عاشت قرية تيمقيت، حيث يسكن عمال مناجم ايميني واسرهم، ومدينة ورزازات يوما مشهودا نهار الاحد 6 مارس 2005 .
فتنفيذا لقرار اللجنة الوطنية للتضامن مع النقابيين المنجميين المعتقلين، القاضي بتنظيم قافلة تضامن، جاءت وفود تمثل اللجنة الوطنية ومختلف لجن التضامن المحلية من الدار البيضاء – اكادير- الرباط – الراشيدية – خنيفرة —ورزازات ونواحيها- مراكش ومناضلون من القنيطرة. كانوا من شتى الوان اليسار والقوى التقدمية من نقابيين وحقوقيين ومناضلي جمعيات واحزاب وثوريين.
التقى الجميع بقرية تمقيت في الصباح، حيث استقبلهم المنجميون وأسرهم: عشرات الاطفال الذين يريد من لا يفكر سوى في الارباح ان يشردهم. نساء ورجال من مختلف الأعمار. جسم اجتماعي بروليتاري صغير متمحور حول العمل في المنجم. مساكن صغيرة تضيق بالاسر العمالية واثار غبار المنغنيز بادية تضفي مسحة دكناء على الأمكنة. وحدهما وجه السماء الازرق وبسمات الاطفال يفتحان افقا وضاءأ في هذا الواقع الكئيب. جبال جرداء لا تنبت الا بعض الأعشاب الشوكية المتناترة. الأطفال الصغار يتحلقون حول الملصقات الحاملة لصور المعتقلين. اجواء الاحساس بالقهر والظلم مخيمة على الاسر، لاسيما النساء زوجات المعتقلين وبين ايديهم اطفال بلا مورد عيش. قضية المسجونين ضحايا عدالة الاغنياء جمعت في هذا المكان النائي مناضلين ومناضلات (قليلات مع الاسف) في عمل نضالي ميداني نادر( مع الأسف ثانية) . مقر النقابة العمالية في اسفل احدى مساكن العمال، فيه نظم المنجميون قاعة الاكل لاعضاء القافلة.
تحركت الجموع، من عمال المنجم وأسرهم، نساء وأطفال، والمتضامنون من القرية الى مقر ادارة الشركة، حيث تجمعوا في المكان الذي اعتصم به العمال خلال نضالهم ضد خطة الادارة ضدهم، والذي كان مسرحا لهجوم العصابة التي جندتها الإدارة بمساعدة السلطة و ومرتزقة باسم العمل النقابي.
في التجمع القيت الخطب المعهودة بلغة عربية فصيحة لن تفعل غير اضفاء طابع طلاسيمي على ما يقال . أصل الغاية من خطب التجمعات الشعبية ان توضح للكادحين الأسباب الحقيقية لمآسيهم، وتشير بأصابع الاتهام الى المسؤولين عنها، وتؤجج عزائم النضال ضد هؤلاء. لذا فالواجب ان تكون الخطب بالدارجة التي يفهما الجميع وبالامازيغية عند وجود من لا يفهم الدارجة.
بعد الزوال كان موعد المتضامنين مع المظلومين والمحتجين على الظالمين، موعد امام مقر جماعة امرزكان التي يمثل الرفيق خويا محمد المنجميين في مجلسها. قوات القمع توارت ما عدا عنصرين من القوات المساعدة المرابطين عادة بباب الجماعة. بعض المشرفين على تنظيم القافلة أرادوها وقفة صامتة! ماذا سيفهم سكان المكان من رؤية نفر من البشر ينزل من الحافلات والسيارات ليصمت لحظات امام مقر الجماعة ويعود من حيث اتى؟ ربما هي فرقة من ممارسي اليوغا؟
كان اذن ان رفض المحتجون المتضامون توجيهات النضال بالصمت. فرفعت شعارات منددة بالمؤامرة ضد المنجميين وبتجريم النضال النقابي واخرى مطالبة باطلاق سراح السجناء النقابيين. ولا شك ان رايات غيفارا الحمراء أفادت في إفهام السياح الأجانب الكثيرين بالمنطقة ان التجمهر فعل نضالي وليس عرسا.
اتجهت القافلة الى ورزازات فوجدت بانتظارها مئات المحتجين أمام قصر البلدية. هناك حيث ستنطلق المسيرة المقررة ضمن قافلة التضامن.
بعد التحام القادمين من القرية المنجمية بالمعتصمين أمام البلدية، كانت الأصوات تعلو لفضح المؤامرة على المناضلين المنجمين، ومعها ينمو شعور الجموع الغاضبة بقوتها، والمواطنون المارة يقتربون تطلعا لفهم مقاصد هذا الحشد غير العادي من المواطنين الساخطين. لكن مرة أخرى كانت الخطب الفصيحة تمنع وصول المضامين كاملة الى عقول الكادحين ( هل ننسى ان اكثر من 60 % منهم أميون؟ وربما اكثر بإقليم ورزازات المنكوب) .
فجأة يقوم مسؤول نقابي محلي بإخبار الجموع ان المسيرة الشعبية التضامنية مع عمال ايميني ومناضليها المعتقلين لن تنطلق لان السلطة منعتها. استنكر المسؤول المنع ودعا المحتجين الى استبدال الساعة بأخرى.
اما المناضلون والمناضلات فقد استنكروا المنع برفضه واستنكروا الرضوخ له بالاصرار على السير. المنع لا مبرر له. منع غايته طمس ما يرتكب من جرائم ضد العمل النقابي. السلطة تمنع المسيرة أن بعد شاركت في التآمر على العمال. ألم تتنقل حافلة كاسري الاعتصام وعلى متنها 120 شخصا، وعبرت نقط مراقبة الدرك، لتهجم على العمال واسرهم ؟ الا ترقد الشكايات المقدمة من خويا ومن الكونفدرالية في مكان ما منذ عام؟
المناضلون الذين عزموا على إعطاء مضمون حقيقي للتضامن عملوا من اجل إنجاح المسيرة، بينما دعا المشرفون على التنظيم الى التخلي عنها. وبعد ان لقوا الرفض حاولوا إبقاء المحتجين فوق الرصيف، وفشلوا. وطلبوا بقاء المحتجين في نصف الشارع، وفشلوا. وسارت المسيرة وانضم اليها المارة وتضاعف حجمها. من زهاء 1000 الى 2000 بمشاركة المواطنين رجالا ونساء. ومرت بشكل منظم تلقائي رائع لم يسجل فيه أي إخلال بالأمن العام.حتى مسؤولو الامن ساروا فيها بهدوء تام.
الامن العام. هذا المبرر الزائف الذي تتستر خلفه السلطة لاغتصاب حق الشعب في التعبير في الشارع . مئات المسيرات منعت بنفس المبرر الزائف. الاف المعتقلين ومئات الجرحى سقطوا في قمع مسيرات عمالية واخرى شعبية ( ايت بلال يوم 4 ابريل 1999 ، املشيل، عشرات مسيرات المعطلين المحلية والوطنية... ) . وقتل العامل الكونفدرالي النعيمي في هجوم قوات التدخل السريع على مسيرة عمال بناء مقاولة باهية بالدي الى القصر الملكي عام 1992، للمطالبة بأجور تأخرت شهورا. جرائم عديدة ارتكبت باسم الأمن العام. وقد جاءت مسيرة ورزازات يوم 6 مارس 2005 لتفضح المجرمين وتعيد الاعتبار لضحاياهم.
وراء مبرر الأمن العام الزائف يختفي الخوف من تنامي المطالبة الشعبية بالحقوق وبناء قوة جماهيرية. انهم يوطدون سيطرتهم على ثروات البلد والوجه الآخر لذلك تجويع الشعب باشاعة الخوف وترهيب المواطن بترسانة القمع . ماذا لو قمعت المسيرة المتحدية لقرار المنع؟ سنكون انتصرنا. لأن اصطفاف السلطة بقواتها الى جانب أرباب العمل سيزيد افتضاحهم، محليا ودوليا. ستكون فضيحة مزدوجة: المشاركة في المؤامرة ومعاقبة المحتجين ضد الظلم الناتج عنها. لو قمعت المسيرة وجب العمل للتشهير بقمع مسيرة شعبية سلمية في بلدة نائية بينما، في نفس اليوم، تبذل الدولة كل جهودها لانجاح مسيرة لها في العاصمة.
لقد أتت الجرأة العاقلة أكلها. تلك الجرأة التي تسير مع تحليل عناصر كل حالة ومع التعبئة الحقيقية لانجاح المسيرة. وعلى كل حال لا تقدم دون تضحية. لقد لقنت مسيرة 6 مارس 2005 درسا للعديد من قادتنا. أولئك الذين لا يخشون أن يستعملهم الحاكمون لتقييد منظماتنا الشعبية بالحدود التي تخدمهم. ثمة خطر حقيقي في تحول مسؤولي المنظمات الشعبية الى دور تأطير المواطنين كما جاء في الدستور أي تقييدهم. نجحنا ... وبالامكان افضل مما كان تمثل القافلة الى ايميني-ورزازات خطوة نوعية في حملة التضامن الوطنية والدولية مع رفاقنا المعتقلين ومع نضال عمال ايمني من اجل حقهم في حياة وشروط عمل لائقين. فقد كان تضامنا بالحضور والاحتجاج في عين المكان الى جانب المناضلين وليس الاقتصار على الإشكال الرمزية وبيانات الاستنكار. وحتى هاته بات اغلبها يحوم على انترنت دون ان تكون منشورا يوزع في أماكن العمل والسكن والشارع.
الخطوات المنجزة، منذ كان عمال ايميني متروكين لمصيرهم حتى أصبحت حريتهم القضية الأولى في ساحة النضال الاجتماعي، تدفعنا الى بذل المزيد.
ماذا لو عبأت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كل الاتحادات المحلية؟ ماذا لو نظمت حملة في مستوى تلك المتضامنة مع الأموي عام 1992، وهي على كل حال قضية لم تنته بـ60 عام سجنا؟ ماذا لو جاءت حافلات من مناجم الفوسفاط التي يعمل بها عشرات ألوف العمال. لماذا غابت مناضلات جمعيات النساء؟ كان مكانهن فارغا بجانب العديد من زوجات المنجميين وبناتهم المشاركات في المسيرة الى إدارة الشركة صباح يوم الاحد 6 مارس 2005 . اين مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؟
الا يكمن خلف قلة حماس العديد من المناضلين اليساريين، اصلاحيين وجذريين، في
ممارسة التضامن كون خويا محمد منتمي سياسيا لغير حزبهم ؟ لا شك في ذلك. هذا نسف لأبسط قواعد التضامن الطبقى. هذا وجه من اقبح أوجه العصبوية المستشرية فعلا في صفوف قوى اليسار. أي مضمون للحملة؟ ليست قضية سجن مناضلي ايميني خطأ قضائيا نضغط لاصلاحه بالاتصالات مع وزير العدل أو غيره، ولا هو تصرف طائش قد تعد جهة ما بتداركه. فمن الممارسات المألوفة في الساحة النقابية أن يفتعل أرباب العمل، بتواطؤ من السلطة أقله غض الطرف، مشاكل بقصد تفعيل الفصل 288 من القانون الجنائي. عندما يصطدم رب العمل بصمود العمال يقوم باستقدام كاسري الإضراب. طبعا يرفض العمال تشغيل آخرين مكانهم أثناء الإضراب، وهذا حقهم، فيقعون تحت طائلة الفصل المشؤوم. وقد سجن مئات المناضلين النقابيين بهذه الصورة.
وسيتواصل استعمال نفس السلاح ضد كفاح العمال طالما لم يلغ الفصل 288 من القانون الجنائي. ان صد المؤامرة المدبرة ضد عمال ايميني ، حيث ضبط مفتعلو المشاكل في حالة تلبس (120 كاسر إضراب نقلوا يشاحنة)، ستكون ضربة قاضية على الفصل 288 من ق-ج . مشكلتنا أن نقاباتنا ممتنعة عن اداء ابسط واجباتها. اين وعد اتفاق 30 ابريل 2003 بإعادة النظر في الفصل 288؟
موقف نقاباتنا أشبه بقصة الشعب المتذمر من فيل الملك، فاستزاد الناطقون باسم الشعب فيلا ثانيا. ننتظر من قادتنا تنظيم النضال من أجل الفصل 288 فزادونا قانون الإضراب.
هل ما قمنا به هو فعلا كل ما يقدر عليه اليسار؟ ثمة قرارات لم تنفذ. اين موقع انترنت الخاص يقضية ايميني المقرر في اطار اللجنة الوطنية؟ اين الوقفة الاحتجاجية المقررة باكادير؟ ما يقال اكثر مما يفعل.
ما موقع قضية ايميني من برنامج عمل تجمع اليسار الديمقراطي؟ من مصائب اليسار الكبرى انه تعود على أساليب الاتحاد الاشتراكي، تلك المدرسة الكبرى في إجهاض النضالات . لم يكن أبدا ذلك الحزب عماليا ليرسخ تقاليد النضال العمالي، ولسنا الان نجني غير ثمار ما كرس من تقاليد. نحن اليساريون نهجر ساحة النضال الميداني، نتركها للقوى الرجعية وبعدها نرتعد من تنامي قوتها. أي حليف للعمال؟ لوحظ نقص إسهام الجمعيات الاجتماعية المنتشرة بالقرى في حملة التضامن، مع أنها معنية مباشرة، وتشكل نسيجا واسعا يغطي أفقر المناطق. أي عمل اجتماعي إذا لم تساهم الجمعيات في التصدي لمخططات من لا هم لهم إلا الربح وبالمقابل تشريد مئات الاسر؟ ما لم تنخرط هذه الجمعيات في شتى أشكال التضامن مع المتضررين من السياسات البرجوازية المعتدية على الكادحين، ستصبح مجرد جمعيات لتوزيع الصدقات، وحتى إفساد "النخب" المحلية.
وبذلك تفقد صفة التعبير عن تطلعات الطبقات الشعبية لتغدو أداة بيد السلطة. وهذا طبعا لا يعكس نية العاملين بها، ومنهم العديد من التقدميين.
يفضي هذا الى طرح سؤال العمل المناضل وسط كادحي القرى، والحاجة الى منظمة وطنية للقرويين تكون حليفا لمنظمات العمال، فلنضفه الى جدول اعمالنا.
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها