جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 الاستعمار الاسباني في المغرب - (1860-1956) : الفصل الثالث


الاربعاء 30 أيار (مايو) 2012

ميغل مرتين

التهدئة I

في الوقت الذي لم تكن أصداء الطلقات التي تُغتال بها أبرز الشخصيات المغربية قد أُغمدت بعد، وفي الوقت الذي كان صراخ المعذبين في مصالح المراقبة واحتجاجات آلاف وآلاف الريفيين مازالت تُسمع، أعطى سقوط الملكية في اسبانيا زخما جديدا للرغبات الوطنية للمغرب. إن رجال مدريد الجدد كان لهم ماضٍ عريق كمناضلين من أجل التخلي عن المغرب. إذن كان من المنطقي أن يُنتظر منهم، على الأقل، التخفيف من الضربات التي كانت تنهال على المغاربة بدون توقف منذ أن أرغموا على إلقاء السلاح. وسبق للجمهوريين والاشتراكيين أن تزعموا كل تظاهرات السخط، وانتقدوا بصرامة عمل الملك في المغرب ودعوا إلى احترام استقلال الشعب المغربي. والآن، حان الوقت لاستدراك الخطأ. وفي الأخير، أتيحت لهم الفرصة للعمل، ولم يعد من الممكن لهم الحديث عما لم يفعله الآخرون، أو عما يقترحون القيام به. إلا أن خيبة الأمل حلت بسرعة. وأدرك الريفيون أن الأمر يتعلق بنفس الكلاب وإن اختلفت أطواقهم، و أن تحريضهم المعادي للاستعمار لم يكن يستهدف سوى «دخول الدار» من أجل التسلق للسلطة. فمن 1931 إلى 1936 لم يقع ولو أدنى تغيير سياسي-اجتماعي في الحماية، مادامت الحقوق [التي يُخولها] الدستور غير مكتوبة بالبربرية. إن الإدارة الجمهورية، سواء في مدة السنتين الإصلاحيتين أو السنتين السوداويتين، لم تحاول حتى «أنسنة» النظام ولا إعطاء المغاربة بعض الحقوق ولا منحِهم الاستقلال الذاتي الخ. فقد اقتصروا فقط، وحصرا، على مواصلة «التهدئة» التي بدأتها الديكتاتورية. وسبق أن رأينا كيف تحاول هذه التورية إخفاء معسكر حقيقي للاعتقال بالنسبة إلى السكان المغاربة. إن جمهورية الكادحين من كل الطبقات، كما ورد في البند الأول من دستور 1931، حاولت أيضا إتقان الآلية القمعية والمراقبة البوليسية. وخططت للمشروع سياسة استعمارية، على غرار وصورة السياسة الاستعمارية الفرنسية، يرمي إلى استئصال كل فكر وطني من عقول المغاربة ولحسن الحظ، أدى الصراع الطبقي العنيف، الذي كان يدور في شبه الجزيرة، إلى بقاء كل هذا حبرا على ورق. وأمكن تحقيق بعض الإجراءات فقط، منها: فرض الجواز أو بطاقة الهوية للتنقل من قبيلة إلى أية قبيلة أخرى، وضع بطاقة معلومات بوليسية لكل السكان العرب في المنطقة، والقيام بمناورات عسكرية سنوية، وإعطاء تسهيلات للهجرة الإسرائيلية مع منح امتيازات لها، وإصدار مرسوم يفصل التعليم البربري عن التعليم العربي. واعتبارا للانفجار الاجتماعي الهائل الذي كانت تعيشه المتربول، يمكن القول إن السنوات الست من السيطرة الاستعمارية الجمهورية كانت سنوات إهمال تام وشامل. فمن رئيس الجمهورية حتى آخر مناضل في حزب من أقصى اليسار، كان الكل ينسى وجود مستعمراتنا، وذلك ما لم يكن يسقط فيه حتى أبلد الرجعيين بمن فيهم قادة الحركة الفاشية. إن مسؤولية القادة الجمهوريين والعماليين لفظيعة. وإذا كان بريمودي ريبيرا قد حاول، فور قيامه بالانقلاب، أن يكون منسجما مع المواقف العلنية التي دافع عنها في 1917 و1918 بطرحه مشكلة التخلي عن المغرب، فكيف برجال ليبراليين واشتراكيين وماركسيين لم يحاولوا القيام بأدنى إصلاح استعماري؟ قبل الخوض في الأجوبة الممكنة على هذا السؤال، لنستعرض، حسب التسلسل التاريخي، الأحداث الرئيسية والتصريحات المتعلقة بالمغرب منذ 14 نسيان/ابريل 1931 إلى حدود عشية شباط/فبراير 1936.

بينما كان السكان الاسبان بمليلية، المدينة المحروسة بقوة من طرف الجيش، يحتفلون بالانتصار الجمهوري، بنوع من الاحتقار للمغاربة، صاح قائد اشتراكي من أعلى شُرَفِ مقر البليدة قائلا: «إن الشكل الذي تطورت به الأحداث الهامة فيما وراء الحدود، سيشكل دليلا، على أن اسبانيا لا تبدأ في البرانس»، وطرح برنامجا استعماريا شاملا قائلا أن: «لاشيء ولا أحد سيُخل بالهدوء الصارم لهذه الحركة. وراء هذه الجبال تحدق فيكم نظرات شعب جئنا لتربيته، فلتكن حكمتنا قوية حتى يصل إليهم التفكير الاسباني بكل وضوح. ولئن فضلت الحماسة للجيش من أجل المشروع العسكري في ظل الملكية، ففي ظل الجمهورية سيفضل لنا العزم لنعلمهم العيش بكل سمو حياة شريفة وجديرة بالاحترام». وفي صباح نفس يوم 14 نيسان/ابريل، أطلقت النار في تطوان على مظاهرة للمغاربة كانوا يعبرون عن فرحتهم [بانتصار الجمهورية] رافعين الأعلام الجمهورية الاسبانية والأعلام الوطنية المغربية. ولما شاع خبر وجود عشرة جرحى في حالة خطيرة، حاصر حشد من العرب مبنى المندوبية السامية، مما أرغم المندوب السامي على الفرار إلى طنجة. وتصاعدت الاضطرابات، وفي 23 نيسان/ابريل أعلنت الحكومة الجمهورية حالة الحرب «من أجل منع أعداء متسترين من تخريب عمل عدة أجيال، بواسطة دسائس لا تطاق، أجيال تحظى اليوم بشرف تمثيلها». وفي 21 نيسان/ابريل عينت الحكومة الاشتراكية الجنرال سان خروخو مندوبا ساميا. وفي 28 نيسان/ابريل اتفقت البلدية الاشتراكية لمليلية على عدم حل الحرس المدني «لأن هذه المدينة عاشت التجربة الحزينة والمأساوية لسنة 1921. وذلك هو ما جعل من الضروري تسليح المعمرين في تنظيم من نوع الحرس المدني قد يساعدهم في دفاعهم في حالة وقوع مأساة أخرى ممكنة. والتجأ إلى هذه الهيئة على الخصوص سكان الناظور وسلوان وجبل أعرويت وكل أولئك الذين يتعاطون الاستعمار [الفلاحي] ويضطرون إلى العيش في البادية. إن البندقية تشكل ضمانة بالنسبة إليهم كما هي ضمانة بالنسبة إلى الدولة في نفس الوقت، ولا أحد يمكنه أن يدافع على الأرض أحسن ممن يدافع عن أملاكه وعائلته». وفي اليوم التالي تم استقبال سان خورخو بتطوان من طرف الاسبانيين وهم يهتفون: عاش الزعيم! وعند رده على تهاني ممثل فرنسا نوركيت، قال سان خورخو بأن «الجمهورية لن تنسى أبدا حملة الريف المجيدة التي تآخت خلالها جيوشنا، وكافحت حتى النصر من أجل السلم والثقافة والتقدم في الحمايتين». ومن القول إلى الفعل. ففي 5 أيار/مايو فرق الجيش مظاهرة للعمال المغاربة مما أسفر عن عدة قتلى. وكان العمال يطالبون بثماني ساعات للعمل اليومي، وبتساوي الأجر اليومي مع أجر العمال الاسبانيين، وبإعطائهم الأسبقية في العمل لأنهم من مواليد البلد. إن احتلال تطوان من طرف الجيش وإعلان القوانين العرفية جعل حدا، وبشكل عنيف، لأول اضطراب هام واجهه الجمهوريون. واستحسنت فرنسا وانجلترا «صرامة» الجمهوريين حيال الوطنيين المغاربة. وهكذا علقت «الديالي تلغراف» في افتتاحيتها ليوم 23 نيسان/أبريل 1931 «إن الحس الوطني الاسباني، لا يمكنه أن يكون مستعدا للتخلي عن المجال الاستعماري الوحيد، الذي تحدد أهميته وموقعه الاستراتيجي مكانة اسبانيا كدولة عظمى، وذلك أكثر من أي عامل آخر. ولنفس السبب لن يكون الجمهوريون مستعدين للتنازل عن الموقع الممتاز الذي يحتلون».

وعبرت الجريدة الفرنسية الصادرة بالمغرب «لافيجي ماروكان» عن ثقة مماثلة أيضا: «إن تغيير النظام لا يُقلقنا. إننا واثقون من أن الجمهوريين الاسبانيين لن يتخلوا أبدا عن الأرض الريفية التي روتها دماء كثير من أبنائهم الذين سقطوا إلى جانب أبنائنا دفاعا عن الحضارة».

وفي نفس التاريخ، جاءت تصريحات إنداليسيو برييتو [الذي قال] «إن الحكومة ستحافظ على وحدة الحماية وعلى أكثر العلاقات وُدا مع فرنسا من أجل نجاح العمل المشترك». وتصريحات اليخانْدرو لورو «إن منطقة الحماية الاسبانية في المغرب لا تشكل مستعمرة. إنني اعتبرها بمثابة رأس جسر ممدود بين أوروبا وافريقيا» وتصريحات الجنرال سان خورخو «إن المغرب ليس هو اسبانيا، ولا يمكنه أن يكون مثل اسبانيا مسرحا لصراعات سياسية. واليوم، ولحسن الحظ، ليست عند المغاربة أسلحة، غير أن ذلك لا يشكل ضمانة كافية على أنْ لن تُثار حالة حرب حقيقية. ولا يمكن نهج إلا سياسة واحدة قوامها: السلطة والعدل من طرف الحامي والخضوع والنظام من لدن المحمي».

لم تكن هذه التأكيدات تُبشر بأي خير بالنسبة إلى وفد الوطنيين المغاربة السادة: سيدي محمد البوهالي وسيدي أحمد غيلان وسيدي عبد السلام [بنونة] وسيدي اللبادي الذين سافروا إلى مدريد في 6 حزيران/يونيو ليسلموا إلى الكلاسمورا الوثيقة التالية:

فخامة الرئيس،

إن فرح سكان المنطقة سكان المنطقة الأهليين، كان عظيما لما علموا بانتصار الجمهورية في اسبانيا، وقد ابتهجوا بهذه المناسبة، كما أن ميلاد الجمهورية أثلج صدورهم وهللوا له جميعا. وفي هذه المنطقة تم الاتفاق على تكوين لجنة لتُهنئ الحكومة الجديدة وتقدم لها تأييدها المطلق. وهذه اللجنة تمثل في نفس الوقت الطموحات التي تتوق إليها منذ أمد بعيد [هذه المنطقة]، مع الأمل في أن تستحق من طرف رجالات النظام الجديد، الترحيب برغباتها التي تُشكل مُثلها العليا التي لم تستطع مُثُلها العليا التي لم تستطع التعبير عنها لحد الآن لأسباب شتى.

ولهذا الغرض، فإن لجنة المنطقة، بعد تكوينها، تتشرّف باستقبالها من طرف معاليكم، وستعتبر هذا اليوم من أسعد أيامها. وفي نفس الوقت تتشرّف تسليمكم هذه الوثيقة الموقعة من لدن أبرز المسلمين بالمنطقة، وتُشكل وثيقتُهم دليلا على صداقتهم المخلصة وتأييدهم المطلق للحكومة، كما أنها تتضمن في نفس الوقت بعض المطالب التي تم التي تُمثّل إصلاحات عادلة ومنصفة، ومن الأكيد أنها ستلقى الترحيب من طرف معاليكم.

وبهذه المناسبة يشرفني أن أبلغكم أصالة عن نفسي ونيابة عن سمو الأمير خليفتنا، وعن عموم السكان وعن زملائي، أصدق تهانينا بمناسبة تعيين معاليكم رئيسا للجمهورية الاسبانية. وإننا لا نشك في أن معاليكم وكذا الشخصيات التي تكوّن الحكومة الحالية سترحب بمطالبنا وتقدم لنا الدعم الذي نلتمسه لتحقيقها حتى يعم نفعها على المنطقة وعلى ازدهارها. وذلك مع صيانة تعاليمنا الدينية، وحقوقنا وعادتنا وتقاليدنا القائمة، وحتى تكون هذه الإجراءات باعثا على توطيد علاقات الصداقة المخلصة.

وإننا لنعدكم بالتعاون معكم من أجل انجاز كل إعادة تنظيم تكون ضرورية مادامت جميع الإصلاحات الاجتماعية ترمي إلى تحقيق أهداف عامة وليس خاصة، ويجب أن يساهم فيها الحماة والمحميون، توحدهم المصلحة المشتركة التي تجعل منهم أسرة واحدة، وقد سجل لنا التاريخ ذلك في أخباره. وفي الأخير نطلب من العلي القدير أن يقود خطانا تحت رعاية سمو الأمير الخليفة وقيادة الحكومة الحامية للجمهورية الاسبانية:

1-«الحريات العامة: الصحافة، الاجتماع، التجميع، التعليم، التنقل عبر كل أرجاء البلاد، تكوين النقابات،

2-«التعليم: توحيد الخطط في جميع مناطق المغرب. الرفع من عدد مدارس التعليم الابتدائي، إنشاء التعليم الثانوي ومدارس المعلمين.

3-«العدل: «اختيار القضاة عن طريق المباراة. تقديم راتب كاف [للقضاة] من الميزانية العامة للدولة، وليس من حقوق المتقاضين. فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

4-«الفلاحة: تكوين مِلكية عائلية غير قابلة للتفويت، وذلك عن طريق توزيع الأراضي الجماعية. تقديم قروض للفلاحين. المساواة الجبائية بين الفلاح والمعمر الأوروبي، وحماية الفلاح من [انتهاكات] الإداريين الاستعماريين والمراقبين.

5-«البرولتاريا: تطبيق قانون الشغل الاسباني على العمال المغاربة وإعطاء نفس الأجر مقابل نفس العمل، ومساعدة العمال المغاربة العاطلين. تجديد الصناعة [التقليدية] المغربية وحمايتها من المنافسة الأجنبية.

6-«المالية: حذف بعض الضرائب، المساواة بين المغاربة والاسبانيين فيما يخص الضرائب الأخرى.

7-«الصحة: الرفع من عدد المؤسسات الصحية، توزيع الأدوية على المحتاجين، مكافحة السكن غير الصالح، ومكافحة الدعارة السرية والعلنية. إنشاء عدد كاف من الملاجئ للعجزة والمعوزين والرفع من مساعدات الحكومة للمنظمات الخيرية المغربية».

إن مثل هذه المطالب التي كانت ممكنة [التحقيق] بما فيه الكفاية في إطار الجمهورية، لأنها كانت تكتفي بالمطالبة بأن لا يتوقف التغيير الذي وقع في اسبانيا في 14 نيسان/ابريل في مدينة طريفة، هذه المطالب قد تم رفضها من طرف الحكومة الجمهورية. وعادت اللجنة إلى تطوان بشكل عادي ومرت دون أن تثير أي انتباه على الإطلاق. وذهب الكلاسمورا إلى حد رفض الإعلان عن المطالب المغربية السبعة ما جعلها مجهولة كليا من طرف الرأي العام. والأفظع من ذلك هو أن لوسيانو لوبيز فيرير –الحديث العهد بالتعيين كمندوب سامٍ صرح في 10 حزيران/يونيو لجريدة «صول» بأن مشكل المغرب لا يتعدى كونه مشكل نظام وأمن. هناك بعض التحريض الوطني وبجنود صالحين سيسهر على أن يسود الهدوء. وصاحت إحدى الجرائد الرجعية بغيظ: أن قادة الحركة الوطنية يريدون الذهاب إلى أبعد مما يلائم مصالح البلد المحمي. فإذا سُمح بحرية الصحافة مثلا، لتنشر المذاهب الهدامة، فإننا سنتعرض لخطر جسيم، نظرا للجهل العام [السائد] في البلد.

وبعد ذلك بقليل، ومن أجل مساعدة العمل التمديني، صادق مجلس الوزراء على مرسوم تُعطى بموجبه تسهيلات كبرى لليهود الاسبان وللسكان العبريين من اجل الاستقرار في ما يُسمى المغرب الاسباني. وفي الوقت الذي كانت تُفرض عشر سنوات من الإقامة في شبه الجزيرة للحصول على الجنسية الاسبانية، كانت تكفي سنتان فقط في المستعمرة المغربية. «لان العنصر العبري هام وهام جدا، بالنسبة إلى اسبانيا في المغرب، من أجل توطيد العمل التهديئي»، كما ورد على لسان لورو.

وكان تعيين بن عبود كصدر أعظم جديد بمثابة صفعة للوجه المغربي، لأن من تم تعيينه عربي مُأسْبَنٌ يقيم في طنجة فضلا عن كونه حصل على الجنسية الاسبانية. إن ما لم تتجزأ على القيام به، لا الملكية ولا الديكتاتورية يتم تحقيقه من طرف اسبانيا الليبرالية والدستورية، ألا وهو تعيين [مواطن] إسباني يشغل وظيفة إسلامية واضحة. فلا يتم فقط عدم تحقيق المطالب السبعة بل تفرض إهانات، غير ضرورية من جهة أخرى، على السكان العرب.

وفي أواسط حزيران/يونيو صرح لرڭو كبالييرو في جنيف بأن الحكومة الجمهورية لا تنوي التخلي عن المغرب، بل مواصلة العمل الاستعماري. وأكد احد تابعيه، الذي سيُنتخب فيما بعد نائبا اشتراكيا عن المغرب، أنه من الأفضل الاستمرار في الحماية حتى لا تقع في يد دول أخرى. لكن مع تلافي أن يكون الأهلي مستغَلا لأنه يجب احترام حقوقه. إن هذه النظرية الاشتراكو-استعمارية مماثلة للاشتراكو-شوفينية التي فضحها البلاشفة في حرب 1914. كان من الواجب مناهضة الحرب وكشف القناع عن الذين وقفوا بجانب «برجوازياتهم» لأنها كانت أكثر ديمقراطية. وترجمة ذلك على صعيد المسألة الاستعمارية يعني الوقوف في وجه [احتلال] المستعمرات، وفضح الذين مازالوا لصالح المستعمرات، لأن معاملتهم [للمستعمرات] أكثر «ديمقراطية». غير أن ذلك يعني مطالبة ورثة الاشتراكية-الشوفينية بما لا طاقة لهم به في الوقت الذي كان ورثة البلشفية يسقطون أيضا في الاشتراكيو-استعمارية. وبحق برهنت جريدة استعمارية، هي «تلغراما الريف»، على أن «كل الأحزاب الاشتراكية، نظريا، تُعادي المشاريع الاستعمارية، لكنها حيثما حكمت فإنها لا تفرض مذهبها. وذلك ما وقع في بلجيكا، حيث لم يدَّعِ لنفسه الزعيم الشهير فندير فيلد، الذي شغل منصب وزير الشؤون الخارجية، التنازل عن الكونغو. ونفس الشيء حدث في الدنمارك التي تحتفظ بجزر فيروي وكرويدلاند. والعماليون البريطانيون، الذين يتبنون أفكارا اشتراكية لم يُثيروا المشكل أيضا. ففي مصر يدافعون عن نفس الرأي الوطني، لكي لا نسميه الامبريالي، الذي دافعت عنه الحكومات البرجوازية السابقة. ولئن وصلوا في الهند إلى استقلال ذاتي نسبي فإنهم يرفضون مشروع الاستقلال. وذلك لأن أسس الملاءمة والتعايش العام تفرض نفسها على الحاكمين ولو كانوا اشتراكيين». وتؤكد «أ.ب.س» أنه حتى لو كانت حكومة شيوعية، فإنها لن تجرؤ على مواجهة النزاع الدولي الذي قد يُثيره الإخلال بالوضع الاستعماري القائم. وز عندما أعلنت الجريدة الفرنسية «لوجرنال» من باريس عن احتمال وجود تهربي للأسلحة لفائدة الوطنيين المغاربة، كذبت جريدة «صول» النبأ مؤكدة أنه: «من الممكن أن تتسرب بندقية ما لا أكثر. إن 50000 جندي و10000 شرطي يقومون بحراسة صارمة». وفي افريقيا –يلاحظ كاتب الافتتاحية –لا يمكن القيام بتكهنات من هذا النوع، لكن، في الأخير، كل الأمور إلى الاعتقاد أنه ليس ثمة الآن سبب للقلق، إن القبائل مجردة من السلاح.

إن إصرار الحكومة الجمهورية على حملة إهانة المستعمرين، دون أي سبب، أدى بها، في شهر أيلول/سبتمبر، إلى إقامة نصب [تخليدا لذكرى] «أبطال وشهداء الحرب» في قلب المغرب. وطول النصب 14 مترا ويُمثل جنديا في حالة تأهب ومكلل بالغار. وكان إعلان يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، كعيد عسكري صرف، يوما للجيش تعويضا لمختلف أعياد القديسين الحماة «براعة» إضافية أخرى للحكومة، لأن ذكرى الانتصار الاسباني على الأتراك لم تكن الأكثر مُلاءمة اعتبارا للعلاقة مع الشعب المستعمر. وعندما بدأت مناقشة مشروع الدستور، تساءل النائب أنخيل أسوريو إڭيارضو إذا كانت اسبانيا، بناءا على الفصل السادس، تعدل علنا ورسميا عن [استعمال] الحرب كأداة للسياسة الوطنية، فماذا ستفعل لو برزت بؤرة تمرد في المغرب ووجب إخمادها بقوة السلاح؟ غير أن التناقض قد تم حله بخبث من طرف خمينيس دي أسوأ عندما أجاب أن عمل الحماية لا يسوغ أبدا تسميته حربا وإنما عملية بوليسية. وتوسع في أفكاره وطرح في 6 تشرين الأول/أكتوبر في «لوڭران كوتيديان دي ماروك» بأن حكومة اشتراكية: «لن يكون لها من حل إلا البقاء على حملة عسكرية. وإن العديد من الاشتراكيين يفكرون مثلي، ويصرحون أحيانا بالعكس أمام الجمهور لأنه من الضروري استمالة العطف الشعبي»، ذلك ما أكده رجل القانون البارز.

في الخريف جرت مناورات عسكرية هامة، [عمليات] ببوليسية حسب اللغة الاصطلاحية الاستعمارية لخمينس دي أسوأ، تهدف إلى التأكد أنه بالإمكان نقل 25000 جندي، في وقت وجيز، إلى حيث تفرض الظروف ذلك من اجل إبادة كل محاولة تمرد. وذكر قائد قوات الاحتلال الجنرال كبانياس، أنه إلى حدود عهد قريب جدا، كانت جميع القبائل في حالة تمرد صريح، ومن تم مازال يوجد العديد من أنصار عبد الكريم، وان كراهية الاسبان من طرف المستعمرين شديدة بما فيه الكفاية. ولقد رد المقيم الفرنسي على ذلك قائلا: من الضروري الاحتراس من مناورات الجامعة الإسلامية التي لا تنبع ولا تخضع لتحريضات تولد في المغرب نفسه، بل هي حصيلة مخطط يشمل كل البلدان الإسلامية وبشكل خاص بلدان شمال افريقيا. ويجب التصدي لهذه الحرب الصليبية بحذر شديد ودون إهمال، واضعين دائما في متناول إدراك الأهليين المقارنة بين الخطب الدينية الهدامة للمتعصبين الميالين لفوضى وبين حياة النظام والعدل والرفاهية والهدوء، والتي هي نتاج خلق الثروة في البلد. ومادامت اسبانيا وفرنسا موحدتين من أجل هذا العمل لا يمكن أن يكون هناك غم. غير أن الأمر يختلف تماما إذا تنبه الاهليون إلى أن بيننا طلاقا أو على الأقل أننا غير مبالين».

لقد عبر أحد المدعوين، وهو الملحق العسكري للسفارة الأمريكية القبطان روبيرهوف فليتشر، عن إعجابه بالعمل الذي أنجزته اسبانيا في المغرب، وقارنه بالمجهودات التي بذلتها في القارة الأمريكية. وبعد هذه العمليات اتفقت القيادات الفرنسية والاسبانية على تسجيل المعلومات حول كل الأهليين البالغين سن 14 سنة وأخذ صور لهم. وبموازاة هذه السياسة القمعية دعت الحكومة إلى مدريد، بمناسبة إعلان ألكلا سمورا رئيسا للجمهورية، ثمانية قواد من العملاء البارزين من بينهم سيدي عبد القادر وسيدي أمحروشن وهما خائنان للمغرب منذ 1909، وسيكونان في 1936 في البداية القائدين الوحيدين اللذين كان بإمكان التمرد الفاشي الاعتماد عليهما. ولم يحصل معهما اي مشكل، ولعب كل طرف دوره. إذ شكر أمحروشن الوجود الاسباني وعبر ألكلا سمورا عن امتنانه لذلك ووعدهم بعدم التخلي أبدا عن تمدين المغاربة.

وانتهت السنة الأولى من الحكم الجمهوري بزيارة وزير التعليم العمومي فرناندو دي لوس ريوس [إلى المغرب]. وفور ، في 29 كانون الأول/ديسمبر، صرح أن الاشتراكيين الاسبان عندما يمارسون السلطة، ويواجهون الوقائع، فإنهم يعملون بانسجام معها، ويولونها الأسبقية على تصوراتهم الإيديولوجية. وفي العرائش قام بزيارة الجالية اليهودية، وصرح لها أن العبريين لابد وأن يجدوا ذراع الجمهورية دائما مفتوحة من اجل استقرارهم في المغرب. وأنهى رحلته في القصر الكبير حيث اجتمع مع مناضلي الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني في «الدار الاشتراكية» وحذرهم بأنه «لا يمكن أن يغيب عن نظرنا بأننا نقوم بمهمة في الحماية، ولذلك لا يمكن أن تُطرح نفس المطالب التي تُقدم في شبه الجزيرة».

وبدأت سنة 1932 بزيارة أخرى، وهي زيارة التي قامت بها لجنة من النواب الراديكاليين. وفي 16 كانون الثاني/يناير صرحت في سبتة أن كل اسباني يُقيم بالمغرب يجب أن يظهر بين المسلمين كنموذج للإنسان، وأن يضع على الرف إيديولوجيته معتبرا دائما أننا نوجد أمام شعب محمي. وذهب أحدهم إلى حد المطالبة بأن لا توجد أحزاب حتى فيما يُسمى مواقع السيادة وهي المكان الذي كانت الحكومة الجمهورية تسمح فيه بوجود الأحزاب فقط. وبعد شهر شُرع في نهج سياسة ترمي إلى فصل البربر عن العرب. فبينما كانت المنطقة الغربية مسلمة، استمرت المنطقة الشرقية في الحفاظ على مميزاتها البربرية. وكانت الإجراءات الجديدة تمنع استعمال العربية في الريف و[العربية] الريفية في جبالة. ولم تكن الجمهورية تفعل سوى محاكاة ما كان الفرنسيون يقومون به منذ أمد بعيد، أي «القيام بتطوير البربر خارج إطار الإسلام» (المارشال ليوطي)، مع الهدف المبيت الرامي إلى مضاعفة تقسيم الدولة المغربية. وفي أواسط آذار/مارس نُظم قانون الجمعيات في منطقة الحماية وينص فصله الرابع، في البند «ب»، على أنه «تعتبر غير شرعية الجمعيات التي تستهدف القيام بإحدى أو ببعض الجرائم التي تعرقل العمل الحامي لاسبانيا في المغرب». وأتى الربيع بزهرتين استعماريتين في نثر ازنيا ومرتينيس بريو. فقد أكد الأول، خلال تدخله يوم 31 آذار/مارس في البرلمان، أنه من اللازم إعطاء الدليل للأهليين على أن اسبانيا قادرة على استعمار المغرب بشكل أنساني ومفيد. وخلال رحلة قنص قصيرة عبر المحمية، ألقى الثاني، في 20 نيسان/ابريل بالكازينو الاسباني بتطوان، الخطاب التالي: «على الصعيد السياسي لا أدرك تمام الإدراك وجود ضرورة لاستمرار الكثير من الاسبانيين في رفع راية فئة سياسة. إن انقسام اسبانيي المغرب إلى أحزاب تترتب عنه هنا خسارة وطنية صرف. إن المثل الأعلى هو التمكن من التوفر مثل فرنسا على طاقم متبصر من الرجال الذين اكتسبوا تفوقا تقنيا لا يُنكر خلال تجربتهم الاستعمارية الطويلة في الجزائر، والذين يتوفرون في نفس الوقت على تربية سياسية تجعل منهم مدافعين ثمينين عن مصالح المتربول. والآن اسمحوا لي أن أقول ليس تحيا الجمهورية التي قد تُفهم بشكل متحيز، وإنما أن أنتهي بصرخة تجعلنا نهتز جميعا بنفس الشكل: عاشت اسبانيا!».

وزارت لجنة أخرى، رسمية هذه المرة، يترأسها راموس نائب الكاتب العام في رئاسة المجلس، تطوان والعرائش والقصر الكبير والشاون وكتامة والريف والناضور أمتيوة، وفي إحدى المأدبات الكبرى والعديدة أكد السيد راموس إن «الذين يلاحظون من الخارج ردود فعل الشعب الاسباني تجاه المسألة المغربية، والذين يعتقدون أن في هذه القضية الخارجية، وهي أهم قضية خارجية بالنسبة إلى اسبانيا، سيحدث تغيير جوهري نتيجة تغيير النظام، يمكن لأولئك أن يسجلوا أن لا احد في اسبانيا يتحدث عن التخلي عن المغرب لأن لا أحد يرغب في ذلك. إن الملاحظين الأجانب قد أخطاوا: إن ما كان يريده الشعب الاسباني هو أن لا يبقى المغرب كابوسا بالنسبة إلى الأمة وأن تكون كلفته رخيصة». ولذلك عند استقباله، خلال الصيف، لوفد من القواد الذين يطالبون بقروض لبواديهم، نصحهم المندوب السامي بأن «لا ينظروا إلى النجوم»، وأن ينزلوا أنظارهم «إلى الأرض». وهكذا سيدركون أنه أمام المطالب «المتكررة والمتلهفة» فقد وجد نفسه مضطرا ليس إلى رفضها وإنما إلى أن أوحي إليكم بتقليصها، مشيرا لهم بأنه بإمكانهم إيجاد ما يبحثون عنه في المالية المحلية «بفرض ضرائب جديدة غلى القبائل».

بموازاة التمرد الفاشل لسان جورخو -10 آب/أغسطس- دُشن معرض حول العمل الذي حققته اسبانيا في المغرب. وفي الفهرس نُشرت مسودة نظرية حول التماثل بين البربر والاسبان «نعلم أن السَّلْتِيّين والبربر كانوا السكان الأوائل لاسبانيا والمغرب... وعدد من المدن على طرفي المضيق تحمل نفس السابقة «طا» التي تعني وطن وأرض [...] وإن الاسم الريفي الذي يخططه البعض مع «جبلي» همجي، يشير إلى ساكن الساحل (الريف)، وبعد ذلك يمكننا القول ريفيين أو ساحليين، فنحن كالآخرين [...] إيبيرو بربر الذين كانوا الأبطال المحاصرين في ساڭنطو ونومانسيا كما أن انديفيل وفبرياطو المدافعين عن استقلال الوطن ضد فيالق قيصر مثلما كان القائد يوغورطة في الطرف الآخر للأبيض المتوسط كابوسا بالنسبة إلى الرومان [...] وفي إقليمي تركونا وليون توجد نواحي حافظ سكانها على المميزات العرقية وعلى ملامح سكان المغرب (الموريڭاطوس). وقديما كان الرجال حليقي الرأس مع الإبقاء على خصلة شعر في القذال، ومازالوا يستعملون، لحد الآن، السراويل المغربية... إن المجالس البلدية مازالت تجتمع لحد الساعة مثل المجالس أو الجماعات في الهواء الطلق وبميزاتها وعيوبها. وليس من المخاطرة في شيء تأكيد نفس الأصل البربري [...] ونعلم أن الشلحة تحتفظ بكثير من التشابه مع الباسكية [...]».

وقد وضعت حدا لهذا الهذيان أطروحة جغرافية مذهلة عرضها النائب الراديكالي الاشتراكي أنطونيو خايين –البحر الأبيض المتوسط نهر- وعبارات لمرتينس باريو لم يكن يصدقها حتى هو، مفادها أن المغربي قد أدرك جيدا منافع السلم، وبما أن اتفاقاته الروحية مع الاسباني متعددة جدا، فهو يرتبط مع هذا الأخير بعلاقة صداقة طيبة، وإن لم تكن هذه العلاقة قد قضت نهائيا على أحقاد وكراهيات الأيام السابقة فإنها محت جزءا هاما منها.

ولردع الأقلية التي كانت ما تزال تكره [الاسبان]، تم تنظيم مناورات عسكرية جديدة في أيلول/سبتمبر في تمسمان كانت عبارة عن مناورات كبرى لإخماد بؤرة متمردة في جبال الريف. وتدرب حوالي عشرة آلاف رجل على الخصوصيات المميزة لحرب الجبال خلال أسبوع. وفي الاجتماع الذي عقده الضباط في اليوم الأخير بعد أن نبه المندوب السامي إلى أن «الأهلي» ليس عدوا ولا مهزوما وإنما أخ نقوده نحو التقدم، ويجب ردعه إذا تمرد ضد السلطة. غير أنه ليس بعدو، وانه قاصر وفي حاجة إلى وصايتنا : سجل [المندوب السامي] أهداف السياسة الاستعمارية الجمهورية والمتمثلة في «الإبقاء على الريفيين في محيطهم والتهيؤ، بشكل تدريجي، لتطوير ذهنيتهم باتجاه [تبني] تصورات وأفكار اسبانية». ورد على ذلك الجنرال تيرمن المدعو الفرنسي موافقا ومبديا الملاحظة التالية: «إن التجربة تميل إلى إثبات أن الأهليين الذين مَكَّنَّاهم من التعليم الأكمل هم الأكثر عداء [لنا]». واختتم الحفل الجنرال قائد جيوش الاحتلال الاسبانية مؤكدا، بجدية، أن الجيش البطل في المغرب، سيكون في كل حين سندا للجمهورية ولاسبانيا في هذه البقاع. وإن قضية سان خرخو، الحديثة العهد، الذي كانت له علاقات طيبة جدا مع عسكريي الحماية، هي التي تُفسر هذا الإعلان عن الإخلاص.

وأهم الأحداث التي انتهت بها السنة الثانية للجمهورية هي انعقاد مجلس العرائش، ومرسوم 8 تشرين الأول/أكتوبر وتسليم رخص للتنقيب عن المناجم واعتقال 500 وطني في باب تازة. إن اجتماع السكان المسلمين بمنطقة لكوس، المجتمعين بالعرائش، اتفقوا على المطالبة بتوسيع الإصلاح الزراعي ليشمل منطقة الحماية دون أن يعيرهم أحد أي اهتمام. وفرض الإجراء المتخذ في أوائل تشرين الأول/أكتوبر الجواز على الاسبانيين لدخول منطقة الحماية، وكان العرب مطالبون بالجواز للانتقال من بلدة إلى أخرى. ومن بين الحيثيات التي تذكر في هذا القانون، تمت الإشارة الصريحة إلى ضرورة «عدم تمكين الذين ينشرون علانية أفكارا أو مذاهب تشكل خطرا سياسيا أو اجتماعيا من الدخول إلى المنطقة». وكان السبب في إصدار المرسوم هو ضبط شاحنة محملة بالمواد الدعائية الفوضوية خلال الصيف. ومن المعلوم إن الفيدرالية الفوضوية الايبرية والكنفدرالية الوطنية للشغل هما المنظمتان الوحيدتان اللتان حاولتا القيام بعمل سياسي في وسط الجماهير الريفية.

وبالإضافة إلى ذلك، كان المرسوم ينص على انه لا يمكن أن يستقر في المستعمرة، إلا أولئك الذين يملكون ثروات اقتصادية ليستقروا كمالكين، أو الذين يمكنهم العيش من ريعهم. وفي أواسط الخريف سلمت لشركات مناجم الريف، وسيطولزار، وألكنتينا، وبني مْسايِيا، وأوروبيان اندرتن افريكان مينس التي كانت تستغل الجديد والرصاص والألمنيوم المغربي، سُلِّمت لها رخص من اجل التنيقب في بني ورياغل (الحديد) وتمسمان (الحديد) وبني حُزمار (الرصاص) والقصر الكبير (البترول) وبني بوُزْرَة (النحاس) وسبتة (الانتيوم). في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، قام وفد هام من الوطنيين بزيارة الاسقف كليبوليس النائب الرسولي لمغرب في طنجة ليعرض عليه وضعية القمعه الموجودة في المنطقة الاسبانية، وسلم له مذكرة توضح بشكل مفصل، ابرز الأحداث. وفي اليوم التالي سافر الأسقف إلى تطوان حيث بلّغ للمندوب السامي بالمغاربة الذين قاموا بزيارته. وأدت حراستهم من طرف البوليس إلى اعتقال أزيد من 500 محرض وطني في عيد ميلاد المسيح، مما أدى إلى موجة من الاحتجاج في وسط السكان المغاربة تم إسكاتها بمزيد من نفي [الوطنيين]. وركزت الوثيقة أساسا على موقف المراقبين (وكان لكل قبيلة مراقب) الذين كانوا، قبل وخلال وبعد الجمهورية، يتعاطون للنهب المنهجي ولاستغلال العرب دون حدود. وكانت بيدهم، كسادة إقطاعيين حقيقيين، السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في الدوائر التي كانوا يراقبونها. وكانوا يتدخلون في قرارات القواد وينفذون إلى الأجهزة التقليدية، وينظمون المعاملات العقارية دون أنى تكون لهم معرفة بالتشريع الإسلامي للملكية. كما كانوا يسهرون على القضاء دون أن يعلموا هل تتبع القبائل تعاليم القرآن أو على العكس قوانين الأعراف والتقاليد، ويقررون في الشؤون المالية مع جهلهم بضرائب القبائل ويديرون الجماعات قافزين قفزة مصارع ثيران وبذلك كانوا مستعمرين اسبانيين. ومما كان يزيد من خطورة ذلك، ما يتسم به أولئك من ثقافة عامة رديئة، وتكوين غير كاف وجهل باللغة، وعقلية أبوية وجنوح مزمن إلى اعتبار القبيلة ساحة لجمعية خصوصية من المجرمين.

وافتتح العام الجديد، وهو آخر مدة السنتين الإصلاحيتين، خوان موليس المندوب السامي الجديد الذي صرح، حتى لا يكون دون مستوى سابقيه، انه لن يسمح بالدعاية الوطنية في المنطقة، وأن جنرالات الحاميات في افريقيا سيكونون أفضل مستشاريه. وكان خوان موليس هو المندوب السامي الرابع عشر الذي يتقلد هذا المنصب، بينما لم يعين الاستعمار الفرنسي خلال نفس المدة (21 سنة) إلا ثلاثة مقيمين عامين. وفي هذا الجانب، كما هو الشأن في جوانب أخرى، كان استعمارنا غير مرض بما فيه الكفاية. وفي شهر شباط/فبراير استقبل المغرب أولى زيارات السنة وهي زيارة النائب ونسيلا وكاريو من جناح يسار الحزب الاشتراكي. ذلك أنه بعد الحملة البوليسية التي استهدفت باب تازة، كان القلق يسود في الأوساط الاستعمارية في مليلية. لكن لم يكن ذلك هو السبب، لأن اليسار الاشتراكي أيضا التزم الصمت حول المسألة الاستعمارية. وفي 21 شباط/فبراير ألقى كاريو خطابا وسط الأعلام والهتافات البروليتارية بدار الشعب، لكنه لم يتحدث ولم ينشر إلى المسألة الوطنية المغربية. وإن الإصلاحات التي أدخلت على القانون الجنائي لعام 1870، في 27 تشرين الأول/أكتوبر 1932، بهدف «أنسنة الوثيقة التشريعية القاسية» خلال مدة سنة تقريبا إلى حين إصدار قانون جنائي جديد، إن هذه الإصلاحات لن تطال المغرب حسبما أوضحته الحكومة في بداية الربيع. فمغاربة سيبقون خاضعين لقانون الحرب لسنة 1914. وإن تخليد الذكرى المئوية لميلاد بيدرو أنطونيو دي ألركون مداح الاستعمار الاسباني، ووضع لوحة تذكارية في الدار التي سكنها بتطوان قد أثار استياء عميقا في وسط الشباب الوطني بعاصمة الحماية. وإن الصرامة التي يُطبق بها قانون الجوازات شهرت بها حتى الجريدة الاستعمارية «تلغراما الريف»، «لا يجب التضحية بشعب بكامله، بإخضاعه لإجراء غير منطقي ومقلق لتعايشه الودي مع منطقة التخوم».

بعد أن وشح خوان موليس صدر قائد مجموعة الجنود النظاميين (ريڭولاريس) لمدينة مليلية بميدالية سان فرناندو «جزاء لسلكوه البطولي في فك الحصار عن كدية التامر خلال حملة الريف». وبعد تكريم الاستعماري البارز كانديدو لوبير حذر خوان موليس الفوضويين، في أيار/مايو، بأنه غير مستعد «لتحمل سوء السلوك نظرا للانعكاسات التي يمكن أن تكون له على المغاربة». فإن المندوب السامي لمدة السنتين الإصلاحيتين والمندوب السامي المقبل للجبهة الشعبية سافر إلى مدريد حيث عزا التحريض الوطني المتزايد إلى مناورات ملكية، معادية للجمهورية ومعادية لاسبانيا، وتحرض المغاربة على التمرد. وبعد أن نعت النضال الوطني للشعب المغربي بالرجعية، باسم الديمقراطية، أضاف «طالبت أن يتعلم الأطفال الأهليون الاسبانية. ولن تسند أية وظيفة لأي أهلي لا يتكلم لغتنا. ونصحت المراقبين، وهم موجهو ومرشدو المغربي، بتحفيز الأهلي على استصلاح أراضي جديدة للري يمكن زرعها، فإذا تشبث الأهلي بالأرض وبمزروعات مثل القصب الذي يتطلب نموه أربع سنوات، فذلك يشكل ضمانة لهدوء المنطقة، يجب أن نخلق لهم مصالح، إنه السبيل الوحيد لكي لا يقدموا على طردنا».

ومع البدايات الأولى لحر الصيف، وصل إلى المغرب وزير الداخلية كسارسس كيروڭا، الذي صرح أن حكومة الجمهورية تدرس مخططا يسمح بجعل الحماية مكانا للتوسع بالنسبة إلى التجارة والصناعة الاسبانيتين. وبعد ذلك بأيام، في 2 تموز/يوليو، انفجرت بالقصر الكبير أحداث عنيفة معادية للاستعمار. وكان السبب هو عرض مسرحي قدم لفائدة المدرسة الاسبانية-العبرية. وكان العمل الفني الذي وقع اختياره يتطرق لغزو اسبانيا من طرف المسلمين، وكان الممثلون اليهود يرتادون ملابس عربية. واعتبر المغاربة ذلك بمثابة استفزاز، وطافوا في المدينة في مظاهرة مطالبين بتوقيف العرض المسرحي المذكور، وهاجموا مبنى الإعدادية والمديرية وهيئة التدريس والسلطات الاسبانية ومقاهي «لابْلاَطَ» و«لاَسْ كُلُومْنَاسْ» مراكز تجمع الاستعماريين واليهود. واضطرت عائلات يهودية واسبانية إلى اللجوء إلى العرائش لأن المغاربة استولوا على المدينة. وبعد أيام «حرر» الجيش القصر الكبير. إن السياسة الموالية لليهود التي كانت تنتهجها الجمهورية، كانت ترمي إلى استعمالهم كممانعة للصواعق ضد الغضب الشعبي المغربي. إن الإسرائيليين كانوا الخرقة الحمراء التي كانت الحكومة تلوح بها لكي لا يهاجم الاستعمار الاسباني مباشرة. ودون السقوط في أي نوع من معاداة السامية، من اللازم الإقرار بأن اليهود شكلوا عامل كبح للانعتاق المغربي، ويتحمل مسؤولية ذلك بالتساوي، الاستعمار الاسباني-الفرنسي الذي كان يستعملهم كآلة حربية ضد [الحركة] الوطنية، والبرجوازية اليهودية التي كانت تقبل القيام بذلك الدور المكافأ جيدا بدون شك.

وبعد أسبوع، وقع تشتيتُ مظاهرات جديدة بالعنف من طرف الجيش في تطوان. وبالرغم من ذلك استطاع القادة الوطنيون تسليم وثيقة للمندوب السامي تتضمن المطالب التالية:

1-إلغاء ما يُسمى «الظهير البربري».

2-استقلال القضاء عن القواد.

3-التخفيض من الضرائب.

4-التعجيل أو الشروع في [إنشاء] التعليم الابتدائي.

5-قبول المغاربة في المجالس البلدية.

6-مراقبة السكان اليهود.

وللرد على تصاعد الحركة الوطنية قررت حكومة الجمهورية القيام بالمناورات العسكرية مرتين في السنة ابتداء من 1933. وفي آب/أغسطس قام من جديد 25000 رجل في السهل الأصفر بنفس المناورات الكبرى التكتيكية التي تمت في السنة الماضية، إي إبادة مجموعة من الغوار المسلمين المتمردين. وقبل الاستعراض الذي انتهت به هذه التمارين، هدد موليس قائلا «إن الاضطرابات، بينت لنا أنه لا يمكن ترك الحبل على الغارب بالنسبة إلى الأهليين لمدة طويلة، بل من الضروري جعلهم يحسون، دون انقطاع، بثقل سلطة صارمة مع دراسة المشاكل التي تطرح لهم بعدل وبدون مقابل. غير أن تلك السلطة مصرة على الحفاظ على النظام والانضباط الضروري بالنسبة إلى شعب يجب حراسته ومازال بعيدا عن استكمال تطوره».

كانت العمليات الفرنسية في جنوب المغرب المتاخم للصحراء، تعترضها صعوبة كون كثير من المقاتلين يستعملون إيفني والصحراء الاسبانية كقاعدة لمقاومتهم. واحتدَّتْ الضغوط الفرنسية على مدريد لتقوم باحتلال ما يعود لها وإلا قام الجيش الفرنسي بذلك. وفي صيف 1933، ذهبت جريدة انجليزية «الدايلي مايل» إلى حد اقتراح تعاون فرنسي اسباني في الصحراء علانية، من أجل تصفية بقايا [الحركة] الوطنية المغربية التي مازالت تقاتل بالسلاح. ونجحت باريس في «تطهير» الأطلس في بداية أيلول/سبتمبر. «لقد هزمتمونا لكن أولادنا سيلقون بكم إلى البحر». ذلك ما صرحت به مجموعة من بربر الأطلس إلى مراسل «بوتي باريزيان»، وحاولت مدريد القيام بأول إنزال لها في إيفني. غير أن الثمانين رجلا الذين كانوا على متن الناقلة الحربية «الميرانت لوبو» لم ينجحوا حتى في رمى المخطاف لأن القبائل لا تبدو مستعدة لاستقبالهم.

وخلال الخريف، في تشرين الثاني/نوفمبر، استقبل المغرب رئيس الجمهورية نستير ألكلا سمورا الذي عبر فور وصوله عن فرحه لمّا شاهد «الوحدة الكاملة والتداخل التام بين المسيحيين والمسلمين الموحدين مع اليهود». ولذلك خصص أهم جزء من إقامته [بالمغرب] لزيارة الثكنات والمنشآت العسكرية. وفي معسكر دار الريفيين أشار إلى أن اللفيف الأجنبي (ترسيو) يحقق في السلم نفس المآثر التي حققها في الحرب وعبر عن ألمه في «أنكم واعون برسالتكم وستستمرون في العمل في الظل وبصمت كما هو ضروري لتدعيم هذه السلم. ولا نشك، ولو لحظة واحدة، انه إذا اضطربت هذه السلم في يوم ما، وطلب منكم الوطن تضحيات جديدة، ستعرفون تقديمها برباطة جأش وبالموت إذا كان ضروريا. ومثلما مات إخواننا بالأمس بالابتسامة على الشفاه مرفوعي الرأس، سيموت خلفكم إن كان ذلك ضروريا». وقبل العودة إلى مدريد دشن رئيس الجمهورية الجزء الأول من الطريق الرابطة بين مليلية وتطوان، والتي تشكل صلة وصل حقيقية بكل القبائل المبثوثة في المناطق الجبلية، والتي كانت تعيش معزولة عن المراكز الحضرية ودون مواصلات منتظمة. إنها طريق إستراتيجية حقيقية لأن فعالية أي جيش رهينة بوسائل نقله وطرق مواصلاته. ومع ذلك، قدم ألكا سمورا ذلك كعينة لانجازات الاسبانيين الاستعمارية.

وعلقت «لافيجي ماروكين»، الناطق الرئيسي باسم الاستعمار الفرنسي بالمغرب، بإعجاب على زيارة رئيس الجمهورية. وقالت، إن لم يفعل الاسبانيون إلا القليل فذلك راجع إلى أن آخر طلقة نارية اخترقت الفضاء لم يَمض عليها «إلا ست سنوات»، وأبرزت الاستعراض العسكري الذي شارك فيه 6000 جندي في تطوان أمام ألكلا سمورا، «وذلك ما يبين أن فرنسي المغرب يمكنهم أن يطمئنوا: إن الجيش الاسباني متيقظ وقوي ويسهر على أمْن البلد الريفي في الشمال، كما يفعل ذلك جيشنا في الجنوب. إن المغرب خاضع ظاهريا فقط، ونظرا لسوسيولوجيته الملتوية يمكنه أن يزَل في الوقت الذي لا نفكر في ذلك».

وبدأت مدة السنتين السوداويتين بتغيير في المندوبية السامية حيث استبدل خوان موليس بمنويل ريكو أفِيُّو، وفي التعليق على هذا التعيين اتفقت «أ.ب.س» و«إيل سوسياليستا» على قلة الاهتمام الذي توليه الحكومة للمغرب. ويشير الملكي كاتب المقال بنوع من النقد الذاتي إلى أن «الجمهورية تتبع نفس الرأي المتقلب الذي اتبعته الملكية». إننا مازلنا أمام نفس المشاكل التي كانت قائمة عند انطلاق آخر رصاصة، ويؤكد الاشتراكيون أنه «لا يمكن الحديث بجدية عن استعمار فلاحي في الوقت الذي يموت فيه فلاحونا من الجوع والنسيان في المنطقة الشرقية، وهم الوحيدون المجتمعون في وحدات إنتاجية. والمزارع التجريبية تنهار في عزلة مخيفة، والصناعة لا وجود لها. هناك فقط بيانات رواتب ومكافآت. وفي المغرب مازلنا مورطين في ربطة خيوط بينيلوب، ولا نُمسك بالخيط الذي يؤدي بنا مرة واحدة إلى اللفيفة. والتبذير الوحيد هو تعاقب المندوبين السامين على الأرض المغربية مثل طيران أسراب السنونو. ويُعيد لنا كل خريف سياسي مندوبا ساميا وفي كل ربيع يُخؤذ من جديد. وذلك جد مربح بالنسبة إلى المُعين لكنه غير عملي بالنسبة إلى المستعمرة. إن السنوات ليست كسنونو بيكر. إن السنة تحمل معها عدة أشياء لا تعود أبدا. وكل تعويض هو بمثابة سنة ضائعة» ولذلك فإن كاتب الافتتاحية –الماركسي- يتأسف مرة أخرى على عدم الاهتمام المطلق الذي توليه اسبانيا لهذا «العمل التمديني الجميل» الذي عهد به إليها في المغرب.

كان ريكو أفِيُّو يجهل كل شيء عن المغرب، وبالنسبة إليه كانت مهمته تقتصر على «أن لا يُشَوشَ أيّ شيء اهتمام الحكومة بالمشاكل الوطنية».

إن ماضيه كوزير للداخلية وككاتب عام لأرباب عمل مناجم الفحم بأستورياس، يبين بشكل واضح جدا الفكرة التي كانت للمندوب السامي الجديد حول «الاضطراب». لكن مشاكل استعمارية جديدة كانت تستقطب اهتمام الحكومة. وكما رأينا سابقا، فبقدر ما كانت الجيوش الفرنسية «تهتدئ» جنوب المغرب، كان يُفرض على مدريد تسوية الوضع في الأراضي التي نملكها في المنطقة المذكورة. فما دامت تلك الأراضي مطوقة وبما أن باريس لا يمكنها أن تقبل باستمرار بؤرة للتمرد على جناح المناطق المحتلة وبجانب خط مواصلات ذي أهمية مثل مواصلات المغرب-النيجر، ليس ثمة إلا حلين استعمارين: إما أن تهجم اسبانيا وإلا فستضطر فرنسا إلى القيام بذلك، ثم إن الامبريالية الفرنسية كانت تطلب باستمرار أن تتحرك اسبانيا عسكريا أو أن تعطيها، على الأقل، حق المطاردة. ووضعت الخطط أثناء سفر رئيس الحكومة الفرنسية هيريو إلى اسبانيا في خريف 1933. وفي نفس الوقت وقعت أحداث بسيطة في الحصور الاستعمارية وفي المعامل المختصة بالصيد.

في الداخلة، وميدنة ڭاتل، ورأس بوجدور ورأس جوبي، والرأس الأبيض التي كانت في ملكيتنا منذ 1884. وكانت مساحة المقاطعتين تبلغ أزيد من 260000 كلم مربع ولم يتم احتلالها من قبل لأن ذلك كان يقتضي فتح جبهة عسكرية رابعة في المغرب تُضاف إلى جبهات مليلية وسبتة والعرائش. وفي أواخر كانون الأول/ديسمبر 1933 انتهت مظاهرات الصحراويين بقمع شرس ومات خلالها النقيب سيسار كاولا.

وأدى تهيئ القوات العسكرية، التي ستشارك في هذا المشروع الاستعماري الجديد، إلى احتجاج عنيف من طرف الأحزاب العمالية. إنها المناسبة الوحيدة، خلال كل المرحلة الجمهورية التي عبرت فيها الأحزاب بدون لبس عن موقفها الواضح من الاستعمار. وفي 6 نيسان/أبريل 1934، اي ثلاثة أيام قبل الغزو، كتبت «السوسياليستا»: «لا يمكننا كبح ذعرنا. إن قنوات مختلفة وجديرة بالثقة تخبرنا أن عناصر الحرب تتراكم حول Cabo Juby. عدة أجهزة للطيران مسلحة بالرشاشات والقنابل، ونتوفر على تفاصيل دقيقة، لن نلح على التفاصيل لأنها لا تهم. والمهم هو التحذير بأننا على علم ببعض التحضيرات التي تذعرنا صراحة فما هي المسألة التي تطرح معالجتها في ايفني والتي تستلزم الإرسال الفوري للآليات الحربية؟ إن التحضيرات تتم بسرعة كبيرة، وإن لم يفت الوقت بعد، نعلن عن تخوفنا. ورسميا، لا شيء من هذا –ونحن نحسبه خطيرا- قد ظهر. وننتظر أن تتم طمأنتنا بالرغم من أن طمأنينتنا لا ترتبط بالأقوال بقدر ما ترتبط بإلغاء محتمل لهذه التحضيرات».

وفي 20 نسيان/ابريل، فضح نائب شيوعي بالكرطيس الغزو ودعا الجنود إلى رفض الذهاب إلى ايفني. وبعد ذلك بأيام، وجه الحزب الشيوعي نداءا إلى الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني، من اجل تنظيم عمل مشترك يوم فاتح آب/أغسطس «ضد الحرب في ايفني وضد هجوم الامبريالية الاسبانية على الجماهير الشعبية لكطالونيا».

ونلاحظ أن الحزب [الشيوعي] واحة حقيقية وسط صحراء الكبت الذي ميز سياسة الأحزاب العمالية تجاه هذه المسألة في تلك الفترة. غير أن الواحة ليست مزهرة كثيرا مادام الحزب لا يربط حرب ايفني بالوضعية في المحمية وإنما يربطها باضطهاد الوطنية الكطالونية. وبالإضافة إلى ذلك، يصادف هذا الانبعاث المعادي للاستعمار احتمال نشوب حرب جديدة. كل الأمور تميل إلى الإشارة إلى أن السياسة المعادية للاستعمار، ليست صالحة إلا في الظروف الحربية أو القريبة من الحرب. بحيث عندما تم احتلال ايفني دون مقاومة مسلحة مغربية وقع إقبار التنديد المعادي للاستعمار. وكان ذلك يعني الاستمرار في التحليل انطلاقا من المصالح الاسبانية فقط. ومع احتلال عين النخلة -10 تموز/يوليو- وسيدي أحمد العروسي -14 تموز-يوليو- وسمارة في 15 تموز/يوليو، ينتهي آخر توسع استعماري في تاريخ اسبانيا أنجزته جمهورية كادحي كل الطبقات. وبعد ذلك بقليل رخصت الحكومة الجمهورية للشركة الاسبانية لبحث والاستثمار ش.م. بالتنقيب عن الفوسفاط في الراضي الصحراوية.

وعاد الاشتراكيون بسرعة إلى «الاشتراكية-الاستعمارية». ففي النقاش حول الميزانية تدخل فيدارت، النائب عن الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني، على الشكل التالي: «عندما نواجه مسألة المغرب، فمن الضروري، قبل كل شيء، تبيان ما هو المدلول الذي أرادت الجمهورية أن تعطيه للنفقات التي تتم هناك. ولحد الآن لم يكن المغرب يُثير إلا الكراهية وعدم الفهم. وعديدة هي الأرواح التي ضحَّت بها الأمة الاسبانية هناك وأكثر من عشرة آلاف مليون بسيطة بقيت مقبرة في تلك المنطقة السيئة الذكر. والآن بدأ يظهر المعنى الواضح لما يجب أن تكون عليه رسالتنا الحمائية وما ستكون عليه، بدون شك، في السنوات القادمة».

وبعد ذلك بأقل من شهر، في فاتح تموز-يوليو، خلال الاحتفالات بالمولد النبوي، عادت [الحركة] الوطنية المغربية إلى التعبير عن وجودها. فعند مرور الهدايا والجمعيات يُنشد دعاء، له دائما طابع ديني، يمدح قداسة والي المدينة ويطلب الحمد والشكر من الله. وفي تلك السنة، وبفضل ذكاء الشباب تحول الدعاء إلى نشيد يتغنى بحرية المغرب. ولكي لا تنشأ مشاكل كبرى –يتعلق الأمر بعمل ديني- اضطرت سلطات تطوان إلى تحمل مرور الاستعراض عبر الشوارع والأحياء الرئيسية للمدينة. وخلال هذا الاستعراض كان المتظاهرون يرددون نشيدين رئيسيين:

يا مغرب، أبناؤك يبكون على الحرية المفقودة

يا حرية أجدادنا، عودي إلينا

عودي إلينا ليختفي نير الحماة

نير الأمة الاستعمارية.

نريد الحرية والمساواة

تحت راية الإسلام

ضيعنا كل حقوقنا

ويبكي كبارنا الحرية

الحرية التي فقدوها يوما

فقدوها بتعاملهم مع الدول الحامية.

وانتهت احتفالات المولد النبوي بحوالي ألف اعتقال. وفي شهر آب/أغسطس طلب عبد الكريم، المنفي في جزر لارينيون، من الحكومة الفرنسية العودة إلى المغرب أو إلى مكان اقل بُعداً «توجد معي أمي المتقدمة في السن والتي لا تريد أن تموت قبل أن ترى بلدها من جديد، ومعي أبناء وأعمام براءتهم بديهية ومازالوا في المنفى»... ذلك ما كتبه عبد الكريم لوزير الشؤون الخارجية الفرنسي. وبعد التشاور مع مدريد التي عارضت الطلب، رد الوزير الفرنسي برفضه: «لأن عودتك ستشكل مضايقة كبرى بالنسبة إلى جيراننا. إن الحرب بين اسبانيا والريف، اكتسبت طابع عنف لا يمكننا محو ذكراه. إن حياتكم نفسها لن تكون في مأمن في شمال المغرب».

مع بداية الخريف حل المغرب وزيران، وزير الفلاحة سِييرِلُّوديل ريو الذي صرح أن «أعمال السلم والاستعمار التي تُنجز في الحماية غير معروفة» وزير الصناعة فْرانْسوا الذي قال: «إذا كان اللفيف يُكسب أمجادا لوطن في ميادين القتال، فإنه يقوم الآن بعمل سام جدا في مجال الاستعمار والسلم والتقدم».

وبعد أيام تفجرت ثورة تشرين الأول/أكتوبر، وأرسلت الحكومة جنود اللفيف وبعض الوحدات النظامية والعرب من أجل خنق احتجاجات البروليتاريا الأستورية. إن العنف والقساوة واللاإنسانية التي تهاجم بها هذه الوحدات العسكرية المغربية، تساهم في تعميق الهوة القائمة بين البروليتاريا الاسبانية والوطنية [المغربية]. وبالرغم من انه لا يمكن بأية حال تحميل [مسؤولية] سلوك بعض المرتزقة لشعب بكامله أو لطليعته، فإن الواقع هو أن الدم العمالي في المحاجر المنجمية، جاء ليشكل ستارا جديدا من عدم التفاهم بين الشعبين الاسباني والمغربي. إن الكبت وعدم الوضوح إن لم يكن التصفيق، للقمع في المغرب من طرف الأحزاب العمالية، شكل عرقلة في وجه فهم الطرف المسلم حتى لا يميز في كراهيته [بين عناصر] الأمة المضطهدة. إن النظاميين الذين أتوا إلى أوفييدو، صبوا حقدهم ورغبتهم في الانتقام من الاسبانيين دون أن يتوقفوا للتمييز إلى أية طبقة ينتمون، والعديد من الجنود النظاميين كانوا شهودا أو ضحايا الجرائم البشعة التي اقترفها الجيش الاسباني.

إن الكراهية العمياء والمحقة التي كانوا يحسون بها تجاه الاستعمار الاسباني استعملت من طرف الذين كانوا حقا المسؤولين عن الاستغلال الاستعماري والمستيفيدن منه. وبعد سنتين تكررت هذه المناورة من جديد على نطاق أوسع، وتتحمل هيئة أركان الأحزاب الماركسية مسؤولية تلك المناورة، لأنها لم تر أو لم ترد أو تستطع أن تدرك أسلوب الترجمة العملية للتحالف الموضوعي القائم بين الطبقة العاملة الاسبانية والحركة الوطنية المغربية. إن التجربة المأساوية للاكتوبر الاستوري كان يجب أن تكون درسا لاستدراك ذلك الطلاق. ومع ذلك لم تنفع إلا في جعله أكثر عمقا. وبدأت الدعاية الماركسية حملة –ستصل إلى حد الجنون وتقارب العبث خلال الحرب الأهلية- حول «همجيات» المغاربة وبذلك كانوا يسهلون مهمة الذين يستعملون رغبة الريفيين في الانتقام.

وسجلت سنة 1935/ ما عدا الزيارات الطقوسية –خ. مارياسيد وزير الاشتغال العمومية ومرتينيس باريو وأميريكيو كاسترو الذين أدلوا بتصريحات استعمارية معروفة- المظاهرات الوطنية بمناسبة موت عبد السلام بنونة خلال عيد الأضحى وعيد المولد النبوي، وسَفَرَ خمسة وطنيين على متن دراجات إلى مدريد من اجل تسليم رسالة إلى رئيس الجمهورية. وسجلت هذه السنة أيضا الإعدام الذي لا يُصدق رميا بالرصاص، بسبب أعمال تمت خلال حرب الريف في سنة 1925، في حق وطنيين محنكين ساهما في كل مراحل الحرب التحررية الوطنية لعبد الكريم. ففي واضحة النهار في 30 حزيران/يونيو على الساعة 12 صباحا تم اغتيال الوطنيين بن المختار ومحمد بن علي في سوق الحد بأمر من الجمهورية. إن هذه الجريمة كما كان شأن عدة جرائم أخرى وكأغلب الأحداث التي سردناها هنا مرت دون أن تلاحظ على الإطلاق. وإن مناسبة أخرى لتوحيد ضحايا تشرين الأول/أكتوبر 1934 مع ضحايا الاستعمار الاسباني، هؤلاء الضحايا المغتالون من طرف نفس الحكومة الجمهورية، هذه المناسبة لم يستفد منها مع الأسف.

وفضلا عن ذلك، عرفت تلك السنة مجهودات الحكومة للمشاركة، بشكل أو بآخر، في تقسيم الحبشة. وكان تصريح الشؤون الخارجية، بعد ما سمي بمعاهدة الأبيض المتوسط بين موسوليني ولافال، قاطعا بما فيه الكفاية: «إن اسبانيا مهتمة، أكثر من أية دولة أخرى، بهذه المسألة اعتبارا لاتساع شاطئها في البحر المذكور، واعتبارا لان الأراضي الجزيرة التي هي بمثابة زهور زينة تقدرها الأمة الاسبانية جمعاء، واعتبارا لمواقع السيادة التي تملكها على الشاطئ الافريقي واعتبارا لمنطقة الحماية، التي تخولها لها المعاهدات في المغرب، لهذه الاعتبارات ترتبط هذه [الأراضي] أكثر فأكثر بمصير أمتنا. ولعدة اعتبارات توجد حاضرة في الوعي التاريخي لوطننا، لا يجب قط، بل لا يمكن أن تكون [اسبانيا] غائبة عن مباحثات لها علاقة بالرموز الأساسية لوجودنا الوطني ذاته».

وبدأت «أ.ب.س» و«بلانكو إي نيكرو» و«إلصول» حملة ليس فقط من أجل حقنا في الغنيمة، وإنما أيضا للمطالبة بأن تعاد إلى اسبانيا منطقة ورغة التي احتلتها فرنسا لطرد عبد الكريم، ولتوسيع أراضي الصحراء وايفني، ولإصلاح القانون الدولي لطنجة الذي كان سيُجدد في 1936 مطالبة بأن تصبح هذه المدينة تحت السيادة الاسبانية. وكما كان من المنتظر لم تتأثر أية قوة امبريالية بهذه الدعاوي وبسرعة تم التخلي عن الموضوع لأن أحداثا هامة كانت تجري في مجال السياسة الوطنية. إن أحزاب ونقابات اليسار التي اتفقت على برنامج من 14 نقطة، عقدت ما بلين حزيران/يونيو وآب/أغسطس 1935 الاتفاقية التي تبلورت في جبهة شعبية.

ومن بين الانتقادات القليلة الموجودة، ربما كان تدخل اشتراكي-استعماري، هو أنطونيو اكونيا مناضل في «الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني» ونائب اشتراكي عن المغرب في الكرطيس، أحسن نقد «للاستعمار الجمهوري-الاشتراكي».

سنقوم بتلخيص لأهم فقراته، غنها طويلة غير أنها غنية بتفاصيل الجدلية الاستعمارية «للاشتراكيين-الاستعماريين».

«إذا نحن جهزنا المصالح النافعة جدا للمنطقة بالعناصر الضرورية لإعطاء تسهيلات للأهليين، لدي اليقين أنه من الممكن التخفيض بوفرة من الميزانية المخصصة للعناصر المسلحة في الميزانيات المقبلة.

«من أهم مصالح الحماية، المصلحة المتعلقة بمكتب المراقبة التي تتكفل بمراقبة الحياة السياسية والاقتصادية للقبائل. وتتكلف هذه المكاتب بجابية كل أنواع الضرائب المفروضة على الشعب المقهور. وهذه الضرائب ليست بقليل، وتتكلف أيضا باستئجار أراضي الحبوس [...]... وهي المكلفة بالسهر على سجلات المواليد والموتى والزيجات والطلاق. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم برئاسة المحاكمات التي تُعقد بين سكان القبيلة.

«إن الجزء الأكبر من المراقبين يجهل العادات والتقاليد والتشريع الإسلامي واللغات التي تستعمل في الحماية: العربية والشلحة. الأمر الذي يجعلهم غير مؤهلين للقيام بهذا العمل الدقيق جدا، مما يترتب عنه استياء الأهليين من عدم الكفاءة التي تُمارس بها مهمة الحماية التي تتحملها اسبانيا هناك.

«ومن أسباب الاحتجاج أيضا وجود كاتب واحد لـ25000 من السكان في كل مكتب للمراقبة، ومع ذلك لا يتم اختيار الكاتب من بين الموظفين المتخصصين والمقتدرين. ويحدث أيضا أن الأهليين عندما يريدون الانتقال للعمل في أماكن خارج القبيلة عليهم أن يتزودوا بالرخصة المناسبة. لكن، خصوصا عندما تكثر الأعمال الفلاحية بالمغرب، يضطر العديد من المغاربة إلى الانتقال من قبلية إلى أخرى، وعليهم القيام بذلك الإجراء ولا يعتني بهم إلا موظف واحد، وتتم الخدمة بتقصير واضح وذلك سبب آخر للاستياء الذي أشير إليه.

«لا بد أن أتحدث عن مصالح الاستعمار [الفلاحي]. توجد في المغرب مديرية للاستعمار [الفلاحي] لها ثلاث مزارع فلاحية تجريبية. ويمكن للسادة النواب أن يقفوا بوضوح على الملايين المستعملة في هذه المزارع الفلاحية، ويأتي المندوب السامي ليصرح لنا أن الاستعمار [الفلاحي] لم يبدأ بعد. واسأل الحكومة: في ماذا صرفت كل هذه الملايين؟ إن المستوصفات بدون أطباء. عندما كانت الملكية تقوم هناك بذلك التبذير الضخم كان بإمكانها أن تتصرف في الأطباء العسكريين، لكن الجمهورية التزمت بالتقليص من هذا النوع من العناصر الصحية بشكل كبير: إنها تكون أطباء مدنيين غير انه لا يوجد طبيب في كل مستوصف. وإن مستوصفا يديره ممرض لكن دون أن يتوفر على الأدوية وعندما يطلبها لا يبعثُ بها إليه لعدم توفر المال. ويأتي المغاربة بجرحى إلى هذه المستوصفات ولا يمكن معالجتهم إلا إذا حملوا معهم ضِمادة من قبيلتهم. إن ذلك لعار بالنسبة إلى أمتنا.

«ولو كانت للقبائل ولمكاتب المراقبة مدرسة أيضا، يُلقَّن فيها تعليم للصغار الأهليين، وتقام بها مطاعم تشجيعا للأهليين الشباب على الذهاب إلى المدرسة، فحتى لوْ تقدهم الرغبة في التعليم فسيجذ بهم الجوع وسنتقدم [هكذا] في انجاز عمل اسباني.

«علينا أن نهتم أيضا، في الميزانيات المقبلة، بالمساهمة في تكوين الشباب الأهليين حتى يمكنهم تقديم خدمات مساعدة لكل الهيئات الرسمية للحماية، يجب علينا أن نساهم في تكوين الشباب الأهليين هذا، لأنه إذا كنا ندعي تمدين المغرب، علينا نحن الجمهورية الديمقراطية إيجاد الوسائل الضرورية لتصبح الهيئات الرسمية في يد العناصر الأهلية. وهكذا إذا سلمنا في يوم ما إدارة وتسيير الشعب لهؤلاء سنكون قد أدينا مهمتنا بشكل كامل وهي المهمة التي أسندت لاسبانيا. وهذه المهمة، وهذا الجهد الموطد بهذا الشكل سيُعطي نتائج مفيدة لاسبانيا لان شعارنا يجب أن يكون هو رفع المستوى المعنوي والمادي للأهليين.

«وذلك هو ما لا يتم اليوم، لأنه لا يُعار اي اهتمام لما يتعلق بالاستعمار [الفلاحي]. إن المغرب ليس مخزنا للثروات، لكنه يتوفر على مناطق يمكن زراعتها وعلى المياه أيضا، وفي العديد من الأماكن، يمكن القيام بدراسات لتوطين آلاف العائلات الاسبانية والأهلية المرتبطة فيما بينها اقتصاديا، والتي تشكل أمتن قاعدة للسلم. ليست للمغربي أية مصلحة في التمرد إن لم يكن له دافع ما، وباعث ذلك بالنسبة إليه لحد الآن هو الدوس، المستمر لأرضه.

«وعلى أن أصرح بألم، أن السياسة التي تنتهج اليوم ليست هي السياسة التي يمكن أن تنصح بها اسبانيا لكي تكون محترمة. لقد شاهدت كثيرا من الحالات الشبيهة بتلك المهازل التي كانت الديكتاتورية تنظمها لاستقبال الديكتاتور، رأيت تجميع المغاربة من اجل استقبال المندوب السامي، وتركهم بدون أكل من السابعة صباحا حتى السابعة مساء وتفرض على من تغيب ذعيرة تتراوح بين 5 و25 بسيطة، ويودع في السجن من ليست له إمكانيات مادية للأداء. واعرف كيف تم اعتقال أهليين، لا يمكن اتهامكم بأنهم وطنيون، احتجوا بشكل محترم ضد التنظيم السياسي القائم في الحماية. ومن واجبي أن أطالب حكومة الجمهورية بوضع حد لهذه المصائب وأن يعامل الشعب المحمي كما لم يعامل أبدا، لأن اسبانيا، اسبانيا الديمقراطية لا ترغب في أن يكون لها أي كابوس مع مشكل المغرب.

«توجد معسكرات عسكرية مثل معسكر ترڭيست يضم لواء وكتيبة من اللفيف الأجنبي (تيرسيو) وطابورا من الجنود النظاميين وسرية مدفعية كلها محاطة بالجبال في قلب الريف. وأدى تمرد مغربي قد يكون كافيا ليقع شيء مماثل لأنوال أو الشاون. لا يجب أن تقام معسكرات في مواقع لا تضمن الشروط الإستراتيجية. ولا يجب أن تستقر وحدات من أجل إنعاش مدن وإنما من أجل اتقاء أي تمرد. وفي المغرب توزع القوات وفق متطلبات القرى التي أنشئت لتستعمل بل ولتعيش من محصول الميزانية المتأتِّي من وجود لواء للمشاة أو كتيبة اللفيف الأجنبي (تيرسيو) ولم تنشأ من أجل استغلال معين أو من أجل استثمار ثروة طبيعية.

«إنني واثق أن وزير الحربية إذا اطّلع على هذه الأحداث سيصحح ويوزع الجيش بالشكل الذي يكون معه فعالا لضمان النظام والهدوء في المنطقة. وذلك بشق الطرق والمسالك لنقل القوى العسكرية حتى تحضر بسرعة لإخماد اي انتفاضة محتملة. ويمكن القيام بذلك بسرعة بجيش مقلص العدد، إلى أدنى حد ممكن، لكنه فعال. لكن إذا لم يتغير النظام سنهزم من جديد مثلما هزمنا في 1921 و1924 إذا ما دعت الضرورة إلى تدخل الجيش في المغرب مرة أخرى».

وما لبث المغرب أن أصبح ليس كابوسا فقط بل تخمة خطيرة بالنسبة إلى الجمهورية، ولم يكن ذلك بسبب أعمال الوطنيين تحديدا. وعند تحليل أسباب فشل الجمهورية الثانية، لا يوجد تقريبا اي عمل يتضمن في سرده لتلك الأسباب عدم حل المسألة الاستعمارية. يبدو أنهم ينسون جميعا أن اسبانيا كانت تسيطر في شمال المغرب على أراضي تبلغ مساحتها 19900 كلم/مربع يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، وسيشكل هؤلاء القاعدة العسكرية الرئيسية للرجعية الاسبانية. من الأكيد أن القادة الجمهوريين كانوا يواجهون مشاكل داخلية خطيرة تكتسي صبغة الأولوية ولم يكن الحل الكلي أو الجزئي للمسألة الاستعمارية يقل أولوية، لأنهم بعدم حله وقَّعوا إلى حد ما، على الحكم القاضي بموتهم، وذلك لأنهم سهلوا [تكوين] قيادة عامة بالنسبة إلى الرجعيين الذين مستهم القوانين الجمهورية في مصالحهم. إن النظام الذي ولد في 1931 دخل التاريخ والسيف الكلاسيكي الاستعماري فوق رأسه. وكل محاولة التطور الديمقراطي والنمو الشعبي كانت تقتضي الاصطدام مع ذلك السيف عاجلا أو آجلا. وبالرغم من أن الجمهورية انتهجت سياسة استعمارية في الحماية، فإن جيش افريقيا صوب طعنة خنجر للمؤسسات الجمهورية. كان المغرب ببنيته الاستعمارية نفسها «منطقة للفاشية» في قلب الجمهورية البرجوازية. وتكتفي قراءة الصحافة الاستعمارية الاسبانية الصادرة في الحماية لتكوين فكرة عن معاداتها للديمقراطية. وانطلاقا من أن المحمي كان ينظر ويشاهد تصرف الحامي، كانت تلك الصحافة تنتقد بلذاعة كل «عدم الاستقرار» الجمهوري وكانت تعتقد إذن أن الأهلي سيفقد احترامه للوصي عليه. ذلك هو مصدر حنينها لديكتاتورية بريمودي ريبيرا ومدحها المنهجي للإجراءات القمعية، وارتياحها لما رأت أن الجمهورية لا تخون وحدها مثلها العليا وإنما أيضا الجبهة الشعبية. وفي هذا السياق يندرج تذكيرها الدائم بعسكريين مثل سان خرخو الذي هتف به «كقائد» (كوديو) في أيار/مايو 1931 والمشرح عن المغرب في انتخابات 1933، والذي أصبح سجينا بعد آب/أغسطس 1932. وفي نفس السياق يندرج ثناء الصحافة على القدرة والعظمة التي تصور بها شخصية الجنرال فرانكو، واستقبال الجيوش التي سحقت ثورة استورياس الخ... إن الاستعمار ببنيته نفسها يولد الفاشية، وان استغلالا ليبراليا ودستوريا غير ممكن داخل مستعمرة. وهذا لا يعني أن جمهورية برجوازية لا يمكنها أن تكون استعمارية، -كل الجمهوريات البرجوازية كانت استعمارية- بل يعني أن كل الذين يقومون بالدور المحزن كجلادين للشعب المستعمر، هم بالضرورة فاشيون اعتبارا لدورهم. لم يدرك الفاشيون لماذا كانت الجمهورية ضرورية، ومنذ اللحظة الأولى كانوا ضدها وشكلوا سندا رفيعا لكل المؤامرات الرجعية الممكنة. إن المناورات العسكرية السنوية في البداية، ثم نصف السنوية بعد ذلك من أجل الإبقاء على الوطنيين المغاربة خائفين، كانت تمكن من الحفاظ على جيش مهيء تقنيا. إن الإمكانية الوحيدة التي كانت للجمهورية هي التحالف مع الوطنيين الذين كانت مطالبهم تقتصر في تلك المرحلة على المطالبة باستقلال ذاتي واسع وتسيير إداري فعال. وهي مطالب قابلة للتحقيق كليا حتى في إطار طرح استعماري. وذلك ما لم يفهم أو لم يرد إدراكه والنتيجة نعرفها جميعا. طبعا من الأكيد أن الصراع الطبقي كان سيواصل مساره في اسبانيا لو لم يستمر في المغرب، لكن الرجعية ما كانت لتتوفر على نقطة ارتكاز لا تبعد عن شبه الجزيرة إلا بسبعة عشر كلم فقط. لم يكن لأي بلد استعماري ممتلكات في متناول يده إلى هذا الحد، وذلك ما يزيد من خطورة تلك الأراضي.

وبالرغم من ذلك فقد وقفنا على العمى الواعي أو اللاواعي الذي أصاب الشخصيات الجمهورية. اليمين، اليسار، خلال السنتين السوداء، خلال السنتين الإصلاحيتين، أعداء الثورة، والثوريون، كلهم رددوا نفس النشيد الاستعماري، بأدوات موسيقية مختلفة، لكنهم انشدوه. والتذبذبات الهائلة للسياسة الاسبانية لم تمس المغرب في شيء ونتائجها لم تعبر البحر الأبيض المتوسط. بل الأسوأ من ذلك شب صراع من أجل تبيان من هو أحسن مستعمر ومن يحسن التحكم في التقنيات القمعية ومن يحتقر الأهليين أكثر. وأوقفوا [العمل] بالدستور عند الحدود المغربية ومنعوا الأحزاب السياسية ورفضوا للمغاربة الذي يشتغلون في مواقع السيادة حتى الانتماء النقابي السياسي. والاستثناء الوحيد، وإن كان نسبيا، كان هو الفيدرالية الفوضوية الأيبيرية والكنفدرالية الوطنية للشغل. وتمت متابعة الجمعيات والاجتماعات والصحافة والمناضلين الوطنيين، فضلا عن مواصلة تقسيم شعب بمساعدة قمع شرس. وكان ذلك بمثابة تسميد الأرض لفائدة الرجعية الاسبانية، ومساهمة موضوعية في أن يمتد المنظر العام الإجباري والقمعي والناهب القائم في الحماية ليشمل كل البلاد. وبسرعة ذاق الاسبانيون ملذات نظام فاشي. إن الأسلوب كان استعماريا إلى حد انه صيغت بسرعة العبارة القائلة: إن الجيش الاسباني استعماري ويستعمر شعبه نفسه.

وكتب مانويل بنفيدس في «زمرة يقودها العرفاء» يقول: «سيطبق الجيش في اسبانيا نفس الأساليب المتبعة في المغرب. ومثلما كانت تحرق القبائل في عملية عقاب، ستُحرق منازل ومحاصيل الڭاييڭوس وستقل حيواناتهم الداجنة. وستغطى الجبال والطرق بأنقاض الرجال والدواب المذبوحة، وستثير أكوام من البقايا المحروقة إلى الموقع الذي كان يوجد فيه بيت فلان».

لم تكن للمغرب أية قيمة اقتصادية، والقيمة المحدودة التي كان يملكها –الحديد- كان من الممكن الاستمرار في استغلالها من طرف الرأسمالية الاسبانية، دون أن تكون السيطرة السياسية على البلاد ضرورية. إذن، لماذا حافظت الجمهورية على المغرب؟ الجواب الوحيد الممكن هو تبعية السياسة الخارجية الاسبانية للامبريالية الانجليزية-الفرنسية، لأن خرق معاهدات 1904 و1906 و1912 كان يعني مواجهة المصالح الاستعمارية البريطانية والفرنسية. كانت للبعض مصلحة، ولعدة دوافع، في أن تستمر الجمهورية وفية للمعاهدات الدولية التي عهدت لنا بهمة «تمدين» المغرب. وهي معاهدات لا تفيد بلدنا في شيء وفضحها كان سيقابل بتعاطف الجزء الأكبر من الأمة. وكان بالإمكان أيضا اختيار صيغ وسيطة من شأنها أن لا تصطدم جبهويا مع الامبرياليين. إن إعادة السيادة للمغاربة –وهو ما كان يجب أن يتم- كان سيؤدي إلى تغيير خطير في الوضع الاستعماري القائم، لكن إيداع الانتداب الاستعماري، الذي سلمته لها دول أخرى، لدى جمعية الأمم كان ممكنا لاسيما بعد أن خصص لاسبانيا فتات الوليمة الاستعمارية. وبعد سنوات، فور انتهاء الحرب، فضح الفاشيون الاتفاقيات الاستعمارية المذكورة، وهاجموا الامبريالية الانجليزية الفرنسية باعتبارها مسؤولة عن بؤسنا الاستعماري. ووضعوا أنفسهم تحت مظلة الامبريالية الألمانية لمطالبة بجزء من المغرب الفرنسي والجزائر وتونس. وكان المتخصصان الرئيسيان في القانون العام، فرنادند ومريا كستييلا وخوسي مريا أرييلس، يقيمان الدليل على أنهم لا يخرقون اي اتفاق سابق بمطالبهم لأن كل اتفاقية تحتوي على بند ضمني حاضر باستمرار ولا يكتب أبدا مفاده أن «كل المعاهدات مقدسة، لطكن ليست أية معاهدة أزلية».

وكان بإمكانهم أيضا الاستمرار في المحافظة على الحماية بـ«أسلوب استعماري تقدمي» يعني جعل مفعول الدستور الجمهوري أو على الأقل جزءا منه يمتد إلى ما وراء المضيق. وفي حزيران/يونيو 1931 عندما زار وفد من الوطنيين الكلاسمورا وسلم له مجموعة من المطالب كان بإمكان ذلك أن يشكل مناسبة ملائمة جدا لبدء تحالف بين الشعب الاسباني والشعب المغربي. لقد تقرب المغرب من الجمهورية ولم يجن إلا الرفض إن لم يكن الاحتقار المطلق. وسيحدث نفس الشيء فيما بعد مع الجبهة الشعبية. ورأى الوطنيون المغاربة أن مطالبهم لا تجد أذانا صاغية عند الأحزاب العمالية. إن الطلاق –المشؤوم بالنسبة إلى الشعب الاسباني- بين الديمقراطيين الاسبانيين وبين المغاربة، يتحمل مسؤوليته –ونكرر ذلك- الأولون (الديمقراطيون الاسبانيون) وقد أدوا ثمن ذنبهم. إن عدم وجود سياسة معادية للاستعمار واضحة وصارمة في مختلف أنواعها الممكنة: الاستقلال أو التخلي عن ممارسة الحماية أو استقلال ذاتي، أو إقرار برنامج إصلاحات ديمقراطية دنيا والتي قد تتوافق في آخر المطاف مع نص المعاهدات التي أقيمت بموجبها الحماية، أي تهييئ وتمدين الشعب المغربي لممارسة الحكم الذاتي، إن انعدام تلك السياسة أدى إلى أن العمل ضد القوى الاستعمارية في اسبانيا، لم تكن له لا صرامة التوجيه ولا المدى الذي تتطلبه الظروف.

والدليل على ذلك هو أن اللائحة الطويلة للاتهامات التي رفعها الفاشيون كأساس لتمردهم لا تتضمن، ولو من بعيد، اي شيء له علاقة بالمغرب. وهم الذين أصروا بذلك القدر على ما يسمون «النزعة الانفصالية» فيما يتعلق بالحق العادل في تقرير مصير القوميات الكطلانية والباسكية والڭييڭية، لا يتحدثون عن السياسية الاستعمارية ولا يتهمون الجمهورية أو الجبهة الشعبية ولا يشيرون إلى وضعية الحماية في ظلها. وذلك لأن الرجعيين حتى لو بحثوا بالمجهر، لن يتمكنوا من العثور على اي سبب للاحتجاج فيما يخص معاملة الجمهوريين والجبهة الشعبية للريفيين «الهمجيين». وعرف الرجعيون كيف يثمنون بدقة قيمة الإمكانيات التي تقدمها لهم المستعمرة المغربية.

وبالرغم من أنهم يكادون لا يتحدثون عنها على العموم، إذ يقدمون تمردهم كرد فعل وطني، فبعض المؤرخين مثل ريكاردو دي لسييربا عندما يعلق على الحرب ضد عبد الكريم، في كتابه تاريخ الحرب الأهلية الاسبانية، تفلت منه زفرة ارتياح حينما يكتب: «من المهول التفكير في المصائب التي كان من الممكن أن يحملها معه سرطان الريف، ولو بدأت معه الحركة الجديدة لتصفية الاستعمار. فبالنسبة إلى المشاريع اللاحقة لسان خرخو وفرانكو وقادة أفارقة آخرين كانت تهدئة المغرب تعني قاعدة لا تقدر بثمن وخزانا بشريا مخلصا ولا ينفذ».

وكان من المعتاد أن توجد في مدن وثكنات منطقة شمال المغرب لوحدة حجرية –اقتلعها المغاربة بعد استقلالهم- نقشت عليها العبارة التالية «إن جيش افريقيا اسباني بشكل مضاعف». ووصف الجنرال فرانكو، برؤية سديدة، المغرب بجبهة الخط الأمامي وبأنه حجر زاوية انتصاره.

المناضل-ة عدد 41

ميغل مرتين

  الاستعمار الاسباني في المغرب - (1860-1956) الفصل الأول
  الاستعمار الاسباني في المغرب - (1860-1956) الفصل الثاني
  الاستعمار الاسباني في المغرب - (1860-1956) : الفصل الرابع
  كتاب ميغل مرتين :الاستعمار الاسباني في المغرب - (1860-1956)
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها