إثر الحرب الأهلية الأطول في تاريخ الصراعات الدموية التي عرفها لبنان، والتي وضع حداً لها اتفاق الطائف، جرى، بموجب ذلك الاتفاق، والقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990، إدخال تعديلات عدة على دستوره، من ضمنها المقدمة التي أضيفت إليه وجاء في بندها «أ» ما يلي: «لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دولياً». أما البند «ح» من المقدمة عينها فينص على الآتي: «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية».
بعد تلك التعديلات بأربع عشرة سنة ونصف السنة، شهد وسط بيروت، بفاصل أيام ٍ ستة، مظاهرتين لم يعرف تاريخ البلد ما يشبههما، سواء من حيث الحجم أو من حيث المضمون، وذلك في الثامن فالرابع عشر من آذار 2005، أي بعد أيام قليلة على صدور قرار النظام السوري بالانسحاب العسكري من لبنان. وقد تمت الأولى، التي قدَّرت وكالة الصحافة الفرنسية عددها بمليون وستمئة ألف متظاهر، تحت شعار أساسي هو الشكر لسوريا، فيما تمت الثانية، وقد قدَّرها منظموها بما بين المليون والنصف والمليونين، على أساس المطالبة بالحقيقة حول اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، فضلاً عن رفع شعارات السيادة والحرية والاستقلال، مطلقين عليها منذ تلك الفترة تسمية «انتفاضة الاستقلال»، وبالتحديد عن سوريا.
وسواء كانت التقديرات بخصوص عدد المشاركين في كل من المظاهرتين دقيقة، أو تفتقر إجمالاً إلى الدقة، فثمة واقع لا بد من الاعتراف به هو أن أكثر من نصف سكان البلد، على الأقل، نزلوا إلى الشارع، تعبيراً عن مواقف أساسية متناقضة جذرياً بخصوص العلاقة بسوريا، من جهة، ومفهومي الاستقلال والسيادة، من جهة ثانية. وقد جاء ذلك يكشف حالة انشطار وطني عميق، رأى كثيرون أنه ذو سمة طائفية غالبة. وهو انشطار يمكن أن يتفاقم لاحقاً، ولا سيما إذا استمر – كما يحصل منذ تعديل الدستور عام 1990 – تجاهل بند إلغاء الطائفية السياسية، والمضي على العكس في شتى أنواع الممارسات التي لا تعزز فقط البنى الطائفية القائمة، بل أيضاً التعبئة والشحن والانقسام النفسي والفكري والعملي على أساس الطوائف والمذاهب. وقد سهَّل هذا الواقع سابقاً، ويسهِّل الآن، وسيظل يسهِّل ما دام قائماً، إبقاء الغالبية الساحقة من المواطنين، المتضررين بعمق من النظام الذي يعيشون في ظله، والسيطرة الطبقية التي هم تحت وطأتها، في حال من التمزق والانقسام كان وسيبقى المستفيد الأساسي منه الطبقةُ السائدةُ والقوى السياسية والاجتماعية القابضة على السلطة، أو المتناوبة عليها. وهي القوى ذاتها التي كان قد دخل معظمها في شراكة مكشوفة، على امتداد الخمس عشرة سنة الماضية، مع الجهاز الأمني السوري-اللبناني، في عملية نهب البلد وشعبه – الأمر الذي أدى إلى تكبيله بعشرات مليارات الدولارات من الديون، وتعميق حالة الإعاقة والتخلف في اقتصاده، وشل مؤسساته وتشويه الحياة الديمقراطية، والحد الأدنى من عناصر الممانعة والدفاع الاجتماعي – ، قبل أن تطرأ ظروف عالمية وإقليمية جديدة وجد خلالها جزء هام من هذه القوى أن مصلحته تقضي بفك تلك الشراكة. وهو ما سوف يؤدي وضعه موضع التنفيذ، في النصف الثاني من العام ما قبل الفائت 2004، إلى إطلاق سيرورة مجنونة، في الوقت نفسه الذي تعمِّق فيه أزمات البلد، تضعه في مهب رياح عاتية بات من الواضح أن التحكم بها مسألة عسيرة جداً، إذا لم تكن مستعصية، ولا سيما في غياب يسار ثوري فاعل وعميق الانغراس في الوسط الجماهيري، وطالما سوف يستمر ذلك الغياب.
هذه الرياح، إذا كان مصدرها الأساسي التبدل الجذري في طبيعة سلطة الوصاية وهويتها، وما يتلازم مع ذلك من سياسات تود الوصية الجديدة (الإمبريالية الأميركية بوجه أخص، وحلفاؤها) أن تفرضها على البلد، عبر شريحة سياسية مطواعة، في غالبيتها المسيطرة الآن على المجلس النيابي والحكم، فهي (أي الرياح) لا تندفع من الصعيد السياسي وحسب، بل أيضاً من واقع اقتصادي تنبع خطورته من الانهيارات المحدقة في هذا المجال، كما من المشاريع النيوليبرالية المدمرة للطبقة المسيطرة، وبوجه خاص رأس حربتها الراهن المتمثل بالحالة الحريرية، المتمتعة بالغالبية النيابية، والتي يقودها في الظاهر، رئيس الوزراء، فؤاد السنيورة، وفي الحقيقة السيد سعد الحريري، الحاظي بالدعم السعودي الكامل، وبوجه خاص بدعم الإمبرياليتين الأميركية والفرنسية. هذا الواقع، سوف نتناوله بإيجاز نسبي، في نقطة أولى، فيما نعالج في نقطة ثانية واقع اليسار المحلي الراهن، الذي يزداد ترهلاً، في حين أن الأمل الوحيد لمنع الطبقة السائدة من المضي بالبلد إلى الهاوية يكمن في السعي الدائب لإخراج هذا اليسار من أزمته، بأكبر قدر ممكن من السرعة، بحيث يمكِّنه ذلك من خوض مواجهة صعبة جداً بالتأكيد، ولكنها تمتلك حظوظاً بالنجاح، للمنحى الكارثي الذي تتخذه قيادة ُ البرجوازية المحلية لبلدنا.
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها