جريدة عمّالية، نسوية، شبيبية، أممية (المغرب Morocco)

الإيداع القانوني: 214/04    

مقالات حسب...

  الكاتب-ة
  المحور
  البلد
  المدينة
 
 

 

حريق معمل كروسينغ بالحي الصناعي مولاي رشيد بالدار البيضاء

 كارثة مخاطر الشغل وعزم المستفيدين منها على قضم ما تبقى من تعويض للأجراء


الثلاثاء 12 كانون الأول (ديسمبر) 2006
المناضل-ة عدد: 14

محمود جديد

فظائع أرباب العمل الإجرامية

حلت الفاجعة بعمال وعاملات شركة كروسينغ بالحي الصناعي مولاي رشيد بالدار البيضاء يوم 28 سبتمبر 2006 ، لتبسط من جديد أمام الأنظار الواقع المرير لظروف العمل بالقطاع الصناعي، لاسيما فرعه الأكثر تشغيلا لليد العاملة، قطاع النسيج والألبسة، ولتكشف جانبا من جرائم برجوازية المغرب ودولتها التي تسترخص حياة العمال والعاملات لتضخيم أرباح أقلية طفيلية.
فحوالي الساعة الواحدة بعد زوال ذلك اليوم شب حريق بالمعمل الذي يشغل زهاء 400 عامل وعاملة في صناعة الألبسة الجاهزة للتصدير، هذا عندما كانت شاحنة ذات صهريج تزود جهاز التسخين بالغاز. أدى الحريق إلى موت عاملة حامل وإصابة 65 آخرين بجراح متفاوتة الخطورة، نقل منهم 39 إلى المستشفى، 6 مصابون بحروق، وواحد بجروح نتيجة التدافع الناتج عن الهلع، كما اصيب 32 آخرون بإغماء بفعل استنشاق دخان الحريق المتسرب إلى طوابق البناية. وكانت حالة اثنين من الأربعة المحتفظ بهم بقسم الطوارئ بمستشفى بن رشد خطيرة. وكانت الكارثة مقبلة على التعاظم لو انفجر جهاز التسخين، حيث ستشمل البناية كلها وهي تأوي، علاوة على شركة كروسينغ، أربع شركات أخرى تشغل بمجملها 1000 عامل وعاملة. وقد ُختم الإخبار بهذه الكارثة في الصحافة البرجوازية بالجملة المكرورة بلا جدوى:"وقد فتح تحقيق لتحديد ظروف الماساة".

ولم تمض إلا أيام قلائل حتى اندلعت النيران مساء يوم الأحد 10 اكتوبر 2006 في مستودع إحدى الشركات بمدينة المحمدية بشارع الحسن الثاني، وهي ثاتي مرة تلتهمه النار في ظرف أقل من ثلاثة اشهر.
وبعد أربعة أيام شب حريق آخر يوم 15 اكتوبر 2006 بمعمل خياطة بشارع الشفشاوني بعين السبع-الدار البيضاء، حيث مات عامل من عمال الاطفاء اثناء مقاومة الحريق، التي استمرت 4 ساعات بفعل هندسة المعمل غير الملائمة.

وفي مجال آخر من مجالات الفتك باليد العاملة تتواصل الجرائم، فحسب إفادة المركز المغربي لحقوق الانسان يوم 17 أكتوبر 2006 ، مات العاملان عباس عبيد ولحسن أزلماط المشتغلين بالمكتب الوطني للهدروكاربورات والمعادن، وذلك بعد سقوطهما من علو 70 مترا لما كانا على متن آلة النزول إلى قاع المنجم (منجم ذهب باقليم تزنيت تابع لشركة أونا). وتعود أسباب الحادث إلى حالة آلة النزول المتردية بحيث فتح بابها بشكل مفاجئ مما أدى إلى سقوط العاملين في قعر البئر.
كما انتشلت جثة عامل من تحت أكوام الرمل والمعدن بمنجم إغرم أوسار بجبل عوام يوم الأربعاء 4 أكتوبر 2006 . كان العامل الضحية مشغلا كمؤقت ( مؤقت يعمل في باطن الارض!) لدى مقاولة تيغانيمين العاملة من باطن لصالح شركة تويسيت في مناجم جبل عوام بإقليم خنيفرة.

وقد سبق أن شهد قطاع المناجم بالاقليم ذاته في غشت 2005 وفاة العامل بورصاص محمد (30 سنة متزوج أب لثلاث أطفال) بعد خمسة أشهر في حالة شلل ناتج عن إصابته بأحد المقالع التابعة لشركة "سوديمين" في "بودليت" على تراب تجموت. هوى عليه حجر و سبب إصابات بليغة في العمود الفقري والقدمين. قرر أطباؤه إبقاءه تحت الرعاية الطبية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، رب الشركة اعتبر أداء الفاتورة المطلوبة فوق طاقته، فلم يمكث الضحية سوى 18 يوما.

كما أصيب ثلاثة عمال كانوا يزاولون أشغال ترميم قاعة الاجتماعات لعمالة إقليم تارودانت، بجروح متفاوتة من جراء سقوط جزء من السقف عليهم، صباح يوم الجمعة 9 يونيو 2006، حيث نقلوا إلى إحدى المصحات الخاصة بأكادير، حيث تحسنت الحالة الصحية لاثنين بيما ظل الثالث في غيبوبة.....
ومات العامل الحسين بلباز (39 سنة من أولاد تايمة) في الثامنة والنصف يوم 26-فبراير-2006، في بنسركاو قرب أكادير، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة تحت عربة حمل الأسلاك الكهربائية الخاصة بشركة الإنجاز الالكتروني والالكتروميكانيك التي عهد لها بتجهيز تجزئة فرح 2 (الشطر الثاني) بالكهرباء تهشم رأس العامل عندما هوى عليه حديد العربة، إذ لم يكن يحمل الخودة الواقية.
وباكادير لقي عامل حتفه، وأصيب آخر بجروح بليغة على الرأس، نقل على إثرها إلى مستشفى الحسن الثاني، من جراء انهيار حائط كبير لمعمل قديم لتلفيف الحوامض «السوسية» بشارع المقاومة، يوم 26 يونيو 2006، على الساعة الثانية والنصف، أثناء قيامهما بأعمال هدم المعمل.
وفي يوم 9 غشت 2006 بالدار البيضاء أدى سقوط لوح عليه عامل وكمية من الآجور على عامل آخر بورش بناء قرب المركب الرياضي العربي بن مبارك بفعل انقطاع الحبل الحديدي الذي مس أسلاك الكهرباء فقطع التيار بالقطاع، إلى كسور وجروح العاملين بالظهر والأيدي والأرجل والكتف.
كما مات عامل بناء آخر صعقه التيار الكهربائي صباح يوم 31 غشت 2006 حوالي الساعة الخامسة صباحا بعمارة في طور البناء بزاوية زنقة دوي بشارع سجلماسي مقاطعة الصخور السوداء عمالة الحي المحمدي عين السبع بالدار البيضاء.
ومات عاملان زراعيان وجرح 20 آخرون في أكتوبر 2006 بناحية الكارة بسبب الشروط التي يتم فيها نقل العمال الزراعيين.

ليس هذا جردا لحوادث الشغل، إنها مجرد أمثلة من عديد الأمثلة التي تنقلها الصحافة، في الغالب بنفاق يبدي إشفاقا على بؤس العمال. غايتنا تقديم صورة عن الفظاعات الإجرامية المرتكبة يوميا بحق العمال والعاملات. ولا شك أن في ذهن كل قارئ-ة أمثلة أخرى لا تقل كارثية.
أما رصد حجم المصيبة التي تحل يوميا بشغيلة المغرب من جراء استهانة المستغلين بحياتهم، فيعطي صورة تقشعر لها الأبدان، لكن ليس ثمة جهة تقوم به. بل إن جهودا مضادة تسعى لطمس الحقائق هي التي تبذل سواء من طرف البرجوازيين الذين يسارعون فور وقوع الكوارث إلى شراء صمت الضحايا وذويهم، بترضيات زائفة يقبلها هؤلاء بفعل الجهل بالحقوق، او استعجال الحل هروبا من طول المسطرة القانونية، او خوفا من الطرد من العمل. بل قد يتصدى أرباب العمل لمن يرصد جرائمهم كما جرى في حالة حريق معمل الخياطة بشارع الشفشاوني بعين السبع لما تعرض مصور القناة التلفزية الثانية ومصور وكالة صحافية للاعتداء وإلحاق أضرار بمعداتهما من طرف مسؤولي المعمل. ومن جهته يتواطؤ جهاز الدولة بتغاضيه عما يجري في المقاولات من خرق للقانون، القاصر أصلا.
ليس ثمة أي تقدير جدي وممركز للخسارة التي يسببها استغلال أرباب العمل لصحة الأجراء. وتعكس هذه الحصيلة الاجمالية المفتقدة واقع مجتمع لا يريد مس السلطة المقدسة لأرباب العمل.
إن الجزء البارز من طامة مخاطر الشغل هو ما تعبر عنه أرقام حوادث الشغل المصرح بها. فحسب مديرية التأمين والاحتياط الاجتماعي شهد العام 2000 زهاء 60 ألف حادثة شغل مصرح بها، كان قرابة نصفها حوادث خطيرة. وثمة أيضا تقديرات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المعتمدة على أرقام شركات التأمين: 65 ألف حادثة شغل مصرح بها سنويا.

حوادث الشغل ملازمة لمنطق الربح

حوادث الشغل وأمراضه آفة من آفات المجتمع الرأسمالي، إنها بأعداد قتلاها و طوابير معطوبيها وذوي العاهات المستديمة، حتى من الأطفال، أحد الأوجه الأخرى لاغتناء الأقلية المالكة الفاحش. إن نظام الاستغلال هو الذي يسحق البشر، فالعمل بحد ذاته ليس مدمرا للصحة بل الظروف التي يتم فيها أي ظروف السعي الى ربح اقلية راسمالية.

دأب أرباب العمل على التهرب من مسؤوليتهم في جرائم تعريض صحة العمال للخطر وذلك بمبرر الخطا الانساني مثلما سارع الى قوله نبيل ميكو مسير شركة كروسينغ حيث ماتت العاملة الحامل. إنه لأمر عادي أن يكون كل شخص عامل معرضأ للخطأ، لكن سبب حادثة الشغل يجب البحث عنه في الظروف التي جعلت الخطا ممكنا. ولا سيما الأسباب التي جعلت عواقبه خطيرة. إن المسئول الأول والأخير عن حوادث العمل هم البرجوازيون الذين يسيرون المقاولات، وينظمون عملية الانتاج، ويقررون نوع الاستثمارات وحجمها، وكيفيات صيانة المعدات، وشروط نقل المنتجات، والتغييرات التي تطال هذه المعدات، وكفاءة الاشخاص المعينين للاشراف عليها.
إن المنطق الرأسمالي القائم على تضخيم الأرباح بخفض التكاليف، وتسريع وتائر العمل وخفض أعداد العاملين، وإعتبار نفقات الوقاية من مخاطر الشغل عبئا، لا بل حتى انقاصا لتنافسية "المقاولة الوطنية"، هو السبب الجوهري لحوادث الشغل. ولا شك أن اتساع ظاهرة اللجوء إلى مقاولات من باطن يبزر هذا الأمر بجلاء.
فلاقتصاد النفقات يعهد أرباب العمل بالعديد من الأشغال إلى مقاولات من باطن، إنها طريقة مفيدة جدا لرب العمل من حيث المردود الآني، لكنها مكلفة جدا للعامل من زاوية انعدام شروط الشغل الآمن. فتنظيم العمل بطريقة المقاولة من باطن يلغى المعرفة المستديمة بشروط العمل التي تشكل أحد الشروط الأساسية لضمان السلامة، وهي تزيد من تجزيء العمل ونقص التواصل بين عمال المقاولة الُمناولة وعمال المقاولة من باطن مما يضعف الإلمام والتحكم الجماعيين بجهاز الإنتاج. إنها طريقة عمل تشجع على تجاهل المشاكل وإنكار الأخطار.

معروف أن المقاولات من باطن تفرض على أجرائها شروط عمل ومكافاة أسوأ، وهي بذلك ليست سوى إحدى أوجه هشاشة التشغيل. وهذه الهشاشة هي سلاح أرباب العمل لفرض ظروف عمل محفوفة بالأخطار على العاملات والعمال. يوضع هؤلاء أمام خيار جهنمي: إما قبول المخاطرة بصحتهم وحياتهم أو فقدان فرصة العمل، أي السقوط في أهوال البطالة.
ويتفاقم الوضع بفعل طبيعة القانون المغربي الخاص بحوادث الشغل وأمراضه، فهو يهدف أساسا إلى التعويض، أي التدخل بعد وقوع الكارثة، ولا يتناول أسباب الخطر المهني. ولا يتخذ إجراءات قمعية حقيقية ضد أرباب العمل المجرمين، وحتى القائم الطفيف منها لا يطبق.

تعدي جديد على حقوق ضحايا حوادث العمل

هذا الواقع المرير مقبل على تردي إضافي ما دام الرد العمالي على حاله، حال الضعف بفعل التشتت، وسياسة القيادات النقابية التي اختارت مساندة أرباب العمل والحكومة بالامتناع عن تنظيم دفاع العمال عن أنفسهم، امتناع يبرر بخدع "الشراكة الاجتماعية" و"الحوار كأسلوب حضاري". فليس ثمة قادر على وقف التدهور الاجتماعي والسير إلى تحسين أوضاع العمال ومعيشتهم غير وحدتهم وكفاحهم الواعيين.
إن التردي زاحف، فبعد 3 سنوات من صدور قانون إجبارية التأمين عن حوادث الشغل ( أما إجبارية التأمين عن أمراض الشغل فقد تمكن البرجوازيون من فرض التراجع عنها في غشت 2003 بعد أن نص عليها قانون صدر في يوليوز 2002 )، راحت شركات التأمين تشتكي من انخفاض عدد المقاولات التي تؤمن ضد الحوادث. هذا طبعا حرصا على أرباحها لا على صحة الأجراء وسلامتهم. لا شك أن 3 سنوات من الانتظار أقنعت شركات التأمين أن الدولة غير عازمة على فرض ما تسن من قوانين إذا رفضها أرباب العمل، فالتأمين عن حوادث الشغل لن يعمم على أية حال، فهو نفقة إضافية لا تتحملها " تنافسية الاقتصاد الوطني". خاب الأمل في رفع الأرباح بتوسيع دائرة المقاولات المؤمنة، فلم يبق غير انتقاص استفادة عمال المقاولات التي تؤمن. هذا بالضبط ما يسعى إليه رأسماليو شركات التأمين بمساعدة من الدولة.
يجري حاليا تحضير ضربة إضافية تسمى كما جرت العادة بالإصلاح. إذ تشتغل لجنة ثلاثية الأطراف (وزارتي التشغيل والمالية- شركات التأمين) لوضع تعديل لقانون حوادث الشغل، وعينت يوم 31 دجنبر 2006 أجلا نهائيا لإعداد مشروع قانون. وثمة إصلاح آخر إجمالي مرتقب في امد 5 سنوات.
اعتاد أرباب العمل ودولتهم لضمان بلوغ مقاصدهم تغليف ما يحضرون من إجراءات معادية للطبقة العاملة بمسوغات خادعة، يعتمدون واقعا بئيسا لتمرير الأسوأ منه. ففي الحملة الجارية لتغيير قانون التعويض عن حوادث الشغل، عمد برجوازيو التأمين إلى تركيز النقد على بطء المسطرة القضائية لقانون التعويض عن حوادث الشغل(ظهير 1963)، حيث "تتراكم آلاف الملفات يوميا بها عجز تافه وتبقى غالبا معلقة بانتظار قرارات قضائية بدون أجل. ويطول البت في الملف 2 الى 3 سنوات بفعل اكتظاظ المحاكم بالملفات التي تقل نسبة العجز بها عن 5%" على حد قولها.
يقتضي مشكل بطء المسطرة تسهيلها، وتشغيل طاقم قضائي كاف وكفؤ من خريجي كليات الحقوق المعطلين للبت في الملفات. لكن ما تقترح شركات التأمين غير ذلك، إنها تريد البت خارج نطاق العدالة، تريد التسوية بالاتفاق أي جعل المسطرة تصالحية بدل قضائية، نوع من التسوية الحبية. إنها تسعى إلى تجريد ضحايا حوادث الشغل من حماية القضاء ليكونوا فريسة سهلة بين أنيابها.
ومن جهة ثانية تركز شركات التأمين هجومها على الخبرة الطبية التي تحدد للعامل-ة المصاب-ة نسبة العجز الجزئي الدائم IPP المعتمدة في حساب التعويض. تعتبر هذه الشركات نسب العجز الجزئي الدائم التي يحددها الطبيب مغالية، متهمة العمال والأطباء على السواء بالغش، وغايتها طبعا الضغط على نسب العجز لخفض ما يجب عليها دفعه، أي في آخر المطاف زيادة أرباحها.
تتهم العمال برفع نسبة العجز للحصول على الرأسمال الذي يستفيد منه من يقل عجزه عن 10%.
تستهدف شركات التأمين الضحايا الذين يقل عجزهم عن 10 % لان إحصاءاتها دلتها على أن 80% من التعويضات يأخذها ضحايا من هذه الفئة، ويعود ذلك بنظرها إلى تحديد نسبة العجز من طرف طبيب واحد معالج.
لذا تراها تطالب بأن تحدد نسبة العجز الجزئي الدائم من طر ف 3 أطباء: الطبيب المعالج وطبيب شركة التأمين وطبيب من قائمة تضعها وزارة الصحة أو المجلس الجهوي لهيئة الأطباء. وأكثر من ذلك تطالب شركات التأمين بالحد من سلطة الطبيب أي فرض إجبارية خبرة طبية مضادة وحصر تحديد نسبة العجز في الأطباء المختصين بإصلاح الأضرار الجسدية.
ومن جهة ثالثة تريد الشركات حرمان المصابين ذوي نسبة عجز أقل من % 5 من كل تعويض، مستندة على مثال تونس، وتحديد رأسمال من يتراوح عجزه بين 5 و 15 % في 3 أضعاف الإيراد السنوي.
وأخيرا تستهدف شركات التأمين النيل من مكسب جزئي آخر من مكاسب ضحايا حوادث الشغل، فقرار المحكمة في حوادث الشغل يطبق بلا اعتراض أو استئناف تحت طائلة غرامة تهديدية لأجل حماية حقوق الضحايا. وراسماليو التأمينات يعتبرون أن المبالغ التي تحكم بها المحكمة في إطار هذا الإجراء كبيرة، ولذا يطالبون بحصر تطبيق الغرامة التهديدية ووضع سقف لها.
باختصار لا حد لشجع الرأسماليين الطامعين حتى في تعويضات المعطوبين وذوي العاهات المستديمة، تعويضات هزيلة ولا ينالها مع ذلك سوى قسم ضئيل من ضحايا سياسة أرباب العمل الإجرامية.
كما الشأن في غير حوادث الشغل من مجالات استغلال اليد العاملة، يستأسد أرباب العمل على العمال لأن الحركة النقابية المغربية تجتازا حقبة من أسود حقب تاريخها، لما انضافت قيادات "تقدمية" إلى قيادات "تاريخية" في دعم الاجراءات الحكومية المعادية للعمال بشل منظمات هؤلاء وإبقاء الرفض في حدود الكلام في أحسن الأحوال.

واجبات الحركة النقابية

يشكل الموقف من مصيبة حوادث الشغل وأمراضه أحد أوجه قصور حركتنا النقابية، فلا رصد لظروف العمل السيئة، ولا تشهير بالجرائم المقترفة بحق العمال، ولا تمحيص للقوانين المؤطرة للظاهرة تمحيصا طبقيا، ولا تحسيس بالمخاطر، لا حملات ولا تعبئات، ولا مطالب واضحة قادرة على توحيد مختلف فئات الأجراء، لا شيء غير كلام فارغ ينم عن الجهل يطلقه بين الفينة والأخرى مستشار باسم النقابات في مؤسسات الديمقراطية الزائفة.

سبيل تأمين ظروف عمل آمنة

لا يعير أرباب العمل ودولتهم أدنى التفات لأشكال التباكي على أعمدة الجرائد أو في المذكرات المرفوعة إلى الدوائر الحكومية، فهم منصرفون للتفكير والعمل في مزيد من وسائل خفض كلفة اليد العاملة وتدمير قدرة الكادحين على الدفاع عن النفس. لذا فان تطوير هذه القدرة بالذات هو ضمانة شرروط عمل آمنة، وغيرها من الاصلاحات التي لا غنى عنها سواء لتحسين شروط عمل وحياة الشغيلة، أو رفع قدرتهم على نضال أرقى لهدم نظام الاستغلال والاضطهاد.
يتمثل أول ما يتعين علينا كمناضلين عماليين، بمختلف الانتماءات النقابية، أن نناضل من أجله في تعزيز حقوق الأجراء بتفعيل القدر اليسير من الحقوق المدونة في قانون الشغل.

أولا: من أجل دور فعال لجهاز تفتيش الشغل

ينص قانون الشغل على دور أساسي لمفتش الشغل في حماية صحة العمال. إذ أنيطت به مهمة ممارسة كل أنواع المراقبة والبحث والتحري للتأكد من تطبيق القانون، والاستعانة في ذلك بخبراء في المجالات العلمية، والتقنية كالطب والهندسة والكيمياء، وأخذ عينات من المواد التي يستخدمها العمال أو يعالجونها بالأيدي قصد إجراء تحليلات عليها (المادة 533 من قانون الشغل). ويأتي على رأس المقتضيات الحامية لصحة العمال المواد 281 غلى 295، لكن قلما يتدخل مفتش الشغل بصددها، بل إن الحكومة ذاتها غير مكترثة بها إذ لم تصدر بعد التدابير التطبيقة الخاصة بها(المادة 292 ق.ش). كما لم تصدر بعد النص التنظيمي المحددة لشروط استعمال العمال لمواد أو أجهزة أو آلات قد تضر بصحتهم وسلامتهم.(المادة 287 ق-ش)،
والنصوص التنظيمية التي تحدد شروط السلامة وحفظ الصحة في المناجم والمقالع والمنشآت الكيماوية، والنص التنظيمي للقواعد الصحية السارية على الأجراء المشتغلين بمنازلهم.
إن وظيفة مفتشية الشغل في مجال المخاطر المهنية تستدعي النضال لفرض دور حقيقي لهذه المؤسسة، بمدها بطاقم بشري ووسائل مادية كافية وشروط عمل لائقة، وإخضاعها لرقابة النقابات التي يجب أن تتعود على النضال لإقالة من لا يؤدي دوره من مفتشي الشغل.
كما تكوين مفتشي الشغل بمبادئ الوقاية الصحية وطب الشغل عن طريق تداريب تطبيقية في مقاولات ومساعدتهم بأطباء وكيميائيين.

ثانيا: من أجل لجان سلامة حقيقية

نص قانون الشغل على إحداث لجنة للسلامة وحفظ الصحة في المقاولة، صناعية أو زراعية أو خدماتية، إن كان بها أكثر من 50 عاملا. وهذا ما تصدى له أرباب العمل مطالبين بتغييره. بينما تقتضي سلامة العمال أن تحدث لجان السلامة حتى في المقاولة التي يقل عدد عمالها عن 50 إن كانت تعالج مواد شديدة الخطورة كتلك السامة، أو بالأقل أن تسند مهمة لجنة السلامة فيها لمناديب العمال، أو تجمع مقاولات عديدة من فئة أقل من 50 عامل وتحدث لها لجنة سلامة مشتركة.
هذا وقد أفرغ قانون الشغل لجنة السلامة من أي مضمون بفعل وضعها تحت تحكم رب العمل، فهو رئيسها، وهو دون غيره من يستدعيها للاجتماع، ومن يعين المهندس أو التقني بها عند انعدام رئيس مصلحة السلامة. كما قصر القانون دورها على الإيعاز وتقديم الاقتراحات وإبداء الرأي، أي أن القرار الأخير بشأن خطورة ظروف العمل بيد رب العمل. كما يبرز الطابع الشكلي للجنة المقاولة في القانون المغربي في عدم مدها بوسائل ممارسة وظيفتها، فلا مقر، ولا وقت تفرغ ولا تكوين معرفي لأعضاء اللجنة، ولا إلزام لرب العمل بمدها بالمعلومات. وبما أنها تهم صحة العمال يجب أن تكون بتمثيلية عمالية أساسا، وانتخاب أعضائها مباشرة مع قابلية عزلهم.
إن ما يسميه قانون الشغل لجنة سلامة جهاز عديم الفعالية، ومع ذلك يرفضه أرباب، وقد عبر ناطق منهم عن الأمر صراحة قائلا: "ما يحول دون إحداث لجنة السلامة هو الانتخابات لتعيين مناديب العمال أو الممثلين النقابيين. يكون "ممثلو الأجراء" هؤلاء في بعض المقاولات مرتبطون ب"محرضين". إنهم مبعث خوف وغير مرغوبا فيهم". (لكونوميست 25 سبتمبر 2006 ).
هذا ما جعل لجان السلامة الشكلية ذاتها منعدمة في القطاع الزراعي، ولا توجد سوى بنسبة 7% في قطاع البناء والأشغال العمومية، وبنسبة 10% في قطاع النسيج[ جريدة لكونوميست نفس العدد]. ويلقى أرباب العمل عمليا التشجيع من القانون ذاته حين يحكم على مخالف مواده الخاصة بلجنة السلامة بالغرامة فقط [ 2000 إلى 5000 درهم]، غرامة سيؤديها رب العمل بجزء ضئيل من الأرباح الفائضة التي يحققها بالدوس على شروط السلامة.

ثالثا: طب الشغل

جرت العادة السيئة على قصر دور طبيب الشغل في الحالات التي يوجد بها بالمقاولة على فحص الأجراء، والإلغاء العملي لأدواره الأخرى المتمثلة في النظر في ملاءمة منصب العمل لطاقة الاجير الصحية ورصد مخاطر الشغل، وتحديد الاجراءات الوقائية.
لذا يتعين على منظماتنا النقابية النضال من أجل طب شغل حقيقي، أولا بالتصدي لسعي نقابة أرباب العمل إلى تغيير الفقرة الثانية من المادة 306 من قانون الشغل التي تجبر رب عمل المقاولة المشغلة لأكثر من 50 أجير باعتماد طبيب شغل طيلة ساعات العمل.
ويهزأ أرباب العمل بهذا المتطلب الأساسي لصحة العمال بمبرر قلة أطباء الشغل ( ما بين 700 إلى 800)، والحق أنهم إنما يضعون أرباحهم فوق صحة البشر العامل. يجب مطالبة الدولة بتشغيل ما يكفي من أطباء الشغل، واستقلالهم الكلي عن أرباب العمل وإخضاعهم لرقابة نقابات العمال ولجان السلامة.

رابعا: مؤسسة عمومية تعني بمخاطر الشغل، وسن سياسة فعلية للوقاية منها.

لقد سخر الحكم البرجوازي طيلة ما يقارب نصف قرن من عمال المغرب وعاملاته بما سمي المجلس الاستشاري لطب الشغل المحدث سنة 1958، إذ ظل اسما بلا مسمى إلى أن غير قانون الشغل الجديد اسمه إلى مجلس طب الشغل والوقاية من المخاطر المهنية (المادة 332 ق.ش)
وصدر مرسوم تحديد أعضائه وكيفية تسييره (29 ديسمبر 2004)، وها قد مضت سنتان ولا خبر عن اجتماعه.
وقد حدد المرسوم تشكيله على النحو الثلاثي الخادع: العمال أرباب العمل والدولة(10 ممثلين للعمال و20 لأرباب العمل عمليا)، بما يضع ممثلي العمال في وضع أقلية. ونص على اتخاذ القرار بالأغلبية، بعد منحها لارباب العمل خواصا ودولة، وحتى إن حدثت معجزة تعادل الأصوات يرجح جانب صوت وزير التشغيل. هكذا سيقرر أرباب العمل، وهم أقلية ضئيلة بالمجتمع، ومسؤولون عن الأضرار بصحة العمال، في أمور حفظ صحة الأغلبية العاملة. إنها صورة مصغرة لديمقراطية المال والأعمال المميزة لمجتمع قائم على الاستغلال والاضطهاد.
إن المطلوب قيام مؤسسة عمومية للصحة والسلامة في العمل، تتولى الإحاطة بالمخاطر المهنية ووضع خطة وطنية للوقاية منها، وممارسة رقابة فعلية على ظروف العمل. ويقتضي اضطلاعها بدورها على نحو فعلي استقلالها عن أرباب العمل، وتسييرها من طرف هيئة منتخبة مباشرة من طرف العمال والعاملات، وتزويدها بالامكانات المالية والبشرية الكافية.

النضال أولا وأخيرا

لعقود خلت وأرباب العمل ينكلون بالعمال والعاملات، وسيواصلون ذلك عقودا أخرى، وحتى قرونا، ما لم تتصد لهم القوة العمالية. وبناء هذه القوة هي مهمة مناضلي ومناضلات طبقتنا بكل مواقع الانتاج والعمل، بناء على أسس الكفاحية و الديمقراطية يقتضي إيلاء مشكل ظروف العمل أهميته المستحقة، بالإنصات لمشاغل العمال والعاملات، وتحسيسهم الدائم والمنظم بالمخاطر، وتفعيل المكاسب الطفيفة بقانون الشغل، والتضامن مع الضحايا وذويهم، والتشهير بجرائم أرباب العمل، وتدقيق المطالب، الخ.
لكن نضالنا ليس من أجل الترميم وتضميد الجراح في ظل نظام الاستغلال بل من أجل إنهاء الضيم المسلط على الطبقة العاملة وعموم الكادحين، لذا فهو نضال ضمن منظور شامل، منظور النضال الطبقي لاستبدال النظام القائم بنظام اشتراكي.
"إن الكوارث التي تسببها ظروف العمل لا تعود إلى العمل في حد ذاته، ولا إلى البشر بل إلى العلاقات الاجتماعية. فاحتكار ملكية وسائل الانتاج وما يترتب عنها من حرب دائمة وحامية الوطيس بين الرساميل المتنافسة تدفع كل رأسمالي إلى السعي للإنتاج بأقل التكاليف ليكون البيع مربحا. وفي تقليص التكاليف هذا يضحي الرأسمال بصحة وسلامة العمال الجسدية والنفسية.
لذا فان جميع من يتوجهون إلى الرأسمال بالنصح والاستعطاف ليراعي صحة العمال ليسوا نقابيين بعد، بل مجرد مشعوذين. فما دام اقتصاد الربح الرأسمالي قائما فسيؤدي العمال من صحتهم وحياتهم.
وإن كل الاحتياطات التي يفرضها العمال بالنضال لحماية صحتهم أثناء الشغل وخارجه أيضا إجراءات للحد من الخطر جزئيا. لكن في النضال من أجل هذا التحسين الجزئي يتعلم العمال ويبنون قوتهم لإزاحة الخطر نهائيا بالقضاء على الرأسمالية وإحلال مجتمع المنتجين المتشاركين المسير ذاتيا وبديمقراطية، حيث يكون محرك الاقتصاد ومجمل الحياة الاجتماعية هو رفاهية البشر ومنها سلامتهم الجسمية والنفسية"
البوصلة العدد 4- فاتح مايو 1995.

محمود جديد

* للنظر في جوانب اخرى لمشكل الحوادث والأمراض المهنية راجع المناضل-ة العدد 5 -

المناضل-ة عدد 20

محمود جديد

  ايفني: قوات القمع تهاجم معتصم الصمود بساحة 7 غشت على الساعة 5 صباحا ودفاع الجماهير يعيدها إلى ثكناتها
  قمع الطلاب بمراكش ومستقبل النضال بالجامعة المغربية
  بؤس "الحوار الاجتماعي" يؤكد ضرورة الإضراب العام
  من صفرو الى بومال دادس... لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإفساد وعي الكادحين!
  من صفرو الى بومال دادس...لا لتجريم النضال الاجتماعي ! ولا لإفساد وعي الكادحين!

الطبقة العاملة

  بـــيــان النقاية الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية (كدش) بتارودانت
  عمال وعاملات شركة أمبريو فيردي Emporio Verde الفلاحية ينتصرون في انتزاع حق العمل النقابي
  النقابات العمالية والعولمة: أينما حل الرأسمال يحل صراع الرأسمال والعمل أيضا
 


الصفحة الرئيسية | للإتّصـــال


عنوان إليكتروني إدارة جريدة المناضل-ة:
mounadil_new(a)yahoo.fr
عنوان إلكتروني موقع المناضل-ة:
webmaster(a)almounadil-a.info
 
B.P 1378, Agadir , MAROC
الهاتف: Tel (00212)70.08.65.41       الفاكس: Fax (00212)48.21.00.14

صمم هذا الموقع بمساعدة
SPIP، يستعمل برمجة PHP و MYSQL
جميع حقوق النشر ممنوحة مع الإشارة لمصدرها