ايها السادة «اصحاب القرار»
لسنا في نفس موقعكم في هذا العالم رغم انه ملك لنا ايضا .نحن فعلا من عليهن اداء ثمن العولمة الحالية الباهض واللواتي يتعرضن لسياساتكم . طبعا لسنا جميعا خبيرات في شؤون صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. لكننا جميعا ، من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب ، خبيرات في «سوء التنمية » ، «عالمات » بالوجه الاخر للنمو ولعولمة نيوليبرالية نتعرض كل يوم ومعنا اطفالنا واسرنا وجماعاتنا ، وكوكب الارض برمته ، لصدماتها ولعواقبها ولاثارها السلبية ، أي باختصار ما يدعى «المعاناة المضافة»
بنظرنا يكمن تفسير العالم الراهن ، ووضع النساء بوجه خاص ، في تضافر ظاهرتين عالميتين :
سيطرة نظام اقتصادي وحيد على صعيد الكوكب :الرأسمالية النيوليبرالية ، هذا النظام الوحيد والمسيطر والمحكوم بالتنافسية المطلقة و (…) الخاضع لقانون «كل شيء للاسواق» وحيث يُخضع التمتع التام بالحقوق الانسانية الاساسية للحرية الاقتصادية (…).
تأبيد نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مسيطر ازاء النساء : النظام البطريركي . طبعا لا يعود تاريخ هذا النظام الى القرن العشرين، لكنه تعزز منذ الاف السنين بحدة متفاوتة وثقافات مختلفة . ان نظام القيم والقواعد والمعايير والسياسات هذا مؤسس من جهة على ادعاء وجود دونية طبيعية للنساء بما هن كائنات بشرية ، ومن جهة اخرى على تراتب الادوار المسندة في مجتمعاتنا للنساء وللرجال . ويقوم هذا النظام بتكريس سلطة الذكور ، وينتج الى العنف والاقصاء ويضفي على العولمة الراهنة توجها جنسانيا [2] جليا .
تتغذى هاتان القوتين التاريخيتين من بعضهما من اجل ابقاء السواد الاعظم من النساء في دونية ثقافية واستصغار للمكانة الاجتماعية وتهميش اقتصادي و «اضفاء طابع لامرئي» على وجودهن وعملهن وتحويل اجسادهن الى سلعة ، وهي اوضاع تشبه «نظام ميز عنصري» . كما تغذي هاتان القوتين الاصوليات والنزعات المحافظة من كل نوع (…) هل النساء اكبر الرابحين من العولمة ؟
تقولون لنا ان النساء اكبر «االرابحين» من العولمة، وأنهن يحصلن على مزيد من فرص العمل، وان اجورهن تتحسن، وان الفروق بين الرجال والنساء تتضاءل، وانهن يحصلن على الاستقلال المالي وعلى توزيع افضل للمسؤوليات المنزلية .
رغم ذلك تدل تجربة الاف النساء المنخرطات في المسيرة العالمية للنساء وتحاليل المناضلات النسوانيات على الميز الجنساني الحاد المميز للعولمة الراهنة ، وعلى الاثر الخاص للسياسات الماكرو اقتصادية للشركات متعددة الجنسية والاسواق المالية المشجعة من الدول الوطنية والمدعومة من مؤسساتكم . ويسلك هذا الاثر الخاص قنوات مختلفة :
يؤدي الميل العام لدى الدول الى تقليص عجزها ونفقاتها الحكومية، بضغط مباشر من الاسواق المالية ومن مؤسساتكم ( بواسطة برامج التقويم الهيكلي) والمنظمة العالمية للتجارة، الى تسريحات جماهيرية في القطاع العام ( الصحة والتعليم ) حيث (…) النساء يشكلن الغالبية .
تؤدي الخصخصة المنهجية لقطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم الى القاء مهام كانت تقوم بها الدولة او الجماعة على النساء وعلى عملهن غير المرئي وغيرالمؤدى عنه . وعلاوة طبعا على الحرمان من حقوق اساسية من قبيل الصحة والتعليم المعترف بها في الاتفاقات الدولية، نشهد استبدالا حقيقيا لادوار ومسؤوليات الدولة نحو داءرة الحياة الخاصة وبالتالي نحو النساء . ويتجلى هذا الاستبدال في ازمة عمل اضافي للنساء . وهكذا جرى تقدير انه بامريكا اللاتينية مند ارساء برامج التقويم الهيكلي في سنوات 1980 تعمل النساء في المتوسط ساعة اضافية كل يوم أي يوما اضافيا في الاسبوع وهذا كثير.
ثلثا الاطفال الذين لا يذهبون الى المدرسة في العالم فتيات، اذ تفضل الاسر الصبيان عندما تعوزها امكانات تعليم الاطفال. وان كان الفرق في التمدرس الابتدائي والثانوي للجنسين يتضاءل فان التقدم ليس سريعا بالقدر الكافي لزوال الفرق في افق 2005 .
تفاقم العولمة النيوليبرالية ازمة عمل النساء غير المؤدى عنه في سياق اصبحن فيه مثقلات بافراط. طبعا ُوجد هذا النوع من العمل على الدوام، لكن الان اصبحت المؤسسات الدولية، مثل البنك العالمي عبر برنامج « التعاون» والمساعدة الغذائية، هي من ينظم عمل النساء غير المؤدى عنه وليس فقط الازواج والاباء والمشغلين والحكومات.
في بلدان الجنوب ادت لبرلة الاقتصاد، مع فتح الحدود قسرا و بلا شروط امام المنتجات المستوردة من البلدان الصناعية ( التي تواصل من جهة اخرى ممارسة اشكال مختلفة من الحمائية)، الى القضاء الكلي على الزراعة القوتية التي هي نسائية في الغالب.
وفي بلدان اخرى عديدة تعمل غالبية من النساء في المناطق الحرة حيث الاجور وظروف العمل شبيهة بعبودية حقيقية . وقد كشف الاطباء في جمهورية الدومنيك ان النساء العاملات بالمناطق الحرة يجهضن بمعدل مضاعف مقارنة مع القائمات بانشطة اخرى، وينجبن نسبة مضاعفة من الاطفال الذين يعانون من نقص في الوزن، ونسبة مضاعفة ثلاث مرات من الأطفال المصابين بتشوهات خلقية .
تؤدي العولمة النيوليبرالية الى تحولات عميقة على صعيد عمل النساء وذلك بكيفيتين: من جهة عبر الزيادة المستمرة في القطاع الشكلي حيث تشكل النساء الاغلبية. انه قطاع بلا حقوق وبلا أصوات وحيث حتى المطالب المتعلقة بتطبيق المعايير الاجتماعية لا تصل النساء المعنيات. ومن جهة اخرى عبر نقل الى القطاع الشكلي لممارسات مرتبطة عادة بالقطاع اللاشكلي وموصوفة ب«النموذج النسوي» ومن شأنها رفع تنافسية المقاولات ( مرونة قصوى ،عمل لانمطي، بوقت جزئي ومجزء جدا ، وباستدعاء ، وبالبيت وبالمقاولة من باطن ، ومستقل هش، وسري ،الخ) . وحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين [OCDE] تمثل النساء غالبية العاملين بهذا النوع من العمل. وان كانت أقلية من النساء تحصل على فرص عمل في قطاعات متقدمة وبأجور افضل ، فان غالبيتهن تواصل كونها خادمات وخياطات وبائعات بالشارع وعاملات زراعيات موسميات، الخ.
ان كانت اشكال العنف ضد النساء موجودة طبعا قبل العولمة ومندرجة في دوام علاقة سيطرة الرجال على النساء ، فان الظروف الاقتصادية الهشة تفاقم انجراح النساء بكل اشكال العنف.
وُتلاحظ بشكل خاص عولمة للمتاجرة بالنساء وللدعارة بسبب تزايد الفقر وازدهار السياحة الجنسية وتوسع صناعة الجنس العالمية، ناهيكم عن العنف الملازم لزمن الحرب (اغتصابات واعتداءات جنسية،الخ). وتسلك هذه التجارة نفس طريق سداد الديون : من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب !(…). ماذا كان مفعول برامج التقويم الهيكلي على النساء ؟
كانت مؤسساتكم منذ سنوات 1980 تدرك مفعول برامج التقويم الهيكلي على النساء . كانت النساء في صلب الازمة الاقتصادية لسنوات 1980 وتحملن القسم الاعظم من جهود التقويم (…). تبدو برامج التقويم ظاهريا مستقلة عن اعتبارات الجنس لكنها كانت متطلبة ازاء النساء اكثر من الرجال سواء في القطاع الشكلي او القطاع غير المهيكل من الاقتصاد. وادت الى تقليص الخدمات الاساسية لحماية الاسرة ، وادت ببلدان عديدة الى عرقلة المكاسب الاقتصادية التي حققتها النساء خلال العقود الثلاث السابقة .
بعد عشرين سنة تسفر نفس السياسة عن نفس النتائج وتتحمل نساء اخريات نفس العواقب:
تأنيث الفقر: ارتفاع عدد الاطفال ( الفتيات اساسا) المسحوبين من المدرسة وارتفاع عدد الفتيات، وحتى الصبيات، العاملات في المنازل الخاصة او في «ورشات» دون حماية قانونية، وارتفاع عدد النساء العاملات في القطاع اللاشكلي دون أي حماية قانونية متعلقة بساعات العمل والتأمين والعناية الصحية او أي حق اخر من حقوق العاملين. كما ادى ايضا هذا الدخول الكثيف للنساء الى القطاع اللاشكلي الى اخراج الرجال منه ( تعمل النساء والاطفال بأجور اقل) والحكم عليهم بالبطالة. وندرك جيدا مند امد بعيد ان هذا الواقع المتربط بالنظام الببطريركي يؤدي الى مغادرة الرجال للاسرة, وتبقى النساء وحيدات في تحمل المسؤولية .
تأنيث المرض : تفترض خصخصة الخدمات الصحية توفر دخل للتمكن من الافادة منها. والحال ان مكانة النساء في سوق العمل اكثر هشاشة من مكانة الرجال مما يؤدي الى استحالة اداء التكاليف الطبية .
مكانة هشة في سوق العمل : تتقدم الحكومات بمواقف ترمي بشكل اساسي الى تشجيع عالم الاعمال على حساب العمال والعاملات ، وذلك بسياسات منها تفكيك وتقليص التحملات الاجتماعية للمقاولات او خفض عدد موظفي الدولة . والنساء اول من يدفع الثمن: تنامي البطالة واستعصاء شروط الحصول على عمل ( غياب حضانات وعطل امومة بفعل التقييد المتزايد لمقتضياتها)، وانتقال فرص العمل بالقطاع العمومي،حيث شروط حماية الحقوق والتامين الصحي وشروط العمل الآمنة متوفرة على العموم، الى القطاع اللاشكلي الذي يظل بالنسبة للنساء قطاعا بلا اصوات وبلا حق (…)
تقولون إنكم تاخذون بالاعتبار في سياساتكم التحليل المتمايز حسب الجنس. هذا حاصل . فقد ضاعف البنك العالمي المشاريع الُمستهدفة للنساء في الصحة والتعليم والتكوين المهني ،الخ. كما أحدث ، ضمن امور اخرى، اليات استشارية (مثلا«المجموعة الاستشارية الخارجية حول النوع») لأخد وجهة نظر النساء في سياساته بعين الاعتبار. ومع ذلك تجعلنا نتائج سياساتكم متشككات بوجه خطاب يدعي اعتبار مصالح النساء .
ان اعتبار «منظور النوع» دون إرفاقه بسياسات تتيح خروجا فعليا للنساء من الفقر مجرد خديعة.
لا بل اكثر من ذلك لا ُيعتبر التحليل المتمايز حسب الجنس سوى في المشاريع الميكرو اقتصادية وليس في السياسات الماكرو اقتصادية مثل برامج التقويم الهيكلي . فعلا ليس للماكرو اقتصاد جنس بنظر مؤسساتكم . من بذمته ماذا ولفائدة من ؟
انه سؤالنا اليكم. والجواب بنظرنا بسيط. يجب قلب المنطق واعتبار ان الشمال هو المدين للجنوب بملايير من الدولار المسروقة خلال القرنين 19 و20: سرقة منهجية و«مقننة» خلال فترة الاستعمار التي اخضعت شعوبا بكانلها، وحطمت قدرتها على التنمية، وقتلت بروز أي نماذج اخرى للنمو، واغتالت الاف الاشخاص( تعذيب وحروب وقمع،الخ)، وسرقة منظمة عبر تدهور اطراف التبادل وسياسات التقويم الهيكلي المؤدية الى فيض انتاج المواد المصدرة من بلدان الجنوب وبالتالي انخفاضا للأسعار، مخفضة بنفس القدر المداخيل المتوفرة لاداء «الديون» ، وسرقة متواصلة بسياسة القروض التي تستعبد شعوب العالم الثالث( ومؤخرا شعوب اوربا الشرقية) وتؤمن نقل ثرواتها نحو البلدان الغنية اصلا (…) انه عالم مقلوب : الجنوب يمول الشمال!(…).
لم يتم تسوية أي شيء . قيل لنا ان مجموعة السبعة الكبار G7 قد سوت في كولونيا في يونيو 1999 مشكل ديون بلدان العالم الثالث … وتكرر على مسامعنا في اوكيناوا في يوليوز 2000 ان الامر ُسوي هذه المرة ! هذا غير صحيح. تفضي كل التحاليل الى نفس النتائج (…) طبعا لن يؤدي الغاء الديون بشكل سحري الى القضاء على الفقر لكنه شرط لا بد منه.
[1] جنساني : sexiste أي قائم بالميز على اساس الجنس
[2] جنساني : sexiste أي قائم بالميز على اساس الجنس
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها