ان الخلاصة الجلية لدراسة صادرة عن منظمة الامم المتحدة للبيئة، التي مؤداها أن مشاكل بيئة "العالم الثالث" مشاكل فقر، صائبة تماما ما لم يُنس ان ذلك الفقر ليس قدرا، بل نتاج سياسة وتدخل اقتصادي للبلدان الامبريالية. إن امكن، بتشويه الحقائق، تقديم ازمة البيئة بالبلدان الامبريالية بما هي نتيجة مجتمع وفرة، لا عاقبة لاقتصاد السوق، فإن علاقة الازمة الاقتصادية بالازمة البيئية في البلدان التابعة بآسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية تتسم بجلاء مطلق.
ينتمي التدمير المتنامي للبيئة و المحيط الحيوي والنضال اليومي من اجل البقاء بالنسية لملايين البشر لنفس التجربة المباشرة. يعاني اكثر من 800 مليون شخص من نقص التغذية، ويموت 40 مليون كل سنة بسبب الجوع او امراض ناتجة عن سوء التغذية. ولا يستفيد اكثر من 2 مليار شخص من التزود المنتظم بماء شرب نظيف، ويموت 25 مليون منهم كل سنة من جراء ذلك. ويعاني 1% مليار شخص من نقص حاد في حطب التدفئة الذي غالبا ما يشكل مصدر الطاقة الوحيد. وما زالت التغذية والماء و محروقات التدفئة، عناصر الوجود المادي للانسان الثلاثة هذه، غير كافية الى حد بعيد في هذا القسم من العالم. و تقدر الامم المتحدة ان زهاء 50 مليون شخص هم "لاجئو البيئة" ، مكرهون على مغادرة مناطقهم الاصلية بفعل الجفاف، والفيضانات، وانجراف التربة، وتوسع الزراعة الموجهة الى التصدير، الخ. انه لأمر واقع: ليست الازمة البيئية باقسام العالم هذه" قنبلة موقوتة"، او مشكلا مستقبليا، بل ازمة وجود فعلية منذ اليوم.
يتمثل السبب الرئيس للبؤس وللازمة البيئية في نمط الانتاج الراسمالي. فقد اخضعت بنيات التبعية للامبريالية، وللسوق العالمية حيث تسيطر هذه الاخيرة، طبيعة البلدان التابعة الى استغلال اقتصادي مباشر وعنيف على نحو اكثر مما بالبلدان الامبريالية. ويوجد بها تدمير البيئة وفق حاجات السوق العالمية ومصالح الشركات متعددة الجنسية في تناقض صارخ اكثر مع البنيات الاجتماعية ونمط الحياة الموروثين عن تاريخيها. وقد كيفت الامبريالية بهذه البلدان كلها الاراضي بفرض بنية تحتية مشيدة كليا تقريبا حول مراكز النشاط االاقتصادي التابعة للسوق العالمية. وعلى هذه القاعدة جرى اختيار" مراكز المواد الاولية" و مراكز الاعمال، والمناطق السياحية، والمزارع والمراعي من اجل انتاج موجه نحو التصدير. وإن الضغط الهائل على البشر ضحايا هذه السيرورات، وازاحة انماط الحياة المغايرة والوظائف الاجتماعية "المتجاوزة" نحو مناطق البلد المهمشة، كانا ولا زالا غير قابلين للمقارنة بما يعانيه الانسان والبيئة من تقلبات بالحواضر الامبريالية.
كما تمكن، من وجهة نظر بيئوية، ملاحظة المفعول الحتمي لقانون"التطور المتفاوت والمركب" بالبلدان التابعة. تحمل السوق العالمية ديناميتها المدمرة للبيئة وتناقضاتها الاكثر ايلاما حتى الى اكثر اقاصي العالم "تاخرا"، حيث تاثيرها مدمر والقوى المضادة لها ضعيفة هناك على نحوين لا يقبلان مقارنة. يمكن تمييز جملة خصائص بنيوية لتلك الآلية:
الاستغلال المباشر للمواد الاولية نحو السوق العالمية(معادن، خشب، قطن، كاوتشو ، الخ) والتطور الموازي للبنى التحتية، والطرق، وسكك الحديد، ومحطات الطاقة ، الخ.
تحويل الاراضي الى استغلالات زراعية او مراعي بقصد الانتاج الموجه الى التصدير بواسطة سياسة استصلاح منطوية على تبعية للاسمدة الكيماوية والمبيذات مع ما ينتج من تلويث.
تجعل هاتان السيرورتان من مشكلة الارض ألح المسائل باغلب البلدان التابعة. ُيدفع السكان القرويون الى المناطق التي لا تحتمل استقرارا وزراعة دائمين. وتضطر لاستصلاح اراض وتطبيق اساليب زراعية تسرع إنهاك الاراضي واجترافها. اتلاف الغابات وحرق الغابات الاستوائية، واستعمار مناطق قاحلة او معرضة لخطر الفيضان، وتدمير طبقات التربة الخصبة، الخ كلها تفاقم خطر تغيرات مناخية على المدى الطويل و"كوارث طبيعية".
تمدين ناتج عن بنية اقتصادية خاصة ومشكلة الارض. تمثل سرعة نمو المدن بالبلدان التابعة، حسب تقدير الامم المتحدة، ثلاث اضعاف نظيرها بالبلدان الرأسمالية الصناعية. وبهذه المدن، تبلغ المشاكل الحضرية المعروفة جيدا مستوى كارثيا اكثر على الطبيعة والحياة. ويمثل تلويث الهواء بدخان السيارات والتدفئة المنزلية خطرا حادا. وتشكل جودة التزود بالماء والمياه المطهرة ثاني مشكل بمدن البلدان التابعة، والتخلص من النفايات ثالث المشاكل. ففي اغلب مدن اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية تجري مراكمة الازبال او حرقها في الهواء الطلق.
ويمثل التزود بالطاقة مشكلا وجوديا عند القسم الاعظم من سكان البلدان التابعة. يعاني 1.5 مليار شخص من نقص في خشب التدفئة. وقد تضاعفت مدة العمل السنوية اللازمة للبحث عن خشب التدفئة ( او محروقات أخرى مثل الدمال وبقايا النبات،الخ) اربع مرات، وبلغت احيانا 190 الى 300 يوم عمل سنويا. ويتم القضاء كليا على الغابات بفعل نقص الطاقة، لا سيما بالمناطق القروية القريبة من المدن، لكن كذلك في مناطق اخرى عديدة.
ويتمثل مشكل البلدان التابعة الابرز حاليا في ديونها ازاء البنوك و الحكومات الامبريالية. من زاوية نظر بيئية، ترغم الديون على تشديد اولوية مواد التصدير، وبالتالي تزيد الفقر الحاد وهجرة القرويين. كان القضاء على الغابات بـ 33 بلدا افريقيا فقيرا من الاكثر استدانة يفوق، في الفترة 1990-1995، تدمير الغابة بالبلدان الافريقية الاخرى بنسبة 50%، و يفوق متوسط القضاء على الغابة عالميا بنسية 140%. وبموازة ذلك ليست ثمة وسائل تمويل اجراءات حماية الطبيعة. تقوم المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، بتحميل البشر والطبيعة اكثر فاكثر عواقب الاستدانة.
ويجري إكمال هذا كله بجملة اشكال تدمير مباشر للطبيعة وجرائم بيئية تقترفها الشركات الامبريالية متعدةة الجنسية. هكذا يجري ترحيل وحدات انتاج خطيرة( لاسيما في الصناعة الكيماوية) الى البلدان التابعة. فهناك علاوة على اليد العاملة الرخيصة يمكن تلويث البيئة دون عقاب.
تقف اغلب حكومات البلدان التابعة عاجزة بوجه الازمة البيئية. فتمسكها بالمصالح الامبريالية وبامتيازاتها او مصالحها الطبقية يمدد التبعية الاقتصادية والازمة البيئية. وحتى بعض برامج المساعدة الدولية (ضد المجاعة، وضد الكوارث البيئية او المشاريع الحديثة لالغاء جزء من الديون مقابل تدابير لحماية البيئة) لا تؤدي في الغالب سوى الى اغناء النخب الحاكمة.
لا يمكن تصور حل للازمة البيئية بالبلدان التابعة دون قطع التبعية للامبريالية. كان السعي، بوجه المشاكل الاجتماعية الملحة، الى القروض والاستدانة خطا فاقم الوضع اكثر. وهذا صحيح اكثر فيما يخص الازمة البيئية. يضطر ملايين البشر، بفعل الافقار والتبعية الاقتصادية، الى سلوك يومي بالغ التدمير للبيئة لكن بدونه يتعذر بقاؤهم. لذا يتعين على سيرورة الثورة المعادية للامبريالية، سيرورة الثورة الدائمة بالبلدان التابعة، ان تتصدى للمشاكل البيئية بكيفية واعية وتدمجها في برنامج النضال ضد النهب الامبريالي. ذلك شرط بناء ناجح لعلاقات انتاج بديلة، أي اشتراكية.
مقتطف من الايكولوجيا والاشتراكية
مشروع مقرر مقدم للمؤتمر الخامس عشر للأممية الرابعة
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (002126)6.41.49.80.60
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها