جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 نضالات عمال منجم اميضر: تاريخ حافل بالتجارب والدروس


الاحد 1 أيار (مايو) 2005
المناضل-ة عدد: 7


في يوم 23 أبريل المنصرم أطفأت نقابة ك.د.ش بالمنجم شمعتها العشرين، وبهذه المناسبة نقدم المقال التالي

تعريف عام بالمنجم
يقع منجم إميضر في السفح الشمالي لجبل صاغرو بالقرب من قرية إميضر التابعة لتنغير، بإقليم ورزازات، وهو أول منجم لإنتاج الفضة بالمغرب والعاشر بإفريقيا. بدأ استغلاله منذ العصر الوسيط، ما بين القرن8 والقرن12، أي ما بين عهدي الأدارسة والموحدين –كما تدل على ذلك القطع النقدية لتلك الفترة والمصنوعة من فضة المنجم – وقد انحصرت الأشغال آنذاك في صفيحة من 300 متر طولا لا يتجاوز عمقها 60 مترا، لتتوقف الأشغال بالبئر بعد أن غمرته المياه، وينسى نهائيا. وفي الستينيات من القرن20 سيساعد المسح الطوبوغرافي على اكتشافه، وتنطلق الأشغال من جديد. فبدأ إجراء الأبحاث من طرف «مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية» (B.R.P.M)، إلا أن مهمة القيام بالدراسات وتقييم الأشغال البدائية وانطلاقة الأشغال الجديدة، تطلبت سنة 1969 إحداث شركة جديدة، وهو ما أفضى إلى ميلاد شركة معادن إميضر (SMI) التي كان يساهم في رأسمالها كل من «مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية» بنسبة %69 و«أمنيوم شمال أفريقيا» (أونا) بسنة %31 إلى حدود 1996 (سنة الخصخصة). وقد هدفت هذه الشركة إلى إحياء أنشطة الاستغلال القديمة. فبعد حملة واسعة للتنقيب على المعدن بإدخال التقنيات الحديثة، حيث تأكد وجود احتياطات هائلة لتتحول الأشغال إلى باطن الأرض سنة 1978 -1-. في السنوات الموالية أقامت الشركة مشروع توسيع يتضمن بنيات تحتية جديدة، اجتماعية كالحي السكني بتنغير الذي يضم 300 سكن للعمال بمختلف مرافقه الثقافية والرياضية... وبنيات معدنية كمعمل المعالجة، فبعد إغلاق المعمل القديم أسس معمل جديد. ذو طاقة إنتاجية مضاعفة، إذ ينتج ما بين 14 و15طن من الفضة شهريا، أما سنويا فينتج ما معدله 200 طن من الفضة الخالصة الموجهة نحو التصدير إلى أوروبا وخاصة فرنسا وسويسرا حيث تستخدم في الصناعة السينمائية وصناعة الأدوية وغيرها.. لم يكتف قطب "مناجم" ، احد مكونات أونا، بالمغرب بل غزا دولا إفريقية كغينيا والنيجر.

ظروف اشتغال اليد العاملة
تشغل «شركة معادن إميضر» حاليا 382 عاملا (ضمنهم 80 تقنيا) و18 مهندسا وقرابة نفس العدد من العمال تشغله مقاولات العمل من الباطن التي استقدمت للعمل بالمنجم في السنوات الأخيرة. أما في الإدارة العامة بالبيضاء فهناك 11 موظفا تابعا لمنجم إميضر. يعمل هؤلاء الكادحون، عمال SMI وعمال المقاولات، في ظروف صعبة تتسبب في تدمير صحتهم باستمرار، خاصة خلال السنوات الأولى للاستغلال، قبل إدخال الآليات الحديثة. فعمال باطن الأرض، كانوا يعملون وسط الهواء الملوث بالغبار ودخان الآليات المهترئة والمتفجرات، ويعانون من الحرارة. لا يخلو هذا الغبار من مادة السيليكوز التي تصيب الجهاز التنفسي ، أما دخان الآليات فكانت آثاره تبدو على وجوه العمال المطلية باللون الأسود، كما وقعت بالباطن حوادث أودت بحياة بعض الأرواح وخلفت عاهات مستديمة. أما عمال معمل المعالجة فكانوا يشتغلون في ظروف لا تقل خطورة نظرا لتعاملهم مع غاز "السيانور" السام المستعمل في معالجة الفضة الخام لتصفيتها من الشوائب، والذي يمنع لمسه، أما إذا أضيف إليه حامض معين، فإن استنشاق المحلول يؤدي إلى السقوط أرضا. خطر هذا الغاز لا يهدد البشر وحسب، بل يسبب أضرارا للبيئة المحيطة بالمنجم، لأنه يتسرب على شكل جدول مائي إلى خارجه، ويلوث الفرشة المائية للمنطقة. علما أن السيانور مادة لا تتحلل إلا بعد مرور قرون من الزمن. إن صحة البشر وتلوث البيئة لا تدخل في صلب اهتمامات أرباب العمل مادام هدفهم هن الربح. أما العاملون بالمختبر فيتعرضون لخطر المواد السامة التي يتم استنشاقها يوميا. وبمصلحة الجيولوجيا كان العمال والتقنيون يستنشقون مادة الأمونياك التي كانت سابقا تستعمل في وضع الخرائط والتصاميم وهي مادة سامة. وفي الفرن la fusion يتعرض العمال لخطر الحرارة واستنشاق الهواء الملوث، كما تلوث البيئة بالدخان الناتج عن صهر المعادن خاصة معدن الزئبق الذي ينتجه منجم إميضر إضافة إلى الفضة.

التحسن النسبي لظروف العمل
في السنوات الأخيرة، وسعيا منها لتسريع وثيرة الإنتاج، والتخفيض من الأمراض المهنية، والحوادث لكونها تكلفها مبالغ إضافية في التأمين، أدخلت الشركة مجموعة من التحسينات كتوفير الآليات الحديثة للحفر، والاستعمال المكثف للمتفجرات ووضع هوائيات ضخمة لإدخال الهواء وأخرى لإفراغ باطن الأرض من الهواء الملوث، وآليات نقل المعدن، ومصاعد ومهابط كهربائية، والاستغناء عن مادة الأمونياك بمصلحة الجيولوجيا واستبدالها بالحاسوب لاستنساخ التصاميم والخرائط. كان إدخال الآلات الحديثة خطوة إلى الأمام، لكن رغم ذلك، استمرت الأخطار المحدقة بأرواح العمال كالدخان في البئر3، ودخان إحدى الآلات Pompe à Béton ودخان بقية الآليات المهترئة، ويدل على ذلك مرض العينين الذي أصيب به أحد العمال مؤخرا، كما لا يزال تلويث البيئة على حاله، وكذا خطر الحوادث والمواد السامة.

الوفيات
ونذكر منها:
1- وفاة العامل إبراهيم لعريف سنة 1984 بعد سقوطه فوق مثقاب من الحجم الكبير.
2- وفاة العامل عبد الكريم السكوري سنة 1988 متأثرا بمرض مهني لكونه يشتغل مساعدا بالمختبر، وقد لجأت إدارة الشركة إلى تزوير سبب وفاته مدعية أنها كانت طبيعية، استنادا إلى شهادة مسلمة من طبيب بالمركز الصحي بتنغير يدعي فيها بأنه أجرى تشريحا طبيا للجثة! رغم أن وسائل التشريح لم تكن متوفرة بالمركز المذكور، هذا في حين أن الشهادات المسلمة للهالك من دكاترة كبار بالرباط والبيضاء سنة 1987 وضمنها شهادة للدكتور عبد المجيد بوزوبع، تثبت تأثره بالمواد السامة بناء على التحليلات الطبية.
3- وفاة أحد العمال إثر حادثة مروعة في أبريل من سنة 2000 بسبب سقوط صخرة على لوح حديدي شق رأس العامل إلى نصفين.
4- وفاة عامل آخر في نفس الأسبوع من أبريل 2000 وهو من عمال إحدى المقاولات من الباطن.
5- وفاة العامل التقني الكهربائي الحاج أولتحان في شهر أكتوبر 2004 بسبب خلل في آلة السكيب الكهربائية نظرا لاهترائها.

اختفاء وسائل الوقاية من الأمراض
تدل النقطة18 من لائحة المطالب الحاملة لتاريخ 01 يونيو 85 التي تقدم بها عمال نقابة ك.د.ش إلى الإدارة، وهي تتعلق ب: «توفير الأقراص المضادة للمواد السامة» عن محاولة منهم لاستعادة أحد المكتسبات الضائعة، ويتعلق الأمر بالأدوية المضادة للسموم، والتي كانت متوفرة بكثرة عندما كان القائمون على تسيير المنجم أوروبيون، حيث كان المستوصف يغص بها. وكان هؤلاء يجبرون العمال على تناولها يوميا حتى خلال العطلة السنوية، ويصدرون أوامر صارمة بعدم تناول الأطعمة في أماكن العمل، ويمنعون المصافحة والأكل قبل الدخول إلى الحمام.. لكن بعد مغربة المنجم اختفت كل هذه المكتسبات. أما وسائل الوقاية الأخرى كالكمامات، فلا يستطيع العمال استعمالها طيلة مدة العمل التي تبلغ ثماني ساعات لكل فوج.

التطبيب
يوجد بمقر العمل مستوصف يعمل به 3 ممرضون وطبيب الشركة، إلا أن هذا الأخير غادر المنجم سنة 2004 دون أن تعمل الإدارة على التعاقد مع طبيب آخر واكتفت بالتعامل مع الطبيب الرئيسي لمستشفى تنغير. كما يوجد بالحي السكني بتنغير مستوصف يعمل به ممرض واحد. أما التطبيب خارج الإقليم فهو على نفقة الشركة، كما تنص على ذلك الاتفاقيات المبرمة منذ بروتوكول92.

البنية العمرية للعمال
سبق لإدارة الشركة أن وقعت مع النقابات العمالية بالمنجم بروتوكولات عديدة منذ 87 تتضمن اتفاقا حول أسبقية أبناء العمال في التشغيل! وقد أفضى تطبيق هذا الاتفاق إلى تواجد جيلين من العمال بالمنجم، جيل الآباء الذين قضوا ما معدله 20سنة في العمل، والذين راكموا تجربة واسعة في مجال النضال النقابي، وجيل الأبناء الذين تصادف ولوجهم للعمل مع تسريع وثيرة الاستغلال وتطبيق مدونة الشغل ومحاولات الإدارة الإجهاز على المكتسبات بعد دخول المنجم مرحلة الخصخصة.

تاريخ الوجود النقابي
كان الاتحاد المغربي للشغل «إ.م.ش» أول نقابة تأسست بالمنجم، لكن أهم ما يعرف عنها هو تواطؤ أعضائها مع الإدارة، مما جعل العمال يضعونها على الهامش. فقد كان أعضاء «إ.م.ش» يضعون ملفا مطلبيا من شقين، الأول خاص بهم كأشخاص والثاني بالعمال، وإذا استجابت الإدارة لمطالبهم الشخصية، يتم إقبار الشق المتعلق بمطالب العمال. وفي سنة 1983 بادر مجموعة من العمال بتأسيس نقابة تابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب (إ.ع.ش.م)، وفي 23أبريل 1985 بادرت مجموعة أخرى من العمال بتأسيس نقابة في إطار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مباشرة بعد التأسيس تعرض أعضاء مكتبها النقابي لمضايقات لا تخطر على بال، فكل عامل كلم عضوا من "ك.د.ش" يتعرض للاستفسار والزجر وعقوبة الحرمان من بعض المنح، وحتى إلقاء التحية ممنوع، ففرضت على مناضلي "ك.د.ش" عزلة خانقة وظل كاتبهم العام الرفيق إبراهيم أولكبير يتعرض لما يشبه الاعتقال على يد قائد مقاطعة تنغير الذي كان يستدعيه ويتركه ينتظر إلى غاية منتصف الليل.. لقد بدأ عمال "ك.د.ش" نضالهم منبوذين بمقر عملهم، لكنهم أبدوا صمودا منقطع النظير وبقدر ما يصمدون، يكسبون تعاطف العمال. كان أول من سيؤدي ضريبة النضال وبشرف هو الرفيق محمد مازدا عضو المكتب النقابي الذي طرد يوم 07/06/1985 هو والرفيق محمد زروال الذي سيتم إرجاعه فيما بعد. أدى هذا الإجراء التعسفي إلى خوض عمال "ك.د.ش" لأول إضراب ناجح لهم بتاريخ: 05/07/1985 لمدة 24ساعة لإرجاع رفيقهم المطرود والزيادة في الأجور والتعويض عن التلوث وضمان التطبيب، والتعويض عن الكراء وتوفير النقل وترسيم المؤقتين من 5سنوات عمل وعددهم 65 والتعويض عن القفة (طعام العامل). كان يشارك في إضراب "ك.د.ش" 30 من العمال الأكثر كفاحية، لكن تأثيره كان أعمق بكثير. لم يتمكن المناضلون من إرجاع رفيقهم إلى العمل، كما أن الحكم الذي أصدرته المحكمة لصالحه لم ينفذ. تواصلت التعسفات والمضايقات فاتخذت إجراءات زجرية في حق الرفيقين حريدة الخمالي ولحسن أزركان، كما تم توقيف الرفيق إبراهيم أولكبير، لكن الإدارة ستتراجع عن هذه المضايقات تحت ضغط العمال المتنامي ، ويبرز التعاطف العمالي مع النقابة الفتية من خلال تزايد عدد المنخرطين الذي انتقل من 30 إلى 47 سنة 1990 وإلى 179 سنة 1994 وإلى 235 سنة 1999 وإلى 266 سنة2000 وإلى 315 سنة 2004، لتصبح "ك.د.ش" القوة النقابية الوحيدة كأداة للنضال بيد كافة عمال المنجم بعد إفلاس النقابات الأخرى. لقد جسد عمال "ك.د.ش" بكفاحهم شعار: «طبقة واحدة=نقابة واحدة» على أرض الواقع ابتداء من أواخر التسعينيات.
بعد إضرابهم الأول سنة 1985 دفاعا عن الحرية النقابية توالت الإضرابات من أجل انتزاع المطالب المسطرة في الملفات المطلبـية، ونذكر منها إضراب 15/04/1987 ثم إضراب 12 دجنبر 1990 ثم المشاركة في الإضراب العام ليوم 14 دجنبر 1990 وصولا إلى أواخر1991 والنصف الأول من 1992 التي ستشهد إضراب الستة أشهر البطولي بتنسيق بين "ك.د.ش" و"إ.ع.ش.م".

مقدمات إضراب الستة أشهر
كانت الشرارة الأولى للمعركة إقدام الشركة على اقتحام سكن الأرامل بالحي السكني بتنغير في محاولة لإخراجهن منه بدعوى تنفيذ حكم قضائي. بلغ هذا الترهيب أوجه يوم الجمعة 15/11/1991 حيث ركزت الإدارة هجومها في البداية على ثلاث أرامل فقدن أزواجهن في العمل:
رقية أيت بوجمعة أرملة عبد الله أيت بوجمعة: أم طفلان.
خديجة بن بغدادي أرملة عبد الكريم السكوري: أم 5 أطفال+ الجدة.
ميرة المنصوري أرملة محمد الحكيم: أم 6 أطفال.
ففي هذا اليوم المشهود بلغت درجة التنكيل بهؤلاء الكادحات حد الإلقاء بأمتعتهن في الشارع بما فيها صحن العجين الذي أعدته رقية أيت بوجمعة لإطعام أطفالها اليتامى. أدى هذا التشريد إلى تمرد عمالي غاضب في نفس اليوم، عبر عن نفسه على شكل مسيرة عمالية، انطلقت من الحي السكني عند مدخل تنغير وصولا إلى وسط المدينة. فتراجعت الإدارة تحت الضغط الشعبي ولم تتسلم مفاتيح سكن الأرامل والمتقاعدين إلا بعد مرور 6أشهر، أي بعد انتصار الإضراب الذي خاضه العمال ومقابل التعويض المتفق عليه في بروتوكول92. أما الحكم القضائي الذي تسعى الإدارة لتنفيذه، فقد أصدره بالوكالة عن الأغنياء قاضي "الأمور المستعجلة" ابتدائيا بورزازات بتاريخ 27/02/1991 مدعيا في نص الحكم أن: «زوج المدعى عليها (الأرملة) وقع على تصريح جاء في فصله 16 أنه في حالة إنهاء عقد الشغل لأي سبب ومنه الوفاة، فإن ذوي حقوقه ملزمون بإخلاء السكن وتسليم مفاتيحه لإدارة المنجم».

إضراب الستة أشهر
التعويض عن السكن على رأس المطالب
أمام المخاوف التي أثارها هجوم الإدارة على الأرامل والمتقاعدين لإخراجهم من السكن، تقدمت كل من "ك.د.ش" و"إ.ع.ش.م" بملف مطلبي للإدارة بتاريخ 26/11/1991 حيث وضع العمال على رأس مطالبهم التعويض عن السكن بما قدره 10 مليون سنتيم لكل عامل في حالة التوقف عن العمل بالمنجم، ومقابل تسليم المفاتيح، إضافة إلى مطالب أخرى كالتعويض عن الأمراض وتطبيق بروتوكول1987 الذي ينص على تشغيل أبناء العمال. أمام تعنت الإدارة خاض العمال إضرابا لمدة 24ساعة يوم 20/12/1991 بتنسيق قاعدي بين النقابتين متزامن مع تنسيق فوقي بين المركزيتين، ثم إضراب آخر لمدة 48 ساعة يومي 26 و27 دجنبر 1991، ونظرا لتعنت الإدارة سيمدد ليصل إلى 6 أشهر وإلى غاية توقيع البروتوكول وعودة العمال إلى العمل ابتداء من يوم 13 يونيو 1992.
القوة الضاربة للإضراب
كانت وسيلة الضغط الأساسية التي لجأ إليها العمال هي توقيف الإنتاج وشل حركة المنجم نهائيا، ولهذا الغرض شكلوا لجنا متعددة الوظائف، نذكر منها حواجز الإضراب Piquets de grève التي أقاموها في نقطة العبور التي تفصل بين المنجم ومعمل المعالجة والتي تمر منها الشاحنات المحملة بالمعدن الخام مانعين مرورها إلى المعمل، وقد أطلق العمال على نقطة العبور هاته لقب «الخافجي» نسبة إلى نقطة العبور بين العراق والكويت خلال اجتياح91، وفي نفس الاتجاه كانت لجن أخرى وعمال فرادى يقومون بالتصدي الحازم لكاسري الإضراب خارج أماكن العمل، مستهدفين بالخصوص الوصوليين المستغلين اسم نقابة الاتحاد المغربي للشغل. أدت هذه القوة الضاربة وانخراط الأغلبية الساحقة من العمال في الإضراب إلى توقيف الآلات التي كانت تعمل 24/24 بصفة نهائية، هذا رغم وجود أقلية من العمال غير المضربين إضافة إلى التقنيين.
الدور الحاسم للجموعات العامة
لعبت هذه الأخيرة دورا أساسيا في نجاح الإضراب، فعلى صخرتها كانت تتكسر كل محاولات كاسري الإضراب. فقد حرص العمال طيلة المعركة على عقدها بانتظام في مقرات النقابتين، لمناقشة كل المستجدات ولتجديد العهد على الصمود والثبات على الموقف، وعلى صخرة هذا الموقف الجماعي الحازم كانت تتكسر كل أشكال الحرب النفسية ومحاولات الإغراء المادي التي سخرت لها الإدارة مرتزقين ياسم "إ.م.ش" والتي كانت تهدف إلى إرجاع العمال إلى آبار الاستعباد، كما تبخرت كل آمال الإدارة التي كانت تراهن على الوقت، وتتوقع بين الفينة والأخرى أن تنهار قدرة العمال على تحمل شهور من التجويع والترهيب، ويعودوا إلى الأشغال الشاقة بدون مقابل، لكن هيهات، فقد أصر العمال على الصمود في مواجهة كل ظروفهم المعيشية الصعبة وكل الإشاعات التي تغمز هنا وهناك «إنهم يبيعون أثاث منازلهم، إنهم يتضورون جوعا..». هذا الصمود والتحدي تدل عليه تدخلاتهم النارية خلال الجموعات العامة. ففي الجمع المنعقد يوم 09/02/1992 بمقر "إ.ع.ش.م" بتنغير صرخ أحد العمال قائلا «قوامنا قوام صحيح ولابد من القضاء على الاستبدادية»، وصرخ آخر: «يجب أن يتحرك المغرب كله حتى يتحقق المراد»، وقال آخر: «نحن لم نضرب إلا بعد أن دمرت صحتنا، فهم إن أرادوا عودتنا للعمل فليعطونا ما نستمر به في العمل عندهم»، «ما قيل من كون العمال تعبوا من الإضراب إشاعة أطلقها خدام الإدارة والخونة.. نحن لم نتعب ومستمرون في الصمود». كان العمال يحذرون بعضهم من السقوط في شباك كاسري الإضراب خاصة أحد أعيان «إ.م.ش» من أبناء المنطقة الذي كان يعرض مبالغ مالية لشراء الذمم لكن دون جدوى، يليه المهندسون الذين سمحت لهم مصالحهم باضطهاد العمال، أما التقنيون فقد قامت الإدارة باستمالتهم إلى جانبها خلال الإضراب، لكن ليس إلى الأبد، إذ سرعان ما سينضمون إلى النقابة، "ك.د.ش" بالخصوص، بعد الإضراب لتعزيز صفوفها بعد أن خبروا سوء معاملة الإدارة لهم حتى وهم غير مضربين مثلما سينضم إلى النقابة العمال الذين كانوا غير مضربين. كان سلاح الإشاعة الذي لجأت إليه الإدارة من أخطر الأسلحة وقعا على مسامع العامل المضرب، كالإدعاء بأن مجموعة من العمال قد التحقت بالعمل، أو ستلتحق غدا.. وكان الهدف هو زرع البلبلة وتشتيت صفوف المضربين، لكن الجموعات العامة كانت أداة لنقل الأخبار وتبادلها والقيام بالتحريض والدعوة لليقظة «إننا ناعسون، إنهم مثلما أرادوا أن يخدمونا خصنا نخدموهم، الأعمال الفدائية!» «إنهم يبحثون لنا عن فخ مثل التوريط في سرقة الفضة، لا يجب أن نتعامل سوى مع المناضلين من العمال ونقاطع غير المناضلين»، «يجب أن نفك الحصار الذي يضربه رجال الدرك على الطريق المؤدية إلى المنجم، يجب أن نتحرك» «أؤكد على العمال أن يستمروا في الصمود»، «عندما رأوا عددنا يتناقص في المنجم قالوا إننا تعبنا من الإضراب، نحن لم نتعب، يجب أن يتوجه كل عامل إلى المنجم يوميا في إطار الإضراب»، كانت الجموعات العامة بحق أداة فعالة لتبديد المخاوف وقيادة المعركة نحو الانتصار، رغم أن العمال كانوا يخوضونها وحدهم تقريبا، نظرا لضعف التضامن.

ضعف التضامن العمالي مع المضربين
رغم الحجم الهائل لأعداء العمال، لم تكن قيادة المركزيتين في مستوى ما يمليه عليهما الواجب، فقد ظل الإضراب في عزلة قاتلة نظرا لتقاعس القيادتين عن تغطيته إعلاميا وهذا أضعف الإيمان، ناهيك عن واجب التشهير بجبروت أرباب العمل الذين يراكمون أرصدتهم البنكية على حساب الكادحين، وقد عبر أحد العمال بمرارة عن احتجاجه على التعتيم الإعلامي على المعركة خلال نفس الجمع العام قائلا: «نحن نصاب بالتوتر عندما نجد الصحافة لا تكتب عنا»، وطالب آخر بالتضامن قائلا: «نريد من النقابة (المركزية) الدعوة إلى إضراب في كل المناجم تضامنا معنا، فنحن في أمس الحاجة إلى التضامن والمساعدة وصرح عامل آخر محتجا: «نؤاخذ المسؤولين النقابيين على النقص في الدعم الإعلامي»، لا أحد من القيادات المركزية عمل على ترجمة هذه النداءات إلى واقع ملموس رغم تواجد الكاتب الجهوي لـ:ك.د.ش الذي أطر الجمع العام، أكثر من ذلك صدرت عن الجهاز المركزي للنقابة تصريحات مستفزة للعمال المضربين أفصح عنها أحدهم بقوله: «عندما نسمع من الإخوة في المكتب التنفيذي قولهم: "هل ستعودون إلى العمل؟!" وقولهم بأن 60عاملا ستعمل غدا... لا يجب أن يقال هذا الكلام، فهذه الدعايات تبث الشكوك بين الجهاز النقابي والعمال، وأعداؤنا هم من يروجونها، ولا يجب أن نردد ما يقولون» وقال عامل آخر من نقابة إ.ع.ش.م الصمود لا يزال مستمرا، لكننا نحتج على المركزيات لكونها تنصت إلى جهات أخرى عوض المكاتب النقابية، فلماذا ينصتون إلى من يكذب علينا، نحن لا ندافع سوى عن حقنا ونريد أن نترك للتاريخ ما يقوله..» كما أن زيارة الأموي للمضربين قبيل اعتقاله سنة 1992 لم تضف سوى بعض الدعم الرمزي، أمام استحالة توقيف المعركة. أما القيادة الجهوية وكذا الإقليمية للاتحاد العام للشغالين فكانت على يمين عمالها المنجميين المضربين، وعبرت صراحة عن معاداتها للحركة الإضرابية، وسعت بكل جهد لوقفها، لكن العمال المنضوين تحت لواء هذه المنظمة النقابية الذيلية لحزب الاستقلال، كانوا بالمرصاد لمواقف قيادتها الفوقية. كما كان بعض مسؤولي النقابة يدوسون استقلالها حيث قال احد الاتحاديين خلال الجمع العام المذكور، «إن هناك مطالبة بالتغيير الديمقراطي تقودها "ك.د.ش" و"إ.ع.ش.م" لكن بدعم من الأحزاب التقدمية، إذ لا يمكن فصل النقابة عن الحزب».
وبينما المركزيات النقابية تتخاذل، هبت نقابة C.G.T الفرنسية للتعبير عن تضامنها مع المضربين والتشهير برفض أرباب العمل الاستجابة لمطالبهم، ذلك أن صدى الإضراب البطولي رغم التعتيم قد امتد إلى خارج المغرب وكسب كذلك تعاطف منظمة العمل الدولية وغيرها. أما في الداخل فقد قامت الفروع المحلية للنقابة الوطنية للتعليم بتنظيم دعم مالي للمضربين، خاصة فرع

تنغير، إضافة إلى تضحيات نضالية. رغم ذلك ظل حجم التضامن ضعيفا مقارنة مع حجم المعركة، ومرد ذلك إلى غياب تقاليد التضامن العمالي بين الكادحين، والتي تعد شرطا أساسيا للانتصار على العدو الطبقي.

ثمار الإضراب
وتتمثل في توقيع بروتوكول92، فقد أجبر صمود العمال إدارة الشركة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيجاد حلول جدية بعد أن كانت تلجأ إلى أسلوب التفاوض الفارغ في لقاءات عقدت في دائرة بومالن وفي الرباط وبلغ عددها 120ساعة من الحوار المغشوش. عقد الاجتماع التفاوضي الحاسم بمنجم إميضر يوم 11 يونيو 92 حيث وقع بروتوكول يتم بمقتضاه:
1. «تعميم منحة 30.000,00 درهم للمتقاعدين من العمال القاطنين بالمنجم أو الحي السكني أو خارجه كما يستفيد من هذا التعويض كل من النساء أرامل العمال والمتقاعدين والمصابين بحوادث الشغل وذلك مقابل إفراغ السكن الذي يقطنونه». وفي لقاء 28أبريل1994 سيتوصل العمال إلى عقد اتفاق آخر مع إدارة الشركة بموجبه سيتم تفويت السكن لفائدة العمال وفق أثمنة متفق عليها تقتطع أقساطها شهريا من الأجرة لمدة 12سنة تنتهي في 2006. وفي اتفاقية 1999 سيتفق الطرفان على خصم منحة 30.000,00 درهم من مبلغ القرض من أجل السكن على مدى المدة الباقية.
2. «تلتزم الشركة بمنح تعويض التسريح بمعدل 21 يوما عن كل سنة عمل في حالة إغلاق المنجم»، وصل هذا التعويض راهنا إلى 40 يوما في الاتفاقية الجماعية ليوم 19 فبراير 2001.
3. تلتزم الشركة بتحمل مصاريف مرض العمال الذين تستدعي حالتهم الصحية الاستشفاء خارج إقليم ورزازات ذهابا وإيابا.
4. تلتزم الشركة بالرفع من قيمة التعويض عن منحة الانتظام prime de regularite بما قدره 150درهما شهريا.
5. تلتزم الشركة بتطبيق بنود بروتوكول 4 ماي87. كما ستمنح الشركة سلفات أثناء استئناف العمال للعمل -2-.

وفرحا بانتصارهم نظم العمال مسيرة بالحي السكني فاستقدمت قوات القمع اتفريقها.


قوة نقابية جبارة لصد الهجوم على المكتسبات
الدور الحاسم للنقابة في حياة العمال
شكل إضراب الستة أشهر سنة92 مدرسة تدرب فيها العمال على كل فنون خوض الصراع النقابي، فانطلاقا من الخبرة النضالية التي راكموها والوعي العمالي الذي ارتفع في ظرف قياسي، والدروس التي علمتهم إياها محن المعركة، ظهرت ملامح قوة عمالية حقيقية بالمنجم تضرب لها سلطة الإدارة ألف حساب، مما كان يوحي بنوع من التوازن في ميزان القوى. وعلى العموم، فقد لعب النضال النقابي ولا يزال الدور الحاسم في إنقاذ العمال من عبودية كاملة وفي تحسين ظروف عيشهم. ففي الوضع السابق على الوجود النقابي الكفاحي، كانت الشركة تشغل العمال المؤقتين عن طريق عقدة مع مقاول وكان عددهم أكثر من عدد المرسمين، كما كان عمال الشركة الأم في أغلبيتهم مؤقتين، وكل خطأ يؤدي إلى الطرد أو العقوبة القاسية بالاقتطاع من الأجر، كما كان الاجر هزيلا، وكذا التعويضات. تغيرت هذه الوضعية بعد إضراب92 بفضل تغير ميزان القوى. فبعد سنوات من النضال للرفع من الأجرة والتعويضات وللترسيم، أثمرت هذه النضالات فانقلبت الآية وتحول كل العمال إلى مرسمين، ولم يعد هناك أثر للمؤقتين أو للعمل بالعقدة. كما انتقل مجموع الأجر من 1500 درهم وقت تأسيس "ك.د.ش" سنة85 إلى ما بين 7000 و8000 درهم شهريا في الوقت الراهن بالنسبة للعمال، وما بين 9000 و10000 درهما بالنسبة للتقنيين، كما انتزعت تعويضات ومنح جديدة، مما جعل بعض الأطراف من الشركة ومن مندوبية الطاقة والمعادن بورزازات تصرح بأن عمال إميضر يتوفرون على امتيازات لا يتمتع بها غيرهم من العمال، محاولة التمويه وطمس حقيقة أن هذه الامتيازات جاءت بفضل النضال.
مواصلة المسيرة النضالية
استمر التنسيق بين "ك.د.ش" و"إ.ع.ش.م" حول ملفات مطلبية مشتركة حيث دأبت النقابتان على تقديم ملف مطلبي لإدارة الشركة كل سنة، لكون هذه الأخيرة تحاول أن تفرض على العمال عقب توقيع كل بروتوكول، عدم تقديم أي ملف مطلبي آخر إلا بعد مرور سنة على الملف الأول، وهي محاولة يلجأ إليها الرأسماليون لفرض سلم اجتماعي (أي الامتناع عن كل نشاط مطلبي، وعن كل وقف منظم للعمل، وعن كل اعتراف بالإضراب) خلال مدة الاتفاقية -3-، إلا أن السلم الاجتماعي لمدة سنة كاملة لم يسبق أبدا أن عرفته مناجم إميضر منذ 92 باستثناء 93 التي قام بإدارة الحوار خلالها ممثلو العمال في لجنة النظام الأساسي (المناديب) وكلهم نقابيون. وهكذا ففي سنة 94، وبعد سلسلة من الإَضرابات رضخت الإدارة للمطالب ووقعت بروتوكول 28/04/1994 بالرباط، كما كانت أغلبية المطالب تتحقق بنسبة مئوية كبيرة تحت ضغط الوزن الثقيل للنقابة. ورغم أنه يصعب إحصاء كل الإَضرابات العديدة التي خاضها العمال نظرا لعدم اهتمامهم بتوثيق معاركهم، يمكن الإشارة إلى بعض المحطات كإضراب 30 أكتوبر 1995، وإضراب 48 ساعة الذي تلاه يومي 03 و04/11/1995، حيث أجبرت الإدارة في الأخير على توقيع بروتوكول 6 يناير 1996. لكن في أواخر التسعينيات ستغرق نقابة "إ.ع.ش.م" في التواطؤ مع الإدارة وتتعرض للإفلاس بعد تخلي العمال عنها وانضمامهم إلى "ك.د.ش" التي أصبحت قوية بفضل صلابة مناضليها، وفي إطارها سيتم خوض كل نضالات ما بعد الخصخصة والتي لا تزال مستمرة إلى اليوم.
خصخصة المنجم
في ظل هذه الظروف المتميزة بالحضور القوي للنقابة، ستقوم الدولة بتفويت المنجم لفائدة قطب "مناجم" (الهولدينك المنجمي لمجموعة أونا) سنة 1996. وإذا كانت بورجوازيو أونا راكموا أرباحا طائلة منذ 1969 من خلال أسهمهم في الشركة (SMI) «حيث بلغ ثمن الفضة في بعض السنوات 6 دراهم للغرام الواحد، علما أن الكلفة لا تتعدى 60 سنتيما للغرام الواحد، فإنها ستحظى وحدها بالأفضلية سنة 96 في عملية تفويت الدولة لأربعة مناجم بالجملة، في إطار سياسة الخوصصة بثمن لا يتعدى 644 مليون درهما» حسب إحدى الجرائد –4- واستبعاد المستثمرين الآخرين من الصفقة، ودون الإفصاح عن المقاييس المعتمدة في تحديد الثمن وعن نتائج التقييم والخبرة (أوديت) الذي قامت به إحدى الشركات الخاصة، بهدف إخفاء حجم المدخرات المعدنية الحقيقية التي تختزنها، خاصة منجم إميضر-5-. هذا التفويت التفضيلي جعل المستثمرين الآخرين، الأجانب والمغاربة، يعتبرون أونا قطاعا شبه عمومي نظرا للدعم الذي تحظى به من قبل الماسكين بزمام الأمور في الدولة. ومعلوم أن الأسرة الملكية المساهمة في أونا تعود لها حصتها من الأرباح، وذلك منذ رحيل خادم القوى الاستعمارية التهامي الكلاوي الذي كانت تلك القوى تخصص له حصة لائقة لقاء تعاونه لتوفير الأمن لمصالحها بالجنوب المغربي.
مأساة اضطهاد سكان قرية إميضر
بين سنتي 96 و97، وبعد سنوات صبر طال أمده عانوا خلالها من التهميش والإقصاء وهم يرون أطنانا من ثروات جماعتهم تهرب وتنهب، بادر سكان وشباب قرية إميضر التي ينتمي المنجم إلى مجالها الترابي، بتنظيم اعتصام مفتوح على جنبات الطريق الرئيسية القريبة من المنجم، رافعين لافتات كتبت بمختلف اللغات.
لم تكن مطالب المعتصمين تتجاوز الحق في الشغل بالمنجم، خاصة وأن البروتوكولات الموقعة بين الشركة والنقابات حول إعطاء الأسبقية لأبناء العمال في التشغيل لم تكن في صالح بقية السكان، كما أن الحوار بين هؤلاء ومناضلي النقابة قد فشل منذ بدايته. استمر الاعتصام وكرس تقاليد نضالية شعبية فريدة، وهو ما جعله يتعرض لهجوم همجي من قبل قوات القمع تحت جنح الظلام ما نتج عنه سقوط جرحى ومعتقلين وسط الكادحين، كان أبرزهم الشهيد الشاب: "أصبضان" الذي تعرض لشتى صنوف التعذيب والتلاعب بصحته بسجن ورزازات، مما تسبب في وفاته.

أهم نزاعات ما بعد الخصخصة
تهمة السرقة للانتقام من العمال
منذ الثمانينيات ومنجم إميضر يتعرض بشكل تصاعدي لسرقة الفضة على يد عصابات تهاجمه ليلا مزودة بمختلف الأسلحة البيضاء، وتتكون من 60 إلى 70 شخصا وكان الضحايا دائما هم العمال، الذين يوجه إليهم صك الاتهام بدعوى تعاونهم مع المهاجمين أحيانا، أو بدعوى مشاركتهم في أعمال السرقة أحيانا أخرى، فقد تحالف كل خدام الرأسمال من عامل الإقليم والدرك إلى مدير الشركة ضدهم. لكن دون أن يقدم هؤلاء حججا دامغة تثبت تورط العمال. وفي سنة 1999 وعلى إثر إلقاء دورية للدرك القبض على تاجر رفقة بعض الأشخاص بمنطقة كلميمة التابعة للرشيدية ومعهم كمية من النقود الأجنبية ومن الفضة، أتيحت الفرصة لإدارة الشركة وللسلطة لحبك مؤامرة ضد بعض العمال باتهامهم بتهريب الفضة من المنجم، لتنطلق حملة اعتقال مجموعة منهم من منازلهم بتنغير على يد الدرك الذين نقلوهم إلى مخفر كلميمة حيث تعرضوا للتعذيب. لكن الحملة التضامنية التي قام بها المكتب النقابي "ك.د.ش" بمؤازرة من الاتحاد المحلي بتنغير فرضت على أعداء العمال التوقف عن تعذيبهم، وفي هذا الإطار تم خوض مجموعة من الإضرابات التي لم ترق كاتب عام "ك.د.ش" فدعا لوقفها. كما تم خوض وقفات احتجاجية نذكر منها وقفة 3 يونيو 99 بمقر العمل لمدة ساعتين. احتجاجا على الاعتقال واضطهاد أسر المعتقلين. وقد جاء في بيان للاتحاد المحلي بأن «الأيادي الخفية التي تستغل الظرف بهدف كسر التضامن العمالي بالمنجم، ليست سوى تلك التي لها مصلحة في تشتيت صفوف العمال وإطفاء جذوة نضالهم النقابي» -6-.
وفي سنة 2001 تكررت حوادث الهجوم على العمال أثناء عملهم من قبل عصابة تتكون من حوالي 40 شخصا، وندد المكتب النقابي بتعريض حياة العمال للخطر، وذلك في رسالة إلى المكتب التنفيذي جاء فيها بأن الهجوم جاء متتاليا يومي 20 و21 أكتوبر 2001 أمام أعين القوات المساعدة المرابطة بالمنجم حيث تم إحداث ثكنة خاصة بها مكلفة "بالحراسة" وتتكون من 120 فردا، وأمام أنظار ما يسمى بشركة "الحراسة" أديكو Adicco، وقد أدى الهجومان المذكوران إلى تخريب معمل الصهر (الذي تحرسه القوات المساعدة!) ونهب ما بداخله من الفضة الخالصة ويقدر ثمنها حسب رسالة المكتب ب200 ألف درهم. وتهديد العمال المشتغلين بذلك المكان بتصفيتهم جسديا إن هم تحركوا، مما حذا بهؤلاء المظلومين إلى القيام بوقفة احتجاجية يوم 22/10/2001 احتجاجا على غياب الأمن. وقد تلا تلك الأحداث مجيء فرقة للدرك من "تمارة" للتحقيق.
إدخال المقاولات من الباطن
يعتبر إدخال المقاولات من الباطن إجراء يلجأ إليه الرأسماليون لتخفيض كلفة الإنتاج عبر تشغيل عمال مجردين من الحقوق بأبخس الأثمان بناء على عقدة محددة الأجل ويتعرضون لاستغلال مضاعف وفي نفس الوقت يتم استخدامهم لتضييق الخناق على عمال الشركة الأم، في مقاولات لا تمتلك الخبرة الكافية لتفادي الحوادث مما يجعل عمالها أكثر عرضة للأمراض المهنية والحوادث، لأن ما يهمها هو الربح السريع.
كان أكبر نزاع بين شركة معادن إميضر بعد إدخالها للمقاولات، وبين عمالها الأصليين يتمحور حول تحديد مهام المقاولات. فالشركة تدعي أن مهامها تنحصر في البحث والتنقيب عن المعدن وفي إعداد البنية التحتية دون التدخل في الإنتاج، لكن المكتب النقابي يشتكي من كون الشركة لا تلتزم بما تدعيه لكون المقاولات تتدخل في الإنتاج، بل إن الشركة تلجأ أحيانا إلى استغلال التداخل الموجود بين أعمال التنقيب وأعمال الاستخراج (الإنتاج) في محاولات متكررة لتعويض مهام عمالها بعمال المقاولات، وقد لجأت إلى ذلك عمليا خلال الإضرابات الأخيرة لبداية 2005. لقد سبق للإدارة أن وقعت مع المكتب النقابي اتفاقيات بشأن هذا النزاع أهمها الاتفاقية الجماعية الموقعة بالدار البيضاء يوم 19 فبراير 2001 التي اعترف فيها العمال، بتوجيه من المكتب التنفيذي، بوجود شركات العمل من الباطن كأمر واقع واتفق كذلك على المهام المحددة لها. لكن الإدارة تلجأ إلى خرقها في كثير من الأحيان، مما دفع العمال في الدخول في حركة إضرابية بلغت أوجها سنة 2002 وإلى تنويع أشكال الاحتجاج. فتبعا لاتهامات المدير الحالي في الشكاية التي سجلها لدى وكيل الملك ضد أعضاء المكتب النقابي (12 عضوا) فإن هذا الأخير قام في أكتوبر 2002 بعرقلة عمل المقاولات لمدة 15 يوما وقام كذلك حسب نفس الاتهام، بمنع الشاحنة التي تحمل الفضة الموجهة نحو التصدير من مغادرة المنجم وقد نجم عن الشكاية المذكورة إعطاء وكيل الملك الأمر لرجال الدرك بتنغير لاستدعاء أعضاء المكتب النقابي إلى المخفر للتحقيق معهم، حيث وضعت محاضر أنكر فيها العمال ما نسب لهم، كما أرسل وكيل الملك الدركيين إلى المنجم مزودين بكاميرات وآلات التصوير في محاولة لضبط العمال متلبسين بعرقلة حرية العمل، من أجل وضع محضر معاينة استعدادا لمحاكمتهم بالفصل 288 من القانون الجنائي. لكن العمال وكالعادة، فوتوا الفرصة على أعدائهم بصعودهم الجماعي من باطن الأرض وتنفيذهم لوقفة احتجاجية في عين المكان في الوقت الذي تجمع فيه عمال المقاولات أمام الآبار استعدادا للنزول. هذا النزول أصبح مستحيلا في غياب عمال الشركة المتخصصين في تشغيل آلات الهبوط والصعود من الباطن. كانت تلك الوقفة بطولية وتعكس قتالية عالية رغم عدم تواجد أعضاء المكتب النقابي الذين كانوا رهن التحقيق. أما في علاقة العمال بالمكتب التنفيذي، فقد حدث توتر حاد حيث رفض نائب الكاتب العام ما ادعى أن العمال قد قاموا به من تصرفات، وكانت توجيهاته تصب في اتجاه عدم التدخل في عمل المقاولات، مما جعل العمال ينتقدونه بكونه لا يفعل سوى ترديد ما تقوله إدارة الشركة، وهو ما أدى إلى غضبه الشديد. كان غضب المسؤول الوطني في الواقع تعبيرا عن تضايق متزايد من نضالات عمال إميضر التي يخضونها دفاعا عن حقوقهم ومكتسباتهم التي تتعرض للانتهاك كل يوم على يد المدير الحالي الذي استقدمته "أونا"، كما تدل على ذلك كل المؤشرات، لهدف واحد يتمثل في كسر شوكة النضال النقابي للعمال لتسهيل الإجهاز على مكتسباتهم. لكن المكتب التنفيذي لا يهتم بهذا الهجوم الكاسح بقدر ما يهتم بكبح جماح العمال وهذا ما عبر عنه أحدهم بقوله: «كلما اتخذنا قرارا نضاليا، فإنه لا يمكننا تنفيذه إلا إذا تجاوزنا كوابح (فرامل) المكتب التنفيذي، فهو يستمع إلى أقوال الشركة أكثر مما يستمع لشكاياتنا وأقوالنا»، كما قال عامل آخر خلال مجلس للاتحاد المحلي: «المكتب التنفيذي يقيد أيدينا والإدارة تضربنا». وخلال كل الأزمات التي تحدث في السنوات الأخيرة، كان المدير المحلي يقول: إنه يفضل الحوار مع المكتب التنفيذي ومع الاتحاد المحلي ويرفض التفاوض مباشرة مع المكتب النقابي للعمال رغم أن هذا الأخير هو الذي يوقع على الاتفاقيات مع الإدارة. لقد أدى إدخال المقاولات من الباطن إلى نقل الاحتكاك والمنافسة إلى صفوف العمال، وكان من المفروض حل المشاكل عن طريق النقاش الهادئ ومد جسور التواصل بين مختلف الفئات العمالية، نظرا لتلاقي المصلحة الطبقية، وهو ما بدأ يتحقق بتأسيس عمال إحدى المقاولات (گلومين المتخصصة في التنقيب) لمكتب نقابي تحت لواء ك.د.ش سنة 2004، لكن الطريق لا تزال مليئة بالأشواك..
الرد على الطرد بخوض الإضراب
يستغل المدير الحالي للشركة أي خطأ لطرد العمال. ففي مطلع 2003 طرد عاملين ثم طرد عاملا ثالثا بتهمة النوم خلال العمل، وكان رد العمال هو خوض سلسلة من الإضرابات نذكر منها: إضرابا لمدة 3 أيام بتاريخ 17 و18 و19 يناير 2003، وفي اليوم الأخير منه عقد جمع عام لتقييم المعركة ومناقشة آفاق العمل. بالنسبة للتقييم كان الإضراب ناجحا كالعادة بفضل مشاركة الأغلبية الساحقة باستثناء 3 أشخاص لا يلتزمون بالإضرابات. وبالنسبة لآفاق العمل، كانت أغلبية التدخلات تتجه نحو التصعيد. قال الكاتب العام للمكتب النقابي في بداية الاجتماع «نحن في بداية معركتنا التي إذا بدأت لا تتوقف » وقال عامل آخر في تدخله: «لا خيار أمام العمال إلا النضال، نحن أمام سبع، إما أن يأكلنا أو نأكله»، وتحدث عامل آخر عن قساوة ظروف العمل قائلا: «العمال يتعرضون للاستغلال المتواصل ولا يتمتعون بالراحة، لهذا يستحيل تحمل هذا التعب، فالعمال ينامون مضطرين، فنحن ننام أحيانا واقفين من شدة التعب»، وتدخل عامل آخر قائلا: «المدير يهاجم مكاسب العمال ويفعل ما يشاء في ورقة الأداء (الخصم من المنح) ويجب ألا نسمح بطرد العمال، ويجب وقف العمل بالساعات الإضافية، لأنها في صالح الإدارة»، اتفق الجمع العام في الأخير على إعطاء مهلة أسبوع للإدارة لإرجاع المطرودين وإذا لم تستجب تتم العودة إلى الإضراب. لجأت الإدارة إلى الاتصال بالمكتب التنفيذي محاولة استصدار قرار لتأجيل الإضراب. فعُقد جمع عام بتنغير حضره عضوان من المكتب التنفيذي وجدد العمال خلاله تشبثهم بالإضراب، كما عقد نوبير الأموي لقاء مع رشيد بن يخلف المدير العام للشركة بالبيضاء واتفقا على نقل أحد المطرودين إلى منجم آخر قريب تابع لأونا مع احتفاظه بحقوقه، ومتابعة دراسة حالة المطرودين الآخرين، وأرسل فاكس حول هذه النتائج من المركزية إلى العمال ملتمسا وقف الإضرابات والتحلي بالصبر واليقظة. قرئ الفاكس على الجمع العام فرفض وتم التشبث بالإضراب، خاصة أن العمال يعرفون ان العامل المذكور سيفقد أهم حقوقه فور مغادرته لمنجم إميضر، ونفذ الإضراب، أواخر أبريل وعشية فاتح ماي 2003، وفي الغد جاء اتصال من عضوة المكتب التنفيذي لمعرفة مدى استجابة العمال لدعوة التأجيل فجاء الجواب بأن الإضراب قد نفذ وقضي الأمر.
الهجوم على مكسب التغطية الصحية
منذ أواخر 2002 بدأت الإدارة تلوح بالتراجع عن مكسب التغطية الصحية، يتجلى ذلك في مجموعة من المذكرات الصادرة عن الإدارة العامة أو عن نظيرتها المحلية، ونذكر منها المذكرة الإخبارية الصادرة عن هذه الأخيرة بتاريخ 31/10/2002 تقول فيها بأن صندوق التغطية الصحية C.S.E.M لمناجم إميضر الذي أسس عام 1986 يعاني من عجز فاق في مجمله إلى حدود 2001 مبلغ مليار من السنتيمات، مقترحة على العمال حلولا عملية لتجاوز العجز الناتج عما تسميه اختلالات في التدبير، أي في تدبير العمال لأمراضهم خلال لجوئهم إلى التطبيب هم وذويهم خارج الإقليم على نفقة صندوق الشركة بنسبة %100، مضيفة أن العمال يساهمون في الصندوق بنسبة %2 من الأجر الشهري والشركة ب%3.5 مقترحة الرفع من قيمة الاقتطاعات. كما صدرت مذكرة عن المدير العام تصب في نفس الاتجاه بتاريخ 08 ماي 2003. لكن التتويج الحقيقي لهذا الهجوم يتمثل في بروتوكول2003 الموقع بالدار البيضاء من قبل المكتب النقابي وكاتب الاتحاد المحلي بتوجيه من المكتب التنفيذي، حيث تمت الموافقة على قرار الإدارة بإعادة العمل بقانون التعاضدية الذي ينص على تحمل العمال نسبة %20 من نفقات العلاج والدواء وبقاء %80 على نفقة الشركة إضافة إلى الإيواء والنقل. أما الأمراض المهنية وحوادث الشغل فتبقى كذلك على حساب الشركة. كانت مبررات المكتب التنفيذي عندما استشاره العمال، أننا إذا رفضنا الحل المطروح يمكن أن تلجأ الشركة إلى إعلان إفلاس التعاضدية بناء على الخبرة والقانون. ويضطر العمال إلى اللجوء إلى شركات التأمين الخاصة، فرأى أنه من الأفضل الحفاظ على التعاضدية وأن %20 لا تؤدى في الحين أو قبل العلاج بل بعده، ويمكن أن تقسم على أقساط، لأن الصندوق يؤدي مسبقا. لكن ما كان العمال يتخوفون منه هو الذي حصل عمليا، فالشركة لم تكتف بتحميل العمال %20 بل بدأت ترفض بعض الملفات وتحميل العمال دفع ملايين السنتيمات بعد إجراء بعضهم لعمليات جراحية.. كما قررت الشركة اقتطاعات في حق المعالجين خارج الإقليم. أدى هذا الهجوم على أهم مكسب في الحياة المهنية للعمال إلى خوض سلسلة من الإضرابات دفاعا عن الحق المهضوم نذكر منها إضراب 72ساعة أواخر أبريل 2003 ثم إضراب 96 ساعة من الجمعة 2 ماي إلى الاثنين 5 ماي ثم إضراب 96 ساعة من الجمعة 9 ماي إلى الاثنين 12 ماي، وعشية هذا الإضراب أي يوم الخميس 08 ماي نفذت وقفة احتجاجية شارك فيها 200 عامل بالمنجم تمت خلالها الدعوة إلى إحياء تقاليد إضراب92 كالرد الحازم على كاسري الإضراب وإعادة فتح المقر النقابي الموجود بالمنجم والقيام بوقفات احتجاجية في نقطة "الخافجي"، وجدير بالذكر أن الوقفة المذكورة صادفت وجود مدير الموارد البشرية رفقة الكاتب العام لمجموعة "مناجم" بالمنجم. على إثر هذه الحركة الإضرابية تلقى العمال دعوة من عامل الإقليم الذي أجرى لقاء مسبقا مع مدير الشركة فأعطى وعدا بإيجاد مخرج للمشكل خلال اجتماعه بالعمال يوم 28 ماي 2003 بحضور المدير. وبعد الاتفاق حول التغطية الصحية، قرر العمال تعليق إضرابهم المقرر يوم 30 ماي، لكن في يوم الاثنين 02 يونيو تراجع المدير عن الاتفاق، وفي يوم الجمعة 06 يونيو شارك العمال في الإَضراب الوطني للنقابة الوطنية للطاقة والمعادن، وفي الجمعة الذي بعده عادوا إلى حمل سلاح الإَضراب، وتضامنا مع العمال قرر مجلس الاتحاد المحلي المجتمع يوم 06/06/2003 القيام بمسيرة عمالية وسط مدينة تنغير ونصب خيمة للتشهير بالعدوان، لكنه تلقى منعا مكتوبا من السلطات المحلية التي بررت المنع ب: «الحفاظ على أمن المدينة من جهة، وكذا أمن ممتلكات المواطنين وسلامتهم من جهة أخرى» أي أنها اعتبرت النقابة منظمة إرهابية مطبقة عليها قانون الإرهاب. فرضت النضالات على إدارة الشركة مرة أخرى الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتوقيع بروتوكول آخر يوم 26 يونيو 2003 في جولة حاسمة دامت 12 ساعة بمقر الإدارة بتنغير، التزمت فيه هذه الأخيرة بتحملها لتكاليف علاج المصابين بالأمراض المزمنة بعد اكتشافها والتزامها بتأدية مصاريف علاج الأمراض المستعصية التي تصل كلفتها المادية إلى 1600درهم فما فوق، وهي العمليات الجراحية والإقامة بالمصحات والمستشفيات قصد التطبيب والعلاج والفحوصات بالأشعة والتحليلات الطبية، كما نص البروتوكول على الرفع من سقوف التعاضدية، ونص كذلك على أن يؤدي العامل مبلغ 1600 درهم مرة واحدة في السنة من سقفه في التعاضدية، أما في المرة الثانية لمرضه أو أحد أبنائه فالشركة هي التي تؤدي.

نضالات بداية 2005 :
خاض العمال إضرابات متوالية خلال شهري فبراير ومارس 2005 بلغ مجموعها 192 ساعة ووقفة احتجاجية بالحي السكني بعد منع المسيرة، دفاعا عن مكتسباتهم وحقهم في الإضراب الذي يحاول المدير الحالي الإجهاز عليه باستمرار عبر تشغيل عمال المقاولات من الباطن في أماكن عمل العمال الرسميين..إلخ –7-.

من دروس تجربة عمال إميضر
تعتبر التجربة النضالية لعمال إميضر مدرسة حقيقية يمكن للكادحين الاستفادة من دروسها لإنجاح معاركهم المستقبلية. فإلى جانب الحزم النضالي كانت هناك شروط أخرى ساهمت في تصليب عود شغيلة المنجم وتقوية أدوات نضالهم، ومنها:
1- الديمقراطية الداخلية، وتتمثل في:
أ- اتخاذ القرارات انطلاقا من الجموعات العامة مباشرة بناء على مواقف الأغلبية وحرية كاملة في التعبير عن الرأي.
ب- مراقبة القاعدة للقيادة المحلية، والويل لمن سولت له نفسه المتاجرة بمصالح العمال، لأن الحساب يكون عسيرا. وقد لعبت الطليعة العمالية (المكتب النقابي ل"ك.د.ش") دورا حاسما في ترسيخ هذه التقاليد النضالية (النزاهة والشفافية).
2- اعتماد الإضراب كسلاح وحيد لقهر العدو الطبقي مع الحرص على توحيد الصف العمالي. إن ثقة العمال في هذا السلاح الفتاك هو ما يفسر عدم إيمانهم بالرسائل الاستجدائية لاستعطاف المسؤولين كما يفعل عمال قطاعات أخرى، الذين يعانون من الضعف والتشتت وتأخر الوعي. لقد أدرك عمال إميضر بحسهم الطبقي أن «الحديد لا يفله إلا الحديد» وأن رسائل الاستعطاف وما شابهها لم يسبق لها أن حققت أية نتيجة لعمال هذا البلد.
3- عدم التسامح مع كاسري الإضراب، وفي نفس الوقت عدم الانجراف إلى الأفخاخ.
رغم كل ذلك يعاني الشغيلة من جوانب ضعف كثيرة نذكر منها:
* أن يوم الإضراب غير مؤدى عنه، مما يخلق ظروفا مادية صعبة خلال أيام الإضرابات، يحاول المدير الحالي تعميقها بالاقتطاع من المنح.
* بروز صعوبات تنظيمية تؤثر على مكسب الديمقراطية الداخلية، بتزامن مع ازدياد تدخلات الجهاز البيروقراطي المركزي.

خلاصة:
يتضح من استعراضنا لمسيرة 20سنة من نضال عمال منجم إميضر، أن هذه التجربة النضالية الفريدة والغنية بالدروس، أضحت في أمس الحاجة إلى اهتمام المناضلين العماليين بآفاقها المستقبلية وفتحهم لنقاش هادف حول مختلف الاحتمالات والسيناريوهات التي يطرحها الهجوم المكثف لأرباب العمل على طبقتنا بإميضر في السنوات الأخيرة على يد المدير الحالي الذي استقدم بعد أن نجح في تجريد عمال منجم "الحمام" (يوجد بنواحي مكناس وينتج الفليورين) التابع ل"أونا" من مكاسبهم، خاصة أمام الموقف السلبي للمكتب التنفيذي ل:"ك.د.ش" الذي اكتفى بلعب دور حكم النزال بين طبقتين متصارعتين، مدعيا تلاقي المصلحة بين طبقتين، لا يجمع بينهما في الواقع سوى التناحر والصراع: الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة. الأولى قوية بخبرائها الاستراتيجيين الذين يخططون لمستقبلها على مدى 15 أو 20سنة المتبقية من احتياطي المنجم، أما طبقتنا العمالية بإميضر فلا تعتمد سوى على سواعد أبنائها، ولا تزال إلى اليوم قوة تقلب مخططات أعدائها رأسا على عقب. فاستطاعت بفضل سلاح الإضراب صد أشرس الهجمات، وجعلت "أونا" نفسها تعتبر الشركة التابعة لها بإميضر بأنها مشكل مجتمع لأن عمالها يرفضون الخنوع أمام هذا الأخطبوط الذي يستعبد عمال الكثير من الشركات التابعة له على المستوى الوطني. وإذا كان العمال قد أدوا ما عليهم من واجبات، فإن الدور يأتي على مناضلي الطبقة العاملة الذين عليهم المساهمة في توفير شروط حماية التجربة واستشراف آفاقها المستقبلية والنضال جنبا إلى جنب مع العمال.

 

هوامش
1—نشرة موارد الصادرة عن الشركة، العدد8 يوليوز 1997.

-  2 -أغلب معلومات هذا المقال مأخوذة من الأرشيف النقابي.
3-إرنست ماندل: الهجوم على الحريات النقابية، جريدة المناضل، العدد1.
4- الاتحاد الاشتراكي بتاريخ: 24/09/1996.
5- نفس المرجع السابق.
6- جريدة المنظمة الصادرة يوم 24 يونيو 1999.
7- نظر المقال المنشور بجريدة المناضل، العدد6.

المناضل-ة عدد 28

 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها