديه الممثلين السياسيين الأجانب.

مادة (17): الجيش الشعبي الوطني الصحراوي بخدمة الشعب يؤمن الدفاع عن الوطن ووحدته ويشترك في نشاط البلاد الاجتماعي والاقتصادي ويصدر تنظيمه بقانون.

الباب الثالث: السلطة التشريعية

مادة (18): يعتبر المجلس الوطني الصحراوي المؤقت سلطة تشريعية استشارية.

الباب الرابع: السلطة القضائية

مادة (19): ويعتمد مبدأ الفصل القضاء مستقل وتصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب.

مادة (20): لا جريمة ولا عقوبة إلا نص، المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته.

الباب الخامس: أحكام عامة وانتقالية

مادة (21): تنفذ نصوص هذه الوثيقة الدستورية المؤقتة من تاريخ نشرها وتبقى نافذة حتى يصدر مؤتمر الشعب العام، النظام الدائم للمجتمع (13).

المجلس الوطني الصحراوي المؤقت

-  صدر في بير الحلو: السبت 28 صفر 1396 هـ الموافق 28 شباط/فبراير 1976 م»

وأعلنت بعد ذلك بأيام عن تشكيل الحكومة الصحراوية:

باسم الشعب الصحراوي وتعبيرا عن إرادته، ارتفع على أرض الساقية الحمراء ووادي الذهب علم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، مؤذنا بقيام دولة افريقية تستمد أصالتها من جذور شعبنا الضاربة في أعماق التاريخ، ومن حضارته التي عمت بذورها أرجاء المغرب العربي، دولة قوتها الأساسية إيمان أبناء شعبنا بحقهم في الحياة الكريمة، وفي الحرية الحقيقية، وسلاحها الأساسي الكفاح والصمود والمثابرة.

وهكذا افتتحت صفحة جديدة يتصدى فيها شعبنا بدمه لاستعمار الأخ والشقيق بعد أن طوى بكفاحه صفحة تخلص فيها من استعمار العدو الغريب. واليوم نعلن للعالم أجمع أن شعبنا قد قرر استكمال وضع الأجهزة الأساسية التي تستجيب لمتطلبات هذه المرحلة من كفاحه المرير، وتحقق ممارسة الحكم الديمقراطي الحقيقي النابع من الشرعية الثورية.

واستجابة لإرادة شعبنا فقد قررت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والموافقة الاجماعية للمجلس الوطني الصحراوي المؤقت تشكيل حكومة تتحمل عبء استمرار الكفاح وترفع راية النضال حتى يتحقق لشعبنا النصر، وينعم بالسلام والأمن، ليلتقي مع إخوته شعوب المغرب العربي وشعوب الأمة العربية والقارة الافريقية كلها على طريق التحرر والوحدة.

وإننا إذ نلتزم بكل المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الافريقية نركز بالذات على كل المواثيق التي تضمن حماية حقوق الإنسان وسلامة التراب الوطني، واحترام الحدود الموروثة كضمان للسلم والأمن. ونحمّل كلاّ من منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية مسؤولية القيام بواجبهم تجاه شعب مسالم يتعرض للإبادة الجماعية ويعاني من سياسة الأرض المحروقة.

كما أننا نضع شعوب العالم أمام مسؤولياتها التاريخية لإحباط المخطط الامبريالي الاستعماري الرجعي الذي يتعرض بلدنا لعدوانه.

وفي هذه اللحظات التي تعلن فيها الحكومة على أرض الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وتعلن في نفس الوقت في كل من الجزائر وطرابلس وتاناناريف وكوناكري بجميورا نمد يد الأخوة إلى شعبي المغرب وموريتانيا طالبين منهما أن يتفهما كفاحنا وأن يدركا بأن المستقبل للشعوب طال الوقت أم قصر، ومناشدين كلا منهما العمل على حقن الدماء وإيقاف هذه الحرب التي فرضت على شعبنا من طرف الأنظمة الحاكمة تحقيقا لمصالح أجنبية ومآرب شخصية ومطامع ذاتية.

وفي نفس الوقت فإننا نمد يد الصداقة لكل الشعوب العلم ودوله مطالبين إياها بتأييد كفاحنا العادل ومناصرته قضيتنا الوطنية والاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

كما تؤكد من جديد للعالم أجمع رغبتنا الصادقة في التعاون البناء مع كل الدول على أساس الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية.

لقد عقدنا العزم على الكفاح وجعلنا شعارنا النصر أو الاستشهاد ولن تنعم المنطقة بأي أمن أو استقرار ما لم يتم دحر العدوان وما لم يتمكن شعبنا من تحرير البقية المغتصبة من ترابه الوطني (14).

والله ولي التوفيق

امغالا 4 آذار/مارس 1976

المجلس الوطني الصحراوي المؤقت

الجبهة الشعبية لتحرير الساقية

الحمراء ووادي الذهب.

شهد عام 1976 تحقيقا فعليا للأمرين المذكورين، فتحول من ناحية أولى التنسيق الجزائري-الصحراوي إلى إستراتيجية تحرك شامل ضد التحالف المغربي-الموريتاني دبلوماسيا وإعلاميا وعسكريا، بحيث وضعت القيادة الجزائرية كل إمكانياتها وعلى كافة المستويات لتطويق المغرب وتقديم الصحراويين كشعب وجبهة وجمهورية، وذلك في سياق متواصل داخل المنظمات الدولية وعلى صعيد حركات التحرير، وخاصة الافريقية الأمر الذي أدى إلى اعتراف عدد كبير بالصحراوين كحركة تحرير وعدد قليل من الدول اعترف بالجمهورية المذكورة. عزز أواصر هذه الإستراتيجية قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر في آذار/مارس من نفس العام، وتمتع الجزائر بأوراق ضغط هائلة على الدول الكبرى والدول الأوربية وخاصة فرنسا واسبانيا بشكل كان يدفع هذه الدول إلى حياد نسبي انتهى في المرحلة الأخيرة إلى سلسلة تراجعات عبرت عن نفسها بتبدل في المواقف الرسمية وبتكثيف الدعم الحزبي (الأحزاب الشيوعية خاصة) للشعب الصحراوي.

وتمكنت من ناحية ثانية الجبهة الشعبية من تنظيم قاعدة جماهيرية وبناء مؤسسات داخل المخيمات وفّرت لها مواردها البشرية عملية النزوح التي أعقبت دخول المسيرة الخضراء ووضعت القوى الحليفة (الجزائر وليبيا) إمكانات عسكرية هائلة في خدمة تشكيل القوة الضاربة الصحراوية القادرة على خوض حرب الاستنزاف. ولكن يبقى العامل الحاسم في وسط كل هذه المساهمات هو قدرة قيادة الجبهة نفسها على تعميق الشعور الوطني عند الصحراويين وحثهم على الاستبسال بشكل يساعد على القول أنه في فترة شهور قليلة كانت الجبهة قد أنتجت نواة صلبة من الكوادر السياسية والعسكرية القادرة على العمل التعبوي في المخيمات ومراكز الإعلام، والمؤهلة لعبور الصحراء في مسافات طويلة والصمود بين رمالها الحارة أياما طويلة، والتي تجعل من قدرة الجزائر أو غيرها على «إذابة» المشروع الصحراوي، رغم أنف الصحراويين، مسألة ليست سهلة كما يحاول الرسميون المغاربة إبرازها. ففي سيرورة العلاقة التي حكمت أواصرها توازنات القوى الجهوية ودفعت بقوة جارفة الجبهة الشعبية على أحضان الإستراتيجية الجزائرية كان لا يزال هناك ميل ينزع نحو استقلالية صحراوية، على الأقل في مستوى اتخاذ القرار، والذي يمكن إسناده إلى الوالي، كتيار سياسي من ناحية، وكمغربي أدخلته سلبيات التجربة السابقة إلى وطنه الصحراوي.

على قاعدة هذه العلاقة بدأت حرب الاستنزاف الجزائرية-الصحراوية ضد موريتانيا وبدأت تبرز تناقضات التعاطي مع هذا الاستنزاف طبيعة الخلافات المذكورة، وخاصة فيما يتعلق بحدود الاستنزاف نفسه. وبينما كانت الجزائر تحضّر نفسها لمعركة استنزاف طويلة قد تدوم عشر سنوات وذلك ضمن قناعة القيادة الجزائرية باستحالة نسف الاتفاقية الثلاثية خلال فترة قصيرة، كان الوالي يرى أن حرب الاستنزاف يجب أن تعطي البوليزاريو قاعدة وطنية محررة، يؤدي الحصول عليها إلى عدم تراوح الجهود الصحراوية مكانها. وبذلك تكون المراهنات قد انحصرت تكتيكيا وانحسمت بمعركة موريتانيا لصالح التيار المؤيد للجزائر ولصالح الجزائر نفسها، التي كانت تعرف منذ البدء أن بداية الضغط على المغرب يجب أن تبدأ بسحب موريتانيا من الصراع وفي استشهاد الوالي علامات فارقة تدلّ على التعارضات.

ففي الوقت الذي لم تستطع الخطة المرسومة إخراج موريتانيا من الصحراء، كان الوالي قد وصل إلى قناعه أساسية مفادها أن تغيرا حاسما في الوضع الموريتاني سوف يساعد على تهيئة الأرضية المناسبة لتسوية يكون أحد طرفيها الأساسيين البوليزاريو والطرف الآخر المغرب. الأول يستفيد من سيطرته على موريتانيا والثاني يستفيد من إخراج الجزائر فقام الوالي بقيادة العملية الكبيرة في مطلع أيار/مايو 1976 حالما بإسقاط سلطة مختار ولد داده، فانتهى وانتهى معه حلم الحل السريع... وبهذا المعنى تكون التجربة المزدوجة (إنجاح الخط المستقل وتجاوز زمن الاستنزاف) قد أكدت بوضوح أن قضية الصحراء دخلت بالفعل في زمن غير منظور، ستتطور خلاله الأمور بشكل تدريجي سوف يضع سدودا منيعة تحول دون قدرة أحد الأطراف على التراجع: فلا المغرب بقادر على قبول دولة صحراوية ولا البوليزاريو تركت لنفسها خط الرجوع، فلم يعد ممكنا القبول بموريتانيا وطنا للشعب الصحراوي، ولا بجزء من موريتانيا بدلا عن العمل الكامل، ولا بإمكان الجزائر أن تعقد تسوية مع المغرب بشروطها هي وعلى حساب البوليزاريو. رحل الوالي ودفنت عمليته الخيرة رغبات التسوية المفتوحة.

ومنذ المؤتمر الثالث، مؤتمر الشهيد الوالي مصطفى سيد، الذي انعقد من 26 إلى 30 آب/أغسطس 1976 والأمور تسير باتجاه خط الاستنزاف الطويل الأمد الذي استلزم اتفاقا تاما مع التكتيك الجزائري، وقدرة دائمة الطاقات البشرية والعسكرية، على وضع «الشعب الصحراوي» في حالة استنفار وأمام مهمات الحرب الصحراوية اللامحدودة. عبر الجانب الأول عن نفسه في تخصيص الجزائر وليبيا بعبارات ذات دلالات سياسية هامة، حيث تعتبر الجبهة في بيانها السياسي الصادر عن المؤتمر أن كافة المحاولات الرجعية «تدخل في الإطار الامبريالي العام الذي يستهدف تحويل المنطقة لصالح الامبريالية واستمرار نهب الثروات المعدنية والحيوانية والبحرية... والحفاظ على فوائده في منطقة شمال-غرب افريقيا الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا عن طريق إطفاء الشعلة الثورية في هذه المنطقة، ودفع شعوب المنطقة الأخرى وقواها التقدمية، حلفاء ثورتنا، نحو الخضوع». وفي هذا الإطار تفسّر البوليزاريو السياسة الرجعية المعادية لجزائر وليبيا. وتربط الوضع بشكل ذي حدين: ليبيا –الصحراء-الجزائر من جهة والمغرب-موريتانيا-الامبريالية من جهة ثانية.

وعبر الجانب الثاني عن إصرار صحراوي على تطويق التكتيك المغربي المستهدف إبراز الصراع وكأنه صراع جزائري-مغربي (كما جاء في بيان المؤتمر) فعززت الجبهة نشاطها الخارجي ديبلوماسيا، وقوّت نفوذها الذاتي مُشكّلة قوة قاعدية مسلحة ينبغي عدم إهمال تأثيرها في مجريات الأمور. أما كيف يُحل الإشكال البسيط الفاصل بين تبعية كاملة لإستراتيجية الجزائر وبين الرغبة في تقوية القرار الذاتي، فإن ذلك محكوم بمنطق آخر يبدو أن طبيعة الوضع الراهن لا تسمح بتقديمه بشكل موضوعي ونهائي: فلا البوليزاريو قادرة تماما على الخروج من السياسة الجزائرية، ولا الجزائر راغبة في ضبط المحاولات الصحراوية الباحثة عن تغريد خارج السرب ولو على الأقل مع ليبيا، كما حصل اثر المحادثات السرية الليبية-الصحراوية-الموريتانية (في نسيان/أبريل 1979) التي واجهتها الجزائر بإصرار على عقد اتفاقية المصالحة الصحراوية-الموريتانية في العاصمة الجزائرية وأطلقت عليها قصدا عنوان «اتفاقية الجزائر» وذلك في شهر آب/أغسطس من نفس العام.

وفي حين يزداد انصهار المشروع الصحراوي في أزمة المغرب العربي، فان التطورات التي أعقبت المؤتمر الثالث، بجانبيها المذكورين، وبانتصاراتها الدبلوماسية والعسكرية والتنظيمية لا تشجع على القول بأن القضية اقتربت من باب التسوية وفق رغبة الصحراويين ولا تسمح إطلاقا بإعطاء معادلة جديدة تقوم على اعتبار أن مفتاح الحل بيد الصحراويين وحدهم. ففي عقدة التطور الراهن أصبحت البوليزاريو طرفا مثل بقية الأطراف ولكن بحدود معينة كما يبدو أن شروطا قاسية لا تزال مطلوبة منها لكي تصبح بالفعل الطرف الرئيسي في المعادلة القائمة: إيجاد حليف مغربي، استيعاب شروط وأهداف وحدود الدعم الليبي، وإدراك حدود المعارضة الجزائرية للسياسة المغربية.

ولما كانت الوضعية الصحراوية تسير وفق هذا السياق منذ وفاة الوالي فإن الكلام السياسي يتجانس مع السياق المذكور ويجسده، فلا يقدّم المؤتمر الرابع، مؤتمر الشهيد سيدي ولد حيذوك، الذي انعقد في خريف 1978 مساهمات جديدة تضاف إلى المؤتمر الثالث سوى اعتراف 18 دولة بالجمهورية الصحراوية، وتحقيق انتصارات دبلوماسية على المغرب. أما البيانات والمقررات فقد تكررت حرفيا تقريبا، مما يجعل عملية التوثيق مكررة لكلام يبدو أن مساحته خاصة، لا يربطها بصيرورة الأحداث إلا خيط رفيع. ولا يخرج عن ذلك مضمون المؤتمرات والنشرات والخطب والبيانات والمطبوعات، والتي انهالت بسرعة مفاجئة وبعدة لغات، والتي تكرر نفسها دائما وأحيانا بنفس العبارات والجمل (15).

باختصار، ان مطالعة مقررات المؤتمر الرابع ومقارنتها بما صدر عن الجبهة من مطبوعات إنما يؤكد هذا الواقع الإعلامي ويطرح تساؤلا ثوريا: هل يعجز الصحراويون عن كتابة وثيقة تاريخية مفصلة تربط تاريخهم الحاضر بتاريخهم الماضي فيكتفون بأسطر قليلة تبدأ من بداية القرن؟ أم أنهم يرون في التاريخ الماضي تناقضا مع التاريخ الذي يقومون بصناعته حاضرا؟ يبدو أن الإجابة ليست مهمة. وفي لغة المؤتمر الرابع، تظهر الإضافات عدماً ويغيب التاريخ بشكل مذهل، وتبقى وحدها الجمل الرسمية سيدة الموقف: الوطن الباحث عن تكوّن معاصر يلغي الوعي الوحدوي المكبوت «تاريخيا» ويستبدله بشعار التقدم والوحدة بوصفهما إيديولوجية «القومية الصحراوية» الخارجة من رحم أزمة القوميات المغربية التي تتمركز في وسطها مشكلة الصحراء مجسدة الجرح النازف في خاصرة وحدة المغرب العربي التاريخية.

 

هوامش الفصل الثالث

(1) أنفاس، العدد المزدوج 7 و8 كانون الأول 1971 باللغة العربية في مقال بعنوان «فلسطين جديدة في أرض الصحراء».

(2) عبد الله العروي: الجزائر والصحراء المغربية منشورات سيرار، الدار البيضاء، 1976، باللغة الفرنسية ص 36.

(3) حول دستور الجماعة ونص الخطبة راجع ايتليو، المرجع المذكور، ص 195-198.

(4) السيد أحمد إبراهيم ولد البشير، رئيس المجلس الإقليمي لمدينة العيون والنائب في البرلمان المغربي، وسابقا نائب في الكورتيس الاسباني، قال لنا أن الأعضاء الستة اختلفوا حول سياستهم داخل الكورتيس. فمنهم من كان يطالب بالمساواة مع الاسبان، بينما طالب آخرون بتحديد دور مشاركتهم في المحافظة على سمعة السكان والدين الإسلامي في الكروتيس. أصحاب التيار الأول كانوا أصيلة ولد عبيدة، السويلم ولد أحمد الابراهيم وجولي ولد النن، وأصحاب التيار الثاني كانوا الثلاثة الباقين: خطري ولد سعيد الجماني وأحمد إبراهيم ولد البشير وبابا ولد حسنا.

(5) حسب ما جاء في كتاب أحمد بابا مسكي، ص 131.

(6) حول هذه المطالبة الصحراوية، راجع اتيليو، ص 222 وجريدة حزب الاستقلال الصادرة في اليوم التالي وكذلك تصريح علال الفاسي بهذه المناسبة. أما أحمد بابا مسكي فإنه يثبت هذه المطالب قائلا أن كلمة استقلال لم تلفظ، وان المطالب تمحورت حول احترام المبدأ المقبول رسميا (مبدأ المساواة والحريات)، والمطالبة بالحكم الذاتي الداخلي واحترام الشخصية الصحراوية التي برأي بابا مسكي تضمنت «التهديد المستقبلي للمشروع الاستقلالي»، ص 124.

(7) وخاصة كتاب أحمد بابا مسكي المذكور، الذي يتحدث عن محاولات الوالي «المغربية» بشكل مزاجي ولا يشير إلى هذه المذكرة لا من قريب ولا من بعيد، كما لا يخفي موريتانيته عندما ينحاز بشكل واضح لمجموعة الزويرات وفي الصفحات 138-148 من كتابه، يمكن قراءة تاريخ بابا مسكي لسياسة الوالي.

(8) نشرت صحيفة «الاختيار الثوري» النص الحرفي لهذه المذكرة على عدة حلقات في الأعداد رقم 19، 20، 21، 22، 23، 24، 25، من الجريدة المذكورة كما يمكن الحصول على النص الأصلي للمذكرة عن طريق مكتب لهذا التنظيم في الجزائر.

(9) يعتبر الأول مؤسس الجبهة وهو من قبيلة الرقيبات ومن مواليد الطان طان، عاش ودرس في المغرب. أما الثاني فهو من قبيلة توبالت درس في المغرب وانتقل منه إلى موريتانيتا وهو حاليا رئيس الجمهورية الصحراوية واشتغل الثالث في الجيش الملكي المغربي برتبة معاون أول وهو من الرقيبات ويشتغل حاليا منصب وزير الدفاع أما الآخر فهو يشتغل منصب وزير الداخلية للحكومة الصحراوية وهو أيضا من قبيلة أزرقيين.

(10) في منتصف الستينات كان احمد بابا مسكي مندوب موريتانيا في الأمم المتحدة وكان من القائلين بموريتانية الصحراء الغربية، وفيما بعد عمل مع البوليزاريو وفي الحكومة وهو من أكثر أعضاء البوليزاريو السابقين تحمسا لقيام دولة الشعب الصحراوي؟ أما حاليا فهو خارج النشاطات السياسية. أما إبراهيم الحكيم فهو «موريتاني» ويشتغل حاليا منصب وزير الخارجية في الحكومة الصحراوية، ومن المتمسكين بخط بابا مسكي الصحراوي. أما محمد ولد السالك (وزير الإعلام الحالي) فهو من قبيلة تيدراين وقد درس في المغرب وفي فرنسا (بمنحة مغربية) وعندما بدأت الحركة تنمو سافر إلى جزر الكناري ومنها دخل إلى موريتانيا.

(11) أخذنا النصوص المذكورة عن الطبعة الخاصة بالمؤتمر الثاني، مؤتمر الشهيد عبد الرحمن عبد الله، الصادرة عن مكتب الجبهة في طرابلس الغرب، بتاريخ 20 أيار/مايو 1976.

(12) نقلا عن مجلة «20 ماي».

(13) نقلا عن «الصحراء الحرة» العدد الصادر بتاريخ 20 آذار/مارس 1976.

(14) نقلا عن مجلة «20 ماي».

(15) وذلك بعد قراءتنا لكافة أعداد جريدة «الصحراء الحرة»، ومجلة «20 ماي»، والوثائق التي قدمتها الجبهة إلى الأمم المتحدة خاصة، ومقررات مؤتمراتها الوطنية وبياناتها التي لا تعدّ ولا تحصى.

المناضل-ة عدد 41

علي الشامي

  الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل الثاني من كتاب "الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي"
  فصل السابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل السادس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
  الفصل الخامـس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها