جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 منظورات اشتراكية بوجه عولمة رأس المال

نص منشور في غشت 2001
آذار (مارس) 2005
المناضل-ة عدد: 5

كلاوديو كاتز

يطرح تطور حركة مقاومةٍ لعولمة الرأسمال مشكل التوتر بين اقتراحات جذرية وأخرى معتدلة، بين مشاريع معادية للإمبريالية وأخرى تسعى إلى "أنسنة" الرأسمال.
هكذا ُتطرح على جدول الأعمال مسائل إصلاح الرأسمال أو التحرر بوجه الرأسمال. ويتشكل محور النقاش في تلك الحركة حول برنامج يتعين توضيحه.

مشكل رسم توبين
يمثل إحداث رسم توبين أحد المطالب الرئيسية. وقد تقدمت حركة اطاك بهذا الاقتراح منذ 1998. ووضعته في سياق حملات تشهير بالدور الطفيلي الخاص بالرأسمال المضاربي. ويطرح مؤسسو اطاك على كاهلهم تطوير "حركة تثقيف شعبي متجهة نحو الفعل".
تقترح أطاك ضريبة على عمليات شراء وبيع العملات مع التأكيد على كون 3 الى 8 % فقط من العمليات على العملات تتعلق بمعاملات تجارية. وترى أطاك أن هذه الضريبة ستكبح المضاربة، لأنها ستجعل عمليات البيع والشراء - الذهاب والإياب - اكثر غلاء. هذا علاوة على أنها ستتيح إعادة توزيع الأموال المحصلة للقيام بإصلاحات اجتماعية في البلدان التابعة.
ويجري تقديم هذا الاقتراح في تنويعات مختلفة. لكنها تمثل، في الجوهر، ضريبة تصاعدية على الرأسمال المالي لصالح أكثر قطاعات المجتمع فقرا، لأنها ترمي إلى توجيه المبالغ المحصلة نحو إجراءات مستجيبة للحاجات الاجتماعية لسكان البلدان المتخلفة. و قد يتيح تطبيق ضريبة من هذا القبيل، انطلاقا من تعبئات في القاعدة، إعادة توزيع للدخل ستعزز الثقة السياسية وقدرة النضال لدى المستغلين وترفع تماسكهم.
لا يمكن تطبيق رسم توبين إلا على نطاق دولي. وهو غير ممكن دون دمج الأسواق المالية الحاسمة الأربع او الخمس – أوربا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان – حيث تكاد تتركز كل العمليات على العملات. وسيدمر تطبيق ضريبة من هذا القبيل كل الهذيانات حول "لا مادية النقد" ويلقي ضوءا كاشفا على المعنى الفعلي الذي سيتخذه مثل هذا الاقتطاع من "التدفقات المالية" في المجتمع المسمى إعلاميا. يمكن أن يوجد رسم توبين عمليا إن جرى تطبيقه في نيويورك ولندن وباريس وفرانكفورت وطوكيو وإذا جرى تنظيم تنسيق لأجل اقتطاعه. ومن الممكن تماما خوض معارك على الصعيد الجنائي ضد من يسعون الى اقتراف جنحة تهرب ضريبي.
وقد يصبح البعد العالمي لهذا النوع من الضريبة عنصر نضال أممي ضد الأنشطة النهّابة للرأسمال المالي. وهي بهذا المعنى من باب المطالب الديمقراطية ذات القيمة الكونية، مثل محاكمة ومعاقبة المجرمين الذين ارتكبوا أعمال إبادة وينعمون بالإفلات من العقاب في "ملاذهم القومي" (بينوشيه على سبيل المثال).
ان محاكمة دولية للمجرمين، ومعاقبة الرأسمال المالي بضريبة، يمثلان مطالب شعبية شرعية ممكنة التطبيق بكيفيات مختلفة. قيل خلال بعض النقاشات إن رسم توبين "طوبى إصلاحية"، لأنها قد تستثير تثقيل التكاليف على المعاملات المالية دون كبح الحركات المضاربية. أكيد أن ضريبةً لن تلغي التلاعبات المالية العديدة التي تتسع أو تنكمش حسب أثر الدورة الاقتصادية على كتلة العملة والائتمان. لكن هذا لا يلغي شرعية المطالبة بتطبيق ضريبة تصاعدية على تلك المعاملات المضاربية. فكما هو حال باقي الضرائب من هذا النوع، لن يصحح تطبيقها أياً من اختلالات الرأسمالية، بل سيتيح تحسينا معينا لشروط حياة المضطهَدين(ة).
تدل التجربة على أن إنجاح مطالب من هذا القبيل يساهم في تعبئة لأجل مطالب اشتراكية، وذلك بقدر ما يمكن أن ترتسم خلال انتصارات محدودة معركةٌ أكثر استراتيجية قصد بناء مجتمع خال من الاستغلال. لهذا السبب يجب أن يتركز النقاش بصدد رسم توبين على دوره بصفته أداة تعبئة للمضطهدين، اكثر مما على مفعوله بصفته ضريبة. إن الأمر الحاسم هو فعالية الرسم لأجل تسهيل تحقيق مكاسب توطد القوة السياسية للأجراء(ة) وشروط نضالهم.
يعبر بُعد إعادة التوزيع الدولي عن أكبر أوجه هذا المطلب من حيث الصبغة التقدمية. لكن لا شك انه يظل غير كاف لبلوغ ما يقترح من أهداف. وفي هذا الاتجاه تدعو برامج مختلفة لأطاك الى توسيع رسم توبين ليشمل أسواقا أخرى غير أسواق العملات، أي سوق الأسهم والسندات. هذا بالإضافة الى ضريبة على الاستثمارات المباشرة بالخارج. ولهذا النوع من الاقتراحات نفس أهمية مختلف الإجراءات المقدمة لمحاربة الغش الضريبي (إلغاء الفراديس الضريبية، إلغاء السر البنكي، وهي مطالب واردة في تلك البرامج).
لكن سيتوقف مفعول هذه المطالب بشكل واسع على كيفيات تجسيدها، أي بعبارة أخرى ما إن كانت ستفرض بـ"حركة من أسفل".

كيف نناضل لاجل هذه الضريبة ؟
يرفض النيوليبراليون رسم توبين رفضا صريحا. ويجزمون أن التدخل في أنشطة الصرف سيفضي الى الإساءة الى سير "الاستقرار العفوي" لهذه السوق ثم الى هجرة الرساميل نحو الفراديس الضريبية. لكن إن كان صعبا قبول "التوازن الطبيعي" لسوق الصرف، فمن الأصعب تجاهل أن القسط الأساسي من تحصيل هذه الضريبة سيجري لدى قرابة عشرة فاعلين مقيمين في نيويورك ولندن. ولن يكون ما ُيخشى من "هجرة رساميل" عملية عفوية ولا مجهولة ولا غير قابلة للتحكم فيها. بل سيكون فعلَ تهرب ضريبي يستدعي اتخاذ إجراءات عقابية وجزاءات ضد من يحاول تفادي هذه الضريبة.
لا يتمثل الرهان في السعي الى أمثل نشاط بنكي بل إلى إعادة توزيع للدخل الذي راكمته المجموعات السائدة. يرفض النيوليبراليون رسم توبين لأنهم يدافعون بشكل متطرف عن الرأسمالية، ويماثلون الرفاهية بالتملك الفردي كما يماثلون النمو بالأرباح. وطبعا يتعذر عليهم اعتبار أن تقدم مجتمع يستلزم ما يلي: تنظيم مواجهة مع الرأسمال وسلطته وليس اتخاذ إجراءات لاجتذابه، و إضعاف سيادة السوق وليس توسيعها، وإلغاء مصادرة فائض القيمة وليس إضفاء الأبدية عليها. في هذا المنظور سيشكل رسم توبين، المطبق في إطار تعبئة اجتماعية، عقبة بوجه أهداف الرأسمال ، وذلك بتوجيه قسم أكبر من الدخل نحو غالبية السكان، وهو ما سيمثل تقدما للتنمية الاجتماعية وليس العكس كما يدعي النيوليبراليون.
لكن إذا كان النيوليبراليون يجزمون أن من شأن ضريبة وحدها أن تعرقل سير عمل الرأسمالية، فإن مدافعين كثيرين عن رسم توبين يشيدون بمفعوله ويسدون عليه فضيلة إلغاء أشكال الشطط المضاربي قصد تشجيع الاستثمار المنتج. إن هذه المقاربة تحمل مسؤولية الاختلالات الحاصلة لرجال المال حصرا. وهي تفترض وجود تقسيم دقيق بين المضاربين والصناعيين. وتميل الى تجاهل العلاقة بين هاتين المجموعتين المتمفصلتين حول تسيير الشركات الكبرى. تستعمل هذه الأخيرة أموالها في اتجاه عمليات مالية أحيانا وفي أحيان أخرى نحو عمليات إنتاجية. يغذي البنكيون، كما أصحاب المنشآت، الأزمة الراهنة ويعيش القطاعان معا من استغلال الأجراء. ويستفيد الاثنان من نفس الاضطهاد الاجتماعي ويقودان نفس النظام الاقتصادي الذي يؤدي إلى قدرات إنتاج فائضة جسيمة (مع إغلاق المنشآت وتسريحات وبطالة)، هذا في وقت يتعذر على زهاء ثلاث أرباع سكان العالم المفقرين الحصول على حاجات أساسية. إن جورج سوروس وبيل غيتس مسؤولان على السواء عن تعاسة وشقاء قطاعات واسعة من سكان العالم.
ان رسم توبين مبادرة تقدمية من الناحية السياسية، لأنها ضريبة على الرأسمال وليس لكونها تستهدف الرأسمال المالي بوجه خاص. ويجب مساندة كل ضريبة على الرأسمال الصناعي بنفس الحماس. وإلا فإن مقاربة تسعى إلى معاقبة "البنكيين الطفيليين" قصد تحويل الموارد في اتجاه الصناعيين "المستثمرين" ستعادل بكل بساطة مفاقمة استخلاص فائض القيمة.
فمثلا ستكون ضريبة على أنشطة المنشآت متعددة الجنسية مناسبة في نفس مستوى ضريبة على المعاملات المالية. ومن جهة أخرى يتعذر على رسم توبين، حتى في صيغته الأكثر جذرية، إلغاء التلاعبات المضاربية لأنه لم توجد من قبل رأسمالية صارمة وغريبة عن المضاربة و لن يكون لها وجود أبدا. يتطور هذا النظام الاقتصادي حول استعمال النقد كوسيلة تداول وأداة ومال احتياطي وعملة دولية، وإن كل وظيفة من هذه الوظائف تحث على مضاربة.
طبعا يمثل البعد الريعي المالي سمة مميزة للاقتصاد المعاصر. لكن هذه الخاصية متفرعة عن الاختلالات الموجودة في دائرة الإنتاج التي تنبثق منها سيرورات فيض الإنتاج وميل معدل الربح الى الانخفاض وضيق القدرة الشرائية. وإن اقتصادا قائما على التسيير المخطط على قاعدة تشريك الملكية قادر، دون غيره، على بدء تصحيح هذه التشوهات، ولهذا يجب النظر في خوض معركة رسم توبين وفق منظور معاد للرأسمالية.
إن تقديم هذه الضريبة بما هي عمل يستهدف المضاربين حصرا أمر يدفع الى الاعتقاد أن تطبيقها لن ُيحدث سلبيات لأصحاب المنشآت المرتبطين بالإنتاج. لكن هذه الطريقة في تناول الأمور تتناقض مع تطور المطلب انطلاقا من الفعل الشعبي. فلن يقبل أي رأسمالي، مستثمرا ماليا كان او صناعيا او في الخدمات، إضعاف سيطرته الطبقية. ليس ثمة طريقان: فإما أن تستهدف الضريبة مساعدة المستغِلين(الصناعيين ضد "الطفيليين الماليين") أو ترمي الى تعزيز النضالات الشعبية. ومن هذا المنظور الأخير، دون غيره، يكون من الحكمة الكفاح لتحقيقها وذلك من خلال تعبئة "من أسفل".
لا يعني هذا بساطة تخصيص الأموال المحصلة برسم توبين للحاجات الاجتماعية. كما أن هذا النوع من التطبيق لن يكون قابلا للاستيعاب من قبل النظام الرأسمالي. ليس بوسع أي كان التنبؤ بميزان القوى اللازم لتحقيق هكذا مطلب. والأمر الوحيد الممكن جزمه هو أن النضال سعيا للحصول عليه أفضل من التخلي عنه. لا يمكن لانتصارات محققة بهكذا نضالات أن تفضي إلى "استقرار للرأسمالية". بل على العكس ستستثير ائتكالا للنظام وتوطيدَ المعركة من أجل تحول اشتراكي. إن رسم توبين "قابلا للتطبيق بسهولة" وغير مؤذ لمجموع الرأسمال سيكون إجراء ضبط مالي لا صلة له بتاتا بالحاجات الشعبية. وسيكون ضريبة شبيهة بالتي تقررت في الشيلى بين 1991 و1997 لما كان 30 % من الرساميل التي تدخل البلد ملزمة بالبقاء فيه كاحتياط خلال سنة. ولم يقم ذلك الإجراء بغير توطيد النموذج النيوليبرالي و لم يكن له أي اثر في مصلحة العمال.
ان رسم توبين سلاح ذو حدين، فهو في صالح نضال المضطهدين بما هو عنصر من برنامج مطالب دنيا، قصد حفز تعبئة شعبية، ومنطو على دينامية معادية للرأسمالية. لكنه ليس غير أداة لسيطرة المضطهِدين بما هو إجراء ضبط مالي تستعمله الطبقات السائدة.

السياسة في مواجهة الدين الخارجي
يتمثل مطلب آخر من مطالب حركة مقاومة عولمة الرأسمال في الإلغاء التام لدين العالم الثالث الخارجي. وتؤكد اطاك ان لهذا المطلب نفس أهمية رسم توبين لأجل وضع حد لديكتاتورية الدائنين.
لكن ليس للمطلبين نفس الدلالة في بلدان المركز (البلدان الإمبريالية) وبلدان المحيط (البلدان التابعة). ذلك لأن رسم توبين غير قابل للتجسيد سوى في البلدان المتطورة، بينما إلغاء الدين حاجة ملحة لدى البلدان التابعة. انهما طبعا إجراءان متكاملان يستهدفان الرأسمال المالي، ومن شأنهما مساعدة السكان المفقرين، لاسيما إن أُستعمِلت الأموال المحصلة برسم توبين لمساعدة البلدان التي لم تعد تعترف بدينها الخارجي. لكن ليس بوسع شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا واسيا أن تطبق فعلا "رسم توبين جهوي"،لأنه لا مفعول لهذه الضريبة سوى عند تحصيلها في أسواق المركز التي تكاد تركز كامل العمليات على العملات.
إن للمعركة لأجل الامتناع عن أداء الدين أهمية في بلدان المحيط تفوق ما لمعركة لأجل ضريبة على التدفقات المالية. يستحيل في البلدان المخربة بالبؤس والنهب التجاري وعمليات المضاربة المالية عقد أمل على "مفعول توبين" لحل المشاكل الناتجة عن امتصاص الموارد الذي يفرضه سداد خدمة الدين .
تم مرارا في أمريكا اللاتينية بوجه خاص طرح ضرورة إلغاء هذا الدين منذ الأزمة المكسيكية سنة 1982. يعاود منظور وقف التقهقر الاجتماعي للقارة بواسطة التفاوض حول مساومات الظهورَ في فترات الانتعاش الاقتصادي، لكنه يتبدد فور انفجار أزمة. ويؤدي سداد فوائد الدين إلى نزيف بنيوي للعملة الصعبة يحول دون محاربة اختناق الإنتاج. لكن تلك المنطقة شهدت تجارب تعليق للدين moratoire فاشلة أدى تكرارها الى مفاقمة الاختناق الاقتصادي.
أفضت حلقات مختلفة من الوقف اللاإرادي لسداد خدمة الدين الى تقويمات اقتصادية تضخمية(ارتفاع صاروخي للأسعار) او انكماشية (تدني الأسعار، تدني الاستهلاك والإنتاج). تأكد ذلك في المكسيك سنة 1982، وفي بوليفيا سنة 1985، وفي البيرو في منتصف سنوات 80 ، وفي الأرجنتين في 1989-1990، وفي الاكواتور سنة 2000. لقد كانت تجارب صادمة يعزوها النيوليبراليون إلى "عدم أداء الدين". والواقع أن تلك الأزمات كانت نتيجة تفاقم دين غدا سداد خدمته متعذرا. وأدت أوضاع التعليق الفعلي لاداء الدين تلك الى فوضى اقتصادية عارمة ونزعت عن مطلب وقف السداد كل مصداقية، وذلك ما استعملته حكومات اليمين ذريعة لتطبيق سياسات خوصصة وتقشف معادية للجماهير الشعبية.
لذا يتعين عند اقتراح الامتناع عن سداد الدين تفسير كيف لن يؤدي هذا الإجراء الى نفس النتائج الكارثية التي كانت لحالات الوقف الفعلي للأداء. يكمن الفرق في كون وقفٍ للأداء، مع سابق تصميم وتخطيط و طابع إرادي، ليس إجراء مؤقتا يرمي إلى إعادة إرساء قدرة الأداء. انه طريقة لأجل القطيعة الجذرية والنهائية مع نظام الاضطهاد السائد في بلدان المحيط. يستتبع ذلك عدم الاعتراف بالدين – ذي الطابع اللامشروع والاحتيالي المثبت – والتخلي عن إطار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بما يعنيه ذلك من وضع حد للتفتيش من طرف الدائنين.
انطلاقا من هذا المنظور، يندرج وقف الأداء في برنامج شامل معاد للإمبريالية، يتضمن بالضرورة مراقبة عمليات الصرف وتأميم البنوك واحتكار الدولة للتجارة الخارجية. وهذه إجراءات من شأنها إبطال مفعول الأدوات المستعملة عادة من قبل الدائنين لمحاصرة المستدينين: تنظيم هروب الرساميل، ومعارضة أي إجراء ضريبي، الخ.
لا شك أن معركة من هذا القبيل على نحو معزول أمر في غاية الصعوبة. لذا يتعين السعي الى بناء "كتلة للبلدان المستدينة". ولحد الآن فضلت بورجوازيات البلدان التابعة تحميل شعوبها تسديد الدين، وعدم إفساد علاقاتها مع شركائها الإمبرياليين. و يحيل هذا الموقف في حالات عديدة الى واقع أولي: تمتلك الطبقات السائدة بالبلدان التابعة قسما من السندات المرتبطة بالدين، وتستفيد من دفع الفوائد. هذا ما يؤدي الى استحالة جعل بداية الامتناع عن الأداء مشروطة بتشكيل قبلي لتحالف البلدان المستدينة.
إن وقفا للأداء معلنا في إطار عملية تغيير معادية للرأسمالية سيكون كليا في صالح السكان. إذ يمكن تخصيص الدخل الناتج عن هذا الوقف لبناء اقتصاد مرتكز على الملكية المشرّكة والتسيير المخطط.

منظوران لوقف أداء الدين
يجري في دعاوة بعض أعضاء اطاك تقديم إلغاء دين العالم الثالث كإجراء قابل للهضم بسهولة من قبل النظام المالي الدولي. ولأجل ذلك تجرى الإشارة الى أن دين العالم الثالث لا يمثل سوى 5% من مجموع الديون العالمية، وبالتالي فإن البنوك وصناديق التوظيف وصناديق المعاشات قادرة، دون مساوئ كبيرة، على امتصاص هذا الإلغاء. كما تتم الإشارة إلى أن هذا الإجراء لن يعيق حضور البلدان المستدينة سابقا في السوق العالمية، و إلى أن الإلغاء سيؤدي الى نتائج شبيهة بتلك المترتبة عن حالات إعلان الامتناع عن الأداء التي قامت بها الولايات المتحدة في القرن 19 وروسيا سنة 1918 ومختلف بلدان أمريكا اللاتينية بعد 1930. ويُعتقد أن هذا الإلغاء "لن يؤدي الى أي كارثة"، وانه سيتيح تقليصا للدين شبيها بالذي حصلت عليه بولونيا سنة 1991 وروسيا سنة 1998.
تحاول هذه الطريقة في تناول الأمور إثبات ما تتعذر البرهنة عليه: أي أن وقفا للأداء على نطاق واسع لن يؤدي إلى مخاطر على الرأسمالية. لا يستند هذا الافتراض على أي أساس، إذ لا أحد يعرف الأثر المالي لإجراء من هذا القبيل. ربما يستطيع الدائنون امتصاص الخسارة، لكن حدوث العكس أمر ممكن بنفس القدر. وقد تكون هذه الخسارة ثانوية بالنسبة لبعض البنوك. وقد تؤدي إلى انهيار بنوك أخرى. ولا تتوقف هذه البدائل على مبلغ الدين فقط بل أيضا على الشروط الاقتصادية القائمة لحظة الإقدام على الامتناع عن السداد. رغم ان دين العالم الثالث يشكل بالكاد 5 % من الديون على الصعيد العالمي، ليس هذا المبلغ عديم الأهمية بالنسبة للدائنين. فأحيانا يمر وقف أداء محدود دون ملاحظته. ويؤدي في حالات أخرى الى أزمة كبرى.إن تاريخ الانهيارات الكبرى مليء بحوادث عرضية كثيرة تبدو عديمة الأهمية، لكنها عجلت الكارثة.
بالنظر إلى ما يميز الرأسمالية من غياب التنسيق، يستحيل التنبؤ بما سيسفر عنه وقف أداء الدين: أهي تغييرات محدودة أم انكماش كبير. إن نفس الأسباب التي جعلت أي اقتصادي من التيار السائد لم يتنبأ بالأزمات المالية الأخيرة، لا من حيث كيفيتها أو توقيتها أو مكانها(انفجرت الأزمة الأسيوية بشكل مفاجئ)،هي التي تجعل الاقتصاديين النقديين عاجزين عن تنبؤ جدي بنتائج وقف الأداء على نطاق واسع. إذا كانت الغاية طمأنة البنوك بقول إن بوسع النظام البنكي الصمود بوجه هذا الامتحان، فلا جدوى من ذلك لأن رجال المال يدركون تمام الإدراك مخاطر وقف أداء متسلسل في العالم الثالث.
يجب قول الحقيقة. إذا جرى الامتناع عن الأداء بشكل جدي، فسيرد رجال المال مستحضرين في نفس الوقت حجم خسائرهم والنتيجة السياسية لفعل تأكيد السيادة هذا. ليس الامتناع العام عن السداد إجراءً غير مؤذ وخاليا من المخاطر. لكن من الملائم تطبيقه لأنه خير من مواصلة تحمل نتائج النهب الحالي. إن الامتناع بداية نضال تحرري لن يكون بسيطا ولا سهلا لكنه أقل قسوة من نتائج الخضوع الراهن.
ومن جهة أخرى، لا يصح تقديم تاريخ حالات وقف الأداء كجملة سيرورات انتهت بكيفية سعيدة بالنسبة للمستدينين. لقد أفضت كل تجارب وقف الأداء الجزئي والقسري والانتقالي الحديثة الى تكبيل متزايد لشعوب أمريكا اللاتينية وآسيا وأوربا الشرقية. علاوة على أنه لا معنى لمقارنة أوضاع وقف أداء معلن من طرف قوة عظمى في القرن 19 –الولايات المتحدة الأمريكية – أو من طرف بلدان متطورة في وضع خروج من الحرب – ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى – مع سيرورات سيتواجه فيها دائنون إمبرياليون مع مستدينين من البلدان التابعة. ففي الحالة الأولى يتعلق الأمر بإجراءات امتناع عن الأداء تشكل تعبيرا عن تغير ميزان القوى بين قوى عظمى، بينما هو في الحالة الثانية أوضاع سيطرة وتبعية بنيوية.
إن لكل من السداد و الامتناع دلالة مختلفة كليا في كل سياق. ويجب تمييز مختلف السياقات لأنه من الضروري إدراك أن العنصر المركزي في سيرورة اقتصادية ليس الدين بل النظام الاجتماعي الذي يشكل أساس خدمة الدين او عدم خدمته. إن من شأن الامتناع عن أداء الدين أن يكون بداية حركة تحرر إن هو كان جزءا من تغيير المجتمع. و من شأنه بالعكس أن يؤدي الى مصاعب جديدة إذا لم توضع سيطرة الرأسمالية موضع سؤال.

برنامج وتوجيه لأجل الفعل
يشكل رسم توبين وإلغاء الدين الموضوعان الأكثر انتشارا من برنامج إجمالي بديل للنيوليبرالية كما هو مناقش خلال اجتماعات الحركة المناهضة للعولمة. ونجد في برنامج هذه الحركة ما يلي: ضرائب معممة ومنسقة تستهدف الثروة(الممتلكات) في جميع البلدان، وأواليات لضمان أسعار قارة للمنتجات الأساسية، وإجراءات حماية لصالح البلدان التابعة، وإلغاء حقوق الملكية الفكرية، وعقوبات ضد تدمير البيئة، وإجراءات ضبط على النطاق العالمي متمفصلة حول احترام يوم عمل من 8 ساعات ومنع عمل الأطفال.
ان هكذا برنامجا تركيبٌ لمطالب أولية للعمال(أجور، حقوق اجتماعية،الخ) مع إجراءات دفاع عن إنتاج البلدان التابعة واقتراحات إجمالية لحماية البيئة. إن هكذا برنامجا يعكس ما حققه تقدم عولمة الرأسمال نفسه وما يترتب عنه من استحالة ضمان الدفاع عن الحقوق الاجتماعية وتنمية الأنشطة الزراعية والصناعية الأساسية وحماية البيئة ولو على نطاق وطني أو جهوي فقط.
لكن لا يحول دون تحقيق مختلف هذه المشاريع سوى الحفاظ على الدعامتين الأساسيتين للرأسمالية –الربح والمنافسة – اللتين تمثلان عنصرين مانعين للتعاون والتنسيق اللازمين لتطبيق إجراءات عامة على مستوى العمل والبيئة واعادة توزيع الثروة. طبعا تم تحقيق بعض المطالب في بلدان عديدة (يوم عمل من 8 ساعات) ويمكن تحقيق أخرى. لكن التجربة تبرز أن كل تقدم شعبي يثير في إطار الرأسمالية تدابير انتقامية تهدد أو تبطل مفعول المطالب المحققة كما هو شأن تعميم مرونة العمل بوجه إنقاص مدة العمل. بقدر ما يتأكد البعد العالمي للمشاكل(مثلا في مجال البيئة) بقدر ما تعجز الرأسمالية عن الاستجابة لها جزئيا.
يقف الرأسمال بشكل جوهري عقبة أمام رفاه الشعوب وينزع إلى إبطال التنازلات التي قد تقدمها الطبقة السائدة بوجه النضالات الاجتماعية في فترة الازدهار. ويمثل الهجوم النيوليبرالي الحالي على مكاسب الفترة التالية للحرب العالمية الثانية مثلا جليا عن هذه القاعدة. لهذا السبب يشكل المنظور الاشتراكي الضمانة الوحيدة لتحقيق برنامج حركات المقاومة. ليس ذلك شرطا للحصول على كل واحدة من المطالب المقدمة لكنه شرط تأمين تجسيدها التام والكلي. ويشكل استكمال برنامج الحركة بإجراءات تستهدف الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والتقدم في اتجاه تسيير ديمقراطي ومخطط للاقتصاد سبيل نجاح ممكن.
ان هذا التوجه مختلف عن الاستراتيجية الساعية إلى إعادة وضع أشكال الضبط الكينزية- 1- لما بعد الحرب على جدول الأعمال دون توضيح أسباب استنفاذ هذا النموذج منذ عقود مضت. ويجري تناسي قول إن الرأسمالية "الكينزية" دخلت انحدارا نتيجة تضخم متنام وسقوط معدل الربح و فيض إنتاج وضغط مطلبي عمالي. وتعتبر إعادة إرسائها ضئيلة الاحتمال جدا بالنظر الى التغيرات التي لحقت بسير العمل المعولم للرأسمال، لكن أيضا لأن إعادتها ستصطدم بنفس التناقضات التي أدت إلى انحدارها. إن بحث درجة إمكان تطبيق هذا النموذج ليس غير تأملات. وبالعكس يشكل التفكير في أسباب أزمته وسقوطه أمرا مفيدا لتوضيح ضرورات منظور اشتراكي.
يسعى أنصار عودة الكينزية إلى معارضة النيوليبرالية المالية السائدة اليوم بالبعد الصناعي لهذا الشكل من الضبط الرأسمالي. انهم يربطون النموذج الأول بالاستثمار المنتج والثاني بطابع البورصة الطفيلي. لكن، حتى إن كان أكيدا أن الرأسمال المالي استعاد مواقع فقدها في سنوات 50 و60، فان مركز ثقل التراكم في الحقبة الحديثة قائم في المنشآت العابرة للأوطان وليس في القطاع البنكي.إذ تمتص هذه الشركات الكبرى موارد مالية لرفع أرباحها الصناعية الى أقصى حد من خلال إعادة تنظيم القسمة الدولية للعمل.
يرمي هجوم الرأسمال منذ سنوات 80 إلى زيادة استخلاص فائض القيمة واعادة معدل الربح بفضل توجيه الأموال المعبأة بواسطة اللبرلة المالية. وهذه سيرورة تمت بشكل مشترك بين البنكيين والصناعيين.
تقوم بعض التوجهات الأكثر جذرية بتقديم إعادة بناء "رأسمالية إنتاجية"، في البلدان التابعة، كمرحلة وسيطة في اتجاه تطور اشتراكي لاحق. ويعتقد أنصار هذه السياسة أن استئصال النيوليبرالية سيتيح إعادة بناء نشاط صناعي، مما سيحسن بدوره توزيع الدخل محدثا بذلك الإطار الأمثل لإقامة نظام اشتراكي. لكن هكذا ترسيمة لمراحل متتالية عديمة التماسك المنطقي، ولا يمكن ان تستند على أي سابقة تاريخية ولا أي بناء تجريبي جدي شيئا ما.
الاشتراكية ضرورة و إمكانية في النضال الراهن والمراحل والأطوار الوحيدة التي يستلزمها تجسيدها نابعة من نضج هكذا مشروع في الوعي الشعبي. في هذا المجال لا يمكن القفز على المراحل لأن زمانية التطور السياسي إنما يضعها فاعلو التغيير الاجتماعي أنفسهم. لكن لا وجود على مستوى الأهداف لزمانية أسرع أو أبطأ لأجل الاشتراكية بل فقط قرار تطبيق هذا المنظور أو التخلي عنه.

المؤسسات و الأسواق
يفتح النضال المعولم ضد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة النقاش الكلاسيكي حول إلغاء او إصلاح هذه الهيئات.
تشكل هذه المؤسسات مجلس إدارة جماعي للشركات الكبرى العابرة للأوطان يضع قواعد المنافسة الدولية انطلاقا من حاجات الرأسمالية. ولا يمكن أن تتحول هذه الهيئات إلى مؤسسات تمثل طموحات مجموع السكان، لأنها موجودة لتأمين السيطرة الاقتصادية للبنوك والمنشآت متعددة القومية. ورغم أنها تحاول مواجهة "فقدها للهيبة" وتصحيح "تشوهات سياستها" فلن تتحول أبدا إلى بنيات ممثلة لـ"المجتمع برمته". يكمن أحد اكبر نجاحات الحركة المناهضة للعولمة في تأطير المعارضة الشعبية الكبيرة القائمة وتوجيهها ضد تلك المؤسسات. لكن حملات التشهير تلك تستدعي التعميق وليس التلطيف انطلاقا من مرامي وهمية حول "تحسين شفافية المنظمة العالمية للتجارة " أو "زيادة مساعدة صندوق النقد الدولي للبلدان المستدينة". إذ لا يستند هذا النوع من الأمل إلى أي أساس. إن ما ُيناقش بوجه خاص داخل هذه المؤسسات هو الانفتاح على الواردات من البلدان التابعة(فيما يخص المنظمة العالمية للتجارة)
أو كيفيات تشريك الخسائر المالية للدائنين( فيما يخص صندوق النقد الدولي). وتعني "مساندة البلدان المستدينة" في قاموس صندوق النقد الدولي مزيدا من تطبيق الخوصصة والتقويم الهيكلي.
ان مثالا عن التوجه الخاطئ الذي يقترح الدفع بإصلاح صندوق النقد الدولي يتمثل في الاقتراح التالي: إحداث عملة كونية جديدة، مع افتراض إمكان دمقرطة العلاقات بين البلدان انطلاقا من حقوق السحب الخاصة (1). يتناسى هذا الاقتراح كون العملة ليست إلا أداة لينة قابلة للتلاؤم مع مطامح الشعوب في المساواة. تعبر العملة، بشكل مركز، عن سلطة كبار ملاكي وسائل الإنتاج والتوزيع،الخ. وطالما بقيت هذه السيطرة، لن تخف سيطرة الرأسمال حتى لو أُستبدِلت حقوق السحب الخاصة بالدولار وحصل أنصار هذا التغيير على أصوات أكثر في اجتماعات صندوق النقد الدولي. ان تلبية مطالب الحركة المناهضة للعولمة يقتضي حل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة. و يجب استبدال هذه المؤسسات بهيئات تشجع تعاون شعوب الكوكب برمته.
يقترح بعض الباحثين في الاقتصاد، من قبيل والدن بيلو Walden Bello من الفيلبين، إحداث هيئات دولية جديدة تعطي الأولوية لمقاييس التعددية واللامركزية. ويقدمون كنموذج مؤسسات من قبيل المكتب الدولي للشغل ومؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية وحتى الغات(سلف المنظمة العالمية للتجارة). كما يقترحون إقامة مؤسسات منحدرة من عمليات الاندماج الجهوي(مركوسور، الاتحاد الأوربي، ASEAN) من شأنها أن تحفز "نزع عولمة" قصد تجاوز "نقص المصداقية" لدى المؤسسات الممركزة القائمة.
لكن أين يكمن الفرق بين هذه المؤسسات "البديلة" وصندوق النقد الدولي أو المنظمة العالمية للتجارة؟ لا تدافع أي من المؤسسات الجهوية التي ُبنيت في العقود الأخيرة عن مصالح متعارضة مع المؤسسات التي ُيفترض أن تعوضها أو تكملها(صندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة). فالاتحاد الأوربي أداة الشركات الكبرى في القارة العجوز ويمثل المركوسور البورجوازيات التابعة التي طبقت في العقد الأخير سياسة أفضت الى إفقار غير مسبوق.
ان اقتراح تعزيز التكتلات الجهوية في البلدان التابعة يعني إعادة خلق نموذج إحلال الواردات(كبح الواردات لاجل تطوير صناعات قادرة على إنتاج السلع غير المستوردة) و"التصنيع الداخلي" الذي وأدته النيوليبرالية. لكن بعث هذا المشروع دون تفسير أسباب فشله السابق يفضي إلى مأزق. ولا شك أن اعتماد حواجز جمركية وإجراءات ضريبية،بغاية الدفاع عن الاقتصاديات القومية بوجه المنافسة الإمبريالية، أمر لا غنى عنه لأجل تفادي تدمير كل نشاط إنتاجي قومي. لكن صلاحية هكذا إجراءات انتقالية لا يبرر العودة الى مشروع قديم للتنمية المتمركزة حول الذات في البلدان التابعة.
ان نماذج الرأسمالية الوطنية –أو الجهوية- أقل قابلية للحياة اليوم مما كان قبل أربعين سنة. ويتعذر تطورها على المدى المتوسط لأن تدويل قوى الإنتاج يحول دون تحويل الاقتصاديات التابعة الهشة إلى بلدان مزدهرة ومتطورة. تستلزم مواجهة هذا التحدي اعتماد سياسات اشتراكية للتسيير المخطط للاقتصاد مع ُبعد توسع عالمي.
يجري تجاهل هذه الخلاصة عندما ُتفسر الكارثة الاجتماعية التي سببتها النيوليبرالية بما هي مرتبطة حصرا بـ"الديكتاتورية المالية للأسواق" وليس بأساس هذه الأخيرة في النظام الرأسمالي،أي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والعمل المأجور والتراكم الخاص للرأسمال واستخلاص فائض القيمة. ليست السوق سببا للأزمات الحالية، فقد وجدت قبل الرأسمالية وستستمر خلال مرحلة بعد تطور الاشتراكية دون أن ُتحدث الاختلالات الكارثية الراهنة.
يمكن تلطيف آثار السوق الُمزعِزعة ويمكن جزئيا ضبط فعلها بواسطة تسيير مخطط. و يكمن التحدي الكبير الراهن في النضال ضد استبداد الرأسمالية وليس بشكل اختزالي ضد أشكالها التجارية.
ُتطرح نفس الأسئلة في إطار التجارة الدولية. فلأجل تجاوز لاعقلانية التبادل الحر وتقليص أشكال التفاوت بين البلدان المتطورة وتلك التابعة و أنسنة المبادلات واعادة تنظيم التواصل الثقافي، يجب وضع حد لعلاقات السيطرة الإمبريالية.

المواطنة و الاشتراكية
مفهوم "المواطن" صورةٌ سائدة في الحركة المناهضة للعولمة. ويجري الحديث عن "بناء مجال عمومي كوسموبوليتي" و "توسيع الفضاء العمومي الدولي" و"ممارسة الرقابة المواطنة على صندوق النقد الدولي والبنك العالمي" لأجل إعادة منح تأثير للمجتمع المدني. لا تراعي هذه الاقتراحات تداخل حقوق شعبية مع أشكال اضطهاد داخل نفس العمل المواطن. ويعبر الفعل المواطن عن مكاسب ديمقراطية(كالاقتراع العام) لكنه يشكل أيضا سندا للتسيير الحكومي لمؤسسات الطبقات السائدة.
يجمع "الفضاء العمومي" احتجاجات ومطامح شعبية لكنه في نفس الوقت يعزز التسيير الدولتي بواسطة بيروقراطية ذات امتيازات تمارس السلطة عمليا في تشارك وثيق مع ممثلي الشركات الكبرى.
ليست المواطنة حقا محايدا. إنها تكرس الحقوق السياسية الشكلية، لكنها غير مفصولة عن استغلال العمال. هكذا ترافق دوما اتساع المكاسب المواطنة، خلال فترات الازدهار الاقتصادي، مع تدعيم أشكال ومؤسسات السيطرة البرجوازية. ويجب عدم نسيان أن إضفاء الشرعية على هذه السلطة يتعزز عندما ُيراد حصر نضالات الأجراء الاجتماعية في مجرد توسيع حدود المواطنة.
إن حصر نضالات الحركة "المعادية للإمبريالية" في إطار مؤسسي مواطن يخفف الدينامية الاجتماعية المتصدية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة. ويجري تناسي أن لمتظاهري سياتل من الناحية الشكلية – صفتهم مواطنون- نفس الحقوق الدستورية التي لرجال بنوك دافوس، لكن تعوزهم نفس القدرة على ممارسة السلطة. إن سوروس وروكفلير مواطنان شانهم شأن الشباب المحتج بمناسبة كل اجتماع لهذه المؤسسات لكن سوروس وروكفلير وأمثالهم يرسمون مستقبل المجتمع لأنهم مالكون لوسائل الإنتاج.
ثمة مواطنون مستغِلون يضطهدون مواطنين مستَغلين وتستعمل الطبقة السائدة البنيات المؤسسية لمحو هذه التناقضات. إن المواطنة في إطار الرأسمالية سجينة هذا الغُل. و تتخذ الدائرة الاقتصادية وعمليات السيطرة المرتبطة بها استقلالا بوجه الدائرة السياسية. لا تترتب امتيازات الطبقة السائدة أولا عن سلطة خارج الاقتصاد، لكنها ترتكز أساسا على التملك الخاص للموارد الأساسية. وهذا ما يتيح للرأسماليين التنازل للعمال عن حقوق سياسية وفي نفس الوقت توطيد سيطرتهم عليهم بما هم أجراء. إن المواطنة حق سلبي تحافظ ممارسته الاعتيادية على وهم المساواة السياسية في نظام مبني حول التفاوت الاجتماعي.

 

1- السياسة الاقتصادية التي دعا إليها الاقتصادي البريطاني جون ماينار كينز (1883-1946) ، قائمة على تدخل الدولة لتطوير الإنتاج والتشغيل ومراقبة الاستثمارات.(م)

2 . حقوق السحب الخاصة : أُحدثت سنة 1969 وهي عملة دولية أصدرها صندوق النقد الدولي لصالح كل أعضائه . انها قروض غير واجبة السداد . وهدف أحداث حقوق السحب الخاصة هو زيادة السيولات الدولية . يبقى حجم حقوق السحب الخاصة ضمن مجموع السيولات الدولية ضئيلا جدا .

المناضل-ة عدد 28

كلاوديو كاتز

  استراتيجيات اشتراكية في أمريكا اللاتينية (القسم2 )
  استراتيجيات اشتراكية في أمريكا اللاتينية (القسم1 )
  الأرجنتين: نضال البيكتيروس الذي لا ينتهي
  لا تناسب طموح المشروع الإمبريالي مع قابلية تحقيقه: من المشروع إلى … تنفيذه ؟
  استراتيجيات اشتراكية في أمريكا اللاتينية (القسم الثالث والأخير )

العولمة الرأسمالية

  جامعة أطاك المغرب الربيعية السادسة: الفهم من أجل المواجهة ملاحظات مشارك
  اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية : لا للقمع البوليسي الوحشي ضد أهالي المحلة
  تضخم أسعار البترول والمواد الغذائية

الماركسية-الإشتراكية

  مدخل إلى الاشتراكية العلمية
  1989-2009 :بعد سقوط الجدار، إضاءة من بيرند جيرك
  بيان تضامن مع نضال عمال المكسيك !

التكوين-التثقيف

  الأممية الرابعة: أربعون سنة بعد تأسيسها
  أنطونيو غرامشي : دفاتر السجن - القسم الثاني : ملاحظات حول السياسة
  العمل النقابي الكفاحي والحزب الثوري
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها