هذا المقال سبق ونُشر باللغة الفرنسية في مجلة «الأممية الرابعة» العدد 6، أكتوبر-ديسمبر 1981. وقد صدر باللغة العربية في مصر ولبنان، بترجمة تضمنت بعض المغالطات. ننشر هنا ترجمة جديدة منقحة
1/ إن الاتساع والتنوع في أشكال انبعاث السلفية الإسلامية الذي وسم بداية الربع الأخير من القرن العشرين، يمنعان أي تعميم متعجل لفرضيات في هذا المجال. فمثلما نكون ضالين تماما لو ماثلنا كاثوليكية العمال البولنديين بكاثوليكية الرجعية الفرانكية – دون الاستنكاف مع ذلك عن تحليل السمات المشتركة للتاريخ الزراعي في إسبانيا وبولندا، أو السمات المشتركة في المحتوى السياسي والأيديولوجي لكاثوليكيتهما الخاصتين- فإن أقل حذر من التحليل يمنعنا من أن نضع في سلة واحدة ظواهر تختلف بمثل الاختلاف القائم بين صعود الحركات الإسلامية الدينية و/أو السياسية في مصر وفي سوريا وتونس وتركيا وباكستان وأندونيسيا وفي السنغال، أو بين الديكتاتوريتين العسكريتين لضياء الحق في باكستان وللقدافي في ليبيا، أو بين استيلاء رجال الدين الشيعة الإيرانيين على السلطة وحرب العصابات الأفغانية، الخ. وحتى الظواهر التي تبدو متماثلة بشكل جلي، كنمو حركة «الإخوان المسلمين» ذاتها في مصر وسوريا، يكمن وراءها في الواقع تنوع في المحتوى والدور السياسي، والاتفاق حول مسائل الحياة اليومية، عندما توجد مثل هذه الاتفاقات، وعلى الرغم من التشابه بل التطابق في الأشكال التنظيمية والتسميات، فإن الحركات الإسلامية تظل في جوهرها حركات سياسية وبالتالي تعبيرات عن مصالح اجتماعية-سياسية نوعية ودنيوية للغاية.
2/ لم يكن ثمة إقحام للإسلام في السياسة: فالإسلام في الواقع لا يمكن فصله عن السياسة، إذ هو نفسه دين سياسي. وهكذا فإن مطلب فصل الدين عن الدولة هو مطلب يتخطى حدود العلمانية في البلاد الإسلامية، وهو معاد للدين بشكل صريح. وهذه الحقيقة الثايتة تساهم في تفسير كون أي من التيارات الكبرى للقومية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة في أرض الاسلام، باستثناء الكاملية في توركيا، لم يعلن تأييده للعلمانية. فإن هذه المهمة الديموقراطية التي تبدو بديهية في بلاد أخرى، تبلغ جذريتها في بلاد الإسلامية، وخاصة بلاد الشرق الأوسط، درجة ستجعل ديكتاتورية البروليتاريا نفسها تواجه صعوبات في تحقيقها، وهي بعيدة أصلا عن متناول الطبقات الأخرى. علاوة على ذلك، لم يكن للطبقات الديموقراطية في المجتمعات الإسلامية، إجمالا، أي مصلحة تقريبا في محاربة دينها الخاص. فالإسلام لم ينظر إليه في القرن العشرين، في هذه المجتمعات، بوصفه اللحمة الأيديولوجية لبنية طبقية بائدة، إقطاعية أو شبه إقطاعية، بل بالأحرى كعنصر أساسي في الهوية القومية الممتهنة من جانب المضطهد الأجنبي المسيحي (بله الملحد). وليس من قبيل الصدفة إذا كانت تركيا المجتمع الإسلامي الوحيد الذي لم تخضع، في القرن العشرين، لنير أجنبي؛ مصطفى كمال أيضا كان استثناء بين أقرانه: فقد خاض نضاله الرئيسي، ليس ضد الاستعمار، أو الإمبريالية، بل ضد السلطنة، التي تشكل تركيبا بين السلطتين الزمنية والروحية (الخلافة). وفي المقابل، فإن قوميا بورجوازيا براديكالية عبد الناصر، كانت له كل المصلحة في رفع راية الإسلام في نضاله الرئيسي ضد الامبريالية، لاسيما أنه كان يجد في ذلك، في الوقت ذاته، وسيلة سهلة لحماية نفسه من اليسار ومن اليمين سواء.
3/ إن الإسلام بوصفه أحد عناصر أيديولوجية التيارات القومية –عنصر بين عناصر أخرى رغم أنه أساسي- ليس هو موضوع الأطروحات التالية. فهذا الإسلام قد مضى عهده، كما مضى عهد التيارات التي تنتسب إليه. وبشكل أكثر عمومية، سنميز بين الإسلام الذي يُستخدم كوسيلة لتحديد وتأكيد هوية قومية أو اجتماعية، بله طائفية، متصارعة مع هويات أخرى، وبين الإسلام الذي يُنظر إليه كهدف في ذاته، هدف كلي وشامل، برنامج وحيد ومطلق. "القرآن دستورنا" أعلن حسن البنا، مؤسس حركة "الإخوان المسلمين" في سنة 1928. هذا الإسلام هو الذي يهمنا في إطار هذه الأطروحات: الإسلام المرفوع إلى مرتبة المبدأ المطلق الذي يخضع له كل مطالب أو نضال أو إصلاح، إسلام "إخوان المسلمين" و"جماعة إسلام" ومختلف جمعيات العلماء وحركة آيات الله الإيرانيين التي يشكل "الحزب الجمهوري الإسلامي" تعبيرها المنظم. إن القاسم المشترك بين هذه الحركات المختلفة هو السلفية الإسلامية، أي الرغبة في العودة إلى الإسلام، الطموح إلى "يوتوبيا" (طوبى) إسلامية لا يمكنها، أصلا، أن تقف عند حدود أمة واحدة بل ينبغي أن تشمل مجمل الشعوب الإسلامية إن لم يكن العالم كله. بهذا المعنى أكد بني صدر عام 1979 لجريدة "النهار" البيروتية :"أن آية الله الخميني أممي: فهو يقاوم ستالينيي الإسلام الذين يريدون بناء الإسلام في بلد واحد" (كذا!). ويعبر عن هذه النزعة الأممية كون الحركات المذكورة آنفا تتخطى حدود بلادها الأصلية و/أو تقيم فيما بينها علاقات وثيقة إلى هذا الحد أو ذاك. وهي ترفض جميعا القومية بالمعنى الحصري للكلمة، وتعتبر أن التيارات القومية، حتى تلك التيارات التي تشهر إسلامها، منافسة بل معادية. فهي تقاوم الاضطهاد الأجنبي أو العدو القومي باسم الإسلام، وليس دفاعا عن "الأمة". هكذا فالولايات المتحدة ليست "امبريالية" في نظر الخميني بقدر ما هي "شيطان كبير"، أما صدام حسين، فهو قبل كل شيء "ملحد" و"كافر". وليست إسرائيل بالنسبة لكل تلك الحركات إغتصابا صهيونيا للأراضي الفلسطينية بقدر ما هي "إغتصاب يهودي لأرض إسلامية مقدسة".
4/ أيا كان المدى التقدمي، القومي و/أو الديموقراطي، الموضوعي لبعض النضالات التي تخوضها مختلف تيارات السلفية الاسلامية، فهو لا يستطيع أن بحجب كون أيديولوجيتها وبرنامجها رجعيان في جوهرهما بحكم تعريفهما. إذ ما هو برنامج يهدف بناء دولة إسلامية، تقلد نموذج دولة القرن السابع الميلادي، إن لم يكن طوبى رجعية؟ وما هي أيديولوجية تستهدف إعادة إنشاء نظام عمره ثلاثة عشر قرنا، إن لم تكن أيديولوجية غارقة من الرجعية؟ وبهذا المعنى يكون من الضلال بل من العبث، نعت الحركات السلفية الإسلامية بأنها بورجوازية، مهما التقت بعض النضالات التي تخوضها هذه الحركات مع كل أو جزء من بورجوازية بلدها، مثلما هو من الضلال نعتها بالثورة عندما يحدث لها أن تعارض تلك البورجوازية نفسها. فالحركات السلفية الإسلامية هي حركات بورجوازية صغيرة، سواء بطبيعة برنامجها وأيديولوجيتها أو بتركيبها الاجتماعي وحتى بالأصول الاجتماعية لمؤسسيها. وهي لا تختفي بغضها لممثلي الرأسمال الكبير كما لممثلي البروليتاريا، وللدول الإمبريالية كما للدول العمالية. إنها تعارض قطبي المجتمع الصناعي الذي يهددها: البورجوازية والبروليتاريا. وهي تطابق ذلك القطاع من البورجوازية الصغيرة الذي يصفه "البيان الشيوعي" كالآتي:
"إن الطبقات المتوسطة، صغار الصناع، تجار التجزئة، الحرفيين، الفلاحين، تحارب البورجوازية لأنها تهدد وجودها كطبقات متوسطة. فهي ليست ثورية، ولكن محافظة، وأكثر من ذلك أنها رجعية: فهي تسعى إلى إدارة عجلات التاريخ إلى الوراء".
إن الرجعية الإسلامية البورجوازية الصغيرة تجد أيديولوجيتها وإطاراتها المنظمة بين "المثقفين التقليديين" في المجتمعات الإسلامية، العلماء وأشباههم، وكذلك من المراتب الدنيا من "المثقفين العضويين" التابعين للبورجوازية، أولئك المتحدرين من صفوف البورجوازية الصغيرة والمحكوم عليهم بأن يظلوا في المراتب الدنيا: المدرسين وصغار الموظفين بالأخص. وفي فترات صعودها، تجند السلفية الإسلامية أعدادا واسعة داخل الجامعات وسائر مراكز إنتاج "المثقفين" حيث لا تزال هوية هؤلاء مشروطة بأصولهم الاجتماعية أكثر مما بمستقبلهم المرتقب، وغير المضمون في أغلب الأحيان.
5/ في تلك البلدان التي استطاعت الرجعية السلفية الإسلامية فيها أن تؤسس حركة جماهيرية وحيث هي في طور الصعود في الوقت الراهن، يتميز السكان العاملون بأن نسبة كبيرة منهم تتألف من الطبقات المتوسطة بالمعنى المحدد في "البيان الشيوعي" : صناع صغار، وتجار تجزئة، وحرفيين، وفلاحين. غير أن كل فورة للتيار السلفي الإسلامي لا تعبئ قسما واسعا إلى هذا الحد أو ذاك من الطبقات المتوسطة وحسب، بل تعبئ أيضا أقساما من الطبقات الأخرى متحدرة لتوها من الطبقات المتوسطة بفعل التراكم البدائي والإفقار الرأسماليين. هكذا فإن أقساما من البروليتاريا، تلك المتبلترة حديثا، وبالأخص أقساما من البروليتاريا الدنيا، تلك التي جرتها الرأسمالية من موقعها البورجوازي الصغير السابق، هي قابلة بصورة خاصة لاستجابة التحريض السلفي والانجرار وراءه. تلك هي القاعدة الاجتماعية للحركة السلفية الإسلامية، قاعدتها الجماهيرية. بيد أن تلك القاعدة ليست بمستجيبة للرجعية الدينية بشكل تلقائي، مثلما هو حال البورجوازية بالنسبة لبرنامجها الخاص. فمهما تكن، في الواقع، قوة المشاعر الدينية للجماهير، وحتى لو كان هذا الدين هو الإسلام، فثمة قفزة نوعية بين المشاعر وبين الاستجابة للدين بوصفه طوبى دنيوية: فلكي يتحول الدين من جديد، بعد أن كانأفيونا للشعوب، إلى مهيِّج، وذلك في عصر التأليل (أتمتة)، لا بد ألاّ يكون أمام تلك الشعوب حقا أي خيار آخر غير اللجوء إلى الله. إذ أن أقل ما يقال عن الإسلام هو أن حاليته ليست أمرا بديهيا! في الواقع فإن السلفية الإسلامي تثير لإشكاليات أكثر مما تقدم حلولا: فعدا الأشكال في تحديث قانون مدني عمره ثلاثة عشر قرنا، وهو بالرغم من كونه أحدث من القانون الروماني بعدة قرون، إلاّ أنه نتاج مجتمع كان بوضوح أكثر تخلفا من المجتمع الروماني القديم (القرآن مستوحى من التوراة إلى حد بعيد، مثلما كان نمط عيش العرب شبيها إلى حد بعيد بنمط عيش العبريين). قلنا عدا الإشكال في تحديث القانون المدني الإسلامي، ينبغي إستكماله. وبتعبير آخر فإن أكثر السلفيين الإسلاميين أمانة للرسالةلا يمكنه الرد على المشكلات التي يطرحها المجتمع الحديث من خلال شعوذات التأويل وحدها، إلاّ إذا أصبح التأويل إعتباطيا تماما وبالتالي مصدر المفسرين، أمّا النواة المركزية للدين الإسلامي، تلك التي يجمع عليها المسلمون، فهي لا تشبع بأي شكل حاجات البورجوازي الصغير المادية الملحة، بغض النظر عن قدرتها على إشباع حاجاته الروحية. إن السلفية الإسلامية ليست في ذاتها، بأي شكل من الأشكال، البرنامج الأكثر توافقا مع طموحات الفئات الاجتماعية التي تؤثر في صفوفها.
6/ إن القاعدة الاجتماعية الموصوفة أعلاه تتميز بتقلبها السياسي. فالاستشهاد الذي أوردناه من "البيان الشيوعي" لا يصف موقفا دائما للطبقات المتوسطة، بل يصف فقط المحتوى الفعلي لنضالها ضد البورجوازية، عندما يحصل هذا النضال، أي عندما ترتد الطبقات المتوسطة ضد البورجوازية، ذلك أن الطبقات المتوسطة، قبل أن تحارب البورجوازية، كانت حليفة لها في نضالها ضد الإقطاع، وقد ساهمت في دفع التاريخ إلى الأمام، قبل أن تسعى إلى رد مجراهز فالطبقات المتوسطة هي قبل كل شيء القاعدة الإجتماعية للثورة الديموقراطية وللنضال القومي. وفي المجتمعات المتخلفة والتابعة، كالمجتمعات الإسلامية، تحتفظ الطبقات المتوسطة بهذا الدور بقدر ما تبقى المهمات الديموقراطية والقومية على جدول الإعمال، كاملة إلى هذا الحد أو ذاك. وتشكلتلك الطبقات السند الأكثر حماسا لأي قيادة بورجوازية (وكم بالأحرى إذا كانت بورجوازية صغيرة) تسجل هذه المهمات على رايتها. إن الطبقات المتوسطة هي القاعدة الاجتماعية لكل بونابارتية بورجوازية). لابد إذن أن تكون القيادات البورجوازية أو البورجوازية الصغيرة التي تضطلع بالمهمات الديموقراطية والقومية قد بلغت حدودها الخاصة بها في تحقيق هذه المهمات وفقدت مصداقيتها، حتى تنفصل عنها أقسام واسعة من الطبقات المتوسطة وتبحث عن سبل أخرى. هذا ومن البديهي أنه طالما يبدو أن الازدهار الرأسمالي بفتح أمامها سبل الصعود الاجتماعي، وطالما تتحسن ظروفها المعيشية، لا تعترض الطبقات المتوسطة على النظام القائم. فهي حتى لو فقدت أهميتها بالسياسة وحماسها، تستمر بلعب دور "الأغلبية الصامتة" للنظام البورجوازي. ولكن ما أن يطأ عليها التطور الرأسمالي للمجتمع بكل ثقله، ثقل المنافسة المحلية و/أو الخارجية، والتضخم والديون، تصبح الطبقات المتوسطة احتياطيا خطيرا من القوى المعارضة للنظام القائم، فالتا من أي سيطرة بورجوازية، ويزيد من خطورته أن عنف البورجوازي الصغير اليائس وهيجانه لا مثيل لهما.
[1] في مذكرة 1850 الشهيرة، لماركس وإنجلس ذاتهما، نجد وصفا مختلفا لدور البورجوازيين الصغار، رغم أنه لا يتوقع انضمامهم إلى البروليتاريا.
[2] في تونس ولبنان، يعرقل "التغريب" العميق للمجتمع تقدم السلفية الإسلامية، التي تتقدم مع ذلك.
[3] على عكس ما يمكن أن يظنه بعض الناس، ليس القذافي سلفيا بالمعنى الحقيقي للكلمة: فقد كان كذلك، إلى حد ما، خلال السنوات الأولى لديكتاتوريته البورجوازية الصغيرة، وقد أصبح بشكل ما رائد الانبعاث الحالي، بل وأحد حافزيه الرئيسيين. غير أن تجذره اللاحق شمل الإسلام الذي يدعي اليوم إصلاحه. إن "الإخوان المسلمون" موجودون في ليبيا وهم مقموعون.
[4] وهي تختلف من جماعة إلى أخرى من جماعات الحركة السلفية داخل كل بلد. غير أنه ليس باستطاعتنا في إطار هذه الأطروحات العامة، أن نتناول هذا النمط الأخير من الاختلافات.
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها