إن القرار 1701 الذي تبنّاه مجلس الأمن الدولي في 11 آب 2006 لا يرضي على نحو كلي إسرائيل، كما لا يرضي واشنطن، وكذلك حزب الله. هذا لا يعني أنه «عادل ومتوازن» بل هو مجرد تعبير مؤقت عن مأزق عسكري. لم يكن ممكناً لحزب الله أن يُلحق هزيمة عسكرية كبيرة بإسرائيل، فهذا احتمال لم يكن وارداً نظراً لتوازن القوى المتفاوت جداً، مثلما كانت هي حال المقاومة خلال الحرب الفيتنامية التي لم يكن بوسعها أن تلحق هزيمة عسكرية كبيرة بالولايات المتحدة. لكن في المقابل، لم تتمكّن إسرائيل من إلحاق هزيمة عسكرية كبيرة بحزب الله أو أية هزيمة على الإطلاق. وبهذا المعنى، فحزب الله هو المنتصر السياسي الحقيقي بكل تأكيد، فيما إسرائيل هي الخاسر الحقيقي في حرب الأيام الثلاثة والثلاثين التي اندلعت في 12 تموز، ولن يغيِِر أي خطاب لإيهود أولمرت أو جورج بوش هذه الحقيقة الواضحة (1).
من أجل إدراك ما هو على المحك، ينبغي تلخيص الأهداف المدعومة أميركياً التي كانت إسرائيل تسعى لتحقيقها في هجومها على لبنان. كان الهدف المركزي للهجمة الإسرائيلية، بالطبع، تدمير حزب الله. لقد حاولت إسرائيل تحقيق هذا الهدف عبر ثلاث وسائل رئيسية.
الوسيلة الأولى، تمثلت في توجيه ضربة قاضية لحزب الله من خلال حملة قصف جبانة، تستغل «التفوق الكامل واللا متساوق» الذي تحوز عليه إسرائيل في قوة النيران. وقد استهدفت الحملة قطع طرق إمدادات حزب الله وتدمير الكثير من بنيته التحتيّة العسكرية (مخازن الصواريخ، منصّات إطلاق الصواريخ، إلخ...)، والقضاء على عدد كبير من مقاتليه وقطع رأسه باغتيال حسن نصراللهوغيره من قادة الحزب الرئيسيين.
والوسيلة الثانية، هدفت إلى تأليب القاعدة الشعبية الكبيرة لحزب الله في أوساط الشيعة اللبنانيين ضد الحزب، وذلك عن طريق قيام إسرائيل بإلقاء مسؤولية مأساتهم عليه عبر حملة حرب نفسية مكثفة. هذا الأمر كان يتطلّب بالطبع أن تُلحق إسرائيل كارثة ضخمة بالشيعة اللبنانيين عبر حملة قصف إجراميّة واسعة النطاق تؤدي إلى تدمير القرى وقتل وجرح آلاف المدنيين. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى خطة من هذا النوع، تشكِّل جريمة حرب نموذجية. فعندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية ناشطة في جنوب لبنان، في ما جرت تسميته «فتح لاند» قبل الغزو الإسرائيلي الأول في عام 1978، كانت إسرائيل تلقي بوابل من القنابل على المنطقة المأهولة المحيطة بكل مكان تُطلق منه صاروخ واحد على الأراضي الإسرائيلية، بالرغم من أن الصواريخ كانت تُطلق من أراض قاحلة. وقد نجحت تلك الخطة آنذاك إذ تملكت مجموعات كبيرة من سكان جنوب لبنان مشاعر النفور والاستياء تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، وقد ساهم آنذاك استمرار نفوذ القيادات الرجعية التقليدية وكذلك سلوك الفدائيين الفلسطينيين السيء للغاية في التبرؤ منهم واعتبارهم أغراباً. أما الآن ونظراً لموقع حزب الله الأفضل بما لا يقاس في وسط الشيعة اللبنانيين، فقد خيّل لإسرائيل أن بمقدورها تحقيق ما سبق أن نجحت في ممارسته مع منظمة التحرير بمجرّد زيادة وحشية العقاب الجماعي نطاقه.
أما الوسيلة الثالثة، فقضت بتعطيل كلي وخطير لحياة اللبنانيين أجمعين وأخذهم رهائن بواسطة حصار جوي وبحري وبري وصولاً إلى تأليبهم ضد حزب الله، خصوصاً المجموعات غير الشيعية، وبالتالي إيجاد مناخ سياسي يؤهل الجيش اللبناني للتحرك عسكرياً في مواجهة المنظمة الشيعية. لهذا السبب، أعلن المسؤولون الإسرائيليون، في بداية العدوان على لبنان، أنهم لا يريدون انتشار أي قوة غير الجيش اللبناني في الجنوب، ورفضوا بصفة خاصة نشر قوة دولية، شامتين بقوات اليونيفيل الموجودة حالياً في لبنان. كان هذا المشروع في الواقع هو الهدف الذي وضعته واشنطن وباريس منذ عملتا معاً على إصدار قرار مجلس الأمن 1559 في أيلول 2004، هذا القرار الذي طالب بانسحاب القوات السورية من لبنان وتفكيك الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، والمقصود حزب الله والمنظمات الفلسطينية في مخيمات اللاجئين.
لقد اعتقدت واشنطن انه بمجرّد انسحاب القوات السورية من لبنان، سيكون الجيش اللبناني، الذي تم تجهيزه وتدريبه من قبل البنتاغون خصوصاً، قادراً على تفكيك حزب الله ونزع سلاحه. وقد انسحب الجيش السوري بالفعل من لبنان في نيسان 2005، لكن ليس بسبب ضغوط واشنطن وباريس بل بسبب الاضطراب السياسي في لبنان والتعبئة الجماهيرية التي ولّدها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005، وقد كان الحريري من أقرب المقربين إلى الطبقة الحاكمة السعودية. غير أن توازن القوى في البلد، في ضوء التظاهرات الجماهيرية والتظاهرات المضادة، لم يسمح للقوى المتحالفة مع الولايات المتحدة بأن تفرض تسوية مسألة حزب الله بالقوّة. وقد اضطر هؤلاء الحلفاء أيضاً إلى خوض الانتخابات البرلمانية في أيار 2005 في إطار ائتلاف موسع مع حزب الله، ومن ثم إلى حكم البلد عبر حكومة ائتلافية تضم وزيرين من حزب الله. هذه النتيجة المحبطة دفعت واشنطن إلى منح إسرائيل الضوء الأخضر لبدء تدخلها العسكري في لبنان. ولم تكن تل أبيب بحاجة إلاّ للذريعة المناسبة لبدء عملياتها، وهذا ما وفرته عملية حزب الله على الحدود في 12 تموز.
قياساً بالهدف المركزي والوسائل الثلاث التي ورد شرحها أعلاه، يبدو جلياً جداً أن الهجوم الإسرائيلي كان فاشلاً بالكامل. فأوضح ما في الأمر أن حزب الله لم يُدمّر، بل على العكس تماماً، احتفظ الحزب بمعظم هيكليته السياسية وقوته العسكرية، واستمتع بترف قصف شمال إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة قبل وقف النار صباح الرابع عشر من آب. ولم يخسر الحزب قاعدته الشعبية، بل توسعت شعبيته إلى حد بعيد ليس بين اللبنانيين الشيعة فحسب، بل أيضاً في صفوف الطوائف اللبنانية جمعاء، ناهيك عن المجد الكبير الذي أكسبته هذه الحرب لحزب الله، خصوصاً في المنطقة العربية وباقي أرجاء العالم الإسلامي. أخيراً وليس آخراً، أدى كل ما جرى إلى تغيير حاد في موازين القوى في لبنان في اتجاه معاكس تماماً لما كانت واشنطن وتل أبيب تتوقعانه: خرج حزب الله أقوى بكثير، الأمر الذي زاد من خشية خصومه المعلنين وغير المعلنين، أصدقاء أميركا والمملكة السعودية. وقد وقفت الحكومة اللبنانية إلى جانب حزب الله أثناء هذه الحرب، وجعلت من الاحتجاج على العدوان الإسرائيلي أولوية لها (2).
ولا حاجة للمزيد من الدلائل على الفشل الإسرائيلي السافر: فقراءة سيل التعليقات النقدية والمعبِّرة من المصادر الإسرائيلية أكثر من كافية. ومن أبرز تلك التعليقات، ما أورده قبل أيام وزير «الدفاع» الإسرائيلي السابق موشيه آرينز، الذي كتب تعليقاً معبِّراً جداً في «هآرتس»:
«كانت أمام أولمرت وبيريتز وليفني أيام قليلة من المجد عندما كانوا يظنون أن قصف القوات الجوية الإسرائيلية للبنان سيقضي على حزب الله ويحقق النصر لإسرائيل بدون آلام. لكن ما إن بطل مفعول الحرب التي أساؤوا إدارتها... حتى فقدوا نشوة الانتصار تدريجاً. ظلوا يصدّرون المواقف العدوانية هنا وهناك، لكنهم بدأوا يبحثون عن مخرج لهم ــ كيف يخلّصون أنفسهم من تغيّر مسار الأحداث الذي بدا بوضوح أنهم عاجزون عن السيطرة عليه. لقد بحثوا عن أوهام، وهل من أوهام أفضل من مجلس الأمن. لم تعد هناك حاجة لتسجيل نصر عسكريّ على حزب الله. دعوا الأمم المتحدة تعلن وقف إطلاق النار، وفي إمكان أولمرت وبيريتز وليفني أن يعلنوا النصر ببساطة، سواء صدقناهم أم لا... فالحرب التي إدّعى زعماؤنا انها ستعيد تعزيز قدرة إسرائيل الرادعة، قد نجحت خلال شهر واحد بتدميرها» (3).
يقول آرينز الحقيقة: ففيما أثبتت إسرائيل بشكل متزايد أنها عاجزة عن تحقيق أي من الأهداف التي وضعتها لنفسها في بداية الحرب، بدأت تبحث عن مخرج. وبينما حاولت التعويض عن فشلها عبر تصعيد في الغضب الانتقامي والتدميري الذي أطلقته على لبنان، غيّر رعاتها الأميركيون موقفهم في الأمم المتحدة. وبعد كسب الوقت لمصلحة إسرائيل لمدة تزيد على ثلاثة أسابيع عبر منع أي محاولة لمناقشة أي قرار دولي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار ــ وهي إحدى أخطر حالات الشلل التي أصيبت بها المنظمة الدولية في سنواتها الواحدة والستين ــ قرّرت واشنطن مواصلة حرب إسرائيل عوضا عنها لكن بالوسائل الدبلوماسية.
وبعد تغيير موقفها، التقت واشنطن من جديد مع باريس حول قضية لبنان. والحال أن العاصمة الفرنسية، عبر سعيها بالتنافس مع الولايات المتحدة وراء الثروات السعودية، وبخاصة عن طريق بيع المعدات العسكرية للحكام السعوديين (4)، تعمد دائماً وبانتهازية إلى الوقوف في صف السعوديين كلما ظهرت بعض الاختلافات بين جدول أعمال واشنطن وهموم أقدم عملائها الشرق أوسطيين. وقد وفّرت الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان مثل هذه الفرصة لفرنسا: فبمجرد أن أثبت عدوان إسرائيل المجرم انه ضارّ من وجهة نظر العائلة الحاكمة السعودية التي ارتعبت من زعزعة الشرق الأوسط، وهو ما يعرّض مصالحها للخطر، طالب السعوديون بوقف الحرب والبحث عن حلول بديلة.
لقد سارعت باريس إلى الدفاع عن هذا الموقف، وتبعتها واشنطن لكن فقط بعد إعطاء العدوان الإسرائيلي مزيداً من الوقت من أجل محاولة تحقيق إنجاز عسكري يحفظ ماء الوجه. وقد وُزع مشروع القرار الأول الذي أعدّته العاصمتان الفرنسية والأميركية في أروقة الأمم المتحدة في 5 آب، وتضمن محاولة سافرة لاعتماد الطرق الدبلوماسية من أجل تحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكرياً. وبالرغم من إعلان مشروع القرار عن «دعمه القوي» لسيادة لبنان، فإنه طالب بفتح المطارات والمرافئ اللبنانية «لأغراض مدنية بحتة يمكن التحقق منها»، على أن يُفرض «حظر دولي على بيع أو توفير الأسلحة والعتاد العسكري للبنان باستثناء ما تسمح به حكومته»، أو بعبارة أخرى: فرض حصار على حزب الله.
لقد أعاد مشروع القرار الأميركي ــ الفرنسي الجديد التأكيد على القرار الدولي 1559، ودعا إلى إصدار قرار إضافي يتيح «بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، نشر قوة دولية بتفويض من المنظمة الدولية تساند القوات المسلحة والحكومة اللبنانية في توفير بيئة آمنة وتساهم في تنفيذ وقف النار الدائم، وإيجاد حل طويل الأمد». هذه الصيغة غامضة جداً لدرجة أن معناها الوحيد الممكن بالفعل هو نشر قوة دولية يحق لها شنّ العمليات العسكرية (الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة) من أجل تنفيذ القرار 1559 بالقوة، بالتعاون مع الجيش اللبناني. علاوة على ذلك، لا شيء في مشروع القرار يفرض على هذه القوّة البقاء جنوبي نهر الليطاني، وهي المنطقة التي يقضي مشروع القرار بأن تكون خالية من سلاح حزب الله، وقد طالبت بها إسرائيل بعدما فشلت في التخلص من حزب الله في باقي أرجاء لبنان. وذلك يعني أن القوة التابعة للأمم المتحدة كان بالامكان أن تُدعى للعمل ضد حزب الله في سائر أنحاء لبنان.
بيد أن الإنجازات الإسرائيلية على الأرض لم تكن كافية لتمرير مشروع القرار هذا، ولذلك لم يلق قبولاً. فقد عارضه حزب الله بقوة، وأوضح انه لن يقبل بأي قوة دولية غير قوات اليونيفيل المنتشرة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل (الخط الأزرق) منذ عام 1978. وقد أبلغت الحكومة اللبنانية معارضة حزب الله إلى المعنيين وطالبت بإجراء تعديلات على مشروع القرار، بدعم من الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة. ولم يبق لدى واشنطن أي خيار سوى مراجعة المشروع الذي ما كان مجلس الأمن ليقرّه بأية حال. وعلاوة على ذلك، فإن حليف واشنطن الرئيس الفرنسي جاك شيراك ــ الذي من المتوقّع أن تشارك بلاده بفاعلية في القوات الدولية وأن تقودها ــ أعلن قبل أسبوعين من انتهاء القتال أن نشر القوات الدولية مستحيل من دون الاتفاق المسبق مع حزب الله (5).
لذلك، أعيدت مراجعة المسودة والتفاوض حولها، في حين طالبت واشنطن إسرائيل بالتلويح بتنفيذ عملية برية كبرى والمباشرة فعلياً بهذه العملية كورقة ضغط تسمح لواشنطن بالتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن من وجهة نظرها. ومن أجل تسهيل الاتفاق على صيغة تؤدي إلى وقف النار الذي أصبح أمراً ملحّاً لأسباب إنسانية، وافق حزب الله على انتشار 15 ألف جندي لبناني جنوبي نهر الليطاني وتليين موقفه العام. وبذلك أصبح بالإمكان الدفع بالقرار 1701 قدماً داخل مجلس الأمن في 11 آب.
أما التنازل الأساسي الذي قدمته واشنطن وباريس، فكان التخلي عن مشروعهما القاضي بتشكيل قوة جديدة متعددة الجنسيات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فبدلاً من ذلك، سمح القرار «بزيادة تعداد قوات اليونيفيل إلى حد أقصى قدره 15000 جندي»، بما يعنيه ذلك من تجديد للقوة الدولية الحالية ومضاعفتها. غير أن الخدعة الرئيسية التي تضمّنها القرار تكمن في إعادة تعريف مهمة هذه القوة بما يخوّلها «مساعدة الجيش اللبناني على اتخاذ الخطوات اللازمة» من أجل «إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدّات أو أسلحة بخلاف ما يخص حكومة لبنان واليونيفيل». فاليونيفيل تستطيع الآن «اتخاذ جميع ما يلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها، وكما ترتئي في حدود قدراتها، لضمان ألاّ تُستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية من أي نوع».
والحال انه إذا ما دمجنا الصيغتين السابقتين فإنهما تشكلان نصاً قريباً جداً من تفويض بموجب الفصل السابع، أو على الأقل يمكن تفسيرهما على هذا النحو. بالإضافة إلى ذلك، فإن القرار 1701 وسّع نطاق مهمات اليونيفيل إلى خارج مناطق انتشارها كي تتمكن من «مساعدة حكومة لبنان بناء على طلبها» في جهودها لـ«تأمين حدوده (لبنان) وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو ما يتصل بها من عتاد إلى لبنان من دون موافقتها (الحكومة)» ــ وبالطبع ليس المقصود من هذه العبارة حدود لبنان مع إسرائيل بل حدوده مع سوريا التي تمتد على طول البلاد من الشمال إلى الجنوب.
هذه هي الفخاخ الرئيسية في القرار 1701 التي لا تكمن في النص المتعلق بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي تمحورت معظم التعليقات حوله، لأن انسحاب إسرائيل مرتبط بالقوة الرادعة لحزب الله لا بقرار الأمم المتحدة.
لقد قرّر حزب الله منح الضوء الأخضر للحكومة اللبنانية لتوافق على القرار 1701. فقد ألقى حسن نصرالله خطاباً في 12 آب أعلن خلاله قرار حزبه الموافقة على الانتشار العسكري الذي قررته الأمم المتحدة. وقد تضمّن هذا الخطاب تقويماً للوضع أكثر اتزاناً من خطاباته السابقة، واتسم بدرجة عالية من الحكمة السياسية. «اليوم، قال نصر الله، نحن أمام النتائج الطبيعية المعقولة والممكنة للصمود الكبير الذي عبّر عنه اللبنانيون من خلال المواقع المختلفة». هذا الاتزان كان ضرورياً، لأن أي ادعاء متبجح بالنصر ــ مثل الذي عبر عنه على نحو رخيص داعمو حزب الله في طهران ودمشق ــ كان سيتطلب من نصرالله أن يضيف، كما فعل الملك اليوناني برّيس Pyrrhus: «نصر آخر كهذا وأعتبر نفسي منتهياً». غير أن زعيم حزب الله رفض بحكمة، ووضوح، الدخول في سجال حول قراءة نتائج الحرب، مشدداً على أن «أولويتنا الحقيقية» تكمن في وقف العدوان واستعادة الأرض المحتلة و«تحقيق الأمن والاستقرار في بلدنا، وعودة المهجرين والنازحين».
لقد حدد نصرالله الموقف العملي لحزبه كما يلي: الالتزام بوقف النار، التعاون الكامل مع «كلّ ما يمكن أن يسهّل عودة أهلنا النازحين والمهجّرين إلى ديارهم، وإلى بيوتهم، وكلّ ما يمكن أن يسهّل الأعمال الانسانية والإغاثية». وفي الوقت نفسه، أعرب نصرالله عن استعداد حزبه لمواصلة نضاله المشروع ضد الجيش الإسرائيلي إذا ما بقي جندي واحد على الأرض اللبنانية، غير أنه دعا إلى احترام تفاهم نيسان 1996 الذي بموجبه يجري حصر العمليات على الجانبين اللبناني والإسرائيلي بالأهداف العسكرية ويتم خلالها تحييد المدنيين. وفي هذا الصدد، شدد نصرالله على ان حزبه عمد إلى قصف شمال إسرائيل ردّاً على الغارات الإسرائيلية على لبنان بعد 12 تموز، لافتاً إلى ان إسرائيل هي التي يجب أن تلام لأن حربها استهدفت المدنيين في المقام الأول.
لقد اتخذ نصرالله موقفاً من القرار 1701 أفضل ما يمكن القول فيه أنه موافقة على القرار مع الكثير من التحفظات بانتظار التحقق من ذلك عبر التطبيق العملي. فقد أعرب نصرالله عن احتجاجه على ظلم القرار الذي يمتنع في مقدمته عن إدانة العدوان الإسرائيلي وجرائم الحرب الإسرائيلية، غير أنه أضاف ان القرار كان سيتضمن أموراً أسوأ بكثير لولا الجهود الديبلوماسية التي منعت ذلك، معرباً عن تقديره لهذه الجهود.
ان النقطة الرئيسة في كلام نصرالله كانت تشديده على حقيقة أن حزب الله يرى أن بعض المسائل التي يتطرق إليها القرار هي شؤون لبنانية داخلية يجب أن تناقش وتعالج من اللبنانيين أنفسهم ــ بالإضافة إلى تسليطه الضوء على الوحدة الوطنية اللبنانية والتضامن الشعبي.
إن موقف نصرالله هذا يعدّ الأكثر صحة على الإطلاق في هذه الظروف، فقد كان المطلوب من حزب الله تقديم تنازلات لتسهيل عملية إنهاء الحرب. وبما أن لبنان كله وقع رهينة بيد إسرائيل، فإن أي موقف غير حكيم كان سيترك تداعيات إنسانية مرعبة تضاف إلى النتائج السيئة للغضب الإسرائيلي التدميري والإجرامي. وقد أدرك حزب الله جيداً أن المسألة الأهم ليست مضمون قرار مجلس الأمن بحد ذاته، بل تكمن الأهمية في التفسير والتطبيق، لذلك فإن الأساس مرتبط بموازين القوى وبالوضع على الأرض. أما تبجّح جورج بوش وإيهود أولمرت بإحراز النصر الذي تجسد في القرار 1701 حسب زعمهما، فيكفي إيراد مقطع من المقالة التي ذكرناها سابقاً للوزير الإسرائيلي السابق موشيه آرينز والتي تضمنت نوعاً من الرد الاستباقي:
«ان الخطاب المناسب بدأ يتلاشى. فماذا لو رأى العالم أجمع أن هذا الترتيب الدبلوماسي ــ الذي وافقت عليه إسرائيل خلال تلقّيها جرعات يومية من صواريخ حزب الله ــ هو هزيمة تتكبدها إسرائيل على أيدي بضعة آلاف من مقاتلي حزب الله؟ وماذا إذا لم يصدق أحد أن قوة اليونيفيل المعززة ستنزع سلاح حزب الله. وأن هذا الحزب الذي ما زال يملك آلاف الصواريخ في ترسانته، والذي سيتعزز موقعه حقاً بفعل النجاح الذي حققه هذا الشهر على جبروت قوات الدفاع الإسرائيلية، هذا الحزب سيتحول إلى شريك في السلام؟».
ان الاستمرار الفعلي للحرب «بأساليب أخرى» قد بدأت تلوح علاماته بالكامل في لبنان. فثمة أربع مسائل رئيسية يدور الصراع حولها وسنوردها هنا بترتيب معاكس لأولوياتها. المسألة الأولى، على المستوى اللبناني الداخلي، هي مصير الحكومة. فالأكثرية البرلمانية الحالية نتجت من انتخابات فاسدة بفعل قانون انتخابي مشوِّه كان قد فرضه النظام السابق الذي كان خاضعاً للهيمنة السورية. ومن تداعيات هذه الانتخابات الخلل الذي شاب التمثيل المسيحي، حيث لم يحصل الجنرال ميشال عون على نسبة تمثيل تعبّر حقاً عن شعبيته، علماً أنه دخل في تحالف مع حزب الله بعد الانتخابات.
بالإضافة إلى ذلك، أثّرت الحرب الأخيرة عميقاً في المزاج السياسي للشعب اللبناني، وغدت صدقية الأكثرية النيابية الحالية موضوع جدل على نطاق واسع.
بالطبع إن أي تغيير في الحكومة لمصلحة حزب الله وحلفائه من شأنه أن يغير جذرياً معنى القرار 1701، إذ ان تفسير هذا القرار يعتمد كثيراً على موقف الحكومة اللبنانية. إلاّ أن مصدر القلق الرئيسي في هذا الصدد هو كيفية تفادي أي انزلاق نحو حرب أهلية متجددة في لبنان: هذا تحديداً ما تبادر إلى ذهن حسن نصرالله حين شدّد على أهمية الوحدة الوطنية.
المسألة الثانية، على المستوى الداخلي اللبناني أيضاً، هي جهود إعادة الإعمار. فالحريري وداعموه السعوديون كانوا قد بنوا نفوذهم السياسي في لبنان عبر السيطرة على عملية إعادة الإعمار بعد الحرب اللبنانية التي دامت 15 عاماً وانتهت في العام 1990. غير أن هؤلاء سيواجهون اليوم منافسة شديدة من حزب الله الذي تقف وراءه إيران ويستفيد من علاقته الوثيقة بالشيعة في لبنان الذين مثّلوا الهدف الأول لحرب إسرائيل الثأرية. وقد كتب المحلل العسكري الإسرائيلي البارز في صحيفة «هآرتس» زئيف شيف أن «الكثير أيضاً يعتمد على الطرف الذي سيساعد في عملية إعادة إعمار جنوب لبنان. إذا كان حزب الله هو من سيقوم بذلك، فهذا يعني أن الشيعة في الجنوب سيكونون مدينين لطهران. وهذا ما يجب تفاديه.» (6). هذه الرسالة وصلت بصوت عالٍ وواضح إلى واشنطن والرياض وبيروت، كما أن مقالات بارزة في الصحافة الأميركية حذّرت من الأمر ذاته.
المسألة الثالثة، هي بالتأكيد نزع سلاح حزب الله في المنطقة المحدّدة في جنوب لبنان حيث سينتشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل المعزّزة. والحقيقة أن أقصى ما يمكن أن يقدمه حزب الله في هذا الصدد هو إخفاء أسلحته جنوبي نهر الليطاني، مما يعني التوقف عن إظهاره هذه الأسلحة وتخزينها في مخابئ سرية. فإن أية خطوة تتعدى ذلك، ناهيكم بنزع شامل لأسلحة حزب الله على نطاق لبنان بأسره، مرتبطة بالنسبة إلى المنظمة بسلّة من الشروط التي تبدأ بتحرير مزارع شبعا المحتلة عام 1967 وتنتهي بقيام حكومة وجيش قادرين ومصممين على الدفاع عن سيادة لبنان في مواجهة إسرائيل. من هنا فإن هذه المسألة تعدّ المشكلة الرئيسة التي قد تعرقل تطبيق القرار 1701 لأن ما من دولة على وجه الأرض مستعدة لنزع سلاح حزب الله بالقوة، وهي مهمة أخفق في تحقيقها أكثر الجيوش تطوراً في الشرق الأوسط وإحدى القوى العسكرية الكبرى في العالم. وهذا يعني أن أي انتشار جنوبي الليطاني، سواء للجيش اللبناني أو للقوة الدولية، سيُضطر إلى القبول بعرض حزب الله مع أو من دون خداع.
أما المسألة الرابعة، فهي مسألة تشكيلة قوات اليونيفيل الجديدة ونواياها. وقد كانت خطة واشنطن وباريس الأصلية تقضي بأن يتكرر في لبنان ما يجري في أفغانستان حيث تقوم قوات حلف شمالي الأطلسي، التي تستتر بورقة تين الأمم المتحدة، بخوض حرب واشنطن. لكن صمود حزب الله على المستويين العسكري والسياسي أحبط هذه الخطة. فالعاصمتان الفرنسية والأميركية اعتقدتا أنهما قادرتان على تنفيذ خطتهما لكن بصيغة مبطنة وتدريجية، إلى أن تلائم الظروف اللبنانية قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) وحلفائهما المحليين لمواجهة حزب الله. والحقيقة هي أن الدول التي كان من المتوقع أن ترسل العناصر الأساسية هي أعضاء حلف شمالي الأطلسي: فضلا عن فرنسا، تستعد إيطاليا وتركيا للمشاركة، في حين أن ألمانيا وإسبانيا تتعرّضان للضغط كي توافقا على إرسال قوات. لكن لا يمكن خداع حزب الله الذي شرع في إقناع فرنسا بالعدول عن تنفيذ خطتها الرامية إلى إرسال نخبة قواتها القتالية مدعومة بحاملة الطائرات الفرنسية الوحيدة المتواجدة بالقرب من الشواطئ اللبنانية.
وفي المسألة الأخيرة، تستطيع الحركات المناهضة للحرب داخل دول الناتو أن تساعد كثيراً في دعم نضال المقاومة الوطنية اللبنانية ودفع السلام في لبنان قدماً، عبر التعبئة ضد إرسال قوات حلف شمالي الأطلسي إلى لبنان، وبالتالي المساهمة في منع حكوماتها من محاولة القيام بالأعمال القذرة نيابة عن واشنطن وتل أبيب. فما يحتاج إليه لبنان هو وجود قوات حفظ سلام حيادية حقاً على حدوده الجنوبية، وفوق كل ذلك إنه في حاجة إلى أن يُسمح لشعبه بأن يعالج مشاكله الداخلية بمفرده عبر الوسائل السياسية السلمية. أما الطرق الأخرى فتقود إلى اندلاع حرب أهلية لبنانية من جديد في وقت يعيش فيه الشرق الأوسط والعالم بأسره أوقاتاً عصيبة بسبب الحرب الأهلية التي أشعلتها الولايات المتحدة في العراق وعمدت إلى تغذيتها.
16 آب(غشت) 2006