تقديم
يعد قطاع الصناعات النسيجية من أهم ركائز الاقتصاد المغربي ومن أهم القطاعات المشغلة لليد العاملة، كما يعتبر القطاع الذي يعاني أجراءه من أشد أنواع الاستغلال ومحاربة العمل النقابي. حيث يتعرض العمال لهجوم كاسح على أجورهم (المرونة في الأجور، وساعات العمل، والتشغيل بالعقدة، عدم احترام الحد الأدنى للأجور، غياب التغطية الصحية،...). فأرباب العمل يشنون حملة مسعورة على حرية العمل النقابي وحق العمال في التنظيم لأن ذلك يشكل مدخلا أساسيا لمزيد من فرط الاستغلال. في هذا السياق نورد حالة من بين المئات يتضح من خلالها الخطر الذي يهدد العمل النقابي وحقوق العمال من طرف البطرونا وتواطؤ السلطة المحلية معها.
المعمل وظروف الاشتغــــال
المعمل: DEWHIRST tan 1 ( الوحدة الأولى – هناك أربع وحدات ) يوجد بالمنطقة الصناعية مغوغة – طريق تطوان، يشتغل في مجال إنتاج الملابس الجاهزة للنساء، كل إنتاجه موجه للتصدير. يشغل حوالي 1300 عاملة وعامل تشكل النساء الثلثين منهم تقريبا، أغلب العمال والعاملات متعلمون ولهم أقدمية بالمعمل تتراوح مابين السنتين والسبع سنوات.
يعاني العمال من ظروف عمل جد قاسية، تعبر عن أبشع أساليب الاستغلال التي يتعرض لها الأجراء.
فعلى المستوى الصحي يعاني الأجراء من:
استعمال مواد كيماوية ( برمنغنات البوتاسيوم ) جد خطيرة على صحة العمال والعاملات ( الإصابة بأمراض جلدية وثقوب في الجلد، الحساسية، الربو، وأمراض الصدر) حيث سجل تراجع في حدة بصر العديد من العاملات والعمال وهي وضعية يمكن التدليل عليها من خلال مقارنة الملف الطبي للأجراء عند بداية اشتغالهم بالمعمل ووضعهم الحالي. ينفق العديد من العمال جزءا من أجورهم على الأدوية.
الحرارة المفرطة التي تصل إلى حدود 50 درجة مئوية.
الضجيج والذي يتسبب في تدهور القدرات السمعية للعاملات والعمال.
يوجد طبيب، لا يحضر إلى ساعة في اليوم وتنوب عنه ممرضة، صحة العمال آخر ما يهمه وكل ما يقدمه من علاج لا يتعدى بعض الأقراص المهدئة. وفي إحدى الأيام قامت الشركة بفحص لكل العمال فتم اكتشاف إصابة العمال بالعديد من الأمراض الصدرية فأوقفتهم عن العمل دون أجور إلى حين شفائهم رغم أن أمراضهم هي أمراض مهنية يشهد على ذلك خلوهم منها عند فحص ما قبل القبول في العمل بالشركة.
أما على المستوى المادي (الأجور)، فإدارة الشركة لا تحترم حتى قانون الشغل على علاته حيث:
عدم احترام أجر الساعات الإضافية ( + 25 في المائة عندما تزاد بالنهار و+ 50 في المائة عندما تزاد هذه الساعات بالليل).
عدم الاستفادة من الأعياد وعدم احترام القانون في التعويض عن العمل خلالها.
عدم احترام العطلة السنوية وتجزئتها والتنقيص من مدتها وعدم التعويض عنها بالشكل الملائم.
عدم احترام العطلة الأسبوعية.
إلغاء الحوافز والتعويضات عن الانتاجية رغم ارتفاعها.
يضاف إلى ذلك سوء المعاملة سواء من طرف رجال الحراسة (CLEAN CO SERVICES ) أو من طرف المسؤولين بالشركة. كما تتعرض العاملات للاستفزاز والمضايقات، ويتم تشغيل الأمهات ليلا في تجاهل لكل المشاعر والحقوق الإنسانية وفي خرق للقانون.
قبل الطرد التعسفـــي
هذه الوضعية المزرية دفعت العديد من العمال إلى التفكير في تنظيم أنفسهم في مكتب نقابي قصد الدفاع عن مطالبهم وشروط عيش وعمل إنسانيين، فكانت المحاولة الأولى لتأسيس المكتب النقابي في شهر فبراير 2005 والثانية في شهر مارس والثالثة كانت في شهر يونيو 2005 في إطار الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، غير أن تلاعب بعض أعضاء المكتب بمصالح العمال وتواطئهم مع إدارة الشركة وعدم اتخاذ المكتب الجهوي للاتحاد العام موقفا صارما في الموضوع دفع أغلبية المكتب والعمال إلى تأسيس مكتب جديد في إطار الكنفدرالية الديموقراطية للشغل في أوائل شتنبر 2005 . وبعد القيام بالإجراءات القانونية طالب المكتب النقابي بالحوار مع إدارة الشركة غير أنها رفضت وبدأت في حملة من الاستفزازات في حق النقابيين كما قامت بمحاولة لرشوتهم ودفعهم للتخلي عن العمل النقابي مقابل الملايين. المكتب النقابي وضع شكاية بالولاية مفادها أن إدارة الشركة ترفض الاعتراف بالمكتب النقابي والحوار معه، سلطات الولاية استدعت أصحاب المعمل والمكتب النقابي في إطار اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة فكانت نتيجة اللقاء هي اعتراف الشركة بالمكتب النقابي وقبولها للحوار ولكن داخل المعمل. وهو الطلب الذي وافق عليه المكتب النقابي، فتم تحديد موعد أول جلسة للحوار داخل الشركة بعد أسبوع، لكنه لم يتم وأجل لمدة أسبوعين. قام المكتب بوضع شكاية عند الولاية ضد إدارة الشركة لتملصها من الحوار، فتم استدعاء اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة من جديد غير أن الشركة لم تحضر ومنعت المكتب النقابي من حضور اللقاء معلنة بذلك حربها على النقابة. اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة اكتفت بتدوين غياب الشريك عن جلسة الحوار في محضر.
لم يبق للعمال من خيار بعد استنفاذ كل سبل الحوار والمناشدة سوى الإضراب عن العمل، وهو الأمر الذي قرروه حيث تم التوقف عن العمل لمدة أربع ساعات ( أخبرت الولاية بالإضراب وموعده) وقد عرف الإضراب الانذاري مشاركة جميع العمال.
دفع نجاح الإضراب الإنذاري الادارة إلى استفزاز العمال والنقابيين وترهيبهم في محاولة يائسة لدفعهم للعودة للخضوع والاستسلام للاستغلال المكثف وسوء المعاملة.
و لإفهام إدارة الشركة أن زمن الخضوع والاستسلام قد ولى وأن شمس النضال والكرامة قد أشرقت قرر العمال والعاملات بقيادة المكتب النقابي خوض إضراب مفتوح لمدة ساعة كل يوم ( تم إخبار الولاية بقرار الإضراب) وبعد ما عرف هذا الإضراب نجاحا مهما قامت مندوبية التشغيل باستدعاء المكتب النقابي وإدارة الشركة لجلسة حوار فقام المكتب بوقف الإضراب ( 28 أكتوبر 2005 ) غير أن الشركة لم تكلف نفسها عناء الاستجابة لدعوة مندوبية التشغيل. فقرر العمال استئناف الإضراب إلى حدود عطلة عيد الفطر.
المدير العام للشركة (إنجليزي) صرح أن المفاوضات لا يمكن أن تكون تحت التهديد والضغط فأعطاه العمال مهلة أسبوع لفتح الحوار والاعتراف بالمكتب النقابي وإما العودة للإضراب.
الطـــــرد
الحوار الذي يجيده ويعرفه الرأسماليون هو الاستغلال المكثف والطرد والتشريد.
تكشف الطريقة الإرهابية التي تم بها طرد العمال أن الأمر تم التخطيط له ودراسته لمدة طويلة وساهمت فيه السلطة عن طريق تركها إدارة الشركة تعيث فسادا وخرقا لحقوق العاملات والعمال. لقد قامت الشركة يوم 14 نونبر 2005 بترويج خبر وسط العمال مفاده أن آلة مركزية ومهمة في تشغيل المصنع (آلة إنتاج وتوزيع البخار) مهددة بالانفجار وبالتالي على العمال مغادرة المصنع فورا وهو ما تم فعلا، وعند خروج جميع العمال من باب الشركة تم إقفال الأبواب بسرعة ليفاجأ العمال بالفخ، وفي ظل ذهول العمال والعاملات قام مجموعة من الأشخاص الغرباء عن الشركة بتوزيع لائحة تضم أسماء 150 عاملا وعاملة يعتبرون مطرودين. وفي الغد روجت بنفس الطريقة لائحة أخرى تضم 12 اسما وفي اليوم الثالث روجت لائحة ثالثة تضم 10 أسماء، أي في المجموع 172 مطرود. مع الترويج لوجود لائحة أخرى ستطرد لاحقا.
إن التهمة التي وجهتها الشركة للعمال قصد طردهم هي: عرقلة حرية العمل.
بينما السبب الحقيقي للطرد هو: عرقلة حرية الاستغلال البشع للعمال والعاملات.
بعد الطــــرد
بعد الطرد مباشرة اعتصم العمال أمام باب المعمل مع المبيت ليلا، كما قام المكتب النقابي رفقة الكاتب العام للاتحاد الجهوي للكنفدرالية بوضع شكاية عند الولاية ( يوم 15 نونبر 2005 )، فأخبرهم قسم الشؤون العامة أنه سيحيل الأمر على الوالي والذي اكتفى بالطلب من الكاتب العام للاتحاد الجهوي عدم القيام بأي احتجاج (احتلال المصنع) لمدة أسبوع على أساس أن يحل المشكل يوم 22 نونبر 2005. وهي المدة التي استفادت منها الشركة لتوظيف جيش من رجال الحراسة لقمع العمال واستفزاز باقي العمال وتهديدهم بالطرد، وإنهاك العمال المعتصمين في ظل أحوال الطقس المتقلبة.
أثناء اجتماع يوم الاثنين ( 22 / 11 / 2005 ) بالولاية والذي لم تعره الشركة اهتماما قال رئيس قسم الشؤون العامة نيابة عن الوالي أن هذا الأخير أعطى للشركة مهلة يومين لإرجاع العمال لعملهم في حين لم يخبرهم عن ما سيفعله إذا لم تستجب لطلبه.
التضــــامن مع العمـــال المطرودين
كانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أول المتضامنين مع المعتصمين، حيث وقف مناضلوها على الخرق الذي طال الحق في العمل النقابي والحق في الشغل، كما قام مناضلو الحركة الطلابية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بزيارة تضامنية للمعتصم معبرين عن دعمهم ومساندتهم لنضالات العمال من أجل الدفاع عن حقوقهم.
كما قام مجموعة من مناضلي فرع طنجة للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب بزيارة العاملات والعمال المطرودين في معتصمهم وهو الأمر الذي يعد تجسيدا لمبادئ الجمعية وطابعها الكفاحي.
لقد شكلت هذه الزيارات رغم طابعها المعنوى دعما مهما للعمال وفعلا لقي استحسانا من طرفهم وهو ما يطرح سبل تطوير هذا الدعم، خاصة في ظل الهجوم الخطير الذي تتعرض له المكاسب والحقوق البسيطة أصلا.
كما زار المعتصم صحفيان عن جريدتي الأحداث المغربية والصباح.
سيـــــر المعتصم
بعد عشرة أيام من الطرد الذي طال العمال، لم يصدر الاتحاد المحلي أو المكتب النقابي أي بيان صحافي أو أي منشور دعوي وتحريضي للعمال، كما لم يتم القيام بأي حملة توعية وتشهير بالطرد وسط عمال المنطقة واغتنام الفرصة من طرف النقابة للقيام بحملة وسط عمال النسيج لتعبئتهم لمواجهة التعدي على كرامة العمال وحقوقهم، ومن أجل الدفاع عن الحق في العمل والتنظيم النقابي باعتباره الحق الوحيد الذي يمكن من ممارسة باقي الحقوق في ظل المجتمع الرأسمالي القائم على الاستغلال.
سجل كذلك غياب لافتة تعرف بالعمال ومطالبهم بأمر من الاتحاد المحلي وتمت مطالبة العمال بعدم استقبال الزيارات وخاصة الطلبة والمعطلين (الشركة اعتبرت الشعارات، في شكواها للولاية، معادية لمجموع أرباب العمل يعني طبقية) وهو ما استنكره العمال وعبروا عن امتنانهم للتضامن.
ملاحظة:
يوجد قطاع النسيج على حافة الإفلاس- حسب المسؤولين- بفعل الاستغلال المفرط الذي يتعرض له العمال والفساد والنهب الذي تتعرض له المقاولات وبفعل فتح أبوب المغرب أمام المنتجات الصناعية من بلدان متقدمة ذات إنتاجية كبيرة/ مما يعني أن أرباب العمل سيلجئون إلى حل أزمتهم على حساب العمال (وقد بدأ التنفيذ) أي تكثيف الاستغلال وخفض الأجور (زيادات ساعات العمل) والتسريح الجماعي إلخ.... .
هذه الوضعية تطرح على النقابات ملحاحية نضال واسع وعمل مكثف من أجل توسيع تدخل النقابة في النضال وتوحيد جهود كافة النقابيين أيا كانت مكاتبهم النقابية ونقابتهم، ليكون النضال الحازم ضد التسريح الجماعي وضد ضرب العمل النقابي وضد خفض الأجور بدل التعويل على الحوارات (التي لا تلتزم الشركات بنتائجها) وتدخل السلطة التي أثبت الواقع أنها تقف في صف أرباب العمل، فليس هناك رأسمالي واحد يعاني الأزمة ولم يسجن يوما أي رب عمل بسبب التعدي على حقوق العمال والعاملات.
لقد سجل التضامن المعنوي المشار إليه أعلاه علامة مهمة يجب تطويرها وتوسيعها رغم العراقيل التي توضع من طرف البعض.
النقابة سلاحنا الوحيد للدفاع عن أنفسنا فلنجعل هذا السلاح حادا وقويا.
عـــــــاشت النقـــــابة وعــــــاش النضــــــال
معتصم