جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 إخفاق المشروع التنويري في المنطقة العربية وشروط استنهاضه


الثلاثاء 27 حزيران (يونيو) 2006

جلبير الأشقر


[يستند هذا النص إلى مداخلة ألقيت في ندوة «اتجاهات حركة الفكر المعاصر في العالم العربي» التي أقامها «التجمع الوطني الديمقراطي اللبناني» في برلين، يوم الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2005، وذلك تكريما لذكرى الفقيد جورج حاوي. وقد اندرجت المحاضرة في قسم من الندوة كان عنوانه «أسباب فشل وانتكاسة مشروع النهضة والتنوير في العالم العربي وشروط استنهاضه من جديد».]

كانت الأنسية، كما هو معروف، أبرز الأبعاد الفكرية التي ميزت «عصر الأنوار» في أوروبا القرن الثامن عشر. والأنسية، بتعريف أحد القواميس العربية المعاصرة، إنما هي «مذهب فلسفي يضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل اعتبار». وهو تعريف صحيح، إذ كانت غاية الأنسية تخطي عقائد الانتماء التي كانت سائدة في العصور الإقطاعية، والتحرر منها. فبعد أن تقاتل الأوروبيون طيلة قرون عديدة بدفع من الولاء لملك أو سيِد إقطاعي أو ديانة أو شيعة أو طائفة أو إقليم أو بلد، دعا مفكرو الأنوار إلى وضع «الإنسان» فوق جميع تلك الانتماءات، والاهتداء بعقيدة تصبو إلى تحقيق خير الإنسانية جمعاء. وعلى العموم، لم تنبذ فلسفة الأنوار الدين برمته، بل نبذت استعمال الدين أداة لقمع حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي وكذلك اختزال الإيمان الديني إلى تعصب حاقد للعقائد الأخرى؛ كما لم تنبذ الوطنية بحد ذاتها بل نبذت التعصب الإقليمي والوطني، ونبذت معهما كل عقيدة من شأنها أن تشكل وقودا لنصرة مصالح ضيقة في حروب تسلط. وقد رأى بعض مفكري الأنوار أن انتصار قيم الأنسية والحداثة السياسية – وعلى رأسها الحرية والنظام «الجمهوري»، الذي يتميز أولا بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية – سوف يؤدي إلى حلول سلام أزلي.

ولعل أفصح تعبير عن أنسية عصر الأنوار الإعلان الشهير الذي صدر عن المفكر الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) الذي كتب: «لو عرفت شيئا يفيدني ولكنه يسيء إلى عائلتي، لأبعدُته عن ذهني. ولو عرفت شيئا يفيد عائلتي ولا يفيد وطني، لحاولت أن أنسيه. ولو عرفت شيئا يفيد وطني ويسيء إلى أوروبا، أو يفيد أوروبا ويسيء إلى الجنس البشري، لاعتبرته إجراما.»

وإذا شهد القرن التالي، التاسع عشر، صعود الإيديولوجيات القومية، فلم يأت ذلك الصعود نقضا لفلسفة الأنوار، بل مواصلة لها على العموم، حيث أن قوميات «ربيع الشعوب» غلبت عليها الصفة «التقدمية»، سواء كانت قوميات تحررية أو قوميات توحيدية. وكان دعاتها إجمالا من المتحمسين لقيم الأنوار بما فيها الكوسموبوليتية وحتى الأممية، بمعنى دعوتهم إلى تحرر أو توحيد جميع الأمم – على غرار الإيطالي مزيني الذي لم يقتصر نضاله على توحيد أمته وحسب، بل حرص على دفع الألمان والبولنديين على الطريق ذاتها المؤدية إلى تحقيق «أوروبا الفتاة»، أو أيضا الألمانيين «الأمميين» ماركس وإنجلس اللذين شاركا متحمسين في الدعوة لتوحيد الأمة الألمانية في أواسط القرن، وهما يعولان على تضامن «عمال جميع البلدان» للإطاحة بسادتهم الطبقيين وصولا إلى صهر جميع الدول في عالم اشتراكي بلا حدود تفصل بين أممه.

صحيح أن مرحلة ما بين الحربين العالميتين، في النصف الأول من القرن العشرين، قد شهدت انحطاط القومية و«الأممية البروليتارية» إلى نقيضين للأنوار، أحدهما معلن والثاني متظاهر بالوفاء لقيمها. بيد أن القيم هذه لم تنفك تتصارع مع نقيضيها المنحطين، وقد أفضى هذا الصراع – حتى الآن على الأقل، والصراع لا يزال دائرا على المستوى التاريخي – إلى تفوقها الأكيد، لاسيما على ساحة ولادة الأنوار بالذات. ذلك أن أوروبا التي انطلقت في النصف الثاني من القرن العشرين على طريق نبذ التعصب القومي وتوحدها بعد قرون من الحروب الفتاكة بين أطرافها، قطعت أشواطا مذهلة على دربها الجديد. أما النزعة الأممية فقد ولدت ولادة ثانية في السنين الأخيرة بشكل حركة عالمية تنادي بعولمة بديلة مبنية على قراءة يسارية لقيم الأنوار، تضع العدالة الاجتماعية في الصدارة لكن دون أن تقلل من شأن القيم الأخرى بخلاف ما فعل يسار الحقبة السابقة المتأثر بالتجربة الروسية.

وأما إذا نظرنا إلى حال منطقتنا العربية على ضوء الأنوار، لأصبنا بإحباط عميق. وكأن المذهب السائد نقيض مباشر وكامل لإعلان مونتسكيو، يقول ما فحواه: «لو عرفت شيئا يسيء إلى الجنس البشري ولكنه يفيد أمتي، لاعتنقته بدون تردد. ولو عرفت شيئا يضر بأمتي لكنه يفيد ديانتي، لسعيت إلى ترسيخه في ذهني. ولو عرفت شيئا يسيء إلى ديانتي ويفيد طائفتي، أو يسيء إلى طائفتي ويفيد قبيلتي أو بالأحرى عشيرتي، لاعتبرته إحسانا.»

ولعل أفصح تعبير عن رجوع بلاد العرب القهقرى وغرقها في انحطاط حضاري ما بعده انحطاط، هذا الذي نجده في أصدق مقاييس التقدم الاجتماعي، ألا وهو وضع النساء. فكل من سار في شوارع كبريات مدننا اليوم وتذكر حالها قبل نصف قرن من حيث ما تكشفه للعين عن مكانة النساء وحريتهن، أدرك فطريا ماذا يعني ارتداد المجتمعات إلى الوراء. كما أن هذا الارتداد يتضح بمجرد إلقاء نظرة على عناوين معركة التحرر من السيطرة الغربية، التي غدت معركة المصير الرئيسية في الأقطار العربية منذ العقود الأولى من القرن العشرين بالتزامن مع معركة نزع الاستعمار على النطاق العالمي. فلما كانت المعركة ضد الاستعمار القديم والجديد على أشدها، بين الخمسينات والسبعينات من القرن المنصرم، كانت العناوين السائدة في المنطقة العربية تحيل جميعها إلى قيم وفلسفات مستمدة من عصر الأنوار: حزب البعث العربي الاشتراكي؛ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ الاتحاد الاشتراكي العربي؛ جبهة التحرير الوطني؛ حركة التحرير الوطني؛ الجبهة القومية لتحرير...؛ الجبهة الشعبية لتحرير...؛ الجبهة الديموقراطية لتحرير...

غير أن بعض تلك الحركات أصابه الإخفاق والنكوص وبعضها الآخر شهد انحطاطا بلغ من العمق، في حالة حزب البعث الحاكم سابقا في العراق، ما يناهز أدراك الانحطاط التي شهدتها أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي. وخلت الساحة تباعا لصالح تيارات وحركات تصدرت الاحتجاج الشعبي، تشير أسماؤها بالذات إلى سلوك العرب طريق القهقرى وإحرازهم معجزة الدفع بعجلة التاريخ إلى الوراء – ولو بصورة خيالية مستمدة من هوس محض. فيكفي النظر إلى عناوين القوى التي تقاتل بالسلاح أهم وأحدث احتلال يرزح تحته بلد عربي، قصدت العراق بالطبع. إن معظمها مستمد من محاولة استنساخ تاريخ يعود بنا قرونا عديدة إلى الوراء: تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد النهرين؛ جيش محمد؛ جيش أنصار السنة؛ وهلم جرا... وربما كانت أقرب تسمية إلى عصرنا تلك التي تحاول تقليد حدث لم يمض عليه سوى... ثمانين سنة ونيف: «كتائب ثورة العشرين» التي لا تخلو هي أيضا من النسب الديني، إذ أنها عنوان فرعي لحركة أطلقت على نفسها اسم القوة التي تتصدر الآن النضال الفلسطيني، أي «حركة المقاومة الإسلامية».

فما سبب هذا التقهقر الذي ما بعده تقهقر في زمننا الراهن؟ إنها بالطبع أسباب عديدة ومركبة، لكنني سأكتفي هنا بتناول مظهرين رئيسيين للتقهقر، بعد دحض تفسير آخر. المظهران هما، بحكم المنطق البسيط، إخفاق الحركات التي استمدت فلسفتها من تراث الأنوار والانتصار الراهن لحركات تحمل برنامجا اجتماعيا غارقا في الرجعية بكل معاني تلك الصفة؛ أما التفسير المردود، فذلك الذي يحيل حال العرب الراهن، أسوة بسائر الشعوب ذات الغالبية الإسلامية، إلى جوهر مزعوم للديانة الإسلامية. فبحسب هذا التفسير الأخير، الذي يستوحي من الإستشراق القديم والجديد ومن نظرة لا تخلو من الازدراء العنصري، تكمن العلة في الدين الإسلامي ذاته الذي يحول دون انتشار إيديولوجيات الحداثة حيث يسود، وكأن الديانة المسيحية وعاء طبيعي للتنوير. وما تغيبه هذه النظرية هو أن فلسفة الأنوار لم تظفر في الغرب إلا بعد صراع طويل وشاق ضد الكنائس المسيحية، هذا وقد لعب يهود أوروبا دورا بارزا في صياغة وإشاعة أفكار الأنوار والحداثة بالرغم من أن الديانة اليهودية بحد ذاتها ليست على الإطلاق بأقرب إلى الحداثة من الديانات الأخرى، إن لم تكن أبعد بحكم قدمها.

ويتناسى دعاة إحالتنا إلى جوهر مزعوم للدين الإسلامي أن موجة حركات التحرر والتقدم التي عرفها «العالم الثالث» في الربع الثالث من القرن العشرين بلغت بعض ذراها في العالمين العربي والإسلامي. فلو اكتفينا بأبعد مخلفات عصر الأنوار عن الدين، ألا وهو الفكر الشيوعي «الملحد»، لوجدنا أن أكبر الأحزاب الشيوعية غير الحاكمة في العالم كان في أكبر البلدان الإسلامية من حيث عدد السكان، ألا وهو الحزب الشيوعي الاندونيسي قبل أن تقضي عليه مجزرة هائلة نفذها انقلاب عسكري مدعوم أمريكيا في عام 1965 وأودت بحياة ما يزيد عن نصف مليون إنسان. أما في منطقتنا العربية، فإن أكبر قاعدة شعبية منظمة في عراق ما بعد ثورة 1958، كانت للحزب الشيوعي، وكذلك في سودان الستينات قبل الانقلاب الدموي على الشيوعيين – علما بأن البلدين المذكورين لم يتميزا على الإطلاق بمستوى متقدم من الحداثة أو من التحرر من قبضة الدين على المجتمع.

وإذا أخفقت التيارات والحركات التقدمية في منطقتنا، فسبب ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى قصورها الذاتي عن بعض سمات الأنوار الرئيسية، لا بل خيانتها أحيانا لبعض بنود برامجها الخاصة بها. فإن التيار القومي، حتى في الحالات التي انحط فيها إلى تقليد إيديولوجيات التعصب القومي العنصري، قد مارس «قطرية» فعلية لا تقل ضيقا عما مارسه الذين اعتنقوا علنا مبدأ «وطني (قطري) أولا». لا بل سريعا ما تحول التيار القومي في السلطة إلى الحكم بطرق لا تقل اعتمادا على الطائفية والقبلية والعشائرية عن طرق الأنظمة التقليدية التي نعتها التيار ذاته بالرجعية. وجاء ذلك كله بالطبع في إطار طعن كامل بمبدأ «النظام الجمهوري»، وقد اعتمدت الحركات القومية أسلوب الحكم الدكتاتوري، وهي منبثقة مباشرة من الجهاز العسكري في غالب الأحيان وقد أرست حكما مستندا إلى أجهزة المخابرات في جميع الأحوال.

أما الحركة الشيوعية فلم تكن قط قادرة على تمثيل قيم الأنوار المهجورة في منطقتنا، إذ أن «أمميتها» انحطت إلى مستوى تبعية عمياء وتبريرية للاتحاد السوفيتي ألذي رأت فيه «وطن الاشتراكية» بخلاف حقيقة زادت فداحة مع الزمن. والحال أن التيارات القومية ذاتها استوحت سمات رئيسية لنموذج الحكم الذي اتبعته من تقليدها «النموذج السوفيتي»، فكيف بالشيوعيين يحتفظون بمصداقيتهم وهم يرفعون رايات تحيل إلى قيم تم وأدها في البلد الذي رأوا فيه تحقيقا لجنَة الخلد على الأرض. وقد ادى بهم الأمر، بصورة منطقية، إلى إعلان الولاء للأنظمة التي قلدت نموذجهم الأعلى، لاسيما أن هذا الأخير منح تلك الأنظمة مباركته الكاملة.

هل يكفي ما سبق لتفسير السيادة الحالية في حركة الجماهير العربية لتيارات تستوحي من القرون الوسطى أكثر مما تستوحي من عصر الأنوار؟ قطعا لا، إذ أن إخفاق أمثال التيارين المذكورين أعلاه فسح المجال في مناطق أخرى من العالم أمام انتعاش بعض قيم الأنوار التحررية ولو بصيغتها «البرجوازية» – أي بصيغة ليبرالية سياسية يجري تصويرها خداعا على أنها ملازمة لليبرالية الاقتصادية القصوى، أي النيوليبرالية (والحال أن رائد الأخيرة العالمي كان الدكتاتور التشيلي بينوشيه بينما كان أبرز ممثلي الليبرالية السياسية المتنورة، في القرن العشرين، الرئيس الأمريكي فرنكلن روزفلت، وهو في الوقت ذاته رائد تدخل الدولة الحديثة النشط في المجالين الاقتصادي والاجتماعي). كما أن أمريكا اللاتينية تشهد الآن صعودا لموجة تجذر يساري جديدة تواصل مسيرة التغيير الاجتماعي لصالح الشرائح الفقيرة في إطار الديمقراطية السياسية الليبرالية، على غرار تجربة سلفادور أللندي في التشيلي التي سحقها الجنرال بينوشيه دمويا بدعم من واشنطن.

لماذا إذن لا نرى مثيل الظاهرات المذكورة في منطقتنا العربية، لا بل في معظم البلدان الإسلامية؟ إن هذا التساؤل المشروع هو الذي عزز السفسطة الإستشراقية المجددة التي تعزي وضع بلاد المسلمين المذري إلى الإسلام ذاته. لكن الحقيقة التي يفضل طمسها دعاة النيوليبرالية التي دمجت واشنطن رايتها بعلم الولايات المتحدة الأمريكية، إنما هي أن البلدان العربية والإسلامية تشكل المنطقة الوحيدة من العالم التي لم تخض واشنطن فيها حربها ضد الشيوعية وضد التيارات القومية التقدمية تحت راية الليبرالية، أيا كانت صيغتها، بل خاضتها تحت راية السلفية الإسلامية وذلك بالتعاون مع المملكة السعودية، أشد الأنظمة ظلامية في المنطقة. وقد انقلب السحر على الساحر، مثلما ارتد أسامة بن لادن على أمريكا بعد أن كان حليفا لها بامتياز في الحرب ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان. ولا بد للمرء من أن يكون في غاية السذاجة كي يعتقد صدقا أن واشنطن تحولت اليوم إلى قوة تعمل على إشاعة الديمقراطية في «الشرق الأوسط الكبير»، حيث تثبت الوقائع كل يوم أن النفط هو في رأس سلم «القيم» التي تهتدي بها الإدارة الأمريكية الحالية، شأنها في ذلك شأن سابقاتها، وأن تلك الأولوية تجد تعبيرا عنها في استمرار التعاون المتميز بين واشنطن من جهة، ومعظم الدكتاتوريات وأبرز القوى الظلامية من الجهة الأخرى.

أما اليسار، فإن احتفاظه بالقدرة على تجديد زخمه في أمريكا اللاتينية تتعلق بلا شك بكون «النموذج الكوبي»، على علاته وبحدوده الأكيدة، لا زال نموذجا إيجابيا في نظر الغالبية العظمى من سكان جنوب القارة الأمريكية، ليس لأدائه الاجتماعي وحسب بل أيضا وخاصة لصموده في وجه الطغيان البغيض الآتي من شمال القارة ذاتها. والفرق شاسع بين صورة اليسار هذه وصورة اليسار في المنطقة العربية حيث امتزج اسم الاشتراكية في ذهن عامة الناس بالنموذج السوفيتي الأقرب والمفلس مرتين – مرة كنموذج اشتراكي ومرة كنموذج أممي – وبمسوخه العربية التي، إذا طال عمرها قبل سقوطها، تحولت إلى ما هو أقرب إلى الفاشية منه إلى الاشتراكية، حتى بحلتها السوفيتية.

وبعد، فماذا نستخلص من هذا التشخيص للداء في سعينا وراء تحديد الدواء؟ الأمر الأكيد الأوحد هو أن ليس هناك من حل سحري لمشكلتنا: إن إعادة بناء حركة شعبية تحررية تقدمية متنورة في منطقتنا العربية سوف تتطلب جهودا ضخمة، شاقة ومثابرة، على امتداد سنوات طويلة، كما سوف ترتهن إلى حد بعيد ببلوغ التيارات السائدة اليوم حالة الإفلاس بدورها، وكذلك بتطور الحركة التقدمية الجديدة على المستوى العالمي بما يسمح بتجديد مصداقية الفكر اليساري عندنا. بيد أن بعض المطلوب على الأقل هو في غاية الوضوح: أول الشروط يقوم على الالتزام الصارم بالقيم التقدمية المستمدة من أنسية عصر الأنوار، جملة وتفصيلا، بخلاف ما فعلته تيارات المرحلة التاريخية السابقة. ينبغي العمل على إفراز ثقافة وحركة ميدانية تطمحان إلى تحقيق سيادة الوطن والنظام الجمهوري بتلازم لا ينفصم، مع السعي وراء توحيد البلدان العربية في إطار لا يقل التحاما عما حققه الاتحاد الأوروبي، إن لم يتعده بما تسمح به موضوعيا وحدة اللغة ويسمح به ذاتيا استنهاض الوعي القومي الشامل بأفق أنسي يحترم حقوق جميع القوميات والأقليات. وإذا كان للحركة العمالية أن تنهض في هذا السياق، فلن يكون ذلك إلا بوقوف منظميها في طليعة المناضلين من أجل تحقيق مستلزمات التنوير في بلداننا، أي إشاعة الحريات وفصل الدين عن الدولة وتحرر النساء، جنبا إلى جنب مع دفاعهم المخلص عن مصالح الكادحين وشروط معيشتهم، كما فعل اليسار الأوروبي في القرن التاسع عشر متحولا بفضل ذلك إلى قوة عملاقة.

إن حجم هذه المهمة التاريخية كفيل بإحباط الكثير من الهمم، غير أن البديل الوحيد هو استمرار غرق مجتمعاتنا في ردتها المرعبة نحو همجية تحفزها همجية التسلط الغربي، وقد بات العراق مسرحا مميزا لتصادم الهمجيتين. فإن تشاؤم العقل من شأنه أن يصبح بحد ذاته حافزا للإرادة، سواء كانت «متفائلة» أم لا، عندما يقتنع الإنسان بضرورة العمل على وقف الانحدار نحو الكارثة.

المناضل-ة عدد 41

جلبير الأشقر

  مقابلة مع جلبير الأشقر، في الذكرى الأولى لفاتحة الثورات العربية، ثورة تونس
  في البرنامج الاستراتيجي للنضال التحرري الفلسطيني
  الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: " المنطقة دخلت سيرورة ثورية مديدة" - حوار مع جلبير الأشقر
  الانتهازيّون والثورة
  لمحة عن أصول النمطية الخاصة بالرأسمالية في المنطقة العربية

المنطقة العربية

  مقرر حول الهجوم الإسرائيلي على غزة و التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني
  السلطان الخطير: السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط
  الولايات المتحدة: الانهيار العراقي
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadila2004(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها