1 -حرص الدولة على توفير شروط محفزة للرأسمال الخاص
تواصل الدولة صيرورة تصفية شركتي صوديا وصوجيطا في غياب أي تعبئة عمالية وشعبية. فبعد أن ساعدتها القيادات النقابية على التخلص من العمال والمستخدمين بتوقيعها على ما سمي "اتفاق بشأن المخطط الاجتماعي"، وبعد أن وجدت حلولا لتصفية مديونية الشركتين إزاء البنوك والصناديق الاجتماعية عبر بيع أراضيهما الموجودة في المدار الحضاري، ها هي تلجأ الآن إلى تنفيذ الشطر الحاسم وذات الأهمية السياسية الكبيرة: تسليم الأراضي [4] .
أعدت الدولة دفترا للتحملات وفق منطقها الحريص على توفير شروط محفزة للرأسماليين الخواص، ودون أي استشارة لممثلي الشغيلة (النقابات) ولا لـ"ممثلي" الشعب (البرلمان)، وأعلنت عن افتتاح عملية طلب العروض المتعلقة بكراء أراضي الشركتين في 25 أكتوبر 2004 [5].
تبلغ المساحة الإجمالية للأراضي موضع التفويت 56 ألف هكتار، موزعة على 208 مشروعا في 11 جهة اقتصادية. لم تربط هذه المشاريع بأي استراتيجية تحدد أنواع الزراعات وتوزيع مساحتها لضمان نوع من التوازن، ومنحت للمقتني حرية اختيار الزراعات الإنتاجية وأشكال الاستثمار، مع استثناء وحيد هو زراعة العنب المعد للتحويل (694 8 هكتار) التي يجب الحفاظ عليها. يرتبط هذا الاستثناء بضغط المجموعة الرأسمالية الكبيرة التي تتحكم في إنتاج الخمور بالمغرب.
2- كراء طويل الأمد وبأبخس الأثمان لضيعات بمواصفات فلاحية كبيرة
يتشكل الرصيد العقاري لشركتي صوديا وصوجيطا من ضيعات كبرى أقامها المعمرون الفرنسيون وفق معايير عصرية، و وزعوا أنواع الزراعات على المناطق حسب خاصية الأرض والطقس والشروط الفلاحية الأخرى. إنها استغلاليات في غالبيتها مغروسة ومسقية ومجهزة بالعتاد الفلاحي وبالبنايات والطرق ومحطات التلفيف والتبريد،الخ، وذات معدل مساحة كبيرة (218 هكتار).
( جدول المساحات موضوع التفويت والقيمة الكرائية السنوية المرفق ،المصدر: تركيب للمعطيات الواردة في موقع الأنترنيت المشار إليه في الهوامش.)
تبلغ القيمة الكرائية الإجمالية السنوية لمجموع الضيعات التي ستسلم للخواص، 89 مليون درهم، أي بمعدل 1.500 درهم للهكتار الواحد في السنة.
إنه ثمن زهيد بالنظر إلى مواصفات الاستغلاليات وأثمان الأرض الجارية، حيث يتراوح ثمن الهكتار الواحد فارغا من أي زراعة وأي عتاد، بين 3.000 درهم إلى 6.000 درهم في السنة في المناطق المؤهلة فلاحيا.
تركيزنا على أثمان الكراء البخسة ليس قبولا لعملية التسليم للخواص في حد ذاتها، بل فقط لتوضيح درجة استهتار الطبقة الحاكمة بثروات بلدنا التي بنيت على حساب كدح شعبنا طوال عشرات السنين، وتبديدها بكل بساطة لصالح حفنة من الرأسماليين الكبار لتنمية أرباحهم ليس إلا.
وإذا لاحظنا معدل المساحة الذي يبلغ 218 هكتارا للضيعة، واستحضرنا ما يتطلبه الاستثمار الفلاحي من أموال باهضة، نستشف بسهولة طبيعة المستثمرين الذين تستهدفهم الدولة بالأساس: الرأسمال الأجنبي وعدد قليل من المحليين الكبار المرتبطين به الذين سيركزون على الزراعات التصديرية. وقد سبق للدولة أن قامت بجولات عبر الخارج وقامت بحملات دعائية واسعة لتقديم عروضها المغرية، واستدعت وفود من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا لزيارة نماذج من المشاريع المعروضة. إنها تعمل على تأكيد التزامها بمقتضيات منظمة التجارة العالمية التي تطالب بإزالة كافة الحواجز أمام دخول رساميل المركبات الصناعية-الفلاحية العملاقة وتوفير شروط المنافسة الحرة، وفتح المجال لتصدير أرباحها.
تتراوح مدة الكراء بين 17 سنة، بالنسبة لمشاريع الزراعات السنوية وتربية الماشية، و 40 سنة في حالة مشاريع زراعة الأشجار المثمرة والأشجار الغابوية أو خلق مركبات للفلاحة الصناعية، وهي قابلة للتمديد.
إن مدة الكراء طويلة الأمد وقابليتها للتمديد، تعني نوعا من التمليك العملي مع مرور السنوات. ويملك الرأسمال الأجنبي ما يكفي من القوة لفرض بقائه في تلك الضيعات، وقد ينجح في ضمان ملكيتها بشكل قانوني إذا لم تكن هناك تعبئة شعبية. إن الطبقة الحاكمة تبيع بلدنا بالمزاد وترسي دعائم الاستعمار الجديد.
3 - والتعبئة العمالية والشعبية؟
حكمت قيادات النقابات الأربع الموقعة على "اتفاق المخطط الاجتماعي" الكارثي بمصير مظلم على أكثر من 10.000 أجير، ومنحت شرعية لعملية تصفية شركتي صوديا وصوجيطا. وقد فككت القاعدة العمالية لما قبلت منطق الدولة بالتمييز بين بين "الرسميين" و"المؤقتين"، وزرعت اليأس والإحباط في صفوف الشغيلة، مما يضرب في العمق شروط التعبئة الضرورية لوقف مخطط الدولة. وعوض أن تتدارك خطأها وتقوم بنقد ذاتي أمام قواعدها كحد أدنى لاستنهاضها، وترفض دفتر التحملات الحالي وتندد على الأقل بخرق الدولة لأحد بنود الاتفاق الأساسية [6]،اكتفت هذه القيادات بترديد البديهيات: "نخشى أن يضرب المستثمرون الجدد عرض الحائط حقوق المستخدمين، فهذا الأمر غير منصوص عليه في دفتر التحملات". وهو منطق ليبرالي استسلامي يراهن على وهم إرادة الرأسمالي الذي لا تحكمه سوى مصلحته الطبقية في نيل أفضل شروط الربح، وعلى رأسها تقليص كافة النفقات المرتبطة بالأجور وضمان كثافة استغلال العمال.
إن الطبقة العاملة المغربية وكافة الشرائح الشعبية من عاطلين وفلاحين ومهمشين، نساء ورجال، شباب وشيوخ، معنية بمصير هذه الأراضي التي هي في الأصل ملكيتهم، وعليهم أن يطالبوا بحقهم في تقرير مصيرها.
إن الوقوف في وجه مخطط الدولة بتبديد هذه الثروة والحيلولة دون نهبها من طرف الرأسمال الإمبريالي والمحليين الكبار المرتبطين به، يمر عبر مطالبة الحركة العمالية والشعبية باسترداد هذه الأراضي(بما فيها تلك التي منحت سابقا لبيروقراطي الدولة البرجوازيين) وتوزيعها على الفلاحين الكادحين والعاطلين على شكل تعاونيات تحت رقابتهم الذاتية، وتخصيصها للزراعات المعاشية لضمان أمننا الغذائي، ومطالبة الدولة بتوفير كافة عوامل الإنتاج من سقي وعتاد وتأطير وبذور وأسمدة وتجهيز، الخ.
وهنا تكمن جسامة المهام المطروحة على تيارات اليسار الجذري التي يفرض عليها التزامها بقضية الشعب الانخراط في التعبئة العمالية والشعبية لوقف هذا النزيف.