جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 حوادث الشغل و الأمراض المهنية: تحويل صناديق العمل إلى صندوق الإيداع و التدبير إضرار بحقوق الضحايا


الخميس 5 تموز (يوليو) 2012

حمزة

تندرج تعويضات حوادث الشغل و الأمراض المهنية في نطاق الحماية الاجتماعية للعمال طالما أن أرباب العمل هم المسؤولون المباشرون عن أداء الاشتراكات التي تمول هذه التعويضات. لكن أرصدة اشتراكات أرباب العمل يتم تسييرها عن طريق عمودين للتأمين. تحتكر شركات التأمين الخاصة حصة من الاشتراكات، و تسيرها بمنطق المردود المالي، بقصد دفع تعويضات دائمة أو مؤقتة للضحايا يمكن نعتها "بالأساسية". أما حصة ثانية من الاشتراكات، فيجري تسييرها بواسطة ما يسمى صناديق العمل. و هي صناديق عمومية تؤدي بالأساس تعويضات للضحايا لاستكمال الإيراد "الأساسي"، أو أداء إيراد في حالة انعدام التأمين أو عسر المشغلين أو شركات التأمين. و عدد صناديق العمل ثلاثة، هي صندوق الضمان لضحايا حوادث الشغل و صندوق التضامن للمؤاجرين و صندوق الزيادة في إيرادات حوادث الشغل.

تعريف صناديق العمل

تقدم صناديق العمل الخدمات التالية: بعد صدور حكم المحكمة، يحل صندوق الضمان لضحايا حوادث الشغل محل المشغل الذي لم يقم بتأمين عماله، في انتظار أن يسترد ما دفعه من تعويضات للأجير. كما يضطلع بأداء جميع التعويضات عن الحوادث في حالة إفلاس المشغل أو شركة التأمين. يتجلى هنا الطابع الاجتماعي لدور هذا الصندوق، إذ يضمن حقوق الضحايا عن طريق اشتراكات أرباب العمل الذين يتحملون التعويضات بشكل تضامني(المقاولات المفلسة أو غير المؤمنة تدفع عنها الاشتراك مقاولات أخرى).

أما صندوق التضامن للمؤاجرين فيمنح تعويضات لعمال القطاع الخاص الذين تعرضوا لحوادث شغل تسببت فيها أعمال حربية أو مسلحة أو نتيجة تهيجات شعبية. وقد قام هذا الصندوق بتعويض العمال الذين كانوا ضحية أحداث 16 مايو 2003.

و أخيرا يتدخل الصندوق الثالث، صندوق الزيادة في إيرادات حوادث الشغل، دوريا للزيادة في الإيرادات، وذلك للمحافظة على قدرتها الشرائية في مواجهة ارتفاع الأسعار. فالإيرادات التي تؤديها شركات التأمين للضحايا تفقد قيمتها جراء التطور السنوي لارتفاع الأسعار،لذا يتدخل هذا الصندوق بمتوسط كل ثلاثة أو أربع سنوات للحفاظ على مستوى القدرة الشرائية للإيراد. و فضلا عن ذلك، يتكفل الصندوق بالزيادة في الإيراد من أجل الاستعانة بشخص آخر لفائدة الضحايا ذوي عجز دائم أو كلي. كما يتحمل مصاريف أجهزة تقويم و استبدال الأعضاء للمصابين بحوادث الشغل في انتظار صدور حكم المحكمة الذي يحمل شركة التأمين أو المشغل بأداء الصوائر.

تمول كل الخدمات التي تقدمها صناديق العمل عن طريق مساهمة أرباب العمل، وذلك بأداء رسوم على أقساط التأمين التي تدفعها المقاولات لشركات التأمين الخاصة، بالإضافة إلى رسم آخر تؤديه المقاولات غير المؤمنة بعد صدور الحكم بأداء الإيراد. تقوم صناديق العمل، إذن، بقسم من دور الحماية الاجتماعية لضحايا حوادث الشغل حيث تساهم في تكوين جزء من الإيراد لكل الذين يحصلون عليه و ذلك كي يتم الحفاظ على القدرة الشرائية للإيرادات في مواجهة ارتفاع الأسعار. ويمثل ذلك أهم الخدمات التي تقدمها الصناديق للضحايا. أما المبدأ الثاني الذي يجعل من هذه الصناديق تنتمي للحماية الاجتماعية فهو اعتمادها على مبدأ التضامن في تحمل المخاطر. فالإيراد مضمون للضحايا حتى في حالة إفلاس المقاولة أو شركة التأمين أو عدم وجود تأمين.

الهجوم على صناديق العمل عبر جبهتين

خلال السنوات السبع الفارطة، قامت الدولة و أرباب العمل و شركات التأمين بشن هجوم على صناديق العمل من أجل تحويلها من مكسب يخدم الحماية الاجتماعية للعمال إلى صناديق تخدم مصالح أرباب العمل و تساير الهجوم العام على الصناديق العمالية. نفد الهجوم عبر جبهتين: خفض تدريجي لمعدل مساهمة أرباب العمل، و إسناد التدبير الإداري و المالي للصناديق الثلاثة إلى الصندوق الوطني للتقاعد و التأمين التابع لصندوق الإيداع و التدبير.

خفض معدل اشتراك أرباب العمل

تمثل الرسوم المفروضة على أقساط التأمين التي يؤديها أرباب المقاولات أهم مورد لتمويل الخدمات التي تسديها صناديق العمل لضحايا حوادث الشغل و الأمراض المهنية. فقد بلغ مجموع الرسوم على أقساط التأمين في بداية الثمانينات معدل 25%(موزعة بين 23% لصندوق الزيادة في إيرادات حوادث الشغل و 2% لصندوق التضامن). غير أن هذا المعدل انخفض بالتدريج، خاصة منذ 2006 ، حتى وصل 12% في سنة 2009، تم يتعرض من جديد للتخفيض بعدما صدر قرار لحكومة بنكيران في بداية أبريل 2012 بتقليصه إلى معدل 8% فقط.

و نتيجة لذلك تقلصت مساهمة أرباب العمل بما يفوق الثلثين مقارنة ببداية الثمانينات. إن هذا الشق من المداخيل هو الذي يمول معظم الخدمات التي تسديها صناديق العمل للضحايا، لأن معدل الرسم يفرض على جميع أقساط التأمين على حوادث الشغل و الأمراض المهنية التي تصدرها شركات التأمين. إن خفض هذا المعدل بالثلثين يؤدي أوتوماتيكيا إلى خفض موارد الصناديق بنفس المعدل تقريبا، و هو ما يمثل إضرارا فادحا بضحايا حوادث الشغل و الأمراض المهنية حيث سيؤدي إلى تخفيض التعويضات التي يحصلون عليها. أما الشق الثاني من مداخيل صناديق العمل فتتمثل في رسم كان في بداية الثمانينات يبلغ 69% من رؤوس الأموال المكونة للإيرادات التي يتحملها المشغلون الذين لم يقوموا بالتأمين، غير أنه تقلص بدوره إلى 60% في سنة 1985 دون أن يطاله تغيير منذ ذلك الحين. وجدير بالذكر أن نسبة هذا الرسم و إن كان يبدو كبيرا فإنه لا يفرض إلا على مبلغ إيرادات الضحايا الذين لم يقم المشغل بتأمينهم ضد حوادث الشغل، لذا فمداخيله لن تكون ذات شأن قياسا بالشق الأول من المداخيل.

كان من الحتمي أن يؤدي خفض مساهمة أرباب العمل إلى ظهور عجز في صناديق العمل، و التي لم تتغلب عليه صناديق العمل في السنوات الأخيرة إلا بالاستعانة بالاحتياطي الذي راكمته عندما كان معدل الرسم مرتفعا. و يعترف عبد الرفيع حمضي المتصرف بإدارة صناديق العمل أن سبب تقلص المداخيل يرجع إلى تقليص معدل الرسم الذي تؤديه المقاولات لصندوق الزيادة في الإيرادات، حيث "فكرت الإدارة آنذاك بتخفيف العبء على المقاولات".

في ظل تقلص مساهمة أرباب العمل، و بالتالي تراجع المداخيل، لن يكون بإمكان صناديق العمل برمجة زيادات في الإيرادات في حالة ارتفاع الأسعار مثلا.

إن التخفيضات المتوالية التي طبقتها الحكومة في السبعة سنوات الأخيرة غير مبررة. فلا زال مئات الآلاف من العمال غير مؤمنين ضد حوادث الشغل و الأمراض المهنية. إضافة إلى أننا نشهد في السنوات الأخيرة ارتفاع الأسعار، خاصة المواد الغذائية الأساسية التي تشكل أساس استهلاك العمال و التي قد تعرض الإيرادات لفقدان قدرتها الشرائية.

لا مبرر لذلك سوى استجابة الحكومة لرغبات أرباب العمل المطالبين بتقليص كلفة اليد العاملة. لقد عبر ممثلو أرباب العمل و شركات التأمين منذ أمد بعيد عن معارضتهم لفرض رسوم صناديق العمل مطالبين علانية بإلغائها. فقد سبق أن اعتبر عز الدين كسوس رئيس شركات التأمين و إعادة التأمين خلال النقاش حول مشروع تعديل قانون حوادث الشغل في نهاية 2002 أن وجود صندوق الزيادة في إيرادات حوادث الشغل لا معنى له مطالبا بإلغائه و ذلك للتخفيف من كلفة العمل.

تحويل التدبير إلى الصندوق الوطني للتقاعد و التأمين

منذ إنشائها ظلت صناديق العمل مكلفة بالتسيير الإداري و المالي للصناديق في ظل وصاية وزارة التشغيل إلى غاية سنة 2006 ، حيث أحدث قانون المالية "قسم حوادث الشغل" بوصفه مرفقا للدولة مسيرا بصورة مستقلة تابعا لوزارة التشغيل و أولاه مسؤولية الإشراف على الصناديق. أتى قرار وضع الصناديق تحت الإشراف المباشر لوزارة التشغيل في ظل النقاش حول عدم فعالية تسيير الصناديق و بعد صدور تقرير مفتشية وزارة المالية لسنة 2004 . أكد التقرير غياب نظام صارم للرقابة و وجود مصاريف غير مبررة و عدم مصداقية بعض العمليات. و وجهت انتقادات لثقل مصاريف التسيير بفعل الوزن الذي تشكله الكثلة الأجرية للموظفين البالغ عددهم آنداك 383 موظف. ركزت الحكومة و الصحافة على ارتفاع عدد الموظفين رغم غياب ما يفيد تأثيرها على ميزانية الصناديق و دون أن تطرح إن كان هذا العدد من الموظفين كافيا للقيام بجميع الخدمات التي تمليها التزامات الصناديق. و تجاهلت أن ما يلحق الضرر بميزانية صناديق العمل هو الهدايا التي قدمتها الحكومة لأرباب العمل حينما قلصت مساهماتهم للصناديق بمعدلات قياسية كما رأينا أعلاه.

بعد القرار الصادر في قانون المالية 2006 ، أتى قانون المالية للسنة الموالية 2007 ليقرر تفويت صناديق العمل للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دون أن يحدد تاريخ ذلك. كان من شأن ذلك أن يشكل مكسبا يساهم في توطيد نظام الحماية الاجتماعية للعمال و يحسن الخدمات و يعزز أهمية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لكن قيادات النقابات العمالية تركت المجال فارغا دون أن تعبر عن دعمها لهذه الخطوة. لذا تدخلت منظمة أرباب العمل و شركات التأمين للضغط على الحكومة من أجل التراجع عن هذا القرار. و هكذا حذف قانون المالية لسنة 2011 "قسم حوادث الشغل" المكلف بالإشراف على الصناديق و أناط بالصندوق الوطني للتقاعد و التأمين التابع لصندوق الإيداع و التدبير التسيير الإداري و التقني و المالي لصناديق العمل الثلاثة. بعد هذا الانتصار الذي حققته شركات التأمين لم تحرك قيادات نقابات العمال ساكنا و التزمت صمت المتواطئ أمام الهجوم على أحد أركان الحماية الاجتماعية التي تشكلها هذه الصناديق العمالية. بل إن قيادة النقابات لم تؤيد عمال هذه الصناديق عندما كانوا يخوضون معزولين معركتهم البطولية(إضرابات، اعتصامات...) مقاومين الهجوم على أحد القضايا المصيرية للطبقة العاملة بأسرها و أبانوا عن حس طبقي بدفاعهم عن مطلب تحويل الصناديق للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لقد بدل عمال الصناديق كل ما بوسعهم للرد على الهجوم، لكن المعركة كانت أكبر منهم. كان يجب على قيادات النقابات أن تحشد الدعم و تقود النضال العمالي ضد تفويت أموال العمال لصندوق الإيداع و التدبير الذي يعمل بمنطق شركات التأمين الخاصة.

يقوم الصندوق الوطني للتقاعد و التأمين التابع لصندوق الإيداع و التدبير بالإشراف على تسيير أموال تأمين التقاعد الخاصة "بالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد" و عدة صناديق أخرى، بالإضافة إلى تسييره لجزء من أموال التأمين على حوادث الشغل و حوادث السير. يتماشى تسيره "للمحفظات المالية" لهذه الصناديق وفق المنطق الذي تشتغل به شركات التأمين الخاصة، و القاضي باحتكار رؤوس أموال التأمينات لتحقيق أرباح وذلك باستثمارها في السوق المالية و فرض مصاريف لتسييرها من جهة ثانية.

سيقود إقصاء وزارة التشغيل من الإشراف على تسيير صناديق العمل إلى المزيد من إعفاء أرباب العمل من تحمل أعباء الخدمات التي تقدمها هذه الصناديق. فمن سيطبق مبدأ رفع مساهمات أرباب العمل في حالة ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للإيرادات كما كانت تقوم بها دوريا إدارة صناديق العمل؟

إن تدبير صندوق الإيداع و التدبير لأموال صناديق العمل سيساهم في تحويلها من صناديق للحماية الإجتماعية تمول أساسا باشتراكات أرباب العمل إلى صناديق تمول التعويضات الإجتماعية عن طريق مداخيل السوق المالية. أتبتت الأزمة المالية العالمية فشل منطق الرسملة المراهن على استثمار أموال التأمينات الاجتماعية في الأسواق المالية للحصول على مداخيل مالية لتمويل التعويضات الاجتماعية. لقد أدت الرسملة بالعديد من البلدان إلى فقد ملايين العمال لمعاشات تقاعدهم.

علاوة على هذه المساوئ، يتميز التدبير المالي للمحفظات المالية للتأمينات الاجتماعية التي يشرف عليها صندوق الإيداع و التدبير بالغموض و استعمال التدليس لرفع أرباحه. فقد أتبت تقرير مجلس الحسابات لسنة 2008 قيام صندوق الإيداع و التدبير برفع مصاريف تسيير الخدمات المتعلقة بالمحفظة المالية "للصندوق الجماعي لمنح رواتب التقاعد" بشكل مبالغ فيه، حيث رفعها بأكثر من 12 مرة في ظرف ستة سنوات. يؤكد ذلك أن سعي الصندوق وراء رفع أرباحه سيقوده دوما نحو نهب أموال صناديق التأمين تحت غطاء مصاريف التسيير. أضف إلى ذلك أن الصندوق رفع بشكل مصطنع من معدل المردودية المالية للمحفظة المالية للصندوق الجماعي لمنح رواتب التقاعد من خلال إجراء عمليات بيع و شراء وهمية للسندات، و ذلك حتى يتمكن من قطف الأرباح. كما يقوم بتوظيف أموال صندوق تقاعد العمال في العمليات التي تقوم بها شركات استثمار مالي تابعة مباشرة له.

استنادا إلى هذه الخلاصات، فإن الموقف الذي يجب أن تجسده النقابات العمالية هو رفض تحويل صناديق العمل إلى صندوق الإيداع و التدبير. إن واجب الدفاع عن مصالح الشغيلة يفرض المطالبة بإشراف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على تدبير أموال العمال، وهو ما سيضمن عدم تدهور إيرادات حوادث الشغل و الأمراض المهنية و سيحول دون تنصل أرباب العمل من أداء الاشتراكات باعتبارها مصدرا وحيدا لأداء التعويضات. إن الواجب يقتضي، بالأحرى، المطالبة بإشراف الضمان الاجتماعي على تدبير كل أموال التأمين على حوادث الشغل التي تحتكرها حاليا شركات التأمين الخاصة. ذلك هو الكفيل بتوسيع الحماية الاجتماعية للعمال.

الرفيق حمزة

المناضل-ة عدد 41

حمزة

  من يسيطر على صادرات المغرب من الفواكه و الخضروات؟
  أنظمة التقاعد على ضوء تقرير المجلس الأعلى للحسابات
  حصيلة الهجوم على صندوق الموازنة
  اتفاقية الصيد البحري بين الاتحاد الأوربي و المغرب: منطق الأقوى لنهب الثروات السمكية
  تحرير أسعار المنتجات البترولية و إلغاء دعم صندوق الموازنة مخطط امبريالي لاستكمال السيطرة على قطاع الطاقة
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها