جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

  لالة فاطمة نسومر:رائدة المقاومة الامازيغية بالجزائر،"جان دارك منطقة القبايل(*)" شابة مقاومة قهرت الجيوش الفرنسية.


الاثنين 7 كانون الثاني (يناير) 2013

الرفيقة تيهيا

يقول المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف:" إن كتابة التاريخ يجب أن يكون تاريخا كتب بحرية لأناس أحرار أو يطمحون إلى الحرية وفي خدمة المجتمعات". كتاب "التاريخ الجديد"،تعريب المؤرخ التونسي محمد الطاهر المنصوري، منشورات المنظمة العربية لترجمة سنة 2007 .

تقدم "لالة فاطمة نسومر" نموذجاً لكفاح المرأة الامازيغية - الجزائرية - ضد المستعمر الأجنبي، وتلخص تجربتها عطاء المرأة المغاربية التي تضرب مثال التضحية والفداء من اجل الوطن والأرض. فهذه المرأة استطاعت أن تقهر أعلى الرتب العسكرية في الجيش الفرنسي الذي استعمر الجزائر لسنوات طويلة اتصفت لالة نسومر بأعلى درجات البطولة والشجاعة، وامتلكت قدرا عاليا من الدراية والحنكة والذكاء الخارق في قيادة المعارك العسكرية، مما مكنها من مواجهة عشرة جنرالات من عتاة القادة في القوات المسلحة الفرنسية التي غزت الأراضي الجزائرية، فلقّنتهم دروسا في البطولة والفروسية وتقديرا لدور فاطمة نسومر التاريخي أطلق اسمها على جمعيات نسائية مناضلة في الجزائر، كما أُلفت حولها أعمال أدبية وفنية،. ورغم أنها معروفة وذكراها محفوظة في ذاكرة بلدها الجزائر وبالأخص لدى القبيليين ، لكن قصة كفاحها مجهولة لدى الكثيرين خارج بلدها.

ولدت فاطمة في عام 1830 وهو العام نفسه الذي حدثت فيه كارثة الاحتلال الفرنسي للجزائر.رأت النور في قرية ورجة التابعة اليوم لبلدية أبي يوسف، دائرة عين الحمام، في ولاية تيزي وزو (100 كلم، شرق العاصمة الجزائر).

اسمها الحقيقي فاطمة سيدي محمد بن عيسى، ولقبت بــ "نسومر" نسبة إلى قرية نسومر، التي كانت تقيم فيها، و"لالة" لفظة توقير، تعني باللغة الأمازيغية "السيدة".

نشأت نشأة دينية(مثل عبد الكريم الخطابي في الريف) في أسرة تنتمي في سلوكها الاجتماعي والديني إلى الطريقة الرحمانية، فأبوها سيدي محمد بن عيسى مقدم الشيخ الطريقة الرحمانية، وكانت له مكانة مرموقة بين أهله.لكن شخصية تلك الشابة المقاومة تمردت على سلوكات ذكورية سواء من داخل أسرتها أو محيطها الاجتماعي ، تقدم لخطبة فاطمة نسومر الكثيرون، ورفضتهم واحدا تلو الآخر، ثم اضطرت تحت ضغط الأهل إلى الزواج من يحيى ناث ايخولاف. وافقت عليه على كره منها، لكنها لما زُفّت إليه تظاهرت بالمرض، وأظهرت كأن بها مسًّا من الجنون فأعادها إلى أهلها !!!، ورفض أن يطلقها، فبقيت في عصمته طول حياتها وعلى اثر ذلك، وجدت نفسها وحيدة منعزلة عن الناس، فتركت قريتها وتوجهت إلى قرية نسومر، حيث يقطن أخوها طاهر، والتي نسبت إليها وإلى هذه القرية نسبت النون في الأمازيغية للإضافة.

أطلق المستعمر الفرنسي اسم "جان دارك جرجرة" على الشابة الجزائرية الأمازيغية فاطمة نسومر تشبيها لها بالبطلة القومية الفرنسية "جان دراك/JEANNE D’arc." (*).

وفي نموذج فاطمة نسومر تأكيد مشاركة المرأة الجزائرية إلى جانب رجال الجزائر في الكفاح الوطني البطولي حتى في أيام اندلاع ثورة فاتح نوفمبر 1954، فقد كسرت لالة فاطمة نسومر، القاعدة بمقاومتها للاستعمار، بعد أن كانت تلك المقاومة مقتصرة على الرجال فقط، من أبناء الجزائر وبعد احتلاله للعاصمة عقب معركة سيدي فرج، زحف الجيش الفرنسي على بلاد القبائل، وتصدى له سكان المنطقة في معركة "ثادميتtadmyet/" عام 1844، وقاوموا وجوده. لكن الفرنسيين، وبسبب الأعداد الهائلة من القوات الزاحفة، تمكنوا من التمركز في تيزي وزو وبالضبط في (قصبة بلاد القبائل) .

وفي سنة 1850 أطلق الشريف محمد بن عبد الله بوبغلة الثورة ضد المحتلين، فانضمت فاطمة نسومر إلى ثورته، مع عدد من قادة العشائر وشيوخ القرى. وفي عام 1850، حاول الجنرال روندون RONDOUN دخول "الأربعاء نايت ايراثن" لكن المقاومين الجزائريين ألحقوا به هزيمة منكرة.

وفي مواجهة وقعت في قرية " تزروتس" بين قوات الجنرال ميساتMESSAT والسكان، كان على الجنرال الفرنسي أن يجتاز نقطتين صعبتين، هما: "ثشكيرت "و"ثيري بويران"، وفي هذا المكان كانت لالة فاطمة نسومر تقود مجموعة من النساء واقفات على قمة قريبة من مكان المعركة، وهن يحمسن الرجال بالزغاريد والنداءات المختلفة، مما جعل الثوار يستميتون في القتال،وتلك هي فرصة إدماجهن إلى جانب الرجال في الجيش الدي ستنشئه فاطمة نوسمر فيما بعد لخوض معارك أخرى،فبعض المصادر قدرت عدد النساء بأكثر من 100 امرأة وفتات.

وفي تلك المعركة جرح القائد بوبغلة، فأنقذت فاطمة حياته، وقد طلبها للزواج، فلم تستطع لتعليق زوجها الأول عصمتها. كما اشتركت فاطمة في معركة أخرى في 18 يوليو 1854 هزم فيها الفرنسيون وانسحبوا مخلفين أكثر من 800 قتيل و371 جريح.

أما أشهر معركة قادتها فاطمة نسومر فهي تلك التي خاضتها إلى جانب الشريف بوبغلة في مواجهة الجيوش الفرنسية الزاحفة بقيادة الجنرال روندون وماكماهون، بأعالي جبال "تمزقيدة"، حيث أبديا مقاومة بالغة، لكن عدم تكافؤ القوات عدداً وعدة اضطر الشريف بوبغلة إلى الأخذ بنصيحة فاطمة نسومر للانسحاب نحو "بني يني". إن التكتيكات الحربية التي قامت بها تلك الزعيمة كان جلها مفيدا في محاصرة الجيوش الفرنسية،فإذا كانت جل الدراسات التي تناولت حرب العصابات لدى جيش الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف بالمغرب،فان حرب العصابات هاته لدى جيش فاطمة نوسمر،المكون من سكان القبائل الجبلية وشيوخها نهجتها عدة مرات في مواجهة الجيوش الفرنسية المقسمة إلى مجموعات.

كما عبئت رفقة الشريف بوبغلة كل الفئات الاجتماعية لمواجهة زحف القوات الفرنسية التي يقودها القائد الفرنسي روندون، واستطاعوا إلحاق الهزيمة بها، وتمكنت فاطمة نسومر من قتل الخائن الجودي بيدها.

وعلى الرغم من الهزيمة التي منيت بها قواته، واصل روندون التغلغل في جبال جرجرة، فاحتل "عزازقة" عام 1854، وأنشأ معسكرات في كل المناطق التي تمكّن منها، وواصل هجومه على كل المنطقة.

ومع تغلغل الجيش الفرنسي في قلب البلاد واصلت فاطمة نسومر المقاومة، فحققت انتصارات بمناطق "يللتن" و"الأربعاء" و"تخبت" و"عين تاوريغ".

أدى نجاح فاطمة نسومر بضرب القوات الفرنسية إلى الاستنجاد وطلب قوات إضافية، وبالمزيد من المجازر والإرهاب ضد الجزائريين العزل. ولجأت قوات الاحتلال إلى أسلوب التدمير والإبادة الجماعية، وقامت بقتل كل أفراد العائلات من دون تمييز، فاضطرت فاطمة على إثرها إلى إعطاء الأوامر بالانسحاب بقواتها إلى قرية "تاخليجت عيس نأيت " ولتكوين فرق سريعة تتقن حرب عصابات لضرب مؤخرات القوات الفرنسية وقطع طرق المواصلات والإمدادات عليه.

أدت أساليب حرب العصابات التي اتبعتها فاطمة نسومر كما ورد عند الصحفي الفرنسي لويس ماسينون/LOUIS MASSIGNON ، إلى إرباك قيادات القوات الفرنسية وعلى رأسهم الجنرال ماكماهون القادم من منطقة قسنطينة. وعلى اثر الضربات الموجعة التي وجهتها المقاومة الجزائرية خشي من تحطم معنويات الجنود، فجند جيشاً قوامه 45 ألف جندي بقيادته شخصياً. فهذا الجيش المنظم ومكتمل العتاد العسكري كان انشغاله ضرورة وضع حد لتلك المقاومة التي تقودها امرأة شابة لا يتجاوز عمرها 30 سنة ، بدأت شعبيتها تنتشر في كل مناطق الجزائر.لدلك اتجه ماكماهون صوب قوات فاطمة نسومر المتكونة من جيش من المتطوعين قوامه سبعة آلاف رجل وعدد من النساء الدي يتزايد من معركة إلى معركة، والتحم معها في قتال عنيف. ولما احتدمت الحرب خرجت لالة فاطمة نسومر في مقدمة الجميع وهي تلبس لباساً حريرياً أحمر كان له الأثر البالغ في رعب عناصر جيش الاحتلال. وانتهت المعركة بمقتل 44 جنديا فرنسيا من بينهم ضابطان و327 جريحا منهم 22 برتبة ضابط وبعد مفاوضات توقف القتال بأربعة شروط منها:

-   إعادة انتشار القوات الفرنسية خارج القرى والتجمعات السكانية.

-  عدم دفع الضرائب.

-  عدم متابعة ومعاقبة قادة المقاومة.
-  حماية الأشخاص والممتلكات.

قاد المفاوضات عن الجانب الفرنسي الماريشال راندون، وعن الجانب الجزائري سي الطاهر أخ فاطمة نوسمر . وقد تظاهر الماريشال راندون بقبول شروطها إلا أنه أمر بإلقاء القبض على الوفد الجزائري بمجرد خروجه من المعسكر. ولم يكتف بذلك، بل أرسل النقيب فوشو إلى قرية "ثخليجث نأيت عتسو" لإلقاء القبض على لالة فاطمة نسومر فأسرها وعدد من النسوة.

وتفيد مصادر تاريخ الجزائر وكذلك بعض المصادر الكولونيالية أن الجيش الفرنسي خلال هذه المعركة صادر العديد من الممتلكات، ونهب حلي النساء واغتصب بعضهنا كدرس لكل متمردة ضد المحتل،وهدا ما ترك دعرا في صفوف نساء تيزي اوزو وكل الأقطار الجزائرية.

وعلى الرغم من المقاومة الباسلة التي أبدتها قوات فاطمة نسومر، لكن العدة والعتاد التي امتلكها الجيش الفرنسي فرضت منطقها على ارض الواقع. فجرت مراسلات بين الطرفين للمفاوضات وإيقاف الحرب. لكن السلطات الفرنسية نقضت العهد وغدرت بالوفد المفاوض، وتم اعتقالهم بمجرد خروجهم من المعسكر ثم أمر الجنرال ماكماهون بمحاصرة فاطمة نسومر وتم أسرها.

وخشية من عودة الثورة مجدداً إلى بلاد القبائل قررت السلطات الاستعمارية سجن فاطمة نسومر مع 30 شخصاً من رجال ونساء لبني سليمان "بتابلاط". وبقيت في السجن لمدة سبع سنوات تحت حراسة مشددة، إلى أن توفيت وهي لم تتجاوز 33 سنة بعد مرض عضال تسبب في شللها في سبتمبر 1863ثم هناك رواية أخرى تروي أنها ماتت مسمومة.

وتظل سيرة حياتها سيرة بطل مغوار.. لا مجرد امرأة.

رحلت فاطمة نسومر، لكن قصتها ظلت باقية في الضمير الشعبي الجزائري وخاصة امازيغ منطقة القبايل.

 

(*)جان دارك (1412-1431)،شابة من أصل فرنسي ،احد ابرز جوه مقاومة الاحتلال الانجليزي في حرب المائة عام (1337-1453)، جان دارك لا يتجاوز عمرها 20 سنة تمردت على الكنيسة ،تم إعدامها وحرقت جثثها بتهمة الإلحاد والخروج عن طاعة الكنيسة والقساوسة.

المناضل-ة عدد 41

الرفيقة تيهيا

 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها