جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 الهجوم الإمبريالي العالمي واحتلال العراق

مقرر اللجنة العالمية للاممية الرابعة - فبراير 2005
الاحد 1 أيار (مايو) 2005
المناضل-ة عدد: 7

الأممية الرابعة

يندرج الهجوم الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية وحلفائها على صعيد عالمي، منذ 11 سبتمبر 2001، في استمرار خيارات استراتيجية تبناها النظام الإمبريالي منذ نهاية الاتحاد السوفيتي.
تندرج تلك الخيارات بدورها، على نحو تام، في المنطق السائد في هذا الطور من تاريخ الرأسمالية. تمثل النيوليبرالية جوهريا عملية تدمير لأنظمة الحماية الاجتماعية التي منحتها الرأسمالية: يتلازم حتما تصدع"التوافق الاجتماعي" الذي غذى الإصلاحية في الحركة العمالية مع انحدار هذه الحركة وتعزز وظائف الدولة القمعية.
ويتمثل معادل هذا الخيار، على صعيد عالمي، من جهة في الخفض الحاد لأشكال مساعدة التنمية، المندرج ذاته في استعمال القوى الإمبريالية للديون أداة لفرض الوصفات النيوليبرالية على بقية العالم، ومن جهة ثانية في خيار الحفاظ على الأجهزة العسكرية الضخمة لزمن "الحرب الباردة" رغم نهاية الاتحاد السوفيتي. وان خيارات موازنة الولايات المتحدة لبالغة الدلالة بهذا الصدد: بينما تفوق نفقات واشنطن العسكرية 500 مليار دولار، أي زهاء 5% من الناتج الداخلي الإجمالي، معادلةً بذلك بمفردها نصف النفقات العسكرية العالمية، تبلغ المساعدة الأمريكية العمومية "للتنمية" بالكاد 0.15% من الناتج الداخلي الإجمالي (مقابل هدف أدنى منخفض على نحو مخز، حددته الأمم المتحدة في 0.7% !) .
أكدت حرب الخليج عام 1991 الأهمية الحاسمة للتحكم الإمبريالي بموارد البترول العالمية، وقد زادها أهمية نضوب تلك الموارد المرتقب في أفق العقود المقبلة. وبإبراز دورها الذي "لا غنى عنه" في ضمان التحكم الإمبريالي بتلك الموارد، قامت الولايات المتحدة بدور حاسم في حفز الإمبرياليتين الأوربية واليابانية على تجديد تبعيتهما العسكرية إزاء واشنطن - في تشابك مع علاقات معقدة من الشراكة والتنافس على الصعيد الاقتصادي: الحفاظ على الحلف الأطلسي، وإعادة تحديد مهامه نحو نزعة تدخل"أمني"، وتوسع المنظمة صوب الشرق الأوربي، و تجديد الاتفاق الأمني الياباني الأمريكي وتطويره.
بعد التأكد مما تشكله درجة تفوقها العسكري من ميزة أساسية في هيمنتها العالمية(كان تعزيز هذا التفوق، في ظل حكم ريغن، العامل الحاسم في إعادة الهيمنة بعد سنوات انحدار)، انتهزت الإمبريالية الأمريكية فرصة انهيار الاتحاد السوفيتي بقصد إتمام شبكتها العسكرية على الكوكب. كانت العودة الكثيفة للقوات الأمريكية الى الخليج العربي-الفارسي منذ 1990 متبوعة باتساع الحلف الأطلسي إلى بولونيا وهنغاريا وجمهورية التشيك (1999)، ثم الى جمهوريات البلطيق السوفيتية سابقا، وكذا الى بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا(2004). يرمي هذا الاتساع الى الاستمرار وبات يترافق بعلاقات مع بلدان أخرى بتلك المناطق، منها أوكرانيا.
كان تدخل الحلف الأطلسي في نزاعات يوغوسلافيا السابقة ،منذ 1994، الذي شهد الذروة في حرب كوسوفو عام 1999، فرصة أولى لخرط الحلف الأطلسي في تدخلات عسكرية، متبوعة برقابة على التراب. وساهمت في تكريس هيمنة الولايات المتحدة بأوربا الوسطى والشرقية. وكان هذا التدخل الأول متبوعا بتدخل الحلف الأطلسي بأفغانستان. في هذا البلد، وفي كوسوفو، فوضت الولايات المتحدة للحلف الأطلسي، بما هو منظمة ذات دور ُمكمل، وظائف مراقبة غير حيوية لمصالحها الخاصة، محافظة لذاتها بمراقبة مباشرة أحادية الجانب على ما تعتبره منها حيويا، كما هو شأن العمليات في منطقة الخليج.
قدمت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 الفرصة والمبرر الأيديولوجي-" محاربة الإرهاب – لطور أعظم في اتساع الشبكة العسكرية الإمبريالية إلى المناطق الاستراتيجية التي لم تبلغها حتى تلك اللحظة.
لم يكن التدخل العسكري بأفغانستان يرمي إلى إطاحة نظام طالبان وتدمير شبكة القاعدة وحسب، بل كان يستهدف بوجه خاص حضورا عسكريا أمريكيا مباشرا ودائما، بدءا بـ"المستشارين" وصولا إلى القواعد والتسهيلات في منطقة استراتيجية للغاية تمتد من القوقاز الى تخوم الصين: بأفغانستان ذاتها، لكن كذلك في جيورجيا وازربيدجان وكذا في جمهوريات سوفيتية سابقة بآسيا الوسطى(اوزبيكستان وكيرغيزستان بوجه خاص). ليست منطقة حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى غنية بالمحروقات(غاز وبترول) وحسب، بل لها بوجه خاص أهمية استراتيجية بالغة، لموقعها في قلب الكتلة القارية الرابطة بين روسيا الأوربية والصين. وترى واشنطن في هاتين الدولتين المنافسين الرئيسين المحتملين للهيمنة العالمية للولايات المتحدة.
منذ 1990 كان احتلال العراق مشروعا كبيرا للتوسع الإمبريالي الأمريكي. فهو، الى جانب الوصاية الأمريكية على المملكة السعودية، وكذا على الملكيات المطلقة البترولية بالخليج، يضع واشنطن في موقع تحكم مباشر على زهاء نصف مخزون العالم من البترول. جرى تأجيل هذا المشروع لأسباب سياسية، تلك بالذات التي منعت بوش الأول من مواصلة اجتياح البلد حتى بغداد. اضطرت إدارة بوش الثاني إلى اللجوء إلى أكاذيب، افتضحت اليوم بالكامل، بقصد تسويغ سياسي لاجتياحها باسم"محاربة الإرهاب".
ُتبرز حروب أفغانستان والعراق في الآن ذاته قوة وحدود الإمبريالية الأمريكية – ومن ثمة النظام الإمبريالي العالمي برمته، والذي تمثل الى حد بعيد ذراعه المسلح الرئيسي. أعاد البانتغون، منذ حرب فيتنام، توجيه إستراتيجيته نحو حرب ذات"كثافة رأسمال" أعظم، مراهنا على التكنولوجيا العسكرية، مجال تفوق الولايات المتحدة الساحق هذا، على حساب الموارد البشرية.
أقنعت تجربة فيتنام واشنطن، سواء بإضعاف معنويات القوات، المجندة جزئيا par conscription ، المعبر عن تعاظم حجم الحركة المناهضة للحرب بالولايات المتحدة، أو بأثر الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين على ذلك الإضعاف ذاته وعلى الحركة- أقنعتها بإنقاص اللجوء الى الجنود الى أدنى حد. وترتب عن ذلك إضفاء مهنية على الجيوش امتدت الى بلدان إمبريالية عديدة.
ليس بوسع أي بلد بالعالم مجابهة القوة الحربية الأمريكية بالاقتصار على الأسلحة والوسائل المسماة تقليدية. ذلك ما دلت عليه بوفرة السهولة التي حققت بها الولايات المتحدة أهدافها منذ 1991. هذا علاوة على ان الفارق بين وسائلها العسكرية ووسائل بقية العالم يتسع باستمرار بفعل موازنتها العسكرية التي لا تضاهى.
بيد ان عدد القوات المسلحة الأمريكية المحدود نسبيا يضع حدا أكبر لقوتها: فاضطرار البانتاغون الى تركيز زهاء 450 ألف جندي بالعراق، وتجميد أعداد أعظم لهذه الغاية– لاسيما قوات احتياطية تزداد تذمرا- علاوة على القوات المنتشرة ببقاع أخرى بالخارج، ينتج وضعا يدنو بواشنطن على نحو خطير من"فرط التوسع" وحيث تتقلص جدا قدرتها على ردع دول أخرى مثل إيران. وينضاف الى هذه الحد البشري حد اقتصادي متمثل في ما يترتب عن عجز فيدرالي متنام بصورة مدوخة من توتر متزايد الشدة، حتى وان حافظت واشنطن بهذا الصدد على هامش مناورة هام( لا سيما ان العجز يعود خصوصا الى خفض الضرائب).
ويتجلى الحد الثاني للقوة العسكرية الأمريكية، الناجم عن" كثافة الرأسمال البالغة، في حالتي أفغانستان والعراق. لا تكفي القوة التكنولوجية، القادرة على سحق جيش بكامله، لإخضاع شعب. فذلك يستدعي جنودا، ورغم تركيز جهودها بالأولوية في العراق، لم تنجح الولايات المتحدة في التحكم بهذا البلد.بينما أفغانستان متروكة لسادة حرب وتجار مخدرات غير قابلين للتحكم، حيث لا يمارس نظام كرزاي الدمية سوى سلطة فعلية محدودة جدا خارج محيط العاصمة كابول و مدينتين او ثلاث. ان الولايات المتحدة اقل قدرة اليوم على التحكم بشعب مناهض في بلد بحجم متوسط مما كانت أيام فيتنام.
جرى التخلص جزئيا من "صدمة فيتنام"التي منعت الولايات المتحدة من التدخل العسكري بالخارج على نحو كثيف الى حد ما طيلة اكثر من 15 سنة، وذلك بواسطة جملة عوامل إيديولوجية متداخلة.
من جهة منح انهيار النظام الستاليني بشرق أوربا، وانضمام دول"ما بعد الشيوعية" الشامل الى اقتصاد السوق مطلق العنان، الذي كانت الولايات المتحدة ومازالت بطله، سلطة إيديولوجية جديدة وشرعية للرأسمالية العالمية ودولتها المهيمنة في مطلع سنوات 1990.
ومن جهة أخرى ساهم هذا الانهيار ذاته في الاندحار السياسي و/أو الإيديولوجي لأقسام كاملة وكبيرة من اليسار العالمي، مفسحا ببلدان ومناطق عديدة بالعالم مساحة احتجاج نجحت القوى الرجعية السياسية في احتلالها. وعندما يكون الاعتراض على الهيمنة الإمبريالية من فعل قوى من هذا النوع، فانه يلقى تعاطفا اقل ضمن سكان البلدان الإمبريالية، مقلصا من جراء ذلك إمكان بناء حركة مناهضة للحرب قوية.
هذا علاوة على أن واشنطن، المجبرة مع ذلك على اعتبار استمرار جزئي لـ"صدمة فيتنام"، هاجمت منذ 1989 أهدافا مقيتة بنظر الرأي العام الغربي، مانحة على هذا النحو صدقية لمزاعم" إنسانية او " ديمقراطية". كانت أهداف الولايات المتحدة وحلفائها مندرجة في الفئة المحددة، من نورييغا( باناما) الى طالبان والقاعدة (2001)، مرورا بصدام حسين (1990-1991)، والقوات الصربية في البوسنة(1994-1995) أو ميلوزوفيتش(1999).
تبدل هذا الوضع مع حرب اجتياح العراق. فبلا ريب كانت هذه الحرب، ضمن كل الحروب الإمبريالية في 15 سنة الأخيرة، أقلها شرعية بنظر الرأي العام العالمي.
مرة أخرى كان الهدف مقيتا، لكن نظام صدام حسين كان موضوع عدوان إمبريالي سنة 1991 والعراق كان عرضة لقصف متكرر وحصار ذي عواقب في مستوى الإبادة منذ ذلك التاريخ. لم يكن أي عنصر جديد يتيح لواشنطن تبرير اجتياح البلد. فاضطرت الى اختلاق تلك العناصر، باللجوء الى أكاذيب كبيرة من حجم امتلاك العراق لــ " أسلحة دمار شامل" (بينما قبلت بغداد حرية تصرف كاملة لمفتشي الأمم المتحدة) او صلات مزعومة بين القاعدة والنظام البعثي. وقد كانت تلك الحجج ضعيفة الإقناع بقدر ما كان الرهان الحقيقي لاحتلال العراق، رهان البترول، جليا ساطعا.
وتفاقم ضعف هذه الذرائع بفعل الشقاق بين القوى الإمبريالية ذاتها.(لم يكن لمعارضة روسيا والصين وحدهما ثقل كبير من وجهة نظر الشرعية الإيديولوجية بفعل ضعف صدقية موسكو وبكين من هذه الزاوية، كما أبرزت سابقة حرب كوسوفو). وساهمت معارضة فرنسا وألمانيا لاجتياح العراق في نسف شرعية هذه الحرب الأخيرة.
كان منظور هيمنة أمريكية على العراق يمثل، بالنسبة لباريس، شريكة نظام صدام حسين وممونتها المفضلة ( مثل موسكو فضلا عن ذلك)، خسارة كبيرة لمصالح الرأسمال والدولة الفرنسيين. اما بالنسبة لحكومة شرودر-فيشر فقد تغلبت مصالح انتخابية: ساهم رفض المستشار شرودر لاجتياح العراق، الفاقد للشرعية على نحو خاص بألمانيا، في إعادة انتخابه بعد ان اعتبر خاسرا الى حد بعيد بفعل لا شعبية سياسته الاشتراكية-الليبرالية. لكن الدولتان سهلتا العدوان على العراق وابتغيتا نجاحه- بسماح ألمانيا باستعمال غير مقيد للبنيات التحتية الأمريكية على ترابها وبفتح فرنسا مجالها الجوي.
تبرز هذه الوقائع الحدود الراهنة للاستقلال العسكري للإمبرياليات التابعة للإمبريالية الأمريكية لحظة استكمال الاتفاق الدستوري الأوربي ترسيخ الاتحاد الأوربي في الحلف الأطلسي. لا يتجاوز اعتراض الإمبرياليات الحليفة على الهيمنة الأمريكية مطالبتها باعتبار اكبر لمصالحها الخاصة في التدبير العسكري- السياسي للنظام الإمبريالي العالمي، لاسيما بوجه إدارة بوش التي مضت بعيدا جدا في الغطرسة والنزعة الأحادية. لا يتعلق الأمر باي وجه بإعادة نظر في الشراكة مع واشنطن ودورها كذراع مسلح رئيسي للرأسمالية العالمية، وهو دور لا يسع أي دولة ادعاء الاضطلاع به عوضا عنها.
أتاحت العوائق الأيديولوجية والسياسية، المكبلة لواشنطن ولندن وحلفائهما، انتشار حركة مناهضة للحرب ذات حجم كبير بلغت، في اوجها يوم 15 فبراير 2003، درجة تعبئة متزامنة على الصعيد العالمي غير مسبوقة تاريخيا. لكن هذه الحركة لم تكن قوية بما يكفي لمنع اجتياح العراق ولا لإجبار قوات الاحتلال على الجلاء عن البلد.
ونجحت الحركة المناهضة للحرب، في الولايات المتحدة ذاتها، في تحقيق اختراق عاقه المناخ الإيديولوجي الناشئ عن 11 سبتمبر 2001 وشبه إجماع الطبقة الحاكمة الأمريكية. في هذا السياق كان حجم المظاهرات في نيويورك ومدن أمريكية غيرها، يوم 15 فبراير 2003 ، لافتا للنظر كليا. لكن إن كانت الحركة، ومازالت، اكبر مما كانت في أول أطوار حرب فيتنام، فليس لها بعد من القوة ما يكفي لارغام السلطة على التراجع.
ومن جهة أخرى لم تكن الحركة العالمية المناهضة للحرب، المعبأة عن حق لمحاولة منع العدوان( وهو الأمر الصعب جدا بالنظر لقصر الآجال)، قد اندرجت بما يكفي في منظور معارضة طويلة النفس لاحتلال مديد كان بكل جلاء هدف واشنطن. و بعد بلوغ الذروة يوم 15 فبراير 2003، تواصلت التعبئات في حدود وطنية وحول مواعيد وحملات دولية. لكن ظل ذلك كله دون مستوى ما قبل الاجتياح. وتفاقم هذا الضعف بالولايات المتحدة بفعل الأوهام الانتخابية التي لم يكن لها مبرر مع ذلك بالنظر الى ما بين المرشحين المتبقيين من اتفاق حول مسالة احتلال العراق. سهل هذا الوضع الإجمالي على نحو كبير إعادة انتخاب جورج والكر بوش، وهو نصر فسره هذا الأخير بما هو موافقة على سياسته الإمبريالية العدوانية تمنحه حرية التصرف لمواصلة تلك السياسة ، وحتى تشديدها، كما يدل تعديل فريقه التنفيذي.
قامت إدارة بوش، مستقوية بهامش مناورة اكبر، بمفاقمة سياستها العدوانية وتهديداتها، ليس بالشرق الأوسط وحسب، بل أيضا بأمريكا اللاتينية حيث تقع كوبا وفنزويلا في خط تسديدها، علاوة على التدخل العسكري الأمريكي في كولومبيا او آسيا الشرقية لا سيما ضد كوريا الشمالية.
كمنت إحدى الأسباب الكبرى لضعف الحركة المناهضة للحرب في استعادة واشنطن ولندن درجة من الصدقية الإيديولوجية في الطور الأول من الاحتلال.
فغياب معاداة سكان العراق للمحتلين، في مرحلة أولى، على اثر إسقاط الديكتاتورية البعثية- حتى وان كان بعيدا جدا عن الاستقبال الحماسي الذي ادعته واشنطن ولندن- نزع إيديولوجيا سلاح الحركة المناهضة للحرب. علاوة على انه بقي بوسع قوات الاحتلال ان توهم أنها سائرة الى العثور على " أسلحة الدمار الشامل".
بدأ هذا الامتياز يتبدد، مع تعاظم العداء للمحتلين، المتفاقم جدا بفعل سلوكهم وما ارتكبت
إدارة بوش وحاكمها بالعراق من أخطاء في تسيير البلد، بينما انكشف بجلاء زيف ذريعة "أسلحة الدمار الشامل". لكن إدارة بوش نجحت في استغلال الطابع المقيت لقسم من "مقاومة" المحتل- وهو الأكثر مشهدية والابرز عن قصد بوسائل الإعلام- مستعيدة إحدى اكبر أسباب ضعف الحركة المناهضة للحرب بوجه الحملات السابقة.
كان التصاعد المستمر للعمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال، اشهرا بعد بداية هذا الأخير، نتيجة ميلين يجدر تمييزهما. من جهة كانت عمليات ضد قوات الاحتلال، اغلبها محلي وحتى فردي في الغالب، ردا على غطرستها ووحشيتها، وبلغت ذروة مع حملتي العدوان على المدينة الشهيدة الفلوجة في 2004. ومن جهة أخرى عمل شبكة منظمة، كان أقواها ُعدة منتميا لفئتين: بقايا الاجهزة البعثية المعاد تنظيمها بعد اندحار النظام، والحائزة موارد مالية وعسكرية كبيرة، وشبكات سلفية سنية من النمط الأشد تعصيا على شاكلة القاعدة، والتي كان قسم منها من خارج العراق وقائما قبل سقوط نظام البعث.
بقدر ما تمثل العمليات العسكرية ضد المحتلين أعمال مقاومة وطنية مشروعة تماما، بقدر ما تقرن الشبكات من الفئتين المذكورتين أعمالا شرعية ضد المحتلين بأعمال رجعية جدا موجهة ضد أقسام أخرى من سكان العراق على أساس شبه عنصري- طائفي معادي للشيعة، أو عرقي معادي للأكراد- او كاره للأجانب في شكل تقتيل فظيع لاجانب لا مسؤولية لهم في الاحتلال، بما فيهم عمال مهاجرون.
يمثل تمييز هاذين النوعين من الأعمال، والإدانة الواضحة لنوعها الثاني، شرطا لا غنى عنه لانتعاش واسع للحركة المناهضة للحرب. وقد أوضحت هذه الحركة بجلاء إدانتها لصدام حسين في 1991، وكذا في 2003، ولميلوزوفيتش في 1999، وطالبان واسامة بن لادن في 2001، مع توضيح ان طابع تلك القوى المقيت لا يبرر باي وجه الحملات الإمبريالية التي تفوقها تقتيلا. كما انه لا غنى في العراق عن التميز الواضح عن الأعمال الرجعية مع توضيح ان همجية القوى الرجعية أهون قياسا على الهمجية الاعظم للإمبريالية الأمريكية، الجلية على نحو ماساوي في غوانتانامو وابو غريب والفلوجة.
وفي الوقت ذاته يتعين تمييز موقف مناهضي الإمبريالية الراديكاليين المدافع عن حق شعب العراق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة، ومنها الكفاح المسلح، عن البرنامج الواجب تنظيم أوسع حركة مناهضة للحرب حوله بالبلدان الإمبريالية. يلزم ان يتركز هذا البرنامج على سحب القوات الأمريكية والحليفة من العراق، دون وجوب أن ينص على مساندة المقاومة العراقية، حتى مع التمييز الواجب، إذ من شأن ذلك إضعاف إمكانات التعبئة. بيد انه قد يضم بالعكس، حسب ظروف كل بلد وكل مرحلة من التعبئة، معارضة الاحتلال الإسرائيلي بفلسطين بفعل انتماء كلا الاحتلالين لنفس المعسكر السياسي. لا بل كانت هذه المعارضة الأخيرة، حتى الآن، رافعة هامة في التعبئة ضد احتلال العراق.
ليست الأعمال المسلحة غير إحدى السبل التي اختارها شعب العراق في مقاومته لاحتلال بلده. ويمثل النضال السياسي سبيلا آخر، تنهجه الأغلبية.
المقاومة المسلحة للاحتلال هي بوجه خاص من فعل عناصر الأقلية السنية، التي يعتبر قسم منها نفسه ذي امتيازات في ظل نظام صدام حسين. لكن، حتى ضمن المجموعة العربية السنية ، يقيم رأي الأكثرية- ممثلة بتجمعات من قبيل جمعية علماء المسلمين- تمييزا واضحا بين أعمال المقاومة الشرعية وما يسميه"الارهاب". يسير دعم الأكثرية الواسعة للمقاومة المسلحة المشروعة مع خيار، يحظى أيضا بالأغلبية، لصالح النضال السياسي ضد الاحتلال، مع اعتبار شكلي النضال متكاملين. وبفعل أسباب جلية، لم تنضم الى النضال ضد المحتل الأقلية الهامة الأخرى بالبلد أي الاكراد( أغلبيتهم سنة)، والتي كانت تاريخيا مضطهدة من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة قبل التمتع بحكم ذاتي فعلي تحت حماية أمريكية منذ 1991.
اما ضمن الأغلبية العربية الشيعية، فالخيار السائد هو النضال السياسي ضد المحتل. بل هذا خيار يشاطره القسم الأكثر جذرية في الحركة الدينية المسلمة الشيعية في معارضتها للاحتلال، أي التيار السلفي الذي يقوده مقتدى الصدر الذي انحصر في تركيب للنضال السياسي والدفاع الذاتي المسلح دون اعتماد التفجيرات.
وفضل تيار الأغلبية ضمن شيعة العراق، بقيادة اية الله السيستاني- زعيم ديني تقليدي ممثل لتيار الأغلبية ضمن رجال الدين الشيعة العراقيين الراغبين في الوصاية على السلطة السياسية دون الاسيتلاء عليها مباشرة- فضل منذ بداية الاحتلال النضال السياسي سبيلا الى تطبيق قاعدة الأغلبية بالبلد- وبالتالي وصول الشيعة، أول مرة في تاريخهم، إلى دور حاسم في تقرير مصير العراق- كمرحلة نحو جلاء القوات الأجنبية.
تمثل الطور الأول من هذا النضال في مواجهة بين ايةالله والحاكم الأمريكي بول بريمير حول مسالة الصيغة الدستورية. وتشكل هذه المجابهة، حيث سعى بريمر الى تعيين المحتل لأعضاء المجلس التاسيسي بينما طالب اية الله بانتخابهم ديمقراطيا، أفضل دحض لمزاعم واشنطن المنافقة بان الولايات المتحدة انخرطت في مهمة " إضفاء الديمقراطية" بالمنطقة. انتهت المجابهة بانتصار آية الله وتحديد تاريخ إجراء انتخابات عامة، بعد وساطة الأمم المتحدة، في 30 يناير 2005 . وإزاء تصاعد التهديد الإرهابي ضد المشاركة بالانتخابات في المناطق السنية، وترقب مشاركة ضعيفة جدا بتلك المناطق نتيجة ذلك، دعت أهم القوى السياسية ضمن السنة الى مقاطعة الانتخابات، كي لا تزكي نقص تمثيل بات حتميا.
شارك بالاقتراع زهاء 60% من العراقيين ذوي الحق فيه (اعتمدت قوائم التموين في ظل الحصار وبالتالي شملت كامل السكان) وفي شروط بالغة الصعوبة في المناطق العربية من العراق. ومنيت قائمة العميل علاوي، المدعوم بقوة من واشنطن، بفشل ذريع إذ لم تحصل حتى على 15% من الأصوات المعبر عنها. وآلت أغلبية مقاعد المجلس التاسيسي الى التحالف الانتخابي الذي رعاه اية الله السيستاني والذي تمثل اهم قواه المنظمة تيارات سلفية مرتبطة بإيران. بيد ان حكم البلد يستند على قاعدة ثلثي المجلس التي تفرض مساومات بين مكوناته. علاوة على ان ثمة إجماع بين المكونات المنتخبة على ضرورة إشراك قادة المجموعة السنية ناقصة التمثيل بصورة واسعة .
قامت أكثرية القوائم العربية بالانتخابات، بما فيها تحالف الأغلبية، بتضمين برنامجها مسألة سحب قوات الاحتلال. بيد ان التيارات السائدة تعول على انسحاب على المدى المتوسط يتيح لها بناء وتدعيم جهاز دولة تحت تحكمها، على نحو يقي من الفوضى بعد انسحاب المحتلين. يدل هذا الحساب على قصر نظر حاد، ان كان صادقا( وهو ليس كذلك دوما: فالنفاق جلي عندما تتحدث قائمة علاوي على سحب القوات).
يبرز تاريخ الاحتلال، منذ ربيع 2003 ، أن وجوده ذاته يغذي الفوضى وبلوغ المجموعات الإرهابية الأشد تعصبا ذروة غلوها. علاوة على ان الاحتلال يمارس اليوم، وقد يفعل ذلك اكثر غدا، استراتيجية توتر، متمحورة بوجه خاص على الانقسامات الطائفية او العرقية، طبق قاعدة " فرق تسد". ومن جهة أخرى تكاثرت بواشنطن، منذ بداية الاحتلال، التصريحات حول رفض واشنطن إقامة نظام" على الطريقة الإيرانية بالعراق- تصريحات متغطرسة على نحو استعماري تام، يتعين ربطها بتصعيد التهديدات العدوانية الأمريكية ضد طهران وضد" محور الشر" الإقليمي الممتد من حزب الله اللبناني إلى إيران، مرورا بالنظام السوري. وسيمثل بهذا الصدد بزوغ نظام حليف لإيران بالعراق كارثة حقيقية على واشنطن التي ستبذل ما بوسعها لمنع هذا الاحتمال: ستحاول اولا تفتيت تحالف الأغلبية، ثم عرقلة وصول التيارات حليفة إيران الى الوزارات "الحساسة" (الداخلية، الدفاع، البترول)، واخيرا تأجيج التوترات الطائفية والعرقية.
تفضي هذه الاعتبارات الى انه يتعين على الحركة العالمية المناهضة للحرب، ايا كان موقف الحكومة العراقية المنبثقة عن الانتخابات، مواصلة المطالبة، بعزم أقوى، بالسحب الفوري لجنود الاحتلال من العراق. وقد أصبح ادعاء ان بديل الاحتلال سيكون فوضى حجة اضعف اليوم مما كانت أمس بفعل انبثاق مجلس منتخب بالبلد. وسيكون بناء دولة عراقية اسهل بقدر ما تكون ذات سيادة كاملة.
ان الشعارات الواجب الدفاع عنها داخل الحركة المناهضة للحرب بصدد العراق يجب أن تكون:

-  السحب الفوري والتام وبلا شروط لجنود الاحتلال!

-  حق الشعب العراقي في تقرير مستقبله السياسي بحرية وسيادة!

-  حق الشعب الكردي في تقرير مصيره!
يستمر تحسن المنظورات الموضوعية لصالح الحركة المناهضة للحرب كما يدل تفكك "التحالف الإرادي" لقوات الاحتلال بالعراق، الذي يسحب عدد متزايد من أعضائه قواته، والصعود المتواصل لانصار الانسحاب في استطلاعات الرأي بما في ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.
ستنخرط فروع الأممية الرابعة بحزم في التعبئة لليوم العالمي للمظاهرات ضد احتلال العراق في 19 مارس 2005. وستدافع عن تحديد جدول زمني للتعبئة العالمية ضد الحرب على نحو يضعها في منظور طويل النفس.

28 فبراير 2005

المناضل-ة عدد 20

الأممية الرابعة

  البرنامح الإنتقالي: احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة
  إشـتـراكـيـة أو هـمـجـيـة على عتبة القرن الواحد والعشرين
  اللجنة العالمية للأممية الرابعة مقرر حول تغير المناخ
  اللجنة العالمية للأممية الرابعة : مقرر حول تغير المناخ
  الأزمة البيئية بالبلدان التابعة

المنطقة العربية

  آخر انتصارات شارون
  جذور أزمة لبنان
  مصر: "مش .. كفاية"

العراق

  الوجه الآخر للعراق: نقابيون يقاومون
  ما بعد الانتخابات: مستقبل العراق والاحتلال الامريكي
  الولايات المتحدة: الانهيار العراقي
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها