(نُشر هذا المقال على حلقتين في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 7 و 8 أيلول 2006 تحت العنوان ذاته في ترجمة عن الإنكليزية لم يراجعها الكاتب. أما المقال الوارد هنا فقد راجع الكاتب تعريبه بالكامل.)
]المقتطفات التالية مأخوذة من خاتمة كتاب "قوة خطيرة: الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية" الذي كتبه نعوم تشومسكي وجلبير الأشقر، وأشرف عليه ستيفن شالوم. و سيصدر الكتاب بالإنكليزية في أيلول 2006 وهو قيد الترجمة إلى لغات عديدة. وقد أنجزت الخاتمة في 20 تموز الماضي.[
س: شهد العراق في الأشهر الأخيرة تصاعداً وتمدداً للاعتداءات المذهبية. فكيف تقيّم تطوّر الوضع العراقي؟ وبشكل خاص، هل تظن ان حرباً أهلية قد اندلعت؟ وهل تعتقد ان الفوضى المذهبية تستدعي إطالة أمد بقاء القوات الأميركية في هذا البلد؟
جلبير الأشقر: لقد تدهور الوضع العراقي خلال الأشهر الستة الماضية على نحو مخيف حقاً، وقد سار هذا البلد نحو تحقيق السيناريو الأسوأ بالنسبة إلى العراقيين، ولكنه ليس الأسوأ بالضرورة بالنسبة إلى واشنطن كما سوف أشرح.
لم تخدم نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية في كانون الأول 2005 الخطط الأميركية في العراق. وقد أظهرت النتائج الرسمية ان "الائتلاف العراقي الموحّد" حصل على الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان (128 مقعداً من أصل 275)، مع أنه لم يحظ بالغالبية المطلقة التي سبق وحصل عليها في المجلس السابق. وقد كان هذا الأمر متوقعاً حيث أن نتيجة انتخابات كانون الثاني 2005 كانت جد استثنائية بعد أن قاطعها العرب السنة. والواقع أن خسارة الائتلاف 12 مقعداً في البرلمان كان وقعها أسهل بالتأكيد من خسارة "الائتلاف الكردي" 22 مقعداً، فيما تراجعت اللائحة التي يرأسها وكيل واشنطن إياد علاوي بشكل كبير ولم تحصل سوى على 25 مقعداً بعد أن كانت حصلت على 40 مقعداً في السابق، الأمر الذي اعتبر فشلا.
ومن العبر التي يمكن استخلاصها من هذه النتائج انه لو وافق أي من الائتلافين "السنيّين" ـ سواء أكانت "جبهة الوفاق العراقية" (44 مقعداً) وهي عبارة عن ائتلاف بين الحزب الإسلامي (أي الجناح "المعتدل" في جماعة "الأخوان المسلمين") والقوى القبلية العربية السنيّة التقليدية، أو حتى "جبهة الحوار الوطني العراقي" منفردة (11 مقعداً) وهي كناية عن ائتلاف قومي عربي يضم بعثيين سابقين وآخرين حاليين يرفضون قيادة صدام حسين ـ لو وافق أي منهما على إقامة تحالف مع "الائتلاف العراقي الموحّد"، لكانوا ضمنوا سوية غالبية مطلقة في البرلمان العراقي. فكل ما كان يحتاج إليه الائتلاف للحصول على هذه الغالبية هو 10 أصوات وربما أقل إذا أخذنا في الحسبان المقعدين اللذين فازت بهما مجموعة شيعية مقربة من الصدريين، والتي ما لبثت أن انضمت إلى "الائتلاف العراقي الموحّد".
والحقيقة هي انه كان يمكن لكتلة موسّعة كهذه تضم عدة مذاهب وطوائف أن تواجه الضغط السياسي الذي تفرضه واشنطن من خلال حلفائها الأكراد ومجموعة علاوي وأي طرف آخر ينضم إليهم.
ولكن تبين أن الائتلافين "السنيّين" أكثر اهتماماً بالتواصل مع واشنطن ظناً منهما ان الحصول على دعم الولايات المتحدة في مواجهة "الائتلاف العراقي الموحّد" الشيعي سيجعلهما في وضع أفضل مما قد يحصلا عليه في حلف مع الائتلاف. فقد كانا إذاً في حماسة لممارسة لعبة سياسية مذهبية حقيرة بدلاً من العمل على تسريع وتيرة التحرر الوطني من الاحتلال. من جهة أخرى، يعتبر عدد كبير من العرب السنّة أن هيمنة إيران على العراق ـ التي يرون أنها تستخدم "الائتلاف العراقي الموحّد" أداة لها ـ تشكل تهديداً أكبر على العراق من الهيمنة الأميركية، وهو ما يبرّر سياسياً هذا النوع من السلوك في نظرهم.
لقد دخل الائتلافان البرلمانيان العربيان السنيّان في تحالف مع إياد علاوي من أجل رفض النتائج الانتخابية. وفي شهر كانون الثاني الماضي، كان لي تعليق (أي جلبير الأشقر) مفاده أن اعتراضاتهم على نتائج الانتخابات لم تكن صادقة وإنما كان الهدف منها ابتزاز "الائتلاف العراقي الموحّد" سياسياً. فما جرى بعد ذلك الحين أثبت ان تقييمي كان في محلّه: فعندما حصلت الائتلافات السنيّة ـ ومعها السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاده ـ على ما تريده في ما يتعلق بالحكومة، توقفوا عن إبداء التذمّر مما وصفوه بـ"التلاعب بنتائج الانتخابات".
وفي تلك الأثناء، شهد العراق صراعات سياسية عنيفة بين الكثير من القوى. وقد كان التنافس الأكبر بين "الائتلاف العراقي الموحّد" المدعوم من إيران من جهة، وائتلاف موسّع يضم "التحالف الكردي" والأحزاب "السنيّة" التي خاضت الانتخابات وكتلة علاوي مدعومين من خليل زاده من الجهة الأخرى، وقد لقوا الدعم أيضاً من عدد من الزوار الأميركيين رفيعي المستوى الذين أدلوا بتصريحات خبيثة يصرون فيها على ضرورة منح العرب السنّة حصة هامة في السلطة. وكما حصل بعد انتخابات كانون الثاني 2005، لم تحاول إدارة بوش أن تفرض شروطها على "الائتلاف العراقي الموحّد" فحسب وإنما سعت أيضاًً لفرض مشاركة علاوي في الحكومة، بالرغم من الخط الأحمر الذي وضعه كل من إيران والائتلاف الموحّد. لكن واشنطن وافقت في النهاية على التراجع حول هذه النقطة الأخيرة لكن فقط بعد أن نجحت في التخلص من المرشح الذي سماه "الائتلاف العراقي الموحّد" لرئاسة أول حكومة عراقية "عادية" وفقاً للدستور جديد ـ أي الرجل نفسه الذي ترأس الحكومة العراقية المؤقتة في ظل المجلس التأسيسي: إبراهيم الجعفري.
أما الصراع الكبير الثاني فدار داخل "الائتلاف العراقي الموحّد" نفسه الذي يضم كتلتين كبيرتين: "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" من جهة وأتباع مقتدى الصدر من جهة أخرى. وقد سعى المجلس الأعلى للحصول على رئاسة الوزراء وإيكالها لرجله عادل عبد المهدي، وهو ماوي سابق (أتباع ماو تسي تونغ) تحول ليصبح أصولياً إسلامياً ونيوليبرالياً في الوقت عينه. وعلى الرغم من ان "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" هو أقرب المجموعات العراقية إلى إيران، وعلى الرغم من تأييده لقيام دولة فيدرالية في جنوب العراق، وهي فكرة غير محبذة من قبل الولايات المتحدة (ومرفوضة من قبل جميع القوى العراقية العربية الأخرى ومن بينها أتباع مقتدى الصدر)، دعمت واشنطن عادل عبد المهدي أملاً منها في أن يساعد هذا الأخير أميركا في بسط سيطرتها على النفط العراقي تحت شعار الأسواق الحرة والمفتوحة. من جهته، كان خليل زاده، المهووس بتقليص نفوذ مقتدى الصدر، يحاول بأسلوبه الخاص أن يسعر الخلافات داخل "الائتلاف العراقي الموحّد". أما الصدر فدعم بقوة صديقه زعيم حزب الدعوة إبراهيم الجعفري الذي كان يرى انه الأقرب إلى مواقفه السياسية (1) والأكثر تجاوبا معه.
وكان من المقدّر أن تنشأ توترات بين الفريقين، لكن طهران ـ التي دعت مقتدى الصدر لزيارتها بعد الانتخابات الأخيرة ـ كانت بالتأكيد عاملاً رئيسياً في الحؤول دون تفكك "الائتلاف العراقي الموحّد" فحثت "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" على اعتبار وحدة "الائتلاف العراقي الموحّد" أولوية مطلقة. بذلك، تم اختيار مرشح الائتلاف الموحّد لرئاسة الوزراء في عملية ديمقراطية عبر التصويت داخل الائتلاف، ما أعطى غالبية ضئيلة للجعفري. وقد عمد "مروجو الديمقراطية" الأميركيون إلى بذل أقصى الجهود لعرقلة الآلية الدستورية: ففي الحالة الطبيعية، كانت الجمعية لتلتئم وتنتخب رئيساً يفترض أن يسمي مرشح الكتلة الأكبر في البرلمان ـ أي الجعفري في هذه الحال ـ كي يحاول تشكيل حكومة. وهذا الموقع كان سيفسح المجال أمام الجعفري للمناورة بين الكتل الأخرى علّه ينجح في كسب عدد كاف من النواب العرب السنّة، عدد يضمن له غالبية برلمانية، بحيث يجبر "التحالف الكردي" على المشاركة إذا كان لا يريد البقاء خارج الحكومة.
من الواضح ان سيناريو من هذا النوع لم يكن مقبولا على الإطلاق في واشنطن: والنتيجة كانت وضعاً متوتراً وشديد الخطورة إلى أن تم التوصل إلى تسوية أدت بالجعفري بأن يرتضي باستبداله بالرجل الثاني في حزب الدعوة أي نوري المالكي. وقد تم تصوير هذا الأخير على انه أقل قرباً من إيران وأكثر مرونة وإذعاناً من الجعفري. والحقيقة ان المالكي يبدو أكثر خنوعاً من الجعفري في علاقته مع الولايات المتحدة. بيد أن الاختلاف بين الرجلين، زعيمي الحزب عينه، لم يكن بحيث يبرر فرحة واشنطن ولندن بعد تعيين المالكي كما لو ان علاوي نفسه هو من أعيد تعيينه مرة جديدة رئيساً لحكومة العراق.
غير أن هذا الوضع برمته شكل نكسة لمقتدى الصدر. وكما سبق لي أن ذكرت، حاول الصدر كثيراً إقناع المجموعات العربية السنيّة البرلمانية وغير البرلمانية بالانضمام إلى تحالف مناهض للاحتلال، لكنه فشل فشلاً ذريعاً: فقد رفضت المجموعات البرلمانية العربية السنيّة عروضه والتزمت بتحالفاتها مع الأحزاب الكردية ومع سفير واشنطن في العراق. أما "هيئة العلماء المسلمين" المقربة جداً من المتمردين العرب السنّة فقد خيبت أمل الصدر بشدة: لم يتمكن من دفعها إلى إدانة الزرقاوي وتنظيم "القاعدة" في العراق على نحو حاسم (حتى ان الصدر طلب من الهيئة تكفير مجموعة الزرقاوي). وكذلك شكّل موقف الصدر الجذري في معاداته للبعثيين عائقا آخر في علاقاته مع القوميين العرب السنّة. وقد أبدى تبّرماً من كون المجموعات السنيّة، التي اقترب منها قبل انتخابات كانون الأول، لم توقع على "ميثاق الشرف" الذي وضعه.
أما الضربة الكبرى الثانية التي أصابت الاستراتيجية الصدرية الرامية إلى محاولة بناء تحالف مناهض للولايات المتحدة مع القوى العربية السنّية المعارضة للاحتلال، فكانت الحدث الأكثر إسهاماً في تأجيج التوتر المذهبي بين العرب الشيعة والعرب السنّة في العراق. وهذا الحدث هو بالطبع الهجوم الذي استهدف مرقد الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في سامراء في 22 شباط 2006. فهذا الهجوم أدى إلى ردود انتقامية واسعة النطاق من مقاتلين شيعة غاضبين من السلسلة اللامتناهية من الاعتداءات المذهبية الدموية التي استهدفت الطائفة الشيعية منذ بداية الاحتلال.
وعلى ما يبدو فإن "جيش المهدي" التابع للصدر متورط جداً في هذه العمليات الانتقامية، غير أن ذلك لا يعني ان الصدر هو الذي منحه الضوء الأخضر، بل على العكس، فمثل معظم الزعماء الشيعة، حاول الصدر وسعه لتهدئة النفوس، لكنّ الميليشيا التابعة له أقل مركزية من ميليشيا بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وقد استجاب الصدريون لغرائزهم قبل أن ينظروا في أي خيار آخر وقبل أن ينصتوا إلى صوت الحكمة السياسية.
على أية حال، فقد تم استغلال هذه الأحداث الأليمة بشكل كبير من قبل ائتلاف غريب من القوى ـ جمع أصدقاء أميركا والسلفيين السنّة أنصار الزرقاوي والبعثيين الصداميين ـ وذلك من أجل تشويه صورة مقتدى الصدر في أوساط العرب السنّة والقضاء على أي "جاذبية" كان يحظى بها نتيجة مواقفه المعارضة للاحتلال والمستقلة عن إيران. وهكذا تهدّمت الخطوات السياسية التي كان قد حققها الصدر خلال المرحلة السابقة من حيث النفوذ والتأثير على القاعدة العراقية العربية (السنّية والشيعية على حد سواء)، مثلما دمّرت القبة الذهبية لمرقد الإمامين في سامراء. صحيح أن الصدر ما زال يتمتع بنفوذ عظيم في الوسط الشيعي، داخل الشرائح المحرومة بالأخص، وهذا النفوذ قد ضاعفه الدور الذي لعبه "جيش المهدي" في تجسيد الجناح العسكري للطائفة الشيعية أكثر من أي مجموعة أخرى. إلاّ ان الحقيقة الراسخة هي ان الصدر بات اليوم أبعد من أن يفرض نفسه زعيماً للقوميين العرب الشيعة والسنّة مما كان من قبل، خصوصاً إثر المواجهات التي خاضها ضد قوات الاحتلال في العام 2004.
رغم كل هذه التطورات، لم يسقط العراق بعد في أتون الحرب الأهلية الكاملة والشاملة. فإن ما صنفته قبل عام على أنه "حرب أهلية منخفضة الحدة" (2) لم تتوقف حدتها عن التنامي خلال سنة 2005 وبداية الـ2006 أي قبل الانفجار المذهبي المفاجئ والأكثر خطورة الذي تسبب به هجوم سامراء. غير أني إذا ما عدت إلى تجربتي الخاصة في لبنان، يمكنني القول ان هناك عنصرين لا يزالان حتى الآن يقفان حائلاً دون تطور الوضع الحالي في العراق إلى حرب أهلية شاملة وكاملة: العامل الأول هو بقاء الحكومة العراقية الموحدة ووجود قوات مسلحة عراقية موحدة ـ على الأقل حتى الآن: أما في لبنان فقد كان تفكك الحكومة في بداية العام 76 وانقسام الجيش اللبناني هما الدافع إلى أتون الحرب الأهلية الشاملة. العامل الثاني هو انتشار قوات مسلحة أجنبية تلعب دور الرادع والحكم تماماً مثل الدور الذي كان يضطلع به الجيش السوري ـ ولكن على نحو متقطع ـ في لبنان منذ العام 1976.
المقصود هنا هو الإشارة إلى ما ألمحت إليه سابقاً، وهو أن انزلاق العراق إلى السيناريو الأكثر سوءاً بالنسبة إلى شعبه لا يشكل بالضرورة السيناريو الأسوأ بالنسبة إلى واشنطن. ففي الواقع ان معظم ما شهده العراق خلال الأشهر الأخيرة، باستثناء ما يروّج حول السلوك الإجرامي للقوات الأميركية، قد جاء مناسباً للمخططات الأميركية. فالارتفاع الشديد في حدة التوتر المذهبي في العراق فضلاً عن فشل مشروع مقتدى الصدر صبّا في مصلحة واشنطن بكل وضوح.
ولطالما حذرت مع آخرين عديدين من أن الورقة الرابحة الوحيدة في يد واشنطن ستكون النعرات المذهبية والعرقية بين العراقيين التي تستغلها إدارة بوش على نحو شديد الوقاحة ووفقاً لأكثر الوصفات الإمبريالية قدماً وهي "فرّق تسد". وهذه الوصفة هي التي بذل "الولاة" الأميركيون على العراق من بول بريمر إلى خليل زاده كل جهودهم لتحقيقها والاستفادة منها.
من هذا المنظار فإن تأجيج أو تصاعد التوتر المذهبي في العراق هو نعمة إلهية في نظر واشنطن، حتى ان عدداً كبيراً من العراقيين يشتبهون بأن تكون أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية هي التي تقف وراء أسوأ الاعتداءات المذهبية التي تشهدها البلاد. لاحظ كيف أن الاحتلال يبدو "مشرّعاً" الآن لأن عدداً كبيراً من العرب السنّة في مناطق عراقية مختلطة من الذين يشعرون بالقلق، يطالبون بوجود قوات أجنبية لضمان أمنهم لأنهم لا يثقون مطلقاً بالقوات العراقية المسلحة (3). والمفارقة ان العرب السنّة كانوا وما زالوا القاعدة الرئيسية لحركة التمرد المسلحة ضد الاحتلال ـ ولكنهم ليسوا القاعدة الوحيدة: فقد تصاعدت وتيرة الأعمال العسكرية المناهضة للاحتلال في جنوب العراق، غير أن هذا التطور بالكاد ما تشير إليه وسائل الإعلام الغربية أو حتى العربية.
غير أن واشنطن تلعب بالنار: فالنزاع المذهبي لا يناسب مخططاتها إلاّ إذا بقي ضمن حدود معينة، إذ ليس في مصلحة واشنطن أن ينقسم العراق إلى ثلاثة أجزاء مستقلة مثلما يروّج بوقاحة بعض "الخبراء" المزعومين في وسائل الإعلام الأميركية، هذا التقسيم الذي يعتقد المحافظون الجدد وأصدقاؤهم أنه سيكون ثاني أفضل نتيجة تحققها الحرب إذا ما أخفقت واشنطن في إحكام سيطرتها الكاملة على عراق موحد. لكن مثل هذا الأمر لن يشكل وصفة لحرب أهلية طويلة الأمد فحسب بل من شأنه أن يجعل السيطرة الأميركية على منابع النفط العراقية الواقعة في الجنوب ذات الغالبية الشيعية، أمراً أصعب. لذلك فإن مصلحة واشنطن تقتضي تسعير التوتر المذهبي إلى مستوى يمكن السيطرة عليه ويستطيع أن يخدم شعار "فرّق تسد"، من دون السماح لهذا التوتر بالخروج عن السيطرة والتطور إلى حرب أهلية خطيرة. فإن قيام عراق فيدرالي ذات حكومة مركزية هشة لا يتناسب مع هذا السيناريو، إلاّ إذا تم قبوله من اللاعبين العراقيين الرئيسيين (وهو أمر صعب جداً). أما تشظي العراق وانقسامه فقد يتحول إلى كارثة خصوصاً إذا ما أدى إلى إطلاق دينامية إقليمية خطيرة. (فلنتصور ماذا سيحل بالمنطقة الشرقية في المملكة السعودية ذات الغالبية الشيعية حيث تقع معظم منابع النفط).
وإذا ما شبه أحد اليوم القوات الأميركية في العراق برجال الإطفاء، فلا يسعنا القول إلاّ أن من يقودهم هي مجموعة خطيرة من مشعلي الحرائق! فمنذ الأيام الأولى للاحتلال، تدهور الوضع في العراق بشكل مضطرد: هذه هي الحقيقة الأكيدة التي لا يمكن أن ينفيها أحد سوى أولئك المنافقين الوقحين في واشنطن الذين يصرون على ان الوضع في تحسن مستمر بالرغم من الأدّلة الفاقعة التي تثبت عكس ذلك.
في الواقع ان العراق عالق في حلقة مفرغة: فالاحتلال يغذي التمرّد الذي بدوره يؤجج التوتر المذهبي الذي يجهد "ولاة" لتسعيره بوسائل سياسية، وهذا التوتر يستخدم بدوره لتبرير استمرار الاحتلال. لا بد من الإشارة هنا إلى ان الأسلوب الأحدث الذي استخدمته سلطات الاحتلال الأميركي لصبّ الزيت على النار العراقية، هو، بحسب مصادر شيعية، مساعدتها للحزب الإسلامي ـ المجموعة العراقية العربية السنّية المقربة من واشنطن ومن السعوديين ـ لتشكيل جناح مسلح بدأ بلعب دوراً في التوتر المذهبي.
ليس هناك سبيل للخروج من هذه الحلقة المفرغة الحارقة سوى الإعلان فوراً عن انسحاب كامل وغير مشروط للقوات الأميركية، وهذه الخطوة ستكون حاسمة باتجاه إخماد النار العراقية. فمن شأنها التخفيف من حدة التمرّد السنّي الذي تعهدت "هيئة العلماء المسلمين" بدعوته إلى التوقف حالما يتم الإعلان عن جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال. كما ستساهم هذه الخطوة في تقليص أجواء التوتر المذهبي حيث يضطر العراقيون إلى التفكير جدياً بمستقبلهم ويشعرون بحاجة ماسة إلى التوصل إلى صيغة للتعايش السلمي. وإذا ما استنتجوا بأنهم بحاجة إلى وجود أجنبي لفترة وجيزة من أجل مساعدتهم على إعادة إحلال النظام والمباشرة بعملية إعادة إعمار حقيقية، فيجب ألا يكون هذا الوجود مؤلفا من قوات تنتمي إلى دول لديها مطامع للسيطرة على العراق بل أن تكون قوة مرّحب بها من جميع فئات الشعب العراقي على أنها ستقدم مساعدة ودية بعيداً عن المصالح الخاصة.
ملاحظات
1ـ وافق الجعفري من دون تحفظ على "ميثاق الشرف" الذي حاول الصدر أن يحث غالبية القوى العراقية المستقلة عن واشنطن على توقيعه قبل الانتخابات الأخيرة.
2ـ "إن الأمل الوحيد بتفادي الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة وتدميرية ـ إذا ما اغتيل السيستاني مثلاً ـ ليس وجود القوات الأميركية بل نجاح القوى المشاركة في العملية السياسية، أي غير المتورطة في الحرب الأهلية "المنخفضة الحدة" الدائرة اليوم في العراق، في السيطرة على أنصارها وكبح جماح غضبهم وذلك عبر التأكيد لهم بأن منفذي هذه الاعتداءات هم إما البعثيون أو أتباع الزرقاوي الذين يطمحون إلى إشعال حرب أهلية، وأن الرد الأفضل عليهم يكون بالوفاء لإصرار السيستاني على ضرورة تفادي أي نوع من الحرب المذهبية." أنظر الأشقر: "في صدد اقتراحات كول حول انسحاب القوات الأميركية البرية"، نشرت في 23 آب 2005 على موقع خوان كول على الأنترنت تحديداً على الرابط التالي: http://www.juancole.com/2005/08/achcar-on-cole-proposals-for.html
وعلى موقع ZNet على الرابط التالي: http://www.zmag.org/content/showarticle.cfm?ItemID=8563
3ـ هذا التحليل أكده إدوارد وونغ ودكستر فيلكنز في مقالتهما التي نشرت في "نيويورك تايمز" في 17 تموز 2006 تحت عنوان "في تغيير مفاجئ، السنّة يرغبون في بقاء الأميركيين في العراق".
عنوان إليكتروني إدارة
جريدة المناضل-ة: mounadil_new(a)yahoo.fr عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info B.P 1378, Agadir , MAROC الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41 الفاكس:
Fax
(00212)48.21.00.14
صمم هذا الموقع بمساعدة SPIP،
يستعمل برمجة PHP و MYSQL جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها