فلنتذكر. جرى في العام 2000 تنظيم حملة دولية واسعة تضامنا مع نساء افغانستان: تكاثرت العرائض، والمقالات بالصحف، والملفات، والاستطلاعات بكل مكان من العالم. كان وضع النساء الافغانيات لا يطاق، واصبح ارتداء حجاب البوركة الرمز الشنيع لما يتعرضن له من اضطهاد... وطبعا، بعد 11 سبتمبر، استندت قوات امريكا وحلفائها على تلك الحملة لاضفاء شرعية على غزو افغانستان المماثل مع حرب مقدسة لتحرير الافغانيات من اولئك المسلمين السلفيين، الارهابيين، أعمدة محور الشر. –1- وبعد بضعة اسابيع اظهرت قنوات التلفزة بعض الافغانيات يخطون خطواتهن الاولى بالفضاء العام، وحتي في الميدان السياسي. لكن ما من أحد يعلم عدد الافغانيات اللائي لقين حتفهن تحت القنابل الامريكية، وعدد من فقدن بيوتهن، واطفالهن، وازواجهن. وليس ثمة من يسعى، بعد خمس سنوات، الى تقدير نتيجة تحرير النساء الافغانيات المدمر هذا. غادرت آلات التصوير والمراسلين الى جهات اخرى. وكان هذا الخلط بين الاسلام واضطهاد النساء والارهاب معدا لنا مرة اخرى في الحرب الثانية على العراق. فهناك ايضا ستضرب الجيوش الغربية المحررة عصفورين بحجر واحد: اسقاط الطاغوت وتحرير النساء. لكن ما حدث كان العكس، فبينما كان العراق احدى مجتمعات المنطقة العربية الاكثر تقدما فيما يخص مكانة النساء و علمانية المجتمع، حولت الحربان الاولى والثانية على العراق حياة النساء اليومية الى جحيم حيث العنف كلي الحضور، في الحياتين العامة والخاصة على السواء، وادتا الى عودة الشان الديني بقوة الى السياسة .
بدات مؤخرا عريضة جديدة تروج... لجمع مليون توقيع لتحرير نساء ايران. انا على استعداد للتوقيع لاني اتصور جيدا مدى اختناق النساء خلف حجاب التشادور، لكن اليس المقصود مرة اخرى، في السياق الدولي الراهن، عملية تسميم جديدة بقصد اضفاء شرعية على عدوان جديد ستكون نساء ايران اولى ضحاياه بلا شك؟ ثمة ما يسمح بطرح السؤال.
رغم جلاء سوء النية، والنتائج الكارثية لدفاعها المزعوم عن قضية النساء، لاغراض السيطرة على حقول بترول العالم العربي – وهل ثمة حاجة للتذكير بهذا؟- تصر الولايات المتحدة الامريكية وشركائها في G8 على تقديم انفسهم، في اطار مشروع الشرق الاوسط الكبير، كابطال لقضية النساء العربيات. وتحت غطاء مساندة النضال من اجل المساواة وافادة النساء العربيات من التنمية، تُقترح اسفار وبرامج لتكوين النساء رئيسات المقاولات، والصحافيات، والزعيمات السياسيات او في الجمعيات، المدعوات للتعود على مناهج التدبير والتصورات الامريكية للديمقراطية. انها عملية إغواء هائلة وتهئية فكرية جرى رشها ببعض برامج محاربة الفقر، ومناهضة العنف، ودعم اصلاح قوانين الاحوال الشخصية، وتعليم البنات القرويات.
وتُقترح حتى عمليات تمويل لدعم برامج تهدف الى تدليل العقبات بوجه مشاركة النساء بالحياة السياسة والاقتصادية باربعة عشر بلدا وبالاراضي الفلسطسنية،" كأن بفلسطين حياة اقتصادية وسياسية حقيقية لم يستثن منها غير النساء".
مقاربة مقطوعة عن الواقع
ان هذه الطريقة، البالغة مستوى كاريكاتوريا في المثال المذكور، في فصل مسالة النساء عن السياق الاجمالي، وعن النظام المسبب لما يشهدنه من اشكال ميز وتهميش، واسعة الانتشار داخل المنظمات الدولية،المالية والتجارية، والتابعة للامم المتحدة، و قدانتشرت بواسطة برامج تعزيز القدرات (التمكين)، والندوات ودورات التكوين، عبر الجمعيات والمنظمات غير الحكومية.
وتقدم حملات محاربة الفقر الجارية، باشراف من البنك العالمي والمطبقة عبر العالم، مثالا بليغا عنها.
من جهة يجري سن سياسات( تقشف في الميزانيات، وخصخصة، وتفكيك للخدمات العمومية،...) يدرك الجميع عن علم انها تنتج البطالة والاقصاء والهجرة القروية بالنسبة لعدد كبير من العمال والعاملات( في المجال الزراعي مثلا، من المعروف ان تنافس الاسواق الحر يؤدي حتما الى مغادرة الاراضي والفلاحة الصغيرة المعاشية ورحيل الفلاحين والفلاحات الكثيف نحو المدن او طرق الهجرة المفخخة).
دق خبراء كثر ناقوس الخطر لأن راي المعنيين لا يُعتبر بوجه رأي الملاكين الزراعيين الكبار وشركات الصناعة الغذائية. لكن نادرة هي المشاريع الهادفة الى تحديث انماط الانتاج الفلاحية وتثمين نتاج العمل مع اعتماد معايير مردودية اخرى غير نقدية ومالية، المعايير الانسانية والاجتماعية والبيئية مثلا.
وعند حصول الاضرار تأتني برامج محاربة الفقر لاقتراح بعض " الشبكات الاجتماعية"، كما تسميها رطانة الخبراء، من اجل تلطيف اسوأ اشكال البؤس وتفادي هجرة قروية بالغة الكثافة وضغط هجرة قوي الى البلدان المتقدمة.
وعلى هذا النحو يحقق الراسمال الكبير غايات متعددة: يخلق خزانا يد عاملة وافرة وقابلة للتسخير سواء لزراعته الصناعية او صناعته وخدماته، وهي يد عاملة نسائية في الغالب في الزراعة او الصناعة،او الخدمات.
ينشا هذا الراسمال بالمناطق المحرومة عددا من البنى التحتية الموجهة لتامين استقرار السكان الذين لا تتكفل بهم الدولة، رغم تحصيلها الضرائب لاجل ذلك، بل الجمعيات، والعمال المهاجرون( اخر بدعة تسمى التنمية المشتركة)، وتلك طريقة لجعل السكان يقبلون تفكيك الخدمات العمومية وجعل السكان مستفيدين من برامج لا مواطنين لهم حقوق.
غالبا ما تكون هذه البرامج، وهي عبارة عن مشاريع بالغة الصغر تقوم بها جمعيات ومنظمات غير حكومية، برامج عابرة وقصيرة المدى: مثلا يوضع برنامج صحي لفائدة النساء، ويثناسى التساول عن اسفادة الجميع من العلاج وانشاء مستشفى.
وُتخلق" انشطة محدثة لفرص عمل"، وهي صيغة محتشمة لقول إن على النساء انفسهن ان يتدبرن لقمة عيشهن، انشطة بالقطاع الثالث غالبا ما يجري ادخالها من خارج( سياحة قروية مثلا)، ليس بوسعها غير ابقاء المقصيين في حدود سد الرمق مؤقتا في الغالب . هذا لان نظام القروض الصغيرة، الذي تمثل النساء 80% من زبائنه، لا يلقى تمويل كل هذه المشاريع على كاهل الاشد فقرا وحسب، بل يتيح علاوة على ذلك للببنوك، التقليدية او المختصة بهذا المجال، اقتطاع ارباح غزيرة على ظهر النساء "المستفيدات" رغم ان النعث لا ينطبق على هكذا قروض.
هكذا ُيدخل انصار النيوليبرالية مقاربة فردية بالكامل لمسالة التنمية، مرتبطة بقدرات المبادرة لدى كل مواطن، وتحرف كليا مفهوم الخدمة العمومية، لصالح جمعيات مقدمة لخدمات يفترض مبدئيا ان تضطلع بها الدولة ( محو الامية، تعليم فتيات القرى، الافادة من ماء الشرب ومن الكهرباء، التغطية الصحية، الخ)، حارفة على هذا النحو قسما من المساعدة العمومية للتنمية نحومبادرات خاصة.
لم تعد محاربة الفقر مسالة تعبئة المجتمع برمته، في اطار سياسة اقتصادية وخطة تنمية اجمالية مضبوطة ومتماسكة ومصادق عليها ديمقراطيا، بل مسالة تجميع مبادرات فردية منسقة الى هذا الحد أو ذاك. يتيح ذلك تجنب انتقاد هذا العالم السائر بسرعتين الذي اقامته الراسمالية النيوليبرالية التي تعمق الهوة بين المترفين والمستغلين من جهة، وتقسم العالم الى عالم نافع (ذلك المدمج في الاسواق العالمية) وعالم المقصيين الذي سمح لهم بالبقاء احياء لا غير.
لا يعزز هذا المنظور اشكال التضامن باي وجه، بل يفصل تحرر النساء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا عن تحرر الشعوب ونضالاتها من اجل ممارسة سيادتها والاعتراف بمجمل حقوقها. انهه يتفادى انتقاد نظام بطريركي (قائم على سلطة الذكور)، وراسمالي وامبريالي، يبقي النساء في نير استغلال مضاعف ويختزل مسالة المساواة بين النساء والرجال في اجراءات قليلة معزولة ضد اشد اشكال الميز تنفيرا.
فمفهوم "الحكامة الجيدة" يحجب استبعاد الاليات الديمقراطية لصالح انظمة احتواء داخل المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير المنتخبة، غير المدعوة لكف الحساب سوى كشف لمموليها، والتي غالبا ما يضفى عليها الطابع المهني على حساب الممارسة النضالية والقوة النقدية والتعبوية. انه يقوم على هذا النحو بتحييد الحركات الاجتماعية. وفي ما يخص حركة النساء، جاء الانزلاق نحو مفهوم"النوع"، بايعاز من المؤسسات الدولية، بديلا عن كلمة "النسوانية"، ليعزز ازاحة الحركة النسوانية ونزع تسيسها وافقادها الاستقلال والروح الجذرية كما تشير دونيز كومان من لجنة الغاء ديون العالم الثالث CADTM –2-
استعادة استقلال حركة النساء
تمثل إسهام المسيرة العالمية للنساء، بوجه الدقة، في اعادة اعتماد النقد الاجمالي للراسمالية المعولمة في معركة النساء، وابراز كيف يمكن فصل المعركة من اجل المساواة والحرية والعدالة والسلم عن المعركة ضد الامبريالية وضد نظام اقتصادي لا دافع له غير السعي المحموم الى الربح.
كما يتمثل فضل المسيرة العالمية للنساء في ممارسة مطلب استقلال حركة النساء ازاء هيئات الامم المتحدة و غرف الانتظار في البنك العالمي، وذلك بالعمل وفق برنامج ووتائر واجندة واشكال تعبئة خاصة بها وحافزة للوعي النسواني على صعيد عالمي. هذا ما يؤهل المسيرة العالمية للنساء، من خلال ميثاقها، واهدافها، وما تتيح من روابط تضامن بين نساء مختلف القارات، لان تكون احدى الرافعات التي ستتيح لحركة النساء بالمغرب استعادة جرأة و روح جذرية وقدرات تعبوية كانت في وقت ما لافتة للنظر لكن تدخل المنظمات الدولية وبعض الممولين يعرضها حاليا للاضعاف.
هذا في جميع الاحوال ما يفسر حضوري اليوم بينكم في هذا اللقاء الهادف الى احياء دينامية المسيرة العالمية للنساء بالمغرب.
لوسيل دوما- اطاك المغرب
8 مداخلة لوسيل دوما (اطاك المغرب) في لقاء النساء من اجل المسيرة العالمية للنساء بالمغرب . سلا 9 سبتمبر 2006
احالات
نفس المسلمين، السلفيين، الارهابيين التي تلقوا سابقا التمويل من الولايات المتحدة الامريكية ، التي كانت تحارب محور شر أخر مثله انذاك الاتحاد السوفياتي.
دونيز كومان. أي منظور تنمية للحركات النسوانية؟
موقع لجنة الغاء ديون العالم الثالث : www.cadtm