1. الاستثمار الأجنبي في القطاع الفلاحي
عملا بتوصيات مراكز القرار الإمبريالية (ندوق النقد الدولي، البنك العالمي، منظمة التجارة العالمية) تواصل الدولة المغربية نهج سياسة الانفتاح المعمم وفتح الحدود كاملة أمام الرساميل الأجنبية والعمل على توفير كافة الشروط لتحفيز استثماراتها (لخوصصة، منح الأراضي الفلاحي، مرونة الشغل، الخ) إنها سياسة ناتجة عن ضغط الشركات متعددة الجنسيات التي تحاول البحث عن تحويل فروع إنتاجها إلى مناطق ذات تكاليف إنتاج منخفضة وغزو أسواق جديدة في إطار المنافسة الحادة التي تتسم بها العولمة الرأسمالية الحالية.
وبالنسبة للقطاع الفلاحي، بدأت هذه الشركات العالمية والأوروبية منها بالخصوص، تكتشف أن المغرب قد يشكل بستانا لإنتاج خضروات ذات تنافسية عالية. ففي سنة 1988، لم يكن هناك سوى 5 مستثمرين أجانب يستغلون 238 هكتار، وارتفع عددهم ليبلغ 46 46 منهم أوروبيون) ي سنة 1991 بمساحة 5343 هكتارا، تنتج الخضروات بشكل رئيسي وعلى رأسها الطماطم (1)
وبالنسبة لمنطقة سوس ماسة، وبالضبط منطقة شتوكة، بلغ عددهم لموسم 2000-2001، ما يناهز 39 مستثمرا أجنبيا (أوروبيون بالخصوص) ستغلون بشكل فردي أو بشراكة مع مواطنين مغاربة مساحة وصلت إلى 1735 هكتار. ويمثل ذلك بالنسبة للقطاع العمومي المسقي بشتوكة الممتد على 18 ألف هكتار حوالي 10% من المساحة العامة المجهزة بوسائل الري. وهي نسبة هامة جدا نظرا للمردودية الكبيرة والقيمة الاستثمارية العالية (2)
2. أوضاع العمال بضيعات الأجانب: نموذج سنجنتا سيمونس
تشكل الأجور الهزيلة ووفرة اليد العاملة طوال الموسم الفلاحي وضعف الحاجة إلى المؤهلة منها في الأشغال الفلاحية وضعف التنظيم النقابي إحدى المزايا الرئيسية التي تستقطب الرأسمال الأجنبي في القطاع الفلاحي. فما هي الأوضاع الملموسة للعمال الزراعيين في مثل هذه الضيعات الإنتاجية؟
2. شركة سنجنتا سيمونس
شركة سنجنتا سيمونس فرع لشركة متعددة الاستيطان يوجد مقرها بهولندا. تتوفر على 90 فرعا موزعة على 90 بلدا، وتشغل حوالي 19000 عامل مرسم وعددا غير محدود من المؤقتين. بدأت نشاطها بالمغرب حوالي سنة 1979 بمنطقة أيت عميرة، بإقليم شتوكة أيت باها بولاية أكادير. تبلغ مساحتها أكثر من 40 هكتار ) طبيعة الإنتاج لا تستلزم مساحات شاسعة( مجهزة بأحدث التقنيات. ويبلغ رأسمال الشركة 7.3 مليار دولار .
تمارس الشركة نشاطا فلاحيا يتعلق بالأبحاث والتجارب لاكتشاف أنواع بذور الخضروات تتسم بمواصفات عالية على مستوى المردودية والشكل والذوق، الخ، علاوة على استحالة استنساخها. تصدر هذه البذور باهضة الثمن نحو الشركة الأم التي تعيد تسويقها على المستوى العالمي. وعلى مستوى المغرب، تقوم شركة كازيم لماليكها غلاب والتازي بدور تسويق بذور سنجنتا وتوجيه أبحاثها نحو إنتاج أنواع تلائم البيئة والسوق المغربيين.
1.2. أوضاع العمال بالشركة
يتراوح عدد العمال الذين تشغلهم الشركة على طول السنة بين 345 و400 عامل، وقد يرتفع هذا العدد شيئا ما في بعض فترات الإنتاج الكثيفة. وقد ضعت الشركة نموذجا لعقود الشغل غير محددة المدة بالنسبة للعمال الذين قضوا أكثر من سنتين في العمل، وعقود محددة المدة للعمال الجدد.
يعمل العمال 9 ساعات في اليوم، تضاف إليها الساعات الإضافية ليس نقدا بل يتم إدماجها في العطلة الأسبوعية. يجتهد المسوؤولون في تكثيف مردودية العمال بأساليب متعددة منها تسريع وتيرة العمل والعمل بالقطعة )العطاش( والعمل أيام العطل مقابل أجر يوم عادي ودون أي تعويض. يتزامن يوم الراحة الأسبوعية مع السوق الأسبوعي )الخميس(، أما العطلة فهي نصف سنوية قدرها 15 يوما، نصفها مؤدى عنه ونصف غير مؤدى عنه .
تبلغ الأجور 50 درهم لليوم بالنسبة لغالبية العمال، لكن هناك فروقا شاسعة بينهم وبين الأطر الإدارية والتقنية التي يصل أجر البعض منها 12 ألف درهم في الشهر ) دون احتساب تعويضات السكن والنقل، الخ(. لا تتجاوز منحة العيد 250 درهما )50 درهم لكل سنة أقدمية لمن تجاوز السنتين من العمل بالشركة(، ومنح عملية التلقيح - للنباتات وليس للعمال - 12 درهم لليوم في الفترات التي تكون فيها هذه العملية. كان العمال محرومون من منحة النقل، لكنهم استطاعوا انتزاع 7 دراهم في اليوم ولو أن معدل نفقات النقل اليومية تصل إلى 10 دراهم لبلوغ مركز أيت عميرة الذي يقطنه جل العمال.
تقوم الشركة بتسجيل غالبية العمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتقتطع واجبات الانخراط القانونية من أجورهم. لكن مازال العمال يجدون صعوبة في ضبط عملية التسجيل، وتكشف بيانات حسابهم في الصندوق عن ثغرات تكشف تهرب الشركة من تتبع منهجي للتصريحات لكي لا يضيع العمال في مراكمة عدد الأيام التي قد تخول لهم الحصول على التقاعد والاستفادة من بعض التعويضات الأخرى التي يمنحها الصندوق، عدا التعويضات العائلية التي لا يمنحها القانون لعمال الزراعيين وهو حيف واضح.
تعاقدت سنجنتا مع شركة زوريخ للتأمين من حوادث الشغل و الأمراض. لكن العمال يعتبرون ذلك شكليا، مادامت حالات الإصابة بحوادث الشغل كثيرة )كسور وتمزقات عضلية –الفتق-، فقدان إحدى الحواس-حالة العامل الذي فقد حاسة السمع اثر انفجار الكاربون - ...( ولم يحصل المصابون على أي تعويض. تؤدي الطرق الحديثة التي يستوجبها إنتاج البذور من بيوت مغطاة ترتفع فيها درجة الحرارة ونسبة الرطوبة يختنق معها العمال، واستعمال أنواع خطيرة من المبيدات السامة وعدم الحرص على احترام أوقات وشروط استعمالها، إلى تفشي الأمراض كالحساسية وضيق الجهاز التنفسي وأخرى لا تنكشف أعراضها سوى على المديين المتوسط والطويل.
أما مفتش الشغل، فهو لا يزور الضيعات إلا لملء صندوق سيارته أو ربما حتى جيبه بما يجود به مسؤولو الشركة. وتتلخص المصلحة الطبية للشغل في غرفة يزورها طبيب كل 15 يوما، وهي خالية من أبسط التجهيزات الطبية والأدوية ماعدا بعض الأقراص )أوجاع الرأس ودواء الجراح(.
يسكن أغلب العمال بمركز خميس أيت عميرة الذي يبعد بسبع كيلومترات عن الضيعة والذي يكلف العمال عناء الذهاب و الإياب إلى العمل، بعد أن منعتهم الإدارة من السكن داخل الضيعة ورفضت منحهم وسيلة نقل بذرائع واهية.
2.2.التنظيم النقابي
نتيجة لأوضاع الاستغلال التي يعانون منها، كان رد فعل العمال هو تأسيس نقابة للدفاع الجماعي عن مصالحهم . هكذا تأسس المكتب في اطار الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بتاريخ 6 يونيو 1997 ، بعدها تأسس مكتب ثان في إطار الاتحاد المغربي للشغل سرعان ما اضمحل. استمر المكتب النقابي ا ع ش م، و تبلورت في إطاره تجربة نقابية نموذجية بالمنطقة لكنها مازالت ضعيفة تستلزم مزيدا من الجهود لتطويرها. وهو ما سيتبين من خلال المطالب وتكتيكات النضال والبنية التنظيمية.
كانت النقط المسطرة في الملف المطلبي متعددة )الزيادة في الاجور- التعويضات عن حوادث الشغل - بطاقة الشغل - توفير النقل للعمال - ورقة الاداء - تسوية وضعية العمال ازاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي - حق الاقدمية - الاداء الكامل للاجازة السنوية - توفير وسائل الوقاية من الأخطار المهنية - توفير التطبيب المهني وتعويضات العلاج - احترام التخصص المهني .- التخلي عن سياسة الطرد التعسفي وتعويض العمال الموقوفين وإرجاعهم إلى عملهم - التعويض عن الفصل(.
لتحقيق هذه المطالب خاض العمال مجموعة إضرابات ووقفات واعتصامات خاصة حول مطالب الزيادة في الأجور والتعويض عن النقل وإيقاف سياسة الطرد التعسفي . إلا أن الإدارة كعادتها كانت إضافة الى السلطة المحلية ومندوب الشغل يمارسون سياسة الحوارات المغشوشة دون تلبية أهم المطالب الأساسية للعمال . وكان أهم مطلب للعمال في الآونة الأخيرة هو إلغاء قرار الطرد التعسفي في حق الكاتب العام للنقابة باعتباره هجوما واضحا على الحرية النقابية بالشركة، وعلى إثره خاضوا إضرابين وجموعات عامة للاحتجاج على هذا القرار الجائر لكن الحوارات لم تسفر عن أي نتيجة . ولحد الآن مازال العمال بين مطرقة هذه الأوضاع وسندان مركزية نقابية لا تقدم لهم إلا استنزاف جيوبهم بمبالغ بطائق الانخراط .
بعض دروس هذه التجربة النقابية
يعود الضعف الرئيسي للعمل النقابي بالشركة إلى السمات الأساسية لمستوى الوعي العمالي ، هذه السمات تزداد ترديا حين يتعلق الأمر بالعمال الزراعيين حيث تتعمق في هذه الفئة من الطبقة العاملة جميع أشكال التخلف في مستويات الوعي النضالي كتعبير عن أوضاع تشغيلهم المتسمة بأبشع أشكال هشاشة التشغيل . فالعمال يتوهمون بان السلطة ومندوب الشغل سينصفونهم من ظلم مدير الشركة حيث يتصورون هؤلاء كمسؤولين محايدين يسهرون على تطبيق القانون . إلا أن دخول العمال في تلك الأشكال النضالية فتح أعين العمال المتقدمين منهم على حقيقة السلطة كحليف دائم للباطرونا . بينت التجربة العملية أيضا لهؤلاء انه لن يحقق لهم مطالبهم سوى نضالهم الذاتي الجماعي بأشكال كفاحية .
أما جانب الضعف الآخر فيتعلق بنظرة العمال ومفهومهم للنقابة حيث ينتظرون الأوامر والتوجيهات من الكاتب العام للاتحاد المحلي للنقابة. وهو ما يكشف بجلاء طبيعة التربية التي تلقنها نقاباتنا للعمال : تغذية السلبية وتكريس علاقات عمودية فوقية بين الجهاز النقابي والعمال بطريقة تخلق بيروقراطيين صغارا في صفوف المكاتب النقابية ليقوموا بدور الوسطاء بين البيروقراطيين الكبار وعموم المنخرطين من قواعد النقابة .
أثناء المعارك النقابية لا يقوم الاتحاد المحلي بأدواره الأساسية في حشد الدعم المالي والتضامن النضالي من عمال الضيعات الفلاحية المنقبة فبالأحرى تعبئة القطاعات الأخرى غير الفلاحية للتضامن مع المضربين ، إذ أن حشد الصفوف وتكريس تقاليد التضامن بين القطاعات والمؤسسات هو المبرر الأساسي لوجود نقابة مركزية للعمال . وفي غياب هذا الأساس تغدو النقابة ذات دور وحيد هو حضور الكاتب العام للاتحاد المحلي إلى جانب مكتبهم النقابي في الحوارات الاجتماعية تحت مبرر جهل العمال بقوانين الشغل وكون هذا الكاتب العام أو ذاك هو وحده من يمتلك تلك المعرفة ، في حين أن الدور الموكول للنقابة هو تثقيف العمال بكل المسائل التي تهمهم سواء حول قوانين الشغل أو معرفة تاريخ النضال العمالي إذ بتلك الطريقة تتقوى النقابة وتبنى طلائع النضال العمالي .
ن.ث.ع