جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 الإجتماعي العالمي بعد بورتوأليغري 2005

نظرة على سيرورة المنتديات الإجتماعية
الاحد 1 أيار (مايو) 2005
المناضل-ة عدد: 7

بيير روسيه

انعقد المنتدى الإجتماعي العالمي الخامس، في الفترة الممتدة من 26 يناير إلى 31 منه في بورتو أليغري بالبرازيل. فبعد رحيله إلى بومباي بالهند، لم تكن عودته إلى البرازيل بديهية على الإطلاق. انعقدت دورة أولى من 3 منتديات في عاصمة ريو غراند سول بالبرازيل خلال أعوام 2000-2003.
ساهمت التجربة الهندية عام 2004 (علاوة على تجربة المنتديات الاقليمية) إسهاما بالغ التجديد في السيرورة الدولية(1). وجب على المنتدى الإجتماعي أن يتجدد باستمرار في الوقت الذي عاد فيه إلى بلده الأصلي.
ثمة مشكلة أخرى متمثل في أن تعبئات النضال من أجل عولمة مغايرة ولمناهضة الحرب كانت تميل إلى التوقف. بل ثمة شعور بضعف التنظيم في بلدان عديدة. وعلى هذا النحو كان عدد كبير من الأشخاص يعلن عن ضيق نفس المنتديات الإجتماعية وأفولها. لذلك كان من اللازم فعلا طرح هذه السؤال، ما دام الوضع العالمي يبدو سيئا (يرمز إلى ذلك إعادة إنتخاب بوش) وما دام قد يكون للسياسة التي تنهجها حكومة لولا بالبرازيل تأثيرات معرقلة لكل تعبئة. لكن بسرعة فائقة ارتفع بقوة عدد المسجلين في المنتدى الإجتماعي العالمي. في الواقع كان نجاح المنتدى معلنا منذ نونبر 2004، رغم أن البعض استمر في الإعتقاد بفشله حتى لحظة الإفتتاح بالذات.
نشير أولا الى أن المنتدى الإجتماعي العالمي الخامس شهد نجاحا عدديا باهرا، بمشاركة سجلت رقما قياسيا: 155 الف شخص مسجل من 35 بلدا. كان نسبة المشاركة في التظاهرة بالشارع، يوم الإفتتاح، اعظم من المرات السابقة. وجرى تنظيم زهاء 2500 نشاط خلال أربعة أيام.
يجب الا ُيبتذل نجاح من هذا القبيل بل يتعين تفسيره.

السياق
إن كل منتدى، عالمي وإقليمي على السواء، يتأثر بعمق بالبلد المضيف. لذلك يفهم النجاح الخاص للمنتدى الإجتماعي الخامس، إلى حد كبير، في السياق الخاص بامريكا اللاتينية: يؤدي اتساع الهجمات النيوليبرالية، المقرونة بالسياسة العدوانية المبنية على التدخل والحروب المسماة «وقائية»، العزيزة على بوش، الى انعدام استقرار عميق وأطوار جديدة من التجذر والتسيس. ويتجلى انعدام الاستقرار ذاك، سواء على المستوى الإجتماعي («حركة البيكتروس» بالأرجنتين، حركات السكان الأصليين ببوليفيا أو الإكواتور، «الثورة البوليفية»..) أوعلى المستوى الإنتخابي (فوز لولا بالبرازيل، وكيرشنر بالأرجنتين، وفرانت أمبيلو بالأرغواي، وإنتصار «لا» ضد عزل هوغو شافيز من السلطة بفينزويلا...).
كانت مشاركة البرازيليين والامريكيين اللاتينيين الحاشدة في المنتدى الإجتماعي الخامس ببورتو أليغري تعبيرا بشكل دينامي هذا العزم على مقاومة النظام النيوليبرالي والرأسمالي والإمبريالي المسيطر. لكن ثمة أكثر من ذلك. إذ قدم المنتدى الإجتماعي العالمي إطارا مكن حركة التسيس الجارية من التعبير عن نفسها داخله، وأتاح بداية تبلور نقاشات جديدة حول التوجه الواجب. كان ذلك صحيحا بوجه خاص بالنسبة للبرازيل.
وتواجهت بحرية خلال المنتدى تحليلات اليسار "المتضامن مع الحكومة"، واليسار "النقدي" الرافض للسياسة التي ينهجها لولا ، وذلك في شكل مبادرات موازية وأحيانا موائد مستديرة مشتركة. كما يشهد الإستقبال الحار الذي حظي به الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي حاولت واشنطن اطاحته مرار، عن موجة التجذر الجارية.
لا يروم هذا المقال عرض النقاشات التي تخترق اليسار البرازيلي والأمريكي اللاتيني، أما كاتب هذه السطور، فليس بوجه خاص مؤهل للقيام بذلك. ويبدو لي أن المهم هنا الإشارة إلى كون النقاشات الدائرة حول مسائل التوجه والإستراتيجية حظيت ،خلال المنتدى الإجتماعي العالمي، باهتمام جيد يفوق سابقه. أتاح المجال الذي فتحه المنتدى تلبية رغبة شديدة (لان النقاش السياسي كان رغبة ملحة). وعبرت عن التناقضات (الحادة) المخترقة لليسار البرازيلي عن نفسها دون تشظي فوري للإطار الوحدوي الاجمالي .
يؤكد بورتو أليغري هنا درسا مستخلصا في مناسبات سابقة (بأوربا على سبيل المثال). إذ يحافظ إطار المنتديات على فعاليته ووظيفيته، في أوضاع سياسية بالغة الإختلاف، سواء كانت التعبئة تصاعدية ظرفيا (فلورنسا 2002، ضدا على برلسكوني والحرب المعلنة) أو دفاعية (باريس 2003، بعد موجة من النضالات الفاشلة)، وسواء كانت الدينامية وحدوية بشكل طبيعي (بورتو أليغري 2003)، ومتوترة ( بورتو أليغري 2004) أو وحدوية ومتوترة في نفس الآن ذاته (بومباي2003).
طبعا لا يفسر الإطار كل شيء وتبقى إرادة الفاعلين الإجتماعيين الذين ينظمون المنتديات أساسية. لكن المجال الذي تقدمه المنتديات يساعد بلا ريب على الإستجابة لحاجات ومتطلبات متعددة، و علىتحمل إيجابي لتناقضات غالبا ما تكون حادة. وتسهل سيرورة المنتديات أيضا منذ بداياتها عام 2001، تجسيد حالة ذهنية هجومية بالغة التميز رغم أن البرجوازية مازالت توجه ضربات قاسية للحركة العمالية والجماهيرية.

استمراريات
وبمنتهى المنطق، يرتبط حجم المنتدى الإجتماعي بالبلد المضيف (بأوربا، كان على سبيل المثال، في لندن أقل منه في فلورنسا أو باريس ). لكنه ظل منذ خمس سنوات، دون ان يتساوى، اكثر استقرارا بكثير من نظيره خلال التعبئات الإجتماعية أو المناهضة للحرب، بل انه يميل إلى الإرتفاع.
هذه الإستمرارية التي تعكسها المنتديات مثيرة بقدر ما لم يخل الواقع من عراقيل وضربات قاسية. لقد امتدت سيرورة المنتديات الإجتماعية على المستوى الدولي في الوقت الذي وجبت مقاومة رد الفعل الإديولوجي لإعتداءات 11 شتنبر 2002، والقمع البرلسكوني بمدينة جنوة ومحاولات احتواء عديدة تروم فصل الطيبين (المعتدلين) عن الأشرار (الراديكاليين).

للمنتديات تاريخ خاص وتؤدي وظيفة خاصة
يحيل مفهوم المنتديات إلى معطيات خاصة بالمرحلة الراهنة. إنه يجيب، على الأقل إلى حين، عن مسألة أساسية: كيف يمكن ربط علاقات تضامن وضمان تقاربات نضالية في المرحلة الراهنة بين قطاعات اجتماعية بالغة التعدد. يمكن البدء بتسجيل السمات التالية دون السعي إلى تقديم تفسير مستفيض:
1.تشكل المنتديات في الآن ذاته تجمعا دفاعيا – بوجه كونية الهجمات النيوليبرالية، واللاديموقراطية والعسكرية- ومكانا للتعبير الهجومي عن بدائل تطرحها أجيال مناضلة جديدة. تبدو هذه التركيبة الأصيلة «الدفاعية/الهجومية» دينامية بقدر ما أن المنتديات تشكل في الآن ذاته فضاء حرا للقاءات ومكانا لتبلور الفعل. من جهة، تشكل المنتديات مناسبة لفتح نقاشات تساعد على بروز وعي مشترك، و«ثقافة مضادة» أو (ثقافات مضادة): وتتيح رفض الإديولوجية السائدة. ومن جهة أخرى ُتنسج خلال المنتديات علاقات نضالية بين منظمات وشبكات، وتنظم حملات وتتسع سواء على المستوى الإجتماعي أو الجغرافي، ويتم تشريك مبادرات ووضع برامج زمنية للفعل.
2. تقدم المنتديات فضاء للتقارب «في كل الاتجاهات». يستجيب ذلك لسمة أساسية للعولمة الرأسمالية: تدخل ديكتاتوري للسوق في جميع مجالات النشاط الإجتماعي، ومحاولة «تسليع» العالم بشكل نهائي. دفع هجوم السوق مجالات نضال متوازية سابقا الى خلق جبهة مشتركة. وعلى هذا النحو يمكن عقد علاقات تضامن «أفقية» بين نضالات تخاض بصفة الإجراء من جهة وبصفة المواطنين من جهة أخرى، وذلك في نفس البلد أو على المستوى العالمي، و بين النضالات في البلدان المصنعة وفي بلدان العالم الثالث. لم يسبق أبدا أن تعرضنا حتى هذا الحد لسياسات (ليبرالية) متماثلة فرضتها بشكل كوني نفس مراكز السلطة في المقاولة وخارجها، من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق. تساهم المنتديات في بلورة متطلبات جماعية ضدا طغيان القمع وطغيان التسليع، وضد نزع الضبط والخوصصات، و دفاعا عن الخدمات العمومية والثروات العامة (أنظر بوجه خاص الاتساع العالمي لحملات المطالبة بالحق في الماء).
جلي إن أشكال التضامن «الأفقية» الجديدة هذه لا تلغي أهمية أشكال تضامن «شمال-جنوب» التقليدية. تتفاقم اشكال التفاوت الإقليمي، وهو ما أبرزته على نحو مأساوي جدا الكارثة الناجمة عن تسونامي في 26 دجنبر عام 2004. إذ بقيت مخلفات المد البحري قريب العهد الذي ضرب شواطئ كاليفورنيا محدودة. بينما أودى في المحيط الهندي بحياة 300000 ضحية ودمر جماعات سكان بكاملها. ظل درس الشأن السياسي بلا جدوى. وتجلى كل مرة تهاون الحكام والمالكين وإخلالهم بالواجب. فلا إجراءات وقائية خاصة (أدوات لرصد أمواج تسونامي) ولا توظيف فعال للوسائل المتوافرة (أدوات لرصد الزلازل). ومساعدات متأخرة وموزعة بطريقة غير متساوية تبعا لمنطق زبوني، وهيمنة المصالح التجارية (الصناعة السياحية…) على مصلحة الجماعات الشعبية المحلية (صغار البحارة…) في عملية إعادة البناء.
لكن عكس ذلك، أثبت الجمعيات التقدمية المحلية والحركات الشعبية فعاليتها (كانت أول من حضر في عين المكان)، ودورها السياسي (ضمان إستقلالية التضامن عن السلطات القائمة) وأهميتها الإجتماعية (في الدفاع مثلا عن الجماعات الأكثر عرضة للتهميش، و«منسيي» تسونامي). لقد تأكدت أيضا في المحنة، فائدة المنتديات الإجتماعية، التي ساهمت على ممر السنين في توسيع هذه العلاقات بين المنظمات الشعبية التي يتوقف عليها التضامن « من شعب الى شعب». هكذا واصلت تشكيلة واسعة من حركات غير فلاحية تلك الحملة التي نظمتها منظمة بيا كمبيسينا العالمية Via Campesina. علاوة على ذلك، كان المنتدى الإجتماعي العالمي ببورتوأليغري مناسبة لتحمل مسؤولية جماعية هدفها تنظيم حملة لإلغاء ديون العالم الثالث، التي فاقمها وقع تسونامي السياسي.
3. تتيح المنتديات الإجتماعية نسج علاقات تضامن على مستويات عديدة في وضع مختلف جدا، بهذا الصدد، عن سابقه.
اضطلعت الحركة العمالية المنظمة بدور القطب المركِّز في البلدان المصنعة امدا طويلا. لكن لم يعد الأمر كذلك على العموم، أو هو بدرجة أقل، باستثناء بعض البلدان على الأرجح (مثل كوريا الجنوبية مع نقابة KCTU ). وغالبا ما كانت الكفاحات المسلحة (الفعلية او الكامنة) تتضطلع بذلك الدور في بلدان العالم الثالث. وهنا أيضا تغيرت الأمور ماعدا بعض الإستثناءات. إذ باتت المنتديات تقدم فعلا جوابا، مؤقتا على الأقل، على السؤال التالي: كيف يمكن خلق نقطة الإلتقاء الضرورية التي تجمع المقاومات المناضلة في غياب «العمود الفقري»، و«مركز ثقل» إجتماعي قوي، محدد بجلاء ومرئي.
ليس المقصود ادعاء أن المنظمات التقليدية، من ضمنها النقابات، ما عادت تضطلع بدور مهم في النضالات الجماعية. لأن حضورها في سيرورات المنتديات شاهد على عكس ذلك. لكن طبيعة العلاقات بين الحركة النقابية ومختلف التعبئات والمحيط الإجتماعي تتغير. هكذا غدت المنتديات(أو بوسعها أن تكون) مناسبة للنقابات لإتخاذ تدابير للتغيير. و التجربة الأوربية منيرة بوجه خاص بهذا الصدد. إذ يدفع فعلا إنعقاد المنتدى الإجتماعي تشكيلة واسعة من الحركات الى تحديد برنامج فعل مشترك على المستوى الأوربي المحض، أي بالضبط ما لم تستطع النقابات تحقيقه خلال هذه السنوات الأربعين الأخيرة. ليست المهام هينة، وليس النجاح مضمونا، لكن المهم جدا أن المسالة تطرح حاليا في الإطار الذي تتيحه المنتديات.
4. أخيرا، تتيح المنتديات لمناضلين جدد دخول عالم السياسة دون الاضطرار منذ البداية الى إختيار معسكر "حزبي" (تنطبق نفس الملاحظة على مناضلين قدامى). هذا بالغ الاهمية حاليا ، حيث توضع سلطة الأحزاب السياسية في بلدان عديدة (أو في قطاعات مهمة لحركات إجتماعية) موضع سؤال. ان لأزمة السلطة هذه أسباب عميقة، ترتبط بادىء ذي بدء بالنتائج الوخيمة لسياسة حكومات الإشتراكية-الديموقراطية والستالينية، ولكن ايضا بحدود اليسار الثوري وإخفاقاته، وحتى الإنحطاط اللاديموقراطي لقسم من مكوناته.
بوجه أعم، لم يعد للجيل المناضل الجديد نفس المرتكزات الإيديولوجية التي كانت لجيل سنوات 1970. إن سيرورة إعادة بناء سياسي جارية و المنتديات مساهمة فيها .
لا تشكل المنتديات، مع ذلك، فضاءات محايدة سياسيا. وتجري التقاربات على أساس رفض السياسات النيوليبرالية، ومقاومة سلطة الشركات متعددة الجنسيات، والنضال ضد الحرب والإضطهاد. وتتجابه داخلها توجهات عديدة، لكنها تتواجه في إطار جبهة موحدة أصيلة تتيح توسيع قاعدة الفعل ومواصلة سيرورة إعادة بناء سياسي (تنازعية بالضرورة) غدت ضرورية بفعل بروز جيل مناضل جديد، وجراء تجربة القرن الماضي وتحولات نمط السيطرة الرأسمالية. لذلك كان المنتدى الإجتماعي ببورتو أليغري مسرحا لنقاشات هامة بالنسبة لليسار البرازيلي والأمريكي اللاتيني وكذلك العالمي.
اختتاما لهذه النقطة، نشير إلى أن المنتديات الإجتماعية «اكبر ُسمكا» من الاجتماعات التقليدية للمنظمات غير الحكومية في سنوات 1980-1990، أو من «شبكة شبكات» بسيطة لتنظيم حملات. يبدو مفهوم «حركة الحركات» محددا على نحو افضل لخصوصيتها. لكن الاهم، بصرف النظر عن التعبير، يكمن في تحليل أعمق لما تحقق من نجاح. لا تلخص المنتديات كامل الحركة المناضلة من أجل عولمة مغايرة والمناهضة للحرب، لكنها تمثل عنصرا مهما في التجربة التاريخية الراهنة. وهي تساعد بفعل ذلك على إعادة التفكير في بعض المعطيات الإستراتيجية وتحيينها، مثل مسألة «الذات الثورية» أو كيف يمكن خلق نقط إلتقاء للنضالات بما يتيح تغيير المجتمع الحالي تغيير ثوريا.

شروط وحدود
لا تكفي التسمية طبعا لإقامة منتدى إجتماعي. لأن المنتدى لن يتخذ «سمكه» إلا بقيام بعض الشروط. أولا: أن تكون خريطة المكونات المشاركة في إعداده ذات تمثيلية ومتنوعة إلى حد ما لضمان بعده القطاعي والتعددي. ثانيا: أن تكون الحركة الإجتماعية غنية ومنخرطة لضمان انغراسه. بدون ذلك، لن تتميز المنتديات كثيرا عن الإجتماعات التقليدية للمنظمات غير الحكومية. لكن وجود ذلك يساعد على انطلاق دينامية وحدوية، تتجاوز كثيرا الجمع البسيط للمنظمات المعنية.
تفرض هذه الدينامية على نحو ما نجاح المنتديات، رغم الصعوبات الموضوعية، ورغم عدم ملاءمة الهيئات المشرفة على السيرورة الدولية، ورغم محاولات التحكم المختلفة، ورغم التناقضات بين المنظمات. إن عفوية السيرورة أساسية، لكن الاشراف، والقرارات السياسية، لا يقلان أهمية.
إن قدرة الدمج لدى سيرورة المنتديات فريدة: إذ من الصعب جدا إيجاد أمثلة سابقة عن مشاركة تشكيلة مكونات من هذا القبيل- طيلة سنوات وعلى المستوى العالمي- في نفس الحركة. غير أن التفاوتات التنظيمية والمالية والجغرافية والإجتماعية تميل إلى البروز من جديد داخل المنتديات بالذات. وقد يجد المهمشون بالمجتمع أنفسهم مهمشين داخل المنتديات. لذلك اتخذت إجراءات لمعالجة هذا الميل القوي (صناديق للتضامن، عقد إجتماعات تمهيدية بمناطق «متاخمة» ، تطوير موضوعات مثل الهشاشة او اشكال الاضطهاد،إلخ ). وهنا أيضا يصعب إيجاد جهود سابقة منظمة لتناول هذه المسألة. لكن يظل النجاح هشا ونسبيا.
من وجهة النظر هذه، لم يبلغ بورتو أليغري 2005 مستوى بومباي 2004. لقد كانت المشاركة في المنتدى الإجتماعي العالمي الرابع أكثر شعبية، وبروز الأوساط الأكثر عرضة للاضطهاد أجلى، ونسبة حيازة المواقع من قبل البعثات القاعدية المناضلة اكثر اكتمالا.
ثمة مشكل آخر: لم يكن الاندماج في المنتدى الإجتماعي ببورتو أليغري سهلا علىالمشاركين والمشاركات الذين لا يجيدون البرتغالية أو الإسبانية أو portugnol ، والذين لم يتابعوا نقاشات اليسار الامريكي اللاتيني، أو من لم يكن منخرطا في إحدى الشبكات الكبيرة (نقابات وجمعيات...) المنظمة لمبادرات مركزية. وبقي الأفارقة والأسيويون بوجه خاص في محيط الحدث. تساعد الجموعات الإقليمية والجموعات المركزية للحركات، بوجه خاص، على دمج المشاركين والمشاركات والمنظمات القادمة من «أماكن أخرى»، لكن يجب اعدادها لذلك بشكل أفضل.

تطورات
يبدي المنتديات استمرارية كبيرة، لكن الإستمرارية لا تعني الجمود. كان منتدى بومباي منعطفا في تاريخ السيرورة العالمية. وتأثر الرجوع إلى بورتو أليغري بذلك إيجابيا.
انفتح المنتدى على مستويات عديدة. على مستوى المظهر: غادر حرم الجامعة الكاثوليكية، للاقامة في المخيم على شاطئ البحيرة، والإقتراب من وسط المدينة والسكان المحليين. على مستوى الأجيال: إقامة مخيم للشباب في قلب المنتدى، وليس بهوامش بعيدة (ضم 35000 شخص، البرازيليون بالمقدمة ثم الأرجنتيون). أما على مستوى الممارسات: دمج مسائل البيئة في تصور المكان، واللجوء إلى منتجين صغار للتغذية، واستعمال حبكات إعلامية logicielsحرة، ودور شبكة بابل Babels، للترجمة التطوعية... وعلى المستوى التنظيمي: إيلاء الأسبقية للتنظيم الذاتي للمبادرات.
جرى تطبيق «منهجية» (في مصطلح المنتدى) جديدة. هكذا أعد البرنامج بعد مشاورات واسعة مع منظمات القاعدة. وحدد 11 «محورا»، أو «مجالا»، بشكل يضمن فهم المواضيع الكبرى المطروحة. وطلب من جميع الحركات التأكد من إمكان تجميع مبادرتها، بغية إغناء الحوار وتعزيز التعاون (تسمى هذه العملية بـ «الإلتحام»). وكان على كل سلاكة السعي إلى ربط التفكير بمقترحات فعل وحملات، بغية ربط امثل للنقاشات بالتعبئات.
ُطبقت هذه المنهجية الجديدة المعقدة في آجال بالغة القصر. وتلزم بعض المسافة للحكم على هذه النتائج. لكن يبدو أنها أتاحت فعلا لشبكات مناضلة مناقشة مقاربات متعددة وتحديد أرضيات مشتركة لتنظيم حملات، بصرف النظر عن الإختلافات السياسية. كما خلقت توازنا جديدا بين سلاكات النقاش داخل المنتدى وتجمع الحركات الإجتماعية، الذي ظل مكان وضع برنامج زمني مشترك للفعل على المستوى الدولي.

توسع وتمفصل
تعود الى جد بعيد قوة جذب المنتديات الاجتماعية الى ما تقدم من فضاء لتقارب حر ونضالي في الآن ذاته. وتيبن بوتوأليغري حاليا أن هذه الوظيفة تبقى أساسية بأمريكا اللاتينية. اتاح وقع بومباي المدوي، في السنة الفارطة، لسيرورة المنتديات الإندراج في الواقع الأسيوي. ويبدو أن إنعقاد المنتدى الإجتماعي الأوربي، في ربيع 2006، يبشر بخير.
ما من شيء أزلي، حتى المنتديات الإجتماعية، وثمة في عدة بلدان شعور بالحاجة الى «نفس جديد». ينضاف إلى ذلك أن تعبئات هذه السنة الاخيرة لم تحقق، رغم حجمها، نجاحا باهرا نظير ما حدث في سياتل عام 1999. غير أن كل شيء يشير إلى أن جدوى المنتديات باقية بالكامل. فبوجه عدوانية البرجوازية العالمية، والتطبيق الشامل للسياسات النيوليبرالية، والقوانين القاتلة للحرية، والحرب «الوقائية» وإيديولوجية «محاربة الإرهاب»، نحن بحاجة فعلا الى جبهة مشتركة عالمية للمقاومات وللبدائل.
والحال أن ثمة خطرا حقيقيا يهدد بتفكيك سيرورة المنتديات والتعبئات.
تأخذ الحملات الخاصة والموضوعاتية من جديد حاليا مكانة أهم، بعد التعبئات الكبرى «العامة» التي نظمت منذ بضعة سنوات خلت. تلك كانت، بعد بورتوأليغري، حالة إلغاء ديون العالم الثالث أو في المعركة ضد اشكال الميز ( أنظر الميثاق الذي نشرته المسيرة العالمية للنساء الذي يضم 13 إثباتا) (2) أو أيضا ضد الحرب على العراق.... إنها مسألة جيدة. لكن ذلك يقوي أيضا ضرورة مواعيد مشتركة لإلتقاء جبهات النضال برمتها. ولا شيء محسوم هنا مسبقا.
خلال السنتين القادمتين، سيتعزز على الأرجح دور المنتديات الإقليمية، قياسا على دور المنتدى العالمي. لأن النضالات تميل إلى التجذر على المستوى الوطني، أو على المستوى شبه القاري حول مسائل خاصة (مثل فينزويلا بأمريكا اللاتينية أو الدستور والخدمات بأوربا..). سيكون المنتدى الإجتماعي العالمي عام 2006، «غير ممركز» ، متخذا حتما بفعل ذلك مضمونا أكثر إقليمية من السابق (3).
تستجيب هذه التطورات لمعطيات حقيقية، وليس فيها بحد ذاتها ما هو سلبي، بل إنها ضرورية حتى. تكمن المشكلة في أن مجالات التشريك الأممي للإعلام والتفكير وتمفصل سيرورات إقليمية وموضوعاتية تتقلص في الوقت الذي تزداد الحركة في مجملها تنوعا. ولا يلبي المجلس الدولي للمنتدى الإجتماعي العالمي في تشكيلته وإشتغاله هذه الحاجة (لم عجز عن حسم نقاش بالغ الأهية حول وتائر المنتديات)، رغم أن بوسع لجانه أن تكون أكثر فعالية. يجب تجديد القطب المنشط لشبكة الحركات الإجتماعية، لكن ذلك ليس بديهيا على الإطلاق. ويتعين على مختلف السلاكات المسماة «مثقفة»، الساعية إلى ربط التحليلات العميقة بالإستجابة لحاجات نضالية، أن تتعاون بشكل وثيق، لكن ذلك ما لم يتم بعد.
وإذ كنا نريد ألا يترتب عن لامركزة الحركة تفكيكها (و إضعاف قدرة المقاومة الجماعية بوجه العولمة العسكرية والليبرالية)، يجب تقديم أجوبة ملموسة وجديدة على هذا المستوى ايضا.

25 مارس 2005

مجلة انبركور عدد ابريل ‏2005‏‏
تعريب المناضل-ة

 

1.حول المنتدى الإجتماعي العالمي، أنظر أيضا مقال بيار روسي، «المنتدى الإجتماعي ببومباي. Rien n’était joué d’avance ، عناصر للتفكير حول سيرورة المنتدى الإجتماعي العالمي بالهند»، أنبريكو، عدد 492/493 ماي 2004، ونشر بعنوان «من بورتو أليغري إلى بومباي. ساعة النضال من أجل عولمة مغايرة»، دفاتر وثائقية عدد 3، 2004، صادرة عن مفوضية العصبة الشيوعية الثورية LCRو GUE/NGL بالبرلمان الأوربي، 2004.
2. «ميثاق النساء العالمي من أجل الإنسانية»، الذي صودق عليه خلال الملتقى الدولي الخامس للمسيرة العالمية للنساء برواندا، يوم 10 10 دجنبر 2004. (المناضل-ة العدد 5 ص 20)
3. كتب هذا المقال قبل لقاء المجلس الدولي للمنتدى الإجتماعي العالمي المزمع عقده في أواخر مارس 2005، حيث سيناقش تنظيم المنتدى العالمي «اللاممركز» وحصيلة منهجية السيرورة.

المناضل-ة عدد 20

بيير روسيه

  معارك الحركة البيئوية الجذرية
  النيبال: نصر شعبي أول ورهانات سياسية واجتماعية جديدة
  بعد ثلاثين سنة: وفاة ماو تسي تونغ الثالثة
  موجة قمع في باكستان: اعتقال فاروق طارق
  بعد ثلاثين سنة: وفاة ماو تسي تونغ الثالثة
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها