يحتفل المغرب طيلة العام 2006 بالذكرى الخمسين لاستقلاله، إنها مناسبة جرد الحصيلة والنظر الى ما أنجز، الى اوجه التقدم والمصاعب. كان هذا العمل، المنجز من زاوية نظر التنمية البشرية، موضوع ورش واسع اشتغل به، تحت رعاية القصر، خبراء وباحثون وجامعيون ومختصون عديدون.
سأنطلق من هذه الحصيلة [1] لمحاولة الاحاطة بالشروط التي يدخل فيها المزارعون المغاربة منعطف لبرلة المبادلات الزراعية، وهي اللبرلة الكامنة في انضمام المغرب الى المنظمة العالمية للتجارة ( أعيد هنا الى الاذهان ان هذه المنظمة خلقت في مراكش في العام 1995)، والمعززة بتوقيع اتفاقات تبادل حر مع الاتحاد الاوربي، والولايات المتحدة الامريكية، وبلدان اخرى بالمنطقة المتوسطية ( تونس، الاردن، مصر، تركيا). ساقوم، دون ادعاء تناول التفاصيل – غير المعروفة جيدا بعدُ- بتحليل المقتضيات الاساسية لتلك الاتفاقات، لكن بوجه خاص المنطق المحرك لها ونوع المشروع الاقتصادي – ومن ثمة الاجتماعي- الذي تطبق. سيقودنا ذلك الى تقييم اثرها وابراز كيف يتناقض ذلك المنطق بنظرنا مع الهدف المعلن، أي هدف التنمية البشرية ومحاربة الفقر، هذه الحجة الاثيرة الماخوذة من جوارير البنك العالمي، والتي سميت صيغتها المغربية بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية .
1- خمسون سنة من الاستقلال. أي حصيلة ؟
لم تعمد المقدمة العامة للتقرير حول التنمية البشرية، رغم طابعه الرسمي جدا، الى أي التواء. فبعد ثلاث فقرات من ارضاء الذات المعهود، تقر المقدمة بجلاء لا ُيضاهى:
" ُيبرز المسار المقارن للمغرب في نهاية سنوات 1950 تقدما متباطئا لمؤشرنا الخاص بالتنمية البشرية قياسا على بلدان مماثلة او ذات مستوى تنمية معادل. كان مؤشر بلدنا للتنمية البشرية 0.472 في 1975، ثم 0.506 في 1985 و 0.567 في 1995 قبل ان يبيلغ 0.631 في 2005. النتيجة ان المغرب فقد مكانته في الترتيب العالمي لمؤشر التنمية البشرية. هذا لأن من لا يتقدم، في مجال التنمية البشرية كغيره، يتقهقر" [2]
انتقل المغرب فعلا، في ترتيب مؤشر التنمية البشرية المقترح من برنامج الامم المتحدة للانماء، من 109 درجة في العام 1991(ضمن 160 بلدا) الى الدرجة 119 في العام 1999(ضمن 177 بلدا)، ثم الى 123 في العام 2001 و124 في العام 2005. يمثل المغرب البلد الاخير بالصف في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط بكاملها فيما يخص معدلات الامية والافادة من التعليم والعلاج وماء الشرب. ويعيش اكثر من 4 مليون شخص تحت عتبة الفقر، و يظل 20 % من السكان في حالة بطالة.
1-1 آفة الفقر
يتضرر من هذا الواقع بوجه خاص قطاعان من سكان المغرب: القرويون والنساء. هكذا يعيش 72% من الفقراء عام 1999 بالعالم القروي. ولا يتجاوز عدد القرويين المستفيدين من ماء الشرب 37% ، والمستفيدين من الكهرباء 13%[3]. و لا يتأتى الوصول الى 54% من البلدات بالطرق ولا بالطرق غير المعبدة. واذا اعتبرنا المؤشرات النوعية الجنسية (حسب قاومس برنامج الامم المتحدة للانماء)، نلاحظ ان 10% بالكاد من النساء القرويات غير اميات، و ما زال سوادهن الاعظم (79%) يلد دون رعاية طبية، ويستهلك زهاء ثلثي وقته للتزود بالماء وجمع الحطب.[4]. هذا ما يدل على ان اغلبية فلاحي المغرب تعيش في شروط بالغة الهشاشة و بلا خدمات اساسية يتعين على الدولة ان تقدمها.
1-2 عالم قروي متحكم به
لكن لا مجال لاعتقاد ان الدولة لا تتدخل بالقرى. فعلاوة على وسائل وُبنى تدخل الدولة في مجال الزراعة والمياه والغابات، نسجت الملكية المغربية غداة الاستقلال، مقتفية اثار الادارة الاستعمارية ايام الحماية، شبكة تحكم بالسكان القرويين بواسطة الشيوخ والقياد والمقدمين امنت لها، طوعا او كرها[5]، السلم الاجتماعي وفلاحين خاضعين بلا رحمة [6].
حلل ريمو لوفو على نحو بالغ التفصيل الكيفية التي استندت بها الملكية المغربية، في عهد محمد الخامس، ثم عهد الحسن الثاني، على النخب المحلية (الاعيان وكبار ملاكي الارض) لتضمن الغلبة في المواجهة مع الحركة الوطنية غداة الاستقلال، ثم لتتحكم بالعالم القروي، وتتفادى اللجوء الى تغييرات عميقة للبنيات، ولتفرغ من كل محتوى مشاريع التنمية المقترحة من خبراء المنظمة العالمية للزراعة او من أولى فرق مختصي الحياة القروية المغاربة [7].
وانضافت الى سياسة تحكم الادارة المخزنية بالعالم القروي، التي ستتدخل بموازاة المنتخبين المحليين ابتداء من الانتخابات الجماعية الاولى في متم سنوات 1950، سياسة زراعية متمحورة اساسا على بناء سدود كبيرة، افادت بوجه خاص كبار الملاكين والاعيان الذين اقتطعوا لانفسهم، بفعل تحويل بعض الاراضي الجماعية الى"ملك"[8]، ملكيات باحجام مقبولة. وستكون الفئات ذاتها المستفيد من بعض الاراضي الموزعة أثناء مغربة مزارع بقيت بيد المعمرين في 1973[9]. وستستعمل تلك الفئات القروض والاشغال التي انجزتها الدولة لرفع انتاج مزارعها وتحديث طرائقها الزراعية، بينما ظلت ألوف صغار الفلاحين بدون ارض او مالكين صغار بعيدا عن كل تحديث واضطروا لكراء سواعدهم او الهجرة الى المدن او الخارج.
1-3 تفاوتات عميقة
سيؤدي غياب اصلاح زراعي جريء قادر على جر مجموع فئات الفلاحين نحو الاعلى، وتابيد بنى التحكم السياسي الضيق الذي لا يتيح المبادرة بالقاعدة، وتركيز الاستثمارات العمومية على تجهيزات السقي الكبير ( التي تمثل 70% من الاستثمار العمومي بالزراعة، بينما لا تشكل الاراضي المسقية سوى 12.5 % من الاراضي القابلة للزراعة)، وبالتالي على فئات المزارعين الاغنى، الى تشكيل زراعة يصفها نجيب اقصبي بزراعة بثلاث سرعات:
المستغلات الكبرى، التي تفوق مساحتها 50 هكتار في اراضي البور[10]، و 20 هكتار مسقية، تشكل 2% من مجموع المستغلات لكنها تغطي 22% من المساحة الزراعية الصالحة و 31% من الاراضي المسقية. وضمن هذه الفئة توجد اغلب المستغلات ذات الزراعات الكثيفة والصناعية والمندمجة جزئيا في السوق العالمية.
المستغلات الصغيرة والمتوسطة التي تبلغ 3 الى 50 هكتار في أراضي البور، وما بين 1 و20 هكتار في الاراضي المسقية، وتشكل 55% من العدد الاجمالي للمستغلات، وتغطي 70% من الاراضي القابلة للزراعة, وتوجد الى هذا الحد او ذاك في عتبة القابلية الاقتصادية للحياة.
المستغلات بالغة الصغر في اقل من 3 هكتار في اراضي البور، وهكتار واحد في المساحات المسقية، وتمثل 41% من المستغلات لكنها تحوز بالكاد 5% من المساحة الزراعية الصالحة [11]. وغالبا ما ُتمارس بها زراعات ضعيفة المدرودية، وبتقنيات عتيقة ودون افادة من المكننة والقروض.
1-4 هجرة قروية كثيفة
جلي انه من هذه الفئة الاخيرة تتالف اغلبية الاسر القروية التي تعيش تحت خط الفقر، وكذا المرشحة للهجرة الى المدن او خارج البلد. بعد ان كانت الهجرة تُقدر في فترة الاستقلال بزهاء 45 الف كل سنة، ارتفعت تدفقاتها الى 67 الف كل سنة (1969-1971)، ثم الى 113 الف (1971-1982) و الى 193 الف (1982-1994) [12].
يعبر حجم هذه الظاهرة عن عجز القطاع الزراعي عن ترسيخ السكان القرويين في مناطقهم الاصلية، هذا بينما ليس ثمة أي سياسة تصنيع او تشغيل تتيح اندماجهم في السكان الحضريين. كما يفسر ذلك الاهمية التي اكتستها مسالة الهجرة خلال السنوات الاخيرة.
كما تتفاقم هشاشة غالبية الفلاحين المغاربة بفعل الانظمة العقارية بالغة التموج( لا يطال التسجيل العقاري سوى 8% من المساحة الزراعية الصالحة)[13]، و بفعل تاثر الزراعة المغربية البالغ (لاسيما الزراعة المطرية) بالمخاطر المناخية. وقد أبان تحليل تطور الحرارة في العقود الاخيرة تزايدا صافيا للسخونة بلغ2 درجات سيلسوس بين أعوام 1970 و90، وتواترا اكبر لسنوات الجفاف. ويبعث هذا التطور على الخوف بقدر ما يبدي المغرب تاثرا قويا بالتغيرات المناخية، بفعل التصحر الهام، ومعدلات الاجتراف العالية على نحو خاص، و التوحل السريع للسدود الكبرى و الطابع البنيوي للضيق المائي الذي بات المغرب يعانيه[14].
1-5 انخفاض إرضاء الحاجات
على صعيد الانتاج، يلاحظ ان المغرب قلما وسع، في 50 سنة، مساحته الزراعية الصالحة بينما المردوديات راكدة او ضئيلة النمو حسب القطاعات. لذا يجهد المغرب لتأمين تموين سكان تضاعف عددهم 3 مرات. هكذا يراوح انتاج الحبوب والقطانيات والحليب واللحوم الحمراء في الفترة من 1951 الى 1989 ، بينما تراجع انتاج النباتات الزيتية. وحدهما زراعتي السكر والحوامض تتقدمان. هذا ما جعل نجيب اقصبي وادريس الكراوي يقولان منذ مطلع سنوات 1990:" تطور الانتاج، ما خلا بعض الاستثناءات، بانفصال متزايد عن حاجات الاستهلاك الداخلي: انتاج جيد للمنتجات الموجهة للتصدير، وضعف انتاج أغلب المواد الاساسية الموجهة لتلبية الحاجات الداخلية. ان البلد يقوم اكثر فاكثر بالانتاج للتصدير ويستهلك بالاستيراد؟"[15].
على هذا النحو اصبح المغرب مستوردا للحبوب، بعد ان كان مصدرا لها، واصبح الميزان التجاري الزراعي مطبوعا بالعجز بعد ان كان به فائض.
2- الحلول الليبرالية
على هذا النحو اذا سيكون قطاع زراعي هش، متناقص القدرة على تلبية طلب السكان الغذائي، وعالم قروي بثلاث سرعات، مجالا لتطبيق برامج التقويم الهيكلي الزراعي منذ 1985 ، تلك البرامج التي مهدت طريق اتفاقات التبادل الحر التي سيوقعها المغرب في 1999(مع الاتحاد الاوربي)، ثم في 2004 مع تونس و الاردن ومصر ( في اطار اتفاق أكادير)، وفي 2005 مع الولايات المتحدة الامركية.
2-1 برامج التقويم الهيكلي (1985)
هكذا بدأت برامج التقويم الهيكلي الزراعي لبرلة القطاع الزراعي. وكانت الاجراءات الرئيسة كالتالي:
خقض نفقات التسيير والاستثمار المخصصة للزراعة، وما لازمه من نقل بعض الخدمات من القطاع العام الى القطاع الخاص ( الرقابة البيطرية، تسويق، تاطير) وخفض بعض الاعانات (البذور، الاسمدة).
خفض الاعانات الداعمة لاستهلاك بعض المواد الاساسية ( الخبز، الزيت، السكر، الحليب) وتحرير بعض الاسعار.
تحرير واردات بعض المنتجات الزراعية والعناصر الداخلة في الانتاج ( ما عدا القمح والدقيق الوطني والزيوت والسكر).
الغاء بعض احتكارات الدولة( في الاستيراد والتصدير)، وبيع قسم من الاراضي العمومية للقطاع الخاص.
لكن الاصلاحات لم تبلغ المدى المرتقب، لأن ذكرى عصيانات الخبز في 1981 و1984 تظل حاضرة في الاذهان، كما تجلت الاستحالة العملية لارتفاع عنيف لاسعار المواد الاساسية. لذا وضعت الادارة بعض الكوابح لتحمس البنك العالمي لدمج الزراعة في الاقتصاد العالمي. وان حساسية الملف الزراعي ذاتها( لكلا "الشريكين") هي التي أخرت الشروع في المفاوضات مع الاتحاد الاوربي حول الجانب الزراعي في اطار اتفاق الشراكة الاوربية المتوسطية. لكن مبدأ تحرير الزراعة ذاته لم يكن موضوع اعادة نظر بل بالاحرى وتائر تطبيقه. وقد كانت اولوية زراعة من النموذج الانتاجوي، الموجهة نحو التصدير، مطبقة على نطاق واسع في المناطق المسقية. لقد مضت الآن اكثر من عشر سنوات على تخلي المغرب عن كل فكرة حول السيادة الغذائية. ويرى البعض ان مفهوم السيادة الغذائية ذاته يذهب بعيدا من اللازم. يُـمكن ان نقرأ في المخطط الوطني لاعداد التراب التاكيد التالي:
" لم يعد ممكنا ان تشكل السيادة الغذائية المرجع او نقطة التثبيت لسياسة زراعية" [16].
البقية في العدد المقبل
نشر هذا المقال بالفرنسية بالعدد 135 من مجلة Informations et commentaires.
بقلم لوسيل دوما: عضو سكرتارية جمعية اطاك المغرب