تمهيد : لقد اصبح واضحا اليوم الهجوم المنظم الذي تقوده الدولة البيورجوازية بإشراف من الدوائر المالية الاحتكارية على قطاع الخدمات العمومية ، فبعد ان انتهت من إحكام الاغلال حول رقاب أجراء القطاع الخاص عبر تكييف القوانين مع متطلبات السوق العالمية بتقزيم الاجور وتسويغ الطرد وتعميم المرونة والابقاء على الفصل 288 من القانون الجنائي ومشروع القانون التنظيمي للاضراب ، هاهي تتفرغ الآن لانزال الهزيمة بأجراء الوظيفة العمومية حتى بدون معركة ، وذلك من خلال التدرج في تمرير البرامج والخطط ذات المضامين العدائية بهدف التصفية الشاملة لمكاسب وحقوق شغيلة الوظيفة العمومية واقرار مشاريع قوانين وانظمة اساسية تراجعية تضرب استقرار الشغل وتكرس المرونة والعمل الهش والعمل بالعقد المؤقتة وتفتح ابواب السمسرة في نظام تقاعد الموظفين على مصراعيها امام المضاربين الخواص لمراكمة الارباح ، وفاء لالتزامات الدولة المغربية ازاء المؤسسات المالية العالمية .
على خلفية هذه المقدمات ياتي مشروع "البرنامج التطوعي للتقاعد المبكر" او المغادرة الطوعية لحث موظفي الدولة المدنيين على مغادرة الوظيفة العمومية ، مصحوبا بضجة اعلامية فظة لتغليف عملية التسريح الممنهج هذه لأجراء الوظيفة العمومية باكاذيب واهية من قبيل الارادوية والتحفيز والتشجيع ...الخ الخلفيات والاهداف : منذ مطلع السبعينات ومع اشتداد حرب المنافسة واستيلاء المؤسسات المالية الاحتكارية على جل مناطق العالم وضمها الى السوق الراسمالية ، لم يعد امام الرأسمال من مناطق نفوذ جديدة يغزوها ضمن حرب المنافسة تلك سوى موارد الدول نفسها .
وهكذا اهتدى خبراؤه منذ مطلع الثمانينات الى ذلك الكنز الجديد وأتجهت مخططات هيئة أركان المال العالمي (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ) الى الإستيلاء على المؤسسات الاقتصادية العمومية، وذلك بفرض وصفة عالمية بدون استثناء تقضي بتفويت تلك المؤسسات العمومية للخواص وتحريرالتجارة والغاء الجمارك ... الخ ضمن ما يسمى ببرامج التقويم الهيكلي للاقتصاد . ولكن ذلك لم يكن كافيا لاشباع شره الرأسماليين الى المزيد من الربح فأتجهت الى غزو الخدمات الاجتماعية الاساسية من صحة وتغطية اجتماعية واتصالات وكهرباء وما وغاز .....الخ.
وقد تجندت الدولة لتوفير الضمانات والمساعدات للرأسماليين حتى يتسلموا تلك الخدمات في أحسن الظروف من حيث كلفتها ومستلزماتها وتجهيزاتها ... وما يتطلبه ذلك من استغناء عن الموظفيين والاعوان والمستخدمين . ومع تزايد أرباح المستثمرين الرأسماليين يتصاعد استعار المنافسة من جديد متطلبة أرباحا مالية أعظم وهذه بدورها تتطلب فتح أسواق أوسع.
ان هذه الدوامة التي يعيشها الرأسمال العالمي تدفعه الى الإنقضاض كل يوم على مجال من مجالات الخدمات العمومية . ضمن هذه الاستراتيجية ، استراتيجية الاستيلاء على الخدمات العمومية والخدمات الاجتماعية وخوصصتها ودمجها بالسوق الرسمالية مع ما يستتبع ذلك من نتائج كارثية على العامليين بها ، ولد مشروع " البرنامج التطوعي من أجل التقاعد المبكر " أو المغادرة الطوعية للوظيفة العمومية .
فما هي اذن الأهداف الحقيقية لهذا البرنامج المقنع لتسريح الموظفين بعد فشل البرنامج في صيغته الاولى في تحقيق الاهداف المتوخاة ، نتيجة ارتياب وعدم ثقة المواظفين في مشروع الدولة رغم التطمينات و الوعود السخية التي وظفت كل أساليب الأحتيال والنصب وهو فشل لا يمكن تصويره بأي حال من الأحوال كنتيجة منطقية لتعبئة شاملة ومجهود تنويري في صفوف شغيلة الوظيفة العمومية من طرف منظماتها النقابية التي ظلت وفية في هذا الفصل أيضا لشعارها الخالد " الصمت حكمة " .
أما الدولة فعاقدة العزم على المضي قدما في توفير كل الضمانات والشروط اللازمة لتمرير مشروعها الرامي لاسعاد جموع من الموظفين البؤساء والمفقرين بتحويلهم الى مقاولين أصحاب ثروة وجاه !! حتى يساهموا بدورهم في حل معضلة البطالة بالبلد من خلال تشغيلهم للشباب حاملي الشهادات وهكذا دواليك .. انها العبقرية المغربية في توليد العجائب .
لقد جندت الدولة كل الليبراليين المتحمسيين لمشروعها" التحديثي الحداثي" وكل وسائل الدعاية والاعلام السمعية منها والمرئية والمقروءة لاقناع الموظفين بفضائل مشروعها ومزاياه مضيفة اليه بعضا من البهارات تستحق التقدير .
فبعد أن كانت الصيغة الأولى تنص على استفادة الموظف المغادر من أجرة شهر عن كل سنة خدمة بسقف 30 شهرا ، تنص الصيغة الجديدة على أجرة شهر ونصف بسقف 36 شهر ، ونيل التقاعد مباشرة بعد تصفية الملف من طرف الصندوق المغربي للتقاعد مع معدل 2% لاحتساب التقاعد على أن يعود هذا المعدل الى مستواه العادي أي 2،5%عند بلوغ 60 سنة .
كما وصف هذا البرنامج بأنه يتضمن مزايا عملية تتمثل بالنسبة للادارة العمومية في تمكينها من اعادة هيكلة الوظفية العمومية . وبالنسبة للموظفين المعنيين ، تمتيعهم بتعويض فوري من أجل التقاعد المبكر يضاف الى معاش التقاعد ، وتمكينهم من الاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم للانخراط من جديد في مجال الأنشطة الانتاجية أو الخدماتية ، اما بوصفهم أجراء أو من خلال أنشاء ورشات أو مقاولات صغيرة ... لتشجيع الأستثمار .
وهكذا فان برنامج الدولة حول المغادرة الطوعية يقول كل شي وأي شي ماعدا أن يشرح للمعنيين بالامر كيف يمكنهم التحول الى مقاولين ومستثمرين وهم يعلمون أن مبلغ التعويض الفوري عن المغادرة بالنسبة للسلاليم من 10 وما دونه لا يضمن حتى شراء مرآب حقير بضاحية مدينة هامشية . ان سياسة اللبراليين بالاستمرار في تغدية الأوهام بخصوص هذا الموضوع لمثيرة للسخرية .
ان تقييم الشباب حاملي الشهادات المعطليين لتجربتهم مع تلك البرامج الفاشلة لخير دليل على بؤس وسخافة أكاذيب الليبراليين " لقد جربت الدولة العديد من البرامج لتضليل العاطلين وامتصاص نقمتهم منها مبادرة التشغيل والتكوين التأهيلي .. وخلقت لذلك مجموعة من المؤسسات امتصت حجما هائلا من المال العام دون أن يتلو عملها توفير شغل لأزيد من نصف مليون من العاطلين لا تكف صفوفهم عن التضخم، آخرها الوكالة الوطنية لانعاش الشغل .
والكفاءات وفضيحتها مع شركة النجاة التي نصبت على أزيد من 30ألف شاب معطل ...بل أن أغلب المقاولين الشباب المستفيدين من البرنامج أصبحوا مقاولين ناجحين في ولوج السجن ...." ، نتيجة الافلاس والمتابعات القضائية بالاكراه البدني .
أما الميزة الأخرى التي يتغنى برنامج المغادرة الطوعية بأفضالها على الموظفين الراغبين في "الانطلاقة" ( نيل التقاعد مباشرة مع معدل %2 على ان يعود هذا المعدل الى مستواه العادي 2.5 % عند بلوغ 60 سنة ) فلا تخلوا بدورها من مكر واحتيال ، فالهاجس الوحيد لمشروع المغادرة الطوعية بخصوص هذه المسالة هو اقناع المغادرين بكون تقاعدهم مضمونا ومصانا ، فهل يملك المدافعون عن المشروع الشجاعة اللازمة لاطلاع المعنيين من الموظفين المشاركين على مضامين الاصلاح الهيكلي لانظمة التقاعد الذي يجري طبخه في سرية تامة بعيدا عن أنظار المعنيين؟ لماذا تتعطل آلة الاعلام والدعاية الرسمية وغير الرسمية عن الاشتغال والقيام بنفس الادوار والترويج والتحسيس حينما يتعلق الامر بمشاريع وبرامج ذات مضامين عدائية صريحة تجاه الأجراء والمعدمين !! ؟
كم عدد الندوات التي نظمتها الإذاعة والتلفزة "الوطنيتين " حول المناظرة الوطنية لاصلاح انظمة التقاعد المنعقدة يومي 16 و 17 دجنبر 2003 ؟ كم استطلاعا لرأي المعنيين وكم حوارا اجرتهما الصحف والمجلات والجرائد الرسمية وغير الرسمية لاستجلاء مضامين وابعاد إصلاح التقاعد .
إن لشعار" الصمت حكمة" بعدا تشاركيا حين يتعلق الامر بمصير الكادحين والمقصيين من جنة " ديموقراطية الأسواق المالية " إن محاولة الدولة من خلال برنامج المغادرة الطوعية افهام للموظفين المغادرين كون تقاعدهم مضمونا ومصانا في الوقت الذي تعد فيه سرا لمخطط "إصلاح هيكلي " لمنظومة التقاعد تعادل حرمان المتقاعدين من حقوقهم المكتسبة ، ليعد بمثابة غش وتدليس وتزوير للوقائع يستدعي معالجة قضائية لو توفرت شروط استقلال ونزاهة القضاء ببلادنا .
" فمنذ سنوات والصحافة الموالية للدولة تنشر الارقام والنسب لتفهمنا ان صناديق التقاعد في خطر وأن التدخل العاجل وتحمل التضحيات أمر لاغنى عنه ، وبعد إخبارنا أن الصندوق المغربي للتقاعد مهدد بالعجز حيث ستتساوى النفقات مع الموارد في 2006 و 2007 ، يفسرون ذلك بانخفاض عدد دافعي الاشتراكات قياسا على المتقاعدين : 12 مقابل 1 في بداية الثمانينات إلى 5 مقابل 1 حاليا دون ذكر الاسباب ، والى ارتفاع نسبة الاطر ( تقاعدهم مكلف ) حيث انتقلت من 15 % من الاجراء في سنوات الثمانينات الى 30% حاليا ، ولكن كيف حصل ذلك كله ؟
الاسباب جلية وكلها تحمل بصمات الدولة :
وقف التشغيل واستفحال البطالة .
هزالة أجور القاعدة العريضة للموظفين .
عدم أداء الدولة لكامل حصتها للصندوق منذ عقود ( أزيد من 11 مليار درهم )
تسيير غير ديموقراطي تتصرف فيه الدولة البرجوازية كما تشاء ، ويفتح الباب لكافة اشكال الاختلاس والنهب كما دلت فضيحة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي .. إذ ظل الصندوق المغربي للتقاعد مسيرا من طرف وزارة المالية الى غاية 1997 ، حيث احدث مجلس ادارة مثل فيه الموظفين عبر اللجن الثنائية تمثيلا لن يعطيهم في آخر المطاف أي سلطة عليه .
ورغم هذا فان الدولة متمادية في سياستها المسؤولة عن تلك الازمة بما اسمته بالمغادرة الطوعية مما سيعمق اختلال توازن الصندوق ( مال الفيل : خاصو فيلة امولاي ) .
انعقدت المناظرة يومي 16 و17 دجنبر 2003 حيث قدمت الوزارة تقريرا حول انظمة التقاعد يتناول سيناريوهات "الاصلاح" :
مضاعفة نسبة المساهمات (وقد بدأت الدولة تطبيقها برفع النسبة الى 8 % في ميزانية 2004 في اتجاه بلوغ 10 % )
رفع السن القانوني للتقاعد الى 65 سنة .
توحيد الصناديق احدهم للقطاع العام والآخر للقطاع الخاص .
خفض نسبة احتساب المعاش لتقارب 1.5 % .
اعتماد مبدأ الرسملة بدل مبدأ التوزيع .
احداث انظمة تقاعد تكميلية لدى الابناك والمؤسسات الخاصة .
وذلك في اتجاه هيمنة العنصر الاخير على بقية العناصر السالفة . ان الرسملة مفيدة بالنسبة للراسمال ، لكنها عرضة لتقلبات وازمات النظام الراسمالي ، مما يعرض المتقاعدين لخطر خفض المعاشات وحتى فقدانها نهائيا كما حدث لعمال الشركة الامريكية العملاقة "إنرون " وكذلك في الشيلي . وكما قال محمد هاكش ( الكاتب العام للاتحاد النقابي للموظفين ) : " إن الازمة التي يعيشها نظام التاقاعد لم تكن من صنع الطبيعة ولم تأت نتيجة ظروف قاهرة بل كانت نتيجة النهب والتبذير وسوء التسيير على يد اشخاص ماديين يجب تحديد هوياتهم ومسائلتهم واجبارهم على استرجاع الاموال المنهوبة الى اصحابها "
فلتكف ابواب الدعاية للسياسة الليبرالية اذن عن عن الاستمرار في التغني بمزايا ومحاسن التقاعد " المريح والمضمون " في برنامج المغادرة الطوعية .
اما فيما يتعلق بمزاعم الدولة البورجوازية في كون عملية المغادرة الطوعية تمثل المخرج الوحيد والامثل .
تمويل عجز نظام المعاشات العسكرية بالفوائد السنوية التي يسجلها نظام المعاشات المدنية ضدا على الفصل 12 من ظهير 7 غشت 1996 بتنفيذ القانون رقم 95/43 القاضي بمراقبة التوازن المالي للنظامين كل على حدى وفق بيانين منفصلين .
لمعالجة الاختلالات المالية والادارية التي تنخر المرفق العمومي من خلال خفض كلفة الاجور العمومية والتخلص من مظاهر تضخم الجهاز الاداري عن طريق صرف الفائض من الموظفين او اعادة نشرهم فليست سوى حيلة مكشوفة للالتفاف على مطالب الموظفين والمطالبين بتحسين اجورهم وبحقهم في الترقية والعيش الكريم وبوسائل عمل افضل لتحسين ادائهم والرفع من جودة الخدمات التي يقدمها المرفق العمومي للمواطنين .
فلحد علمنا لم تسعى الدولة قط وليس بامكانها ان تفعل ، للوقوف الجدي على مظاهر الاختلالات العميقة التي تشل الجهاز الاداري الفاسد بما فيه مؤسسات الدولة الغارقة في الفساد والمخزنة وشتى أنواع البيروقراطية والاستبداد ، نظام اداري قائم على نزعة التقديس وشخصنة السلطة وطاعة الموظفين للاوامر دون نقاش او نقد ، ان انتقالا حقيقيا نحو ادارة ديموقراطية منفتحة تعتمد القواعد الحديثة القائمة على المشاركة الجماعية والفاعلية والتحفيز الحقيقيين وايلاء الكفاءة والمسؤولية والمحاسبة الاهمية القصوى في الممارسة وانتخاب المسؤولين الى مراكز المسؤولية وامكانية محاسبتهم او عزلهم من طرف منخبيهم بعيدة كل البعد عن اكاذيب الدولة البورجوازية وادعاءاتها . وشاهدنا في ذلك ما عرفته السنين الاخيرة من توالي ملفات الفساد ونهب المال العام بلغت قيمتها 100 مليار درهم . هذه الاموال المنهوبة هي اموال الشعب المغربي مرصودة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ، ونهبت للاغتناء الخاص وبالتالي لابد من محاكمة ومعاقبة مقترفي جرائم النهب ومصادرة ممتلكاتهم لتنمية التعليم والشغل والصحة والسكن . غير ان الدولة البورجوازية لاترى حلا آخر ممكنا لانقاذ جهازها الاداري الفاسد غير اجور موظفيها المعدمين بالديون والسلفات .
ان برنامج التقاعد المبكر" المغادرة الطوعية " ليس سوى حلقة في سلسلة الهجوم النيوليبرالي على مكاسب وحقوق اجراء الوظيفة العمومية وعلى المرفق العام تحت ادخنة ديماغوجية غير ان صمت المنظمات النقابية واستنكافها عن الاضطلاع بالمسؤوليات والادوار الملقاة على عاتقها في تنوير واستنهاض الوعي لدى اجراء الوظيفة العمومية ، ساهم بشكل خطير في شل قدرات المقاومة وتعميق البلبلة والانقسام في صفوف طبقة الاجراء ، فهل تجرؤ الطلائع النقابية على كسر جدار الصمت المريب ورسم معالم مستقبل آخر ممكن برنامجه بناء وحدة الطبقة العاملة وتجاوز الحلقيات العصبوية القاتلة وكل اشكال الاستسلام لاي نزعة بيروقراطية محافظة وفتح آفاق تلمس المستقبل .
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها