جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

 تحديات بناء حركة نقابية قوية بالمغرب - 2

الوحدة النقابية
الاربعاء 15 كانون الأول (ديسمبر) 2004
المناضل-ة عدد: 3

مصطفى البحري

محمود جديد


تناولنا بالقسم الاول من موضوع تحديات بناء حركة نقابية بالمغرب (المناضل-ة العدد 2 – صفحة 12 ) الصعوبات المعترضة لتوسع العمل النقابي، سواء حجم البطالة واستشراء أشكال العمل الهش أو ضعف الاهتمام بتنظيم النساء اللواتي يتزايد وزنهن ضمن العمل المأجور. وعرضنا ما نراه سبيلا لتخطي الحركة النقابية لتلك العقبات. سنتطرق في هذا القسم الثاني لمشكل الوحدة النقابية ومواقف الأطراف منه وسبل التقدم نحو هدف توحيد الحركة النقابية، على أن نناقش في فرص مقبلة مشاكل الاستقلالية والديمقراطية ودور اليسار الجذري.

ونحن طبعا في انتظار مساهمات المناضلين بآرائهم.



الاتحاد قوة. هل طوى النسيان هذه الحكمة عند طبقة لاقوة لها سوى في اتحادها؟

هذا ما قد ُيستنتج من واقع الحركة النقابية بالمغرب، فهي لا تزداد إلا تشتتا .

لكن حقيقة الأمر ليست نسيانا بل قصدا تمليه مصالح خاصة بمختلف القمم الماسكة بزمام الأمور داخل كل نقابة على حدة. إن للشرائح المسيرة للمنظمات النقابية مصالح خاصة بها. وإلا لماذا تبذل من الجهد وتصرف من المال في حملات تنافس الاجهزة النقابية للفوز بمقاعد في المؤسسات (مناديب العمال واللجان الثنائية ومجلس المستشارين) ما لم ُيبذل ولم ُيصرف أبدا في انجاح النضالات وفي التضامن مع القطاعات العمالية المنكوبة؟

لماذا التنافس الشرس على مقاعد المجلس الإداري للضمان الاجتماعي؟ ولماذا الاستماتة التي لا نظير لها من أجل البقاء في بعض لجان الشؤون الاجتماعية المعروفة بثرواتها الكبيرة ؟

وطبعا ليس ثمة من المتنافسين مدافع عن التششت النقابي الحالى، بل يزايد الجميع في مدح الوحدة وإلقاء اللائمة على الآخرين. أما في القاعدة العمالية فإن ضرورات التصدي لتعديات أرباب العمل قد تجعل العمال يوحدون نضالاتهم . فالنضالات الصاعدة من القاعدة فعلا ، والمتسمة بالطول والشدة، كانت دوما توحد عمل النقابيين المعنيين مباشرة (كان أبرز مثال إضراب عمال السكك الحديدية عام 1995، وعمال منجم جبل عوام) ، بل حتى القيادات القطاعية تضطر إلى اللجوء إلى حد أدنى من التعاون وإن كان فوقيا ( البريد والاتصالات والصحة مؤخرا).

الساحة النقابية المغربية مقسمة اليوم بين 3 اتحادات نقابية رئيسية( الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والاتحاد المغربي للشغل ) يجر كل منها في اتجاه. هذا دون أن تكف لحظة عن إدعاء وضع مصلحة العمال فوق جميع الاعتبارات.

وقد بدأت بالتطور في السنوات الأخيرة ميول ستفاقم هذا الانقسام. فثمة التيارات الرجعية الدينية التي باتت تزاحم النقابات التاريخية في بعض القطاعات، بالمقدمة منها التعليم . وظهور نوع جديد من العمل النقابي الموالى للحكومة بعد تكتل نقابيي الاتحاد الاشتراكي في فيدراليتهم (الفدرالية الديمقراطية للشغل)، ونمو النزعة الفئوية المفضية الى خلق جمعيات وهيئات خارج النقابات( بعد أن كانت مقتصرة على بعض الفئات كالمهندسين والمتقاعدين).أما التضامن الميداني أو التكتل بوجه تصاعد هجوم أرباب العمل ودولتهم فلا مكان له في انشغالات النقابيين. وقد بلغ العداء مستوى تفادي الاعتراف بوجود الآخر أو حتى ذكره ما عدا لتشنيعه وتحميله مسؤولية كل ما حل بالحركة النقابية من مصائب.

وتظل العلاقة بين مكونات هذا التعدد النقابي محكومة بالتنافس والصراع الحاد، بما فيه كسر الإضرابات التي تدعو إليها النقابة الأخرى، كقاعدة والتعاون الجزئي في ظروف استثنائية (الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب في سياق سياسي خاص).

وتنتج عن هذا التعدد وعن تنافر عناصره سهولة تنفيذ كل خطط الرأسماليين التي تلقي عمال المغرب وعاملاته درجات إضافية في ويلات الرأسمالية التابعة: التجويع وفرط الاستغلال وتحطيم مكاسب بسيطة في النظام الصحي وفي التعليم وكافة الخدمات الاجتماعية.غيرت الحكومة تشريعات الشغل بشكل مضر بالعمال ونقلت ملكية جزء من أداة الانتاج الى الخواص ومارست سياسة قمعية لفرض سياسة إضعاف القدرة الشرائية، وعاتت فسادا في صندوق الضمان الاجتماعي، وتجاسرت بعدم الالتزام بالطفيف من اتفاقاتها مع النقابات، هذا كله بالاستفادة من انقسام الحركة النقابية.

لماذا الانقسام ؟

يسود اعتقاد أن وجود السياسيين هو بحد ذاته سبب تشتيت صفوف الحركة النقابية لأن حزب الاستقلال أنشأ الاتحاد العام للشغالين والاتحاد الاشتراكي خلق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ثم الفيدرالية الفدرالية الديمقراطية للشغل. وينسى مروجو هذه الفكرة أن خلق الاتحاد المغربي للشغل نفسه كان فعلا سياسيا بامتياز. إذ أن اجتماع 20 مارس 1955 التأسيسي لم يكن مؤتمرا يمثل نقابات قائمة بل لقاء لنقابيي الحركة الوطنية ذات القيادة البرجوازية التي عملت على تنظيم العمال المغاربة خارج الكونفدرالية العامة للشغل اتقاء لتاثير الشيوعيين، المغاربة منهم والفرنسيين.

ومما يزيد الطابع المضلل لهذا الاعتقاد القول إن ثمة نقابيين آخرين خالصين من كل سياسة. إن الزعم بحياد نقابي في الشأن السياسي ليس إلا لونا من السياسة، لعله الاسوأ. فحتى القسم المتهم في الاتحاد المغربي للشغل بـ"سياسة الخبز"، أي الابتعاد عن شؤون الحكم، كانت له دوما مواقف سياسية من كل القضايا التي شهدها المغرب ومن مسألة السلطة نفسها ( شعار حكومة تحظى بثقة ودعم الطبقة العاملة). وكانت قيادة النقابة طرفا في الصراع السياسي الذي شق اليسار الشعبوي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، وكان لبعض قادته أدوار مشهورة لصالح الحكم [5]. وكانت ثمة اختيارات سياسية فرضت حتى بالقوة وتم حل نقابات وجامعات لاعتبارات سياسية. إن الوحدة النقابية متضررة لا بسبب وجود السياسيين فهذا من طبيعة العمل النقابي، بل بفعل تغييب الديمقراطية المؤدي الى الانشقاق، وبسبب سعي بعض القوى السياسية الى التحكم بقسم من العمال بدل تنظيم الخلافات داخل نفس النقابة، وبسبب انعدام أو ضعف تيار عمالي وحدوي.

تنسيق كدش والاتحاد العام الفوقي

كان إنشاء الكونفداليةالديمقراطية للشغل حسما لخلاف بين أطراف سياسية تصارعت حتى حول امتلاك اسم الحزب (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) . ونظرا لأن جناحا خاض الصراع طيلة سنوات مع حرص على وحدة النقابة (كان ذلك موقفا ثابتا لدى عمر بنجلون)، فقد ركزت مبادرة خلق الكونفدرالية على شعار الوحدة، وأدرج تحقيقها في مقدمة الأهداف في القانون الأساسي الأول (1978). لكن السلوك العملي طغى فيه السعي إلى منافسة الاتحاد المغربي للشغل وإزاحته تنظيميا، لدرجة أن مجرد ذكر اسمه لم يكن واردا لدى الاتحاديين سوى لشتمه، مع علمهم طبعا أن قاعدته العمالية أوسع من قاعدة "بديلهم التاريخي".

لكن بعد قمع بداية الثمانينات ( إضراب عام 1981 والتمرد الشعبي في يناير 1984 بمراكش والشمال) مع الشروع في تطبيق التقويم الهيكلي بتوجيه من المؤسسات المالية الدولية، وخروج حزب الاستقلال من الحكومة بعد سبعة أعوام من الاسهام في تنفيذ سياسات معادية للكادحين وقمعهم، ستشرع قيادة الكونفدرالية في مسار وحدوي على طريقتها. وجهت في شتنبر1985 رسالة الى قيادة الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب تقترح حوارا لايجاد صيغة عمل مشترك لتوحيد المطالب والمواقف. وبعد أزيد من عام أبدت اللجنة الادارية لكدش (6 نوفمبر 1986) استعدادها للانخراط في جبهة وطنية لمواجهة أوضاع التردي والاستغلال في نداء إلى الأحزاب "الوطنية والديمقراطية". ثم دعوة جديدة في 6 اكتوبر 1987 إلى الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بقصد توحيد الجهود.

واضح أن الطرف الاساسي المعني بالدعوة إلى توحيد الجهود هو الاتحاد المغربي للشغل، بفعل وزنه التنظيمي لا سيما بالقطاع الخاص. لكن قيادته ارتأت مواصلة الامتناع عن أي تعاون رغم ما أصبحت عليه الحركة النقابية من وضع عصيب.لا بل لم يقتصر زيغها على عدم الاكتراث بنداءت الآخرين إلى وحدة العمل، بل قضى حتى بترك نضالات قاعدة الاتحاد المغربي للشغل نفسها مشتتة وغير موجهة باية استراتيجية، وكأن الاتحاد هو المقر المشترك فقط. ولتبرير رفض دعوات العمل الموحد اعتمدت القيادة حجة متهافتة متمثلة في الطعن في مبررات تعدد النقابات في وقت بات فيه ذلك التعدد أمرا واقعا يستدعي معالجة تخدم نضال العمال. وقد عبر الأمين العام المحجوب بن الصديق عن الموقف الرسمي بالمجلس الوطني للاتحاد المغربي للشغل بالبيضاء يوم 24 نوفمبر 1987 في عرض بعنوان :"الوحدة النقابية والتعددية المزيفة"، حيث اعتبر أن المبرر الوحيد لتعدد التنظيمات منعدم وهو المبررالديني والعقائدي، مدعيا أنه سبب تعدد النقابات ببعض البلدان الاوربية. واعتبر النقابات الأخرى نقابات "مزيفة وأندية فارغة" لا هدف لها غير شق صفوف العمال لاضعافهم و كسب قاعدة جماهيرية لا توجد سوى في الاتحاد المغربي للشغل.

جلي أن هذا الموقف يمزج ثلاثة عناصر:

1- إنكار لحقيقة تاريخية وهي أن التعدد النقابي لا يقوم على أسس دينية في الجوهر بل هو تعبير عن تباين سياسي لا يجري تدبيره بطرق ديمقراطية. وهو من أسباب التعدد النقابي بالمغرب أيضا.

2- تهرب من الاعتراف بوجود مشاكل داخل النقابة الأم أدت إلى الانشقاق.

3- حق يراد به باطل : كون قوى غير عمالية تبحث عن قاعدة عمالية.

هكذا جرى استبدال البحث عن صيغة مشتركة لنضال الشغيلة بالتشبت بالوحدة النقابية داخل الاتحاد المغربي للشغل ورفض التعددية النقابية ونعثها بالمزيفة، هذا بينما تتقدم كدش في خوض النضالات و إزاحة الاتحاد المغربي للشغل من العديد من القطاعات الاساسية (سكك ، مناجم ، بنوك ،الخ).

فأيا كانت الطبيعة السياسية للتيار المهيمن داخل الكونفدرالية، فهي تحظى بتأييد قسم متنام من الطبقة العاملة، يعتبرها أداة للتصدي لهجمات أرباب العمل ودولتهم. ذلك ما يؤكده زخم النضالات ونتائج انتخابات مناديب العمال واللجان الثنائية والصيت الشعبي الذي أضحت تتمع به، وبالتالى فإن تجاهل وجودها ليس عقلانيا من زاوية مصالح الطبقة. ثم إن الاستنكاف عن العمل الوحدوي يعطي الكونفدرالية مزية الروح الوحدوية بينما هي في الواقع دون ذلك. ولو تجاوب الاتحاد المغربي للشغل مع نداءات وحدة النضال لجاءت تجارب تفضح حدود الروح الوحدوية لدى الكونفدرالية.

ومن جهتها لم تستجب قيادة الاتحاد العام للشغالين لنداء الكونفدرالية على نحو فوري، إذ وجب انتظار سنتين ونصف [فبراير 88] ليعلن عن أول اجتماع مشترك بين قيادتي النقابيتين. و تمضي السنوات و يظل الاتحاد المغربي للشغل ممتنعا عن أي تعاون وعن أي مبادرة وحدوية بديلة من جهته. لا بل لم تبد قيادته الحدود الدنيا من الاحترام بالرد (حتى بالرفض) على اللجنة النقابية لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي يناضل قسم من أعضائها تحت لواء إم ش، لما ناشدتها بتوسيع وحدة العمل النقابي في نداء يوم 28 دجنبر 1988. هذا رغم أن التنسيق الفوقي بين الاتحاد العام والكونفدرالية كان يقابله تعاون ميداني من عمال الكونفدرالية مع رفاقهم في الاتحاد المغربي للشغل أكثر مما مع عمال الاتحاد العام. ففي سنتي 88-89 بلغ عدد الإضرابات المشتركة بين الاتحاد المغربي للشغل و كدش 11 إضرابا في حين لم تتجاوز تلك المشتركة بين الاتحاد العام وكدش 5 إضرابات [6] 46.

ورغم انصرام عامين بعد بدء التنسيق أقبلت كدش بمفردها على خطوة نوعية: الدعوة إلى إضراب عام يوم 19 أبريل 1990. ولم يكن بإمكان الجناح النقابي لحزب الاستقلال أن يتصرف من تلقاء ذاته مهما ادعى حرصه على مصلحة العمال، فلا بد من إذن حزب الاستقلال.

فكان أن انعقد اجتماع المجلس الوطني للاتحاد العام للشغالين يوم 17 نوفمبر1990 للمصادقة على قرار خوض الإضراب العام، وذلك برئاسة رجل الأعمال الاستقلالى محمد الدويري –مؤسس الاتحاد العام للشغالين- وهو الإضراب الذي نفذ يوم 14 دجنبر. وتنوع التشاور بين قمتي كدش و الاتحاد العام ليشمل دعوة للمشاركة في مسيرة تضامن مع شعب فلسطين يوم 1-6-90. واتخذ موقف سياسي موحد بمقاطعة الدستور في غشت 1992. و شهدت قطاعات عديدة إضرابات وطنية بتنسيق النقابتين. لكن الاحداث تذكر باستمرار بهشاشة التعاون الفوقي. ففي 9 فبراير 94 صدر بيان مشترك لتأكيد استمرار التنسيق، وبعده بأسبوع تنفرد كدش بالدعوة إلى إضراب عام. وأجلته بفعل مساعي الأحزاب والاتحاد العام للشغالين نفسه. كذلك كان شأن تنظيم فاتح ماي حيث صدرت بيانات مشتركة (95-1996) دون توحيد المواكب في المسيرات. وكان آخر تحرك موحد متمثلا في خوض إضراب عام يوم 5 يونيو 96 ، تلاه توقيع اتفاق فاتح غشت مع أرباب العمل ودولتهم ثم دخول الحزبين إلى الحكومة في مطلع عام 1998، ليدخل التنسيق مرحلة فتور غير مسبوق.

خلاصة استعراضنا هذا لتنسيق كدش مع الاتحاد العام أن هذا الشكل من العمل المشترك لم يكن من باب الحرص على مصالح العمال بل نتيجة أغراض قوى غير عمالية تستعمل نضالات الشغيلة لغايات خاصة بها. هذا لأن الأحزاب البرجوازية المعارضة ( الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال) تعوزها قوة سياسية مستمدة من قوة اجتماعية لها قدرة على انتزاع مطالب اصلاح الدستور وتحسين الموقع في مؤسسات الديمقراطية المزيفة.

ظل التنسيق منذ انطلاقه حتى توقفه فوقيا لأن القيادة تخشى إطلاق دينامية مستعصية على التحكم، ولأن عقودا من التربية المفسدة للوعي جعلت القيادات المحلية نفسها متبرمة من العمل الوحدوي، و أوهمت قواعد النقابات أن عمال كل مقاولة أو قطاع سيحلون مشاكلهم وحدهم.

لمادا توقف التنسيق بين الاتحاد العام وكدش؟ لأن حاجة الحزبين إليه توقفت بمشاركتهما في الحكومة بينما حاجة العمال إليه تتزايد بتصاعد الاعتداءات على قدرتهم الشرائية و على النزر اليسير من مكاسبهم الاجتماعية وحرياتهم.

هذا ولم يكن التنسيق أبدا موضوع نقاش في هيئات النقابتين ولا في إعلامهما. وحتى كدش المبادرة إليه، والمعبرة عن اندفاع أكبر في النضال، لم تقم بوضع أي حصيلة للتنسيق ولا رسم لافاقه في ما عقدت من مؤتمرات بعد انطلاقه (الثالث في 1997 والرابع في 2001) . ولم يثر الأمر أي نقاش في القواعد ولم يسجل أي جهد لليسار الجذري في حفز الاهتمام بموضع التجميع النقابي.

نداء الوحدة: جامعة الفلاحة بلاتحاد المغربي لشغل

من داخل الاتحاد المغربي للشغل تميز موقف جامعة القطاع الفلاحي بالنداء الصادر عن مؤتمرها الثالث في ماي 1999 و المؤكد في المؤتمر الرابع في ماي 2003. النداء يدعو بكل بساطة أجراء القطاع الفلاحي المنظمين في نقابات أخرى إلى الانضمام إلى الاتحاد المغربي للشغل.

فبعد تسجيل أن العمال حققوا مكاسب ضخمة قبل بدء الانشقاقات الناتجة عن تدخل السلطة والأحزاب السياسية، وجه المؤتمران دعوة إلى"منخرطي النقابات الادارية والحزبية ضحايا التغليط واستغلال حسن النية" بقصد إعادة بناء الوحدة داخل الجامعة الوطنية وضمان استقلالية العمل النقابي عن السلطة وأرباب العمل والأحزاب. وبعد التاكيد على أن القانون الاساسي للجامعة وآليات اشتغالها تضمن الديمقراطية النقابية للجميع والتعددية السياسية والفكرية، أبدت الجامعة استعدادها للقيام بكل إجراءات مواجهة الوضع الجديد تنظيميا بما فيه عقد مؤتمر استثنائي وانتخاب قيادة جديدة [7] .

ليس مناضلو كدش بالخصوص مجرد "ضحايا تغليط واستغلال حسن النية". فقسم من الطاقم الذي بنى كدش في الميدان مناضلون من اليسار ( منظمة العمل وحزب الطليعة)، وهم يعتبرون وجود كدش نتيجة مشكلين رئيسيين في الاتحاد المغربي للشغل: البيروقراطية وعدم الاستقلال عن الحكم. ولا يمكن ليساريين استبدال بيروقراطية واستقلالية زائفة وسياسة إزاء الحكم بما هو أسوأ منها. وإن كان شق الاتحاد المغربي للشغل موقفا غير سليم بأي وجه، فليس من السليم كذلك التغاضي عن معضلات الاتحاد المغربي للشغل. وإن كان من النقابات من تضمن الديمقراطية والتعدد السياسي والاستقلالية بذلك بجمل عامة وليس بضمان حق تكوين تيارات وباحترام حقوق الاقليات في التعبير وفي التمثيل النسبي. وحتى جامعة الفلاحة تظل في آخر المطاف سجينة الحدود التي ترسمها قواعد عمل إ م ش واستراتيجيته. ولا شك أن بقاء نداء الجامعة الفلاحية الوحدوي دون صدى يدل على الحاجة إلى منهجية مغايرة لبناء الوحدة النقابية .

طبقة واحدة ، نقابة واحدة

ينتج التعدد النقابي عن انعدام تدبير ديمقراطي لاختلاف الاستراتيجيات السياسية داخل الطبقة العاملة، و يستحيل قيام نقابة لا تخترقها تلك الاستراتيجيات، لذا فان المطلوب تنظيم الاختلاف السياسي على نحو يتيح الحفاظ على وحدة الأداة النقابية بصفتها أداة الدفاع عن أفضل شروط بيع قوة العمل.

طبعا تدفع شراسة الهجوم وضرورات الصمود القواعد العمالية بمختلف اتجاهاتها إلى توحيد الصفوف رغم عدم رضا القيادات التي دأبت عبر تاريخها على خلق الشقاق وتعميقه. ويكتسي تعاون القواعد طابعا قطاعيا ومحليا في شكل تنسيقات بين المكاتب النقابية. لكن التصدي لهجمات الرأسمال ودولته يستدعي توحيدا لقوى الطبقة برمتها أي توحيدا للنضال على صعيد وطني .

أي التجسيد العملي لشعاري: طبقة واحدة نقابة واحدة . وعدو واحد صف واحد.

الشرط الاساسي لهذه الوحدة هو الديمقراطية الداخلية. لا يتسع المجال لتفصيل مقوماتها وسنتناولها فيما سياتي من وجهة نظرنا.

وجلي أن الإدارات النقابية لن تهتدي إلى الصواب من تلقاء نفسها ولن تقبل بتعاون النقابات إلا بالقدر الذي تفرضه القاعدة العمالية. لذا وجب جعل توحيد الحركة النقابية شعارا للنضال بالدعاوة التي لا تكل وبتجسيد الروح الوحدوية في الميدان، وبإبراز أضرار التشتت عند تقييم النضالات وحفز التضامن بين مختلف مكونات الحركة النقابية. فالتوحيد معركة ووحده النضال يخلق الوحدة.

لقد بات وجود النقابات مهددا بفعل شدة الهجوم البرجوازي على مكاسب الشغيلة وعلى استقرار الشغل. وبات توحيد الحركة النقابية مسألة حياة أو موت بفعل ما سيشهده الهجوم من تصعيد مرعب( مواصلة سياسة صندوق النقد الدولي وتطبيق اتفاقيات التبادل الحر مع أوربا وأمريكا).

و تتمثل بنظرنا أولى خطوات التقدم نحو التجميع النقابي في ما يلي:

1- الحفاظ على القطاعات الموحدة حاليا: توجد فئات عمالية من وضع يقترب من الوحدة داخل قطاعها. وإلى أمد غير بعيد كانت نقابة التعليم نموذجا لذلك. لكن نقص الديمقراطية دفع مناضلين من اليسار نفسه إلى زلة هجر النقابة الوطنية للتعليم بحثا عن الديمقراطية في هياكل فارغة توهم بوجود ديمقراطية لمجرد أن بيروقراطيتها " تتمسكن حتى تتمكن".

2- تطوير تجربة التنسيقات بين المكاتب القطاعية من مختلف النقابات وإعطاؤها مضمونها الديمقراطي باعتماد الجموعات العامة أساسا للقرار، و لجان الإضراب بحكم دورها في توحيد المنظمين نقابيا مع غير المنظمين، وتكثيف الأنشطة النقابية المشتركة ( ندوات ، دورات تكوين…).

وهنا يطرح السؤال كبيرا حول أي دور فعلي للمكاتب الموحدة للقطاعات؟ مات ذلك الخاص في كدش بعمال وكالات النقل الحضري في الوقت الذي تعرضت الوكالات للتصفية تباعا وناضل العمال كل وكالة بمفردهم وتساقطوا الواحد تلو الاخر ؟ وتأخر ذلك الخاص في ا م ش بالنسيج في الرباط عن لحظة أمس حاجة اليه حتى ارتدت موجة النضالات فولد ضعيفا.

3- تطوير تقاليد التضامن:

يكاد لا يبقى من التضامن العمالي غير الاسم . فحده الأقصى ، كقاعدة عامة ، هو البيان أي التعاطف السلبي أو بعبارة ألطف نية التضامن غير المتبوعة بالفعل . فعلاوة على انعدام التآزر بين نقابات منضوية تحت لواء مركزيات مختلفة، متنافسة وحتى متخاصمة ، لا نجد حضورا قويا لتقاليد التضامن حتى داخل كل مركزية على حدة.

وطبعا ليست هذه الكترثة بعيدة عن التربية التي يجري تكريسها داخل النقابات، أي اختلاق حواجز وهمية بين مختلف القطاعات . فالتوجيه السائد يقضي بانزواء كل قطاع ، أو مكتب نقابي في مقاولة، و غضه الطرف عما يقع لغيره من القطاعات أو نقابات المقاولات الأخرى . وهنا أيضا نكون في مستوى متخلف عما ما شهدته العقود الماضية، وتكفي الإشارة إلى حملة التضامن التي نظمتها كدش مع مطرودي التعليم والصحة ببعد إضرابات 1979.

وقد جرى في العقد الاخير تشريد الاف اسر النقابيين، من اومونيوم المغربي للصيد بطانطان، وصولا إلى ضحايا شركو ايكوز، ومئات الحالات بمصانع الدار البيضاء، وتفعيل واسع النطاق للفصل 288 من القانون الجنائي ضد النقابيين دون قيام المناضلين بما يجب من دعم ومساندة.

لا تقتصر المصيبة على غياب التضامن بل إن السلطة وأرباب العمل نجحوا بفضل سماسرة العمل النقابي من كل لون في استعمال النقابات بعضها ضد بعض. نكتفي هنا بمثال قطاع التصبير باكادير حيث أن إحدى النقابات كانت ملاذا للسلطة وأرباب العمل لخلق مكاتب نقابية من كاسري إضرابات كلما ظهرت نقابة مناضلة بإحدى الوحدات. وكان رب العمل هو الذي يدفع ثمن بطاقات الانخراط في النقابة الصفراء.

ونشير ختاما إلى أن من اوجه نقص التضامن وجود انعزال المتقاعدين في جمعيات خاصة. ما مانع تنظيمهم في النقابات؟ لا سيما أن التوقف عن العمل يعني مغادرة الموقع الذي يعطي قدرة الضغط على أرباب العمل والدولة وبالتالي يبقى المتقاعد منزوع السلاح وضحية نسيان. إن تضامن العاملين مع المتقاعدين هو الضمانة الاساسية للدفاع عن حقوقهم كقسم من الطبقة العاملة امتص الرأسمال قواه والقاه بين مخالب البؤس . لا غنى اذن عن ضم جمعيات المتقاعدين إلى الحركة النقابية.

4- نبذ النزعة الفئوية التي تنسف أساس العمل النقابي .

الفئوية: خطوة إلى الوراء

شهدت السنوات الأخيرة نزوعا متناميا إلى الفئوية والمحلية . فبعد تخلف المركزيات النقابية عن الاضطلاع بدورها في توحيد المطالب ومركزة النضالات، في إطار سياسة مناوشة تغلب ضرورات الحفاظ على استقرار أوضاع الاستغلال، بدأت فئات متباينة بمختلف القطاعات تسعى إلى انتزاع حل لمشاكلها بخوض نضالات جزئية (المتصرفون ، التقنيون ، فئات في التعليم…)، وبدل النضالات الوطنية باتت فروع نقابية بهده المدينة أو تلك القرية تشن إضرابات ، لكنها سرعان ما ترتطم بالطابع الوطني للمشاكل . وتكونت جمعيات سواء على أساس طبيعة الفئة المهنية او نوع المشكل (جمعية إنصاف حول مشكل التعاضدية .. مثلا). إنها خطوة إلى الوراء، لأن غاية النقابة بالذات هي تجاوز الفئوية وجمع كافة أصناف الاجراء في قوة واحدة ، فذلك هو الكفيل دون غيره بالدفاع عن المكاسب وانتزاع المزيد . هذا علاوة على أن الفئوية طريق مسدود لأن المشاكل الكبرى لها طابع شامل لكل الفئات وبالتالى لا يمكن التقدم فيها سوى بعمل موحد على الصعيد الوطني.

باختصار إنه هدر لا عقلاني لقوى النضال العمالى.

وجلي أن مسؤولية الاجهزة النقابية قائمة 100% في ظهور النزعة الفئوية، لانها سببت ، علاوة على التخلي عن واجبها في تبني مطالب كل فئة وتوحيدها، في تدني وعي القاعدة العمالية بما تسلكه من سياسة عامة ضيقة الأفق وغير كفاحية . فطريقتها في تدبير الملفات المطلبية تؤدي إلى إحباط القاعدة العمالية وبالتالي إلى بحثها عن مخارج أخرى بعيدا عن النقابة. لقد تحملت النقابات مسؤولية تفكيك صف الضحايا بقيام جمعية للشباب المعطل بدل انخراطهم في النقابات واستنادهم على قوتها مما اضعف كلا الطرفين، وها هي اليوم تنتج فئوية مفككة للنقابات نفسها.

مسؤولية القيادات النقابية هذه هي ما يريد الطيب منشد الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل التبرؤ منه. فقد اعتبر الجمعيات الفئوية امتدادا لاستراتيجية استعملتها الدولة سابقا مع الأحزاب (التي يسميها وطنية ديمقراطية) وتوجهها منذ بداية سنوات 90 ضد النقابات لاجل التشويش [8] . ودليله في ذلك أن الحكومة تتفاوض مع الجمعيات في ما يدخل في اختصاص النقابات. لا شك أن الحكومة تسعى إلى تشتيت شمل الحركة النقابية (فرق تسد) لتضمن تطبيقا سهلا لخططها المعادية للشغيلة. لكن اعتبار نضال الفئات المهنية من اجل مطالب خاصة بها دون تحكم من القيادات النقابية خطة حكومية مناف جدا عن الحقيقة. فلو كان الأجراء المناضلون بالجمعيات مجرد أداة للدولة لانضموا إلى النقابات الموالية 100% لها وما اكثرها منذ عقود . ثم إن ما يعطي الدولة فرصة الانفراد بالفئات المهنية هو سلوك القيادات النقابية نفسها حين تجزئ المطالب والنضالات وتتفرج على تراكم المشاكل بدل المبادرة إلى النضال بروح وحدوية وكفاحية بتنظيم إضرابات عامة.

مجمل الكلام أن الانقسام النقابي ليس قدرا محتما بل نتيجة تدبير غير ديمقراطي لخلافات سياسية مشروعة داخل النقابة العمالية. وأن ضرورة الوحدة نابعة من طبيعة العمل النقابي نفسه ، اذ يستحيل رد هجمات البرجوازية ودولتها دون صف عمالي موحد. وذلك هو الواجب الاول لكل نقابة وفية لعلة وجودها. وقد ابرزنا أن نقاباتنا بعيدة عن ذلك الوفاء وكيف أن مصلحة سياسية غير عمالية هي التي تحكمت في مبادرة كدش إلى التعاون الفوقي مع الاتحاد المالعام للشغالين، وكيف أن الاكتفاء بقول " مرحبا بكم عندنا" ليس منهجية لتحقيق الوحدة النقابية.

ثم تقدمنا بما نراه سبيلا للسير نحو جمع الحركة النقابية في اتحاد واحد أوحد:

تعزيز ما هو موحد حاليا بدل شقه ركضا وراء سراب ديمقراطية في هياكل فارغة، وتطوير اشكال التنسيق الحالي وتجاوز طابعها الفوقي، و تطوير تقاليد التضامن ، ونبذ الفئوية.

واعتبرنا أن الهوية الكفاحية للمناضلين العماليين الجذريين تلقى على كاهلهم هذه المهام قبل غيرهم.



[1] راجع نص عمر بنجلون ( امراء النزعة الانحرافية العمالية ) الذي اخفته القيادة الاتحادية زهاء اربعين عاما ونشرته جريدة الاحداث المغربية في حلقات كسند للاقدام على شق الكونفدرالية.

[2] مشاريع مقررات المؤتمر الثالث لكدش –دار النشر المغربية ص

[3] جريدة النضال النقابي الفلاحي – عدد 37 . 10 يونيو 2003

[4] جريدة الاتحاد الاشتراكي (عدد 4 نوفمبر 2004)

[5] راجع نص عمر بنجلون ( امراء النزعة الانحرافية العمالية ) الذي اخفته القيادة الاتحادية زهاء اربعين عاما ونشرته جريدة الاحداث المغربية في حلقات كسند للاقدام على شق الكونفدرالية.

[6] مشاريع مقررات المؤتمر الثالث لكدش –دار النشر المغربية ص

[7] جريدة النضال النقابي الفلاحي – عدد 37 . 10 يونيو 2003

[8] جريدة الاتحاد الاشتراكي (عدد 4 نوفمبر 2004)

المناضل-ة عدد 20

محمود جديد

  من صفرو الى بومال دادس...لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإفساد وعي الكادحين!
  من صفرو الى بومال دادس... لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإفساد وعي الكادحين!
  قمع الطلاب بمراكش ومستقبل النضال بالجامعة المغربية
  ايفني: قوات القمع تهاجم معتصم الصمود بساحة 7 غشت على الساعة 5 صباحا ودفاع الجماهير يعيدها إلى ثكناتها
  بؤس "الحوار الاجتماعي" يؤكد ضرورة الإضراب العام

مصطفى البحري

  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: بين أكذوبة تقصي الحقائق ودجل البيروقراطية الأسود
  صمود إضراب تقنيي الطيران بالدار البيضاء: رب العمل يسعى لتركيع الشغيلة بالتجويع والحكومة تستأصل العمل النقابي بالهراوة والمركزيات النقابية تتفرج
  قانون الإضراب : قيود إضافية من اجل تنفيذ مزيد من السياسات المعادية للكادحين
  هجوم جديد على التنظيم النقابي للعمال الزراعيين
  النقابات العمالية وحق الإضراب: متى تستفيق من سباتها؟

الحركة النقابية

  عمال فندق رياض باعلي: نداء للتضامن
  إلى مناضلي ومناضلات التعليم في مؤتمرهم الثامن حذار! إنهم يتربصون بحق طبقتنا في الإضراب
  بيان الاتحاد المحلي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بورزازات
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها