جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 صدور الترجمة العربية لكتاب " أبطال بلا مجد – فشل ثورة " (مقتطفات)

منشورات طارق
السبت 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2005

النمري المتمرد ... [ صفحة 1 ]
أقدار
[ صفحة 2 ]

النمري المتمرد ...


( من الفصل الأول: فجر الإبطال وانطلاقة جيل)

قد يحدث ان يزعزع ويحرك رجال مجرى التاريخ. تحدوهم روح الكرامة وكذا الإحساس بالواجب الذي يجب القيام به، فيجابهون قوى اكبر من قوتهم. والنمري، المعروف بابراهيم التزنينتي، كان من بين هؤلاء. كانت هيئته الجسمية تدل على أن الرجل قد حنكته سنوات من المتاعب والصعاب تجاوزها بفضل قوة قناعاته وحدها. كانت نظرته الوقورة توحي بأنه من الزهاد الناسكين. كان هادئا هدوءا داخليا لا يعرفه إلا أولئك الذين عاهدوا على أن يهبوا حياتهم لتحقيق مثل أعلى. وحتى إن لم تسعفه الإحداث فانه كان يتابع دون هوادة الطريق التي سطرها له إيمانه بعدالة القضية التي يدافع عنها . لقد كان فعلا يملك الصفات والخصال التي يصنع منها الأبطال. هؤلاء الأبطال الذين يعمل الجبناء والطغاة على أن يطويهم النسيان.
ويعبر رفيقه في السلاح، ادريس بوبكر،الذي سوف يصبح عقيدا( كولونيل) في الجيش المغربي، بعبارته الخاصة عن إعجابه بالنمري:" لن تلد امرأة أبدا رجلا من هذه الطينة". ودق الاستقلال سنة 1956 ناقوس السلم عند الأبطال، بداية من أولئك الذين سارعوا أن يستبدلوا وطنيتهم بامتيازات مادية . كان النمري في ذلك الحين، ضمن أطر جيش التحرير الوطني ، من بين أولئك الذين كانوا يضعون كامل ثقتهم في عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي، الرمزين القويين للمقاومة ضد الاستعمار. كان شعارهم هو الشعار الذي أطلقاه من منفاهما بالقاهرة :" طالما أن الجزائر ليست حرة ، فإننا لن نستعرض في الرباط". لم يكن النمري مكافحا التحق مؤخرا بالمقاومة قد يرفض لهذا السبب سلما يعتبره سابقا لأوانه لأن حماسه واندفاعه ما زالا في طور النشء والابتداء. وإنما كان النمري من بين المقاومين الأوائل الذين التحقوا بالمنطقة التي تراقبها اسبانيا بشمال المغرب، ليلتحق بعد ذلك بمعسكرات التدريب التي سوف تتخرج منها الفرق العسكرية والتي سوف تصبح فيما بعد جيش التحرير الوطني . وهو نواة حركة مسلحة ولدت في قلب الجبال بعد أن انتشرت الاعتقالات البوليسية في المدن . اعتقالات وضعت العديد من "الإرهابيين" وراء القطبان [7] . لقد ولدت هذه الحركة لترفع ثانية مشعل كفاح شلت حركته عمليات اعتقال أهم القادة الوطنيين ونفيهم . وهذه الحركة إنما كانت تعمل على ملء فراغ سياسي خلفته فرنسا وراءها .
انضاف الى النمري وأصحابه عدد من الطلبة الذين كانوا مستقرين بالخارج ، وهم مثقفون شباب تخرجوا حديثا من جامعات أوربية فغذت مهمتهم هي ان يصبحوا اطر المقاومة في الجبال. من بين هؤلاء المكافحين الأوائل سوف يؤثر البعض على مجرى السنوات الموالية ، وخاصة منهم عبد الرحمن اليوسفي، الذي سوف يصبح فيما بعد وزيرا أولا .
كان الفدائيون في ذلك الحين يعملون تحت قيادة عامة مغاربية يتواجد بها جنبا الى جنب جزائريون ومغاربة . وبالفعل فإن ما ينادي به قادة جيش التحرير الوطني هو التحرر الشامل للبلاد المغاربية. فقد كانوا ، وانطلاقا من معسكراتهم المتخندقة يقودون عمليات عديدة لحرب العصابات ساهمت في تسريع انسحاب الوصاية الاستعمارية الفرنسية.
سوف يكون طريق تحقيق السيادة الوطنية طريقا أطول ، وعلى وجه الخصوص طريق عرف إهدار دماء كثيرة في صفوف رفاق الكفاح الجزائريين . فالحكومة الفرنسية تراجعت جزئيا في تونس والمغرب حتى تتفرغ اكثر للدفاع عن مصالحها في الجزائر، وسوف يفتح تحويل الانتباه هذا فجوة في صرح التضامن المغاربي الذي كان ينادي به جيش التحرير الوطني. إن السلطة، في جوهرها، ثمرة صراعات قوية وليست إرثا يمنح عن طواعية، ايا كانت شرعية هذه السلطة . وكهذا خلق صنيع فرنسا التاريخي مفارقة لها دلالتها. فلئن كانت أدغال جيش التحرير الوطني بؤرة تلاقي وتكوين أجيال مختلفة من القادة الجزائريين( من بوضياف الى بوتفليقة مرورا ببومدين) ، فانها أنتجت كذلك اشد معارضي النظام المغربي عزما. وقد كان النمري من بينهم، انه من أولئك الرجال الذين لا يعلنون انهزامهم قبل أن تنفد آخر نبالهم. بقي الرجل إذن يؤمن بتحرير شامل للبلاد المغاربية المتحدة. الم يتعاهد قادة جيش التحرير الوطني، الجزائريون والمغاربة ، المجتمعون بمدريد في شهر دجنبر من سنة 1956، على مواصلة الكفاح حتى تحرير آخر شبر من البلاد المغاربية، مستجيبين في ذلك لنداء عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي؟
ولكن ، وكما هو شان النمري، سرعان ما خابت آمال أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بالأمر، إذ أن ما كان يراد له أن يكون كفاحا من أجل التحرير الشامل تحول الى صراع في المواقع الخلفية . وفي شهر يوليوز من السنة نفسها، تراجع جيش التحرير الوطني. فقد هزم الجنود الفرنسيون الفرق التي كان يقودها ابراهيم المنوزي( ماو داخل صفوف الفدائيين) في عين الشعيرة بتافيلالت، ووضع بلحاج بوبو ، وهو قائد آخر لجيش التحرير الوطني ، السلاح بفكيك وارفود على تخوم الجنوب الشرقي المغربي.
وجد النمري إذن نفسه داخل آخر رقعة محاصرة من كل الجوانب. وتوجه نحو الجنوب واستقر بكوليمين . ولان النمري كان اصله من تزنيت ، وهي قرية توجد على تخوم الصحراء، فقد بات مرتاحا في هذه البلدة الصحراوية. إن شساعة الصحراء اللامتناهية، والتي تعني عند البعض القفار والضياع، تعني عند النمري الأرض النافحة بالكفاح التحرري. ذلك الكفاح الذي سرعان ما تم التخلي عنه في المدن وجبال الشمال . ففي هذه البقاع لا مكان للأمور التافهة. وحدها الأمور الأساسية تهم، والدليل المرشد على الطريق هو السكينة الداخلية والصرامة. إذ بهما يمكن التعرف على سر تلال الرمال والسرابات. لقد كانت النمري ينتمي بروحه الى البدو الرحل ، ومن ثمة فهو لا يعرف من الحدود الا تلك التي تتراءى في الأفق. ولا من الحدود[ الذاتية] الا تلك التي تحد إرادته. لقد انتعشت فيه بسالة المحارب بفضل هذه الحرية التي استعادها من جديد. زاد تمردا وبات يشعر ان بإمكانه أن يقف في وجه العواصف وجيوش الاستعمار على حد سواء. فأصبحت إذن كوليمين آخر معقل لجا إليه الرجال الذين لا يمكن قهرهم. من بينهم العديد من رموز جيش التحرير الوطني الذين يدين لهم البلد باستقلاله: بنحمو وادريس بوبكر والجبلي وبنسعيد.
لم يتنازل النمري ورفاقه في شيء عن الحرية التي دفعوا ثمنها غاليا، فنصبوا اتفسهم أمناء على كفاح لم يكتمل بعد. ولكنه كان كفاحا وحيدا منعزلا ذلك أنه، وإبان الفوضى التي تلي الهزيمة، استسلم العديد من المقاتلين لوعود السلطة الجديدة التي انبثقت عن استقلال ممنوح. كل قائد من قادة جيش التحرير الوطني الذي يؤدي البيعة ومعه على الأقل مائة من مناصريه يجازي برتبة ضابط وبراتب [ شهري]. وهكذا ارتدى آلاف الرجال في ظرف بضعة شهور بدلة القوات المسلحة الملكية التي أوجدت على وجه السرعة غداة عودة الملك الى العرش.
أوكلت رئاسة نواة هذه القوات المسلحة التي يؤطرها مكونون فرنسيون ، الى الأمير الحسن، وفي يوم 14 ماي من سنة 1956 ، استعرضت أمام منصة الملك محمد الخامس والأمير مولاي الحسن ، الذي عين رئيسا للأركان العامة، حوالي خمسة آلاف جندي من رجال الجبال سابقا وهم يرتدون بدلتهم الجديدة، الى جانب قناصين سابقين. يقود الجيش ، وليس هذا اقل الأمور مفارقة ، ضباط من الجيش الاستعماري على رأسهم محمد أوفقير ، الخادم الوفي والمتفاني لسلطة الحماية الفرنسية. ففرنسا ترى فيه الحارس الساهر على دوام مصالحها في مغرب ما بعد الاستقلال. والنظام الملكي كان يرى فيه خادمه منذ الوهلة الأولى.
سيؤثر هذا التحول تأثيرا عميقا على فكر النمري ، إذ بالنسبة اليه، فان تراجع إخوانه في السلاح قد قادهم، بمكر ولكن دون رجعة، الى التعاهد مع عدو الأمس: انه تصالح يجري ضد طبيعة مجرى الأمور [8]. وتدريجيا شهد النمري نداء الاستسلام الى القصر يتحول الى فخ، فرفاقه الذين تخلوا عن جيوشهم ليلتحقوا بالقوات المسلحة الملكية مقابل أجر زهيد، قد اصبحوا هم أنفسهم الذين يحفرون قبر حلمهم بالحرية. فرفاقهم بالأمس الذي بقوا على نهجهم، إن لم يكن لهم من الذكاء ما يدفعهم الى ركوب طريق النسيان، فانهم يصبحون مطاردين وتتم تصفيتهم بلا رحمة . وسرعان ما تضائل عدد الرجال الذين يودون التنديد بالمؤامرة الجارية وفضحها، لقد غطى حجاب الاتفاق المتواطئ الفجرَ الجديد الذي كافح من أجله النمري والذي لم ير منه سوى أولى بداياته.
لقد بات التراجع بالنسبة إليه مرادفا والى الأبد للتخلي ، للموت البطيء. إنه إحساس جعل منه وارث قضية يجب الدفاع عنها، قضية حرية غلَّطها استقلال زائف . هذا الوعد سوف يحيي في النمري تفان من أجل الحرية لا ينضب ، تحول بعد ذلك الى تطلع الى المطلق. في هذه البقاع الصحراوية ، اكتشف النمري ، رغما عنه أو يكاد، في نفسه موهبة الخطيب الواعظ لساكنة غير متحمسة إيديولوجيا . ولئن كان سوف يبقى هناك مقاتل واحد سيرفض أن يبايع الوضع الجديد فسيكون هو النمري ، إذ بدأ بالنسبة اليه كفاح جديد.
(...)

صفحات المقال : 1 2 >>



[1] ظهرت هذه الحركة في الحقيقة ، والأمر قد يبدو فيه مفارقة ولكن في الظاهر فقط، في شهر أكتوبر 1955 إبان مفاوضات اكس ليبان وتنحي ابن عرفة ، وهو السلطان الذي فرضته فرنسا في شهر غشت 1953 ، وعودة محمد الخامس المبرمجة (انظر الترتيب الزمني للإحداث في آخر الكتاب) . ترتبط هذه الحركة بكل تأكيد ، وهو الأمر الذي بات اليوم معروفا واضحا بعد أن مر زمن على تلك الإحداث ، بالكفاح الجزائري الذي سيصبح ضمنيا ، وحتى استقلال البلد المجاور ، وترتبط كذلك بالكفاح التقدمي من أجل اشتراكية المغرب المستقل.

[2] إن إعادة ترتيب رجال جيش التحرير الوطني لم تتم داخل القوات المسلحة الملكية فحسب ، أي داخل الجيش، بل كذلك داخل القوات المساعدة للمخزن المتحرك، الذي وضع تحت سلطة وزير الداخلية ، وفي الأمن المقرب من الملك ، المنبثق عن القصر ، وفي فرق البوليس الخاصة.

[3] لم يتفضل الفقيه البصري بمقابلتي رغم المحاولات العديدة

[4] نشرته يومية الاتحاد الاشتراكي لسان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

[5] نشرتها لوجرنال (الصحيفة ) عدد 145 ، يوم 25 نوفمبر – فاتح دجنبر 2000 . لم يعترف المعني بالأمر صراحة بالوثيقة ، لكنه كذلك لم يتنكر لها. هذا الصمت ، وباعتبار مضمون الوثيقة الخطير ، يحمل خاتم اعتراف ضمني.

[6] حوار للمؤلف مع احمد بنجلون .

[7] ظهرت هذه الحركة في الحقيقة ، والأمر قد يبدو فيه مفارقة ولكن في الظاهر فقط، في شهر أكتوبر 1955 إبان مفاوضات اكس ليبان وتنحي ابن عرفة ، وهو السلطان الذي فرضته فرنسا في شهر غشت 1953 ، وعودة محمد الخامس المبرمجة (انظر الترتيب الزمني للإحداث في آخر الكتاب) . ترتبط هذه الحركة بكل تأكيد ، وهو الأمر الذي بات اليوم معروفا واضحا بعد أن مر زمن على تلك الإحداث ، بالكفاح الجزائري الذي سيصبح ضمنيا ، وحتى استقلال البلد المجاور ، وترتبط كذلك بالكفاح التقدمي من أجل اشتراكية المغرب المستقل.

[8] إن إعادة ترتيب رجال جيش التحرير الوطني لم تتم داخل القوات المسلحة الملكية فحسب ، أي داخل الجيش، بل كذلك داخل القوات المساعدة للمخزن المتحرك، الذي وضع تحت سلطة وزير الداخلية ، وفي الأمن المقرب من الملك ، المنبثق عن القصر ، وفي فرق البوليس الخاصة.

المناضل-ة عدد 28

مكتبة "المناضل-ة"

  من تاريخ كفاح كادحي ايفني-ايت باعمران جيش التحرير المغربي
  صدور الترجمة العربية لكتاب "عبد الكريم ملحمة الذهب والدم"
  أنطونيو غرامشي : دفاتر السجن - القسم الثاني : ملاحظات حول السياسة

التاريخ

  بمناسبة الذكرى الخمسين لاغتيال المناضل الشيوعي المغربي عبد الكريم بنعبد الله
  لوحات ثورية: الرفيق فولودارسكي
  قبل 50 سنة فبراير 1956: تقرير خروتشوف "السري"
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها